الأدلة على أسبقية التوحيد على الشرك:
من الأدلة على أقدمية التوحيد على الشرك ما يلي:
١- أنه لأهمية التوحيد قد أخذ الله العهد والميثاق من جميع البشر على التزام أحكامه، وذلك قبل أن يخلقهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ١.
ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك من ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي" ٢.
стр. 37
٢- فطرية التدين وأصالته في حياة البشرية، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء٢ هل تحسون فيها من جدع اء٣"٤.
٣- كون الناس كانوا أمة واحدة على الهدى وعلى شريعة من الحق، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ ٥.
стр. 38
فعن ابن عباس ﵄: "كان الناس أمة واحدة كانوا على الإسلام كلهم".
قال ابن القيم ﵀:" وهذا هو القول الصحيح في الآية"١.
٤- اختلاف الناس عن الحق مع توالي العصور، فقد روى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين قال: وكذلك في قراءة عبد الله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فَاخْتَلَفُوا"٢.
стр. 39
ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وقد وافقه الذهبي على ذلك١.
وكلمة "فاختلفوا" ليست من لفظ الآية، وإنما ذكرها عبد الله بن مسعود ﵁ كتفسير لها، ويؤيد تفسيره لهذه الآية على هذا النحو الآية الأخرى في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٢.
٥- إغواء الشياطين لبني آدم لصرفهم عن شريعة الحق، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن عياض المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال٣، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت
стр. 40
عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً" ١ الحديث.
٦- إن الله تعالى أرسل إلى جميع الأمم رسلاً يرشدونهم الخير والهدى، ويحذرونهم من الشر والضلال، ولا شك أن في مقدمة تعليمهم وإرشادهم تعريفهم بخالقهم ورازقهم، ولم يتركوا الناس يتعرفون إلى خالقهم عن طريق البحث والاجتهاد، وقد كان هؤلاء الرسل من الكثرة بحيث أنهم بلغوا البشرية كلها دعوة الله، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ٣.
ومما يدل على تبليغ الرسل لأممها أن الأمم المكذبة في يوم القيامة تقر وتعترف بتبليغ الرسل لها دعوة الله، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ
стр. 41
سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ١.
ومن خلال الأدلة السابقة يتبين لنا بوضوح أسبقية التوحيد على الشرط، يقول الدكتور عبد الله دراز: "وقد انتصر لهذه النظرية أي فطرية التوحيد وأصالته جمهور من علماء الأجناس، وعلماء الإنسان، وعلماء النفس ... "٢.
وقوله ﵀ عن حقيقة التوحيد أنها نظرية غير دقيقة.
ويقول الدكتور جواد علي: "وهو رأي رجال الدين بصورة عامة"٣.
стр. 42
٣- خطأ بعض علماء مقارنة الأديان في هذا الموضوع، والرد عليهم:
يزعم بعض الباحثين الغربيين -ممن يسمون بعلماء مقارنة الأديان، وكذلك مقلدتهم من الكتاب المسلمين بأن الشرك سابق على التوحيد، وأن عبادة الإله قد تطورت من جيل إلى جيل، حتى وصلت إلى التوحيد الخالص، حتى زعم بعضهم أن عقيدة الإله الأحد عقيدة جد حديثة، وأنها وليدة عقلية خاصة بالجنس السامي١.
وقد اعتمد هؤلاء على نظرية التطور والارتقاء، حيث قاسوا التوحيد في حياة البشر على نمو وتطور العلوم والصناعات التي تنمو وتتطور بسبب الجهد البشري.
يقول الدكتور عبد الله دراز: "وهذه النظرية نادى بها أنصار مذهب التطور التقدمي، أو الإقتصادي الذي ساد في أوربا في القرن التاسع عشر، في أكثر من فرع من فروع العلوم، وحاول تطبيقه على تاريخ الأديان عدد من العلماء، وإن اختلفت وجهات نظرهم في تحديد صورة العبادة الأولى وموضوعها "٢.
стр. 43
وبالنظر إلى قيام الأدلة ووضوحها على أقدمية التوحيد وأسبقيته على الشرك والوثنية، فإننا نأسف كل الأسف لبعض الكتاب المسلمين الذين يعدون أنفسهم ويعدهم غيرهم من الباحثين المسلمين لانخداعهم بالأفكار الغربية، وتبنيهم لتلك النظرية الملحدة.
فهذا العقاد يقول في مقدمة كتابه المسمى "الله": "موضوع هذا الكتاب نشأة العقيدة الإلهية منذ أن اتخذ الإنسان رباً إلى أن عرف الله الواحد واهتدى إلى نزاهة التوحيد".
