وكل حظه مما يرى من المناظر، ومن المكتوبات المفسرة لها، لا يعدو التسلية"١.
٢- زعمهم بأن الرسول ﷺ تلقاه عن بشر:
ومن مفتريات المشركين على القرآن وعلى الرسول ﷺ أيضاً، زعمهم بأنّ القرآن الكريم إنّما هو من تعليم بشر.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ٢.
واختلفت الروايات في تعيين الشخص الذي زعموا أنه يعلم الرسول ﷺ ، قيل: كانوا يشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم، غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعاً يبيع عند الصفا، وربما كان رسول الله ﷺ يجلس إليه ويعلمه بعض الشيء، وذلك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير، بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه٣.
قال محمد بن إسحاق: "كان الرسول ﷺ فيما
стр. 597
بلغني كثيراً ما يجلس عند المروة إلى سبيعة، غلام نصراني يقال له: جبر، عبد لبعض بني الحضرمي، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... ﴾ الآية"١.
وهناك روايات ضعيفة تذهب إلى أن اسمه " يعيش".
وقيل: "عايش"٢.
وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ قناً يعلم بمكة، وكان اسمه "بلعام"، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنّما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه الآية٣.
وقال آخرون: بل كانا غلامين اسم أحدهما: يسار، والآخر: جبر، وقيل: "خير"، بدل: "جبر"٤.
وعن الزهري عن سعيد بن المسيب:" إنّ الذي قال ذلك رجل من المشركين، كان يكتب الوحي للرسول ﷺ ، فارتد بعد
стр. 598
ذلك عن الإسلام، وافترى هذه المقالة قبحه الله"١.
وقيل: المقصود بذلك سلمان الفارسي، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسلمان إنّما أسلم بالمدينة٢.
وقد ردّ الله تعالى على هذه الفرية بقوله: ﴿لِِِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ، أي: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته، ومعانيه التامة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على بني إسرائيل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟
إنّه لا يقول هذا من له أدنى مسكة عقل٣.
نعم: كيف يتعلم محمد ﷺ هذا القرآن العظيم في فصاحته وبلاغته وقوة معانيه من رجل أعجمي؟!
стр. 599
ومن أين للأعجمي أنْ يأتي بهذا الكتاب الذي تحدى الله به الإنس والجن على حد سواء؟!
وقال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١.
يقول سيد قطب ﵀: "وهذه المقالة منهم يصعب حملها على الجد، وأغلب الظن أنها كيد من كيدهم الذي كانوا يريدونه ويعلمون كذبه وافتراءه، وإلاّ فكيف يقولون - وهم أخبر بقيمة هذا الكتاب وإعجازه – أنّ أعجمياً يملك أنْ يعلم محمداً هذا الكتاب؟ ولئن كان قادراً على مثله، لظهر به لنفسه"٢.
ويضيف سيد قطب قائلاً: "واليوم بعدما تقدمت البشرية كثيراً، وتفتقت مواهب البشر عن كتب ومؤلفات، وعن نظم وتشريعات، يملك كل من يتذوق القول، وكل من يفقه أصول النظم الاجتماعية، والتشريعات القانونية أنّ مثل هذا الكتاب لا يمكن أنْ يكون من عمل بشر".
ومن الآيات التي تذكر افتراءات المشركين في هذا الصدد:
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
стр. 600
* اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
والمعنى وكما فصلنا الآيات من بيان التوحيد، وأنه لا إله إلاّ الله وحده، كذلك نوضح الآيات ونبينها، وليقول المشركون والكافرون المكذبون: دارست يا محمد من قبلك من أهل الكتاب وقارأتهم، وتعلمت منهم.
ذكر ذلك ابن جرير وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم٢.
والحق أنه لا يوجد أحد من أهل الكتاب على هذا المستوى الذي جاء به محمد ﷺ ، وهذه كتب أهل الكتاب التي كانت بين أيديهم يومذاك، ما تزال بين أيدينا، والمسافة شاسعة بين هذا الذي في أيديهم وبين القرآن الكريم.
إنَّ ما بين أيديهم إنْ هو إلا روايات لا ضابط لها عن تاريخ الأنبياء والملوك، مشوبة بأساطير وخرافات من صنع أشخاص مجهولين -هذا فيما يختص بالعهد القديم-.
أما العهد الجديد -وهو الأناجيل- فما يزيد كذلك على أن يكون روايات رواها تلاميذ المسيح ﵇ بعد عشرات السنين، وتداولتها
стр. 601
المجامع بالتحريف والتبديل والتعديل على مر السنين، وحتى المواعظ الخلقية والتوجيهات الروحية لم تسلم من التحريف والإضافة والنسيان.
وهذا هو الذي كان بين أيدي أهل الكتاب حينذاك، وما يزال ... فأين هذا كله من القرآن الكريم؟ ١
ثم أتبع الله الآية السابقة بقوله: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ ٢.