ثم يشرح العقاد ما أجمل في هذه العبارة في الفصل الذي عقده بعنوان: "أصل العقيدة"، فيقول: "ترقى الإنسان في العقائد، كما ترقى في العلوم والصناعات، فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الديانات والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى"١.
إلى أن يقول: "فإن العالم الذي يخطر له أن يبحث في الأديان البدائية ليثبت أن الأولين قد عرفوا الحقيقة الكونية الكاملة منزهة عن شوائب السخف والغباء إنما يبحث عن محال"٢.
стр. 44
وينتقل العقاد إلى فصل آخر بعنوان:" أطوار العقيدة الإلهية"، فيقول:" يعرف علماء المقابلة بين الأديان ثلاثة أطوار عامة مرت بها الأمم البدائية في اعتقادها بالإلهية والأرباب، وهو دور التعدد، ودور التمييز والترجيح، ودور الوحدانية ... "١.
ثم يقول: "فالتطور في الديانات محقق لا شك فيه، ولكنه لم يكن على سلم واحد متعاقب الدرجات بل كان على سلالم مختلفة تصعد من ناحية وتهبط من أخرى"٢.
وأخيراً قرر العقاد رأي أولئك القائلين بتطور العقيدة زاعماً أن ديانة الشمس كانت الخطوة السابقة لخطوة التوحيد الصحيح، حيث قال: " فديانة الشمس كانت الخطوة السابقة لخطوة التوحيد الصحيح، لأنها أكبر ما تقع عليه العين، وتعلل به الخليقة والحياة، فإذا دخلت هي أيضاً في عداد المعلومات فقد أصبح الكون كله في حاجة إلى خالق موجد للأرض والسماء والكواكب والأقمار ... وينطبق هذا الترتيب تمام الانطباق على فحوى قصة إبراهيم في القرآن الكريم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا
стр. 45
أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ ١.
وواضح أن استدلال العقاد بهذه الآيات الكريمة دليل على أنه يرى رأي العلماء الغربيين وإلا لما استدل بهذه الآيات، ولما قال قبلها: "وينطبق هذا الترتيب تمام الانطباق على فحوى قصة إبراهيم".
والحق الذي لا ريب فيه أن الذين يقولون إن إبراهيم ﵇ كان متحيراً في الاهتداء إلى معرفة ربه، قد خالفوا الحق والصواب؛ لأنهم استدلوا بظاهر الآيات على أن إبراهيم ﵇ كان يريد أن يصل إلى معرفة ربه حتى هداه الله تعالى في النهاية.
والحق أن أول هذه الآيات وآخرها ومضمونها يدل على أن إبراهيم ﵇ كان يتدرج في دعوة قومه -عباد الكواكب- ليقدم لهم الدليل المحسوس على بطلان ما يعتقدونه في تلك المعبودات.
стр. 46
قال الإمام ابن كثير ﵀: "والحق أن إبراهيم ﵇ كان في هذا المقام مناظراً لقومه مبيناً لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام والكواكب السيارة، وأشدها إضاءة الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ "١.
وقال صاحب الكشاف:" كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبههم على ضلالتهم، ويرشدهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى ألا يكون شيء منها إلهاً وأن وراءها محدثاً أحدثها، ومدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها"٢.
وقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، لأن ذلك أدعى إلى الحق، ثم يكر عليه فيبطله بالحجة.
وقال الشهرستاني: "ابتدأ بإبطال مذاهب عبدة الكواكب على صيغة
стр. 47
الموافقة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: أتيناه الحجة كذلك نريه المحجة، فساق الإلزام على أصحاب الهياكل مساق الموافقة في المبدأ، والمخالفة في النهاية، ليكون الإلزام أبلغ والإفحام أقوى، وإلا فإبراهيم الخليل لم يكن في قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ مشركاً، كما لم يكن في قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ كاذباً"١.
هذا وقد كتب الدكتور مصطفى محمود كتاباً سماه "الله" أيضاً عرض فيه نفس الفكرة من تطور العقيدة على أيدي البشر حتى وصلت إلى التوحيد أخيراً، وإن كان قد ذكر بأن ذلك يمثل المجهود البشري، أما رسالات السماء فهي واحدة من آدم ﵇ إلى محمد ﷺ فلا تطور ولا تبديل ٢.
كما عثرت على كتيب لنفس المؤلف بعنوان "محمد" ﷺ بدأه بالآية الكريمة: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ ٣، ثم قال: "هكذا بدأت الحال بالناس، أمة واحدة على الجهل
стр. 48
والمادية والكفر وعبادة اللذة العاجلة لا يؤمنون إلا بما يقع في دائرة حواسهم، ولا تتجاوز أشواقهم دائرة المعدة والغرائز، ثم نزلت الكتب والرسل فتفرق الناس بين مصدق ومكذب، وبين مؤمن وكافر، واختلفوا شيعاً وطوائف ... "١.
والحق أن هذه النظرية المادية هي شبيهة بنظرية من يزعمون بأن أصل الإنسان قرد أو سمكة ونحو ذلك ثم تطور حتى أصبح إنساناً قاتلهم الله أنى يؤفكون.
وقد جمع هـ. ج. ولز في كتابه معالم تاريخ الإنسانية بين النظرتين، فقال: "ونمت الديانة كما تنمو كل مصلحة إنسانية، ويقيناً أنه لم يكن في مقدور الإنسان البدائي بله أسلافه القردة وأسلافه من الثدييات٢، أن يكون له أي فكرة عن الرب أو الدين، فلم يستطع ذهنه ولا قوى فهمه أن يصبح قادراً على تصور هذه الأفكار العامة إلا ببطء شديد، فالدين شيء نما مع الترابط الإنساني"٣. ا.?
أقول: ما قرره بعض الباحثين الغربيين ومن أخذ برأيهم من كتّاب المسلمين من كون الشرك سابق على التوحيد، فيه إنكار للوحي السماوي
стр. 49
والسنة النبوية، لأنهم اعتبروا الوصول إلى التوحيد إنما هو بسبب المجهود البشري الناتج عن الارتقاء العقلي والتقدم الثقافي.
والحق أن عقيدة التوحيد كانت منذ خلق الله الإنسان الأول على هذه الأرض إلى بعثة محمد ﷺ ، وستبقى إلى قيام الساعة، فهي البداية وهي النهاية، ونصوص القرآن الكريم والسنة النبوية تؤكد أن البشرية قد صاحبتها عقيدة التوحيد منذ بدايتها.
بدأ بذلك نبي الله أبو البشر آدم ﵇، وتلقاها من بعده أبناؤه جيلاً بعد جيل، وكلما انحرفت البشرية عن طريق الحق بسبب الجهل أو الانحراف في الفطرة البشرية بعث الله إليها من يعيدها إلى الحق والصواب.
فقد دعا نوح ﵇ إلى عبادة الله وحده، وأعاد إلى العقيدة نقاءها وصفاءها بعد أن خرج قومه عن خط الهداية الإلهية، وشذوا عن طريق التوحيد الذي تقرر في الأرض منذ عهد آدم ﵇.
واستمر موكب الإيمان يتجدد من وقت لآخر، وتوالى الأنبياء في كل أمة يبينون للناس الحق والهدى كلما انتكسوا أو انحرفوا حتى جاء خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ الذي دعا إلى التوحيد من جديد، وسلك نهج سلفه من الأنبياء في الدعوة إلى الله تعالى، وأكمل الله به الدين وأتم به النعمة كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
стр. 50
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ ١.
والكتب السماوية جميعها جاءت بتقرير هذه الحقيقة، وإذا كان قد حصل تحريف أو تبديل في الكتب السابقة على أيدي بعض الأتباع، فذلك لأن الله تعالى لم يتكفل بحفظ تلك الكتب، وأن دورها قد انتهى بانتهاء وقتها، وقد بقي القرآن الكريم محفوظاً بحفظ الله له يكشف الزيف، ويبين التحريف، ويهيمن على كل ما سبقه من كتاب، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ٣.
وكل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أنه إذا كان قد حصل تدرج أو اختلاف بين الرسالات، فإنما كان ذلك في الشرائع والأحكام التي قد تناسب أمة ولا تناسب أخرى، فمثلاً الصلاة كانت مشروعة في الأمم السابقة، لكن طريقة أدائها قد تختلف من أمة إلى أخرى، وكذلك
стр. 51
الصيام وغيره، حتى بلغت حد الكمال في الشريعة الإسلامية الخاتمة التي نسخت كل ما لا يتفق مع الشريعة الوافية والصالحة لكل زمان ومكان.
قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.
أما أصول الشرائع فهي واحدة في لبها ومضمونها وجوهرها، لم تختلف ولم تتغير، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ٣.