والمعنى اتبع يا محمد ما أُوحِيَ إليك من القرآن العظيم، الذي أوحاه الله إليك، ولا تشغل بالك وقلبك بإعراض المشركين عن دعوتك، وإصرارهم على الشرك، ولا تبالي بأقوالهم فيك، كقولهم: "درست"، لأن الحق يعلو متى ظهر بالقول والعمل، واقترن بالإخلاص..
ثم يخبر الله تعالى نبيه ﷺ أنه لو شاء الله تعالى ألا يشرك الناس لما أشركوا، بأنْ يخلقوا مؤمنين طائعين بالفطرة كالملائكة،
стр. 602
لكنه له الحكمة فيما يشاؤه ويختاره ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ١.
وفي قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ ٢، أي: وما جعلناك يا محمد رقيباً تحفظ أقوالهم وأعمالهم لتحاسبهم بها، وتجازيهم عليها، وما أنت موكل على أمورهم وأرزاقهم، وإنّما عليك البلاغ، والله هو الذي يتولى حسابهم.
ومن هنا نفهم أنه ينبغي للداعية أنْ يوجه اهتمامه للذين استجابوا للدعوة، لأنهم في حاجة إلى بناء كيانهم كله على قاعدة العقيدة الصحيحة، أما الذين يقفون في الجانب الآخر، فإنّ الداعية إلى الله يكتفي بمجادلتهم بالتي هي أحسن، بعد إبلاغهم الدعوة وبيان الحق لهم.
ثم فإنّ الله تعالى سيجري سننه في خلقه، حيث يقذفُ بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
هذا وقد وردت آيات بينات، تؤكد أنّ الذي نزل على الرسول ﷺ من الوحي وما فيه من قصص وأخبار عن السابقين، إنّما هو تنزيل من رب العالمين، علىّ الرسول ﷺ
стр. 603
الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، ولا يعلم شيئاً من ذلك، لا هو ولا قومه.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٢.
وقال : ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ ٣.
٣- زعمهم بأن القرآن سحر أو كهانة:
ومن الشبه التي اعترض بها المشركون قولهم بأنّ القرآن سحر، أو كهانة.
والسحر في اللغة هو عبارة عما خفي ولطف سببه، وعمله كفر، كما قال تعالى: ﴿ ... وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
стр. 604
السِّحْرَ﴾ ١.
وقد تقدم تعريف السحر عند الحديث عن ألوان من الشرك في العبادات.
أما الكهانة: فقد عرّفها ابن حجر في الفتح: بأنها ادعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، والكاهن لفظ يطلق على العراف، والذي يضرب بالحصى والمنجم، ويطلق على من يقوم بأمر آخر، ويسعى في قضاء حوائجه٢.
وذكر ابن حجر قول الخطابي: "الكهنة قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطباع نارية، فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور، ومساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه".
ثم قال: "وكانت الكهانة في الجاهلية فاشيةً، خصوصاً في العرب، لانقطاع النبوة فيهم، وهي على أصناف: منها ما يتلقونه من الجن.. ولما جاء الإسلام، ونزل القرآن، حرست السماء من الشياطين، وأرسلت عليهم الشهب، فبقي من استراقهم ما يتخطفه الأعلى، فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ
стр. 605
الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ١.
ومنها ما يخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره، مما لا يطلع عليه الإنسان غالباً ... ومنها ما يستند إلى ظن وتخمين وحُدس ... ومنها ما يستند إلى التجربة والعادة.
ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر، وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزجر والطرق والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعاً "٢ا.?
ومن هذا يظهر لنا أن الكهانة تقوم على التخرص والتنبؤ ببعض الأمور الغيبية والسحر –كما عرفنا- يقوم على خفة اليد والحركة، ومهارة الساحر بإظهار أمور للناس على غير حقيقتها.
والمقارن بين طبيعة هذه الأعمال القائمة على الخداع والتمويه، والشعوذة وإدعاء علم الغيب، وبين شخصية محمد ﷺ الصادق الأمين، يجد الفرق الواسع والبون الشاسع.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالشياطين تنزل على من يحصل مقصودها بنزولها عليه، وهو المناسب لها في الكذب والإثم، فأما الصادق البار فلا يحصل به مقصود الشياطين، فإن الشيطان لا يتطلب الصدق والبر، إنما يتطلب الكذب والفجور، ومحمد ﷺ
стр. 606
ما زال قومه يعرفونه بينهم بالصادق الأمين، لم تجرب عليه كذبة واحدة"١.
وقد فنّد القرآن الكريم هذه الشبهة، فقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
وقد وصف الله تعالى القائلين بأنّ القرآن سحر بالكفر، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ٤.
وبين القرآن الكريم بأنّ الرسول ما هو إلا بشر، يتلقى الوحي من الله تعالى، أما علم الغيب، فعلمه إلى الله تعالى وحده، جاء ذلك على لسان نوح ﵇: ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي
стр. 607
أَنفُسِهِمْ﴾ ١.
وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
ويقول تعالى على لسان رسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٤.
وقد نفى القرآن الكريم نفياً قاطعاً أنْ يكون للشياطين أي اتصال بقلب النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ ٥.