أما استدلال القائلين بأسبقية الوثنية على التوحيد بآثار الحفريات٤
стр. 52
التي زعموا بأنها تدل على أن الناس في بادئ الأمر قد تدينوا بالوثنية، ثم تطورت عباداتهم مع تطورهم الفكري، فإن ذلك ما هو إلا مجرد التخمينات والتخرصات الوهمية والتي لا تقاوم القرآن الكريم، والسنة الثابتة.
ومن الممكن والمعقول جداً أن تكون تلك الآثار التي اكتشفوها قد وقعت لذرية آدم ﵇، فقد تكون لقوم نوح، أو لقوم هود، أو لقوم صالح، أو لقوم إبراهيم، أو لقوم شعيب، أو لقوم موسى، فقد حدث الشرك في أقوام أولئك الأنبياء عليهم وعلى نبينا السلام كما سيأتي بيانه، والدليل متى تطرق إليه الاحتمال، فلا يصح أن يكون دليلاً يحتج به، فكيف وأدلتهم تصطدم بنصوص القرآن والسنة؟
стр. 53
٤- التوحيد دعوة جميع الرسل
والدعوة إلى الإيمان بالله ﵎، وإفراده بالعبادة، والتذلل إليه، والانقياد لأمره وحكمه، وتنزيهه عن الند والصاحبة والولد، هي القضية الأساسية التي من أجلها بعث الله جميع أنبيائه ورسله، وقد جاء ذلك واضحاً جلياً فيما قصه الله تعالى علينا في القرآن الكريم من دعوة الرسل إلى أممهم وأقوامهم.
قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ٢.
وقال سبحانه عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣.
стр. 54
وقال جل ذكره عن صالح ﵇: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١.
وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ
стр. 55
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقال تعالى عن شعيب ﵇: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢.
وقال عن موسى ﵇: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
وقال عن عيسى ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ٤.
أما عن خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ فقد بعث
стр. 56
بالدعوة العالمية الشاملة، وبالبيان الأكمل في شأن الدين كله عامة، والتوحيد منه خاصة، وقد جاء القرآن العظيم بأتم الحجج والبراهين الدالة على وحدانية الله، وسجل أقاويل ومزاعم الكفار والردود عليها، حتى تكون حجة الله بالغة باهرة إلى يوم الدين، وحتى لا تكون للناس على الله حجة بعد ختم النبوة، لأن القرآن الكريم هو صوتها الممدود، ودعاؤها الموصول إلى قيام الساعة، وفيه أكمل حديث عن التوحيد تقريراً، وإثباتاً، ورداً على المشركين والملحدين، وإبطالاً للشرك وكل ضروب الوثنية والانحراف عن التوحيد.
ويكفي هنا أن أذكر مثالاً واحداً لما أمره الله به أن يقوله للناس في كلمات موجزة جامعة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ١.
وما هذه الرسالة إلا محاولة في بيان مسلك القرآن في دعوة المشركين، وما أقامه عليهم من حجج وبراهين.
ومما لا شك فيه أنّ كل نبي أو رسول قد دعا قومه إلى كلمة التوحيد بنصها أو معناها، قال الله تعالى مخاطباً رسوله محمداً ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا
стр. 57
فَاعْبُدُونِ﴾ ١.
قال القرطبي ﵀ عند قوله: ﴿أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ أي: قلنا للجميع لا إله إلا الله، فأدلة العقل شاهدة أنه لا شريك له، والنقل عن جميع الأنبياء موجود، والدليل إما معقول وإما منقول، وقال قتادة: لم يرسل نبي إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة والإنجيل والقرآن، وكل ذلك على الإخلاص والتوحيد٢.
وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٤.
فهذه مهمة الرسل من أولهم إلى آخرهم الدعوة إلى عبادة الله تعالى
стр. 58
وحده وإفراده بالألوهية الصحيحة، فلا شريك له، ولا ندّ، ولا صاحبة، ولا ولد.
والتوحيد أهم أصل من أصول الدعوة إلى الله، وأهم صفة يتصف بها أولياء الله، وأهم عنصر من عناصر الحكمة، وبيان ذلك ما يلي:
١- ما جاء بشأن لقمان في وصيته لابنه، وتحذيره له من الشرك، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
٢- ما ذكره الله تعالى عن اتصاف أهل الكهف بالتوحيد في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلاَء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ٢.
٣- وأثنى الله تعالى على مؤمن آل فرعون فوصفه بالتوحيد، كما
стр. 59
قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ١.
كما أن الدين الذي بعث الله به رسله من أولهم إلى آخرهم، إنما هو الإسلام، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وكان دينه الذي ارتضاه لنفسه هو دين الإسلام، الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، ولا يقبل من أحد ديناً غيره، لا من الأولين، ولا من الآخرين، وهو دين الأنبياء وأتباعهم، كما أخبر الله بذلك عن نوح ومن بعده إلى الحواريين"٢.
وقد استشهد رحمه الله تعالى ببعض الآيات الكريمة، وأنا أذكرها مع التصرف في الترتيب:
قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ
стр. 60
أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى عن يوسف الصديق ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى عن موسى ﵇: ﴿يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ
стр. 61
تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى عن أنبياء بني إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ ٢.
وقال تعالى عن المسيح ﵇: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى عن السحرة أنهم قالوا لفرعون: ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ ٥.
стр. 62
وقال تعالى عن بلقيس ملكة اليمن: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
ثم يعلق ﵀ على هذا بقوله: "فهذا دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم، هو دين الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادته تعالى في كل زمان ومكان بطاعة رسله ﵈، فلا يكون عابداً له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله"٢.
ومن هذا يتبين أن الأنبياء كلهم وكذلك أتباعهم -كما ذكر الله تعالى- كانوا مسلمين، وهذا يبين أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤، لا يختص بمن بعث إليه محمد ﷺ ، بل هو حكم عام في الأولين والآخرين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ
٥- أنواع التوحيد والعلاقة بينها:
أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه نوعان، حيث قال: "وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها التوحيد القولي العملي الذي تدل عليه الأسماء والصفات، وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها التوحيد القصدي العملي ... "١.
وقال الإمام ابن القيم ﵀: "التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويسمى الأول: التوحيد العلمي، والثاني: التوحيد القصدي الإرادي، لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة، وهذا الثاني أيضاً نوعان: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الإلهية، فهذه ثلاثة أنواع"٢.
ولما تحدث ابن القيم عن التوحيد عند الطوائف الباطلة كالفلاسفة والاتحادية، والجهمية، والقدرية، والجبرية ... قال: وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل الله، ونزلت به كتبه، فهو وراء ذلك كله، وهو نوعان:
توحيد في المعرفة والإثبات.
وتوحيد في الطلب والقصد.
стр. 65
فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلوه فوق سماواته على عرشه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه.
النوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية١.
وقال الإمام الطحاوي ﵀: "فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: الكلام في الصفات.
والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء.
والثالث: توحيد الإلهية، وهو استحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له"٢.
وقد تحدث الإمام الطحاوي ﵀ عن هذه الأنواع من التوحيد، ثم عقد موضوعاً بعنوان "التوحيد الذي دعت إليه الرسل".
قال فيه: "ثم إن التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان:
توحيد الإثبات والمعرفة. وتوحيد في الطلب والقصد.
стр. 66
فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر عن نفسه، وكما أخبر رسوله ﷺ .
والثاني: توحيد في الطلب والقصد"١.
وقال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي ﵀: "التوحيد نوعان:
الأول: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، المتضمن إثبات صفات الكمال لله ، وتنزيهه عن التشبيه والتمثيل وتنزيهه عن صفات النقص، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
والثاني: التوحيد الطلبي القصدي الإرادي، وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له، وخوفه ورجاؤه، والتوكل عليه والرضا به رباً وإلهاً وولياً، وأنْ لا يجعل له عدلاً في شيء من الأشياء، وهو توحيد الإلهية"٢.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأما التوحيد فهو ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات"٣.
стр. 67
ومما سبق يتبين لنا أن العلماء المحققين قد اختلفت عباراتهم في أنواع التوحيد وأقسامه، فمنهم من جعل التوحيد يرجع إلى قسمين هما: التوحيد القولي العلمي أو العملي، والثاني: التوحيد القصدي العملي.
ومنهم من قال: التوحيد في العلم والاعتقاد، وفي القصد والإرادة.
ومنهم من قال: في المعرفة والإثبات، وفي الطلب والقصد.
ومنهم من جعله ثلاثة أنواع: هي توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وبالتأمل في هذه الأقوال، نجد أن ما يبدوا عليها من خلاف ليس على ظاهره، وإنما هو مجرد خلاف في اللفظ والشكل فقط، والفرق بين من قسم التوحيد إلى نوعين، وبين من جعله ثلاثة أنواع، هو: أن من قسم التوحيد إلى نوعين فإنه أدخل توحيد الأسماء والصفات في توحيد الربوبية، ومن جعله ثلاثة أقسام فإنه قد أفرد توحيد الأسماء والصفات بقسم خاص، وذلك لوقوع النزاع فيه، كما سيأتي.
وبعد استعراض أقوال العلماء ﵏ في تقسيم أنواع التوحيد، أود أن أشير إلى معرفة هذه الأنواع بإيجاز:
أ- فأما توحيد الربوبية: فهو توحيد الله بأفعاله كالإقرار بأن الله تعالى هو الخالق الرازق، المحي المميت، المدبر لشؤون خلقه، النافع الضار، المنفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي بيده الأمر كله، وبيده الخير كله.
стр. 68
وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به، أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ١.
وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقناً به في الباطن، كما قال له موسى ﵇: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا﴾ ٢.
وقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ٣.
ولهذا لما قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ على وجه الإنكار والجحود، قال له موسى: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ
стр. 69
إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١.
أما مشركوا العرب فإنهم كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وأن الله تعالى خالق السموات والأرض، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
ولم يكن المشركون يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم٤.
ولكن إقرارهم بهذا التوحيد لم يدخلهم في الإسلام، بل إنَّ الرسول ﷺ قاتلهم واستحل دماءهم وأموالهم٥، وهو
стр. 70
من الحجة عليهم١.
ب- وأما توحيد الأسماء والصفات: فهو إعتقاد ثبوت ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ إثباتاً ونفياً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، كالعلم والقدرة، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وأنه سميع بصير، رؤوف رحيم، وأنه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، على العرش استوى، وينزل لفصل القضاء، ونحو ذلك من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما قال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث"٢.
ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا التوحيد، فيقول٣: "فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما
стр. 71
نفاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه، ولا في آياته، فإنّ الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ١ ".
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢.
وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن طريقة سلف الأمة وأئمتها، تتضمن إثبات الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتاً بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٣.
وبين ﵀ إن في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل، ثم قال:
стр. 72
والله سبحانه بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل، فإثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصل له من التشبيه والتمثيل. انتهى.
وهذا التوحيد لا يكفي أيضاً في حصول الإسلام من الشخص بمجرد الاعتراف به، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه، من توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والمشركون كانوا يقرون بجنس هذا النوع من التوحيد، وإن كان بعضهم قد ينكر بعضه، إما جهلاً، وإما عناداً، كما قالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ١.
قال ابن كثير ﵀: "والظاهر أن إنكارهم هذا، إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم، فإنه قد وجد في بعض أشعار الجاهلية تسمية الله بالرحمن.
قال ابن جرير: وقد أنشد بعض الجاهلية الجهال:
ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ... ألا قضب الرحمن ربي يمينها
وقال سلامة بن جندب الطهوي:
عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم ... وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق٢
стр. 73
قال صاحب تيسير العزيز الحميد: "قلت ولم يعرف عنهم إنكار شيء من هذا التوحيد، إلاّ في اسم الرحمن خاصة، ولو كانوا ينكرونه لردوا على النبي ﷺ ، كما ردوا عليه توحيد الإلهية"١.
وجاء في كتاب مصرع الشرك والخرافة٢: "ولم يقع في هذا التوحيد خلاف في القرن الأول، بل كانوا مطبقين على ذلك، وإنما وقع النزاع فيه في أوائل القرن الثاني، وأول من عرف عنه القول بنفي الأسماء والصفات، هو: الجهم بن صفوان، تابعاً للجعد بن درهم، وفي أوائل المائة الثالثة فشت هذه المقالة، وكان المتصدر لنشرها والدعوة إليها، بشر المريسي في عصر المأمون.... ".
ج- أما توحيد الإلهية:
فهو توحيد الله تعالى بأفعال العباد، وهو مبني على إخلاص التأله لله تعالى وحده، وإفراده بجميع أنواع العبادات، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والدعاء، والنذر، والنحر، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والرغبة، والرهبة، وغير ذلك من أنواع العبادات والقربات.
ويسمى هذا التوحيد: توحيد العبادة، وقد عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من
стр. 74
الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ... "١.
وينبني على ذلك إخلاص العبادات كلها لله تعالى فرضها ونفلها، باطنها وظاهرها، فلا يجعل فيها شيئاً لغير الله تعالى، لا ملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلاً عن ما سواهما.
وهذا التوحيد هو المطلوب من العباد إنسهم وجنهم، ولأجله خلقوا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢.
وهو دعوة جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ ٤.
وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد غيره، كما قال النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء
стр. 75
الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"١.
وهو حق الله على العباد، كما جاء في الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً"٢.