стр. 608
وأخبر تعالى بأنّ الشياطين إنّما تتنزل على كل كذاب فاجر، مبالغ في الكذب والعدوان، لا على أتقى خلق الله، وسيد ولد عدنان، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ١.
والمطالع للسنة النبوية يجد نهياً قاطعاً، وتحذيراً شديداً من السحر والكهانة، والتنجيم والشعوذة، وبيان الخطر الكبير من تصديق السحرة والكهنة والمنجمين.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر" ٢ الحديث.
وفي صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" ٣.
стр. 609
وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" ١.
وقال البخاري في صحيحه عن قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث، زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به"٢.
وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ "نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي٣، وحلوان الكاهن٤" ٥.
стр. 610
٤- زعمهم بأنّ القرآن شعر:
ومن الشبهات التي آثارها المشركون في وجه الرسالة اتهامهم للرسول ﷺ بأنه شاعر، وقد ذكر الله تعالى هذه الشبهة في كتابه الكريم، وردّ عليها.
قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ ١.
والحق إن المقارن بين موضوعات القرآن الكريم، وموضوعات الشعر، ليجد الفرق الكبير، والبون الشاسع، وذلك أنّ القرآن الكريم قد خلا من أغراض الشعر من مدح وهجاء، ونسيب ورثاء وغزل وغيرها من الأغراض التي يسبح فيها خيال الشاعر وتصوراته.
стр. 611
وفي المقابل نجد أن القرآن الكريم يحتوي على عقائد وشرائع وحكم وأخلاق، وحقائق تسمو بالإنسان عن الأغراض الجاهلية.
وقد صور القرآن الكريم الشعر والشعراء في تلك الأغراض التافهة، التي لا تحمل عقيدة ولا ترشد إلى هدى، بالأحوال التي تخالف حال النبوة، وأن أتباع الشعراء هم الغاوون لا الراشدون، قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ﴾ ١.
قال الطبري: "وهذا مثل ضربه الله لهم في افتتانهم في الوجوه التي يفتنون فيها بغير حق، فيمدحون بالباطل قوماً ويهجون آخرين"٢.
وقال صاحب الكشاف: "إنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم، وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، والنسيب بالحرم والغزل والابتهار٣، ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم، ولا يطرب على قولهم إلا الغاوون والسفهاء"٤.
وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
وفي الصحيح عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: "خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا.. إلى أن قال: فانطلق أنيس حتى أتى مكة، ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلاً بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشعراء.
قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون.."٢.
فهذه الأدلة ترد على المشركين قوله إنه شاعر، أو أنّ ما أتى به من قبيل الشعر، فالرسول ﷺ ليس بشاعر، والقرآن الكريم ليس بشعر، لأنّ الشعر كلام موزون، مزخرف، مبني على خيالات وأوهام واهية، لا تدنوا من منزلة القرآن العظيم، الذي تنزه عن مماثلة كلام البشر.
стр. 614
أما ما ورد على لسان الرسول ﷺ من بعض كلام العرب الموزون، كقوله:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب١
أو ما ورد في القرآن الكريم من بعض المقاطع التي تشبه وزناً شعرياً مثل قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ ٤، ونحو ذلك.
فلا اعتبار لها في هذا المقام، لأنّ الشاعر لا ينال هذا الوصف بكلمة عابرة تجري على لسانه، والكتاب لا يأخذ وصف الشعر لورود بعض عبارات فيه تشبه الشعر، فقد يجري على لسان متحدث كلمات موزونة، وهو لا يقصد بها شعراً، فإنها لا تعتبر شعراً، ولا يعد قائلها من الشعراء٥.
стр. 615
المبحث الثاني: دحض مفترياتهم على الرسول ﷺ
١- اعتراض على بشرية الرسول ﷺ :
ومن الشبه التي أثارها المعاندون المعرضون عن قبول الحق، عدم إمكانية الجمع بين البشرية والنبوة في الذات الواحدة، ومعنى ذلك: عدم تصديق الرسول المرسل بسبب كونه من البشر.
وقد ذكر القرآن الكريم هذه الشبهة في سور عديدة، عند الكلام على رسالات الرسل، كما بين القرآن الكريم أنّ هذه الشبهة لم تكن جديدة، وإنّما هي شبهة قديمة، وأنها كانت تثار في وجه الدعاة إلى الإيمان من الأنبياء والمرسلين السابقين.
فقد قيلت لنوح ﵇: ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا﴾ ١.
وعجب قومه أنّ بعث الله فيهم رجلاً من أنفسهم، فقال الله تعالى حكاية عن خطاب نبيهم لهم: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ
لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ١.
وعجب قوم هود ﵇ من أن ينزلَ الوحي على رجل منهم، فقال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢.
وكذلك قيلت لموسى وهارون ﵉: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ ٣.
وقالها مشركوا قريش لمحمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ ٤.
وإذا لم يكن الرسول من الملائكة، فليس أقل من أن ينزل عليه ملك ليصدقه على ما يدعيه.
стр. 618
قال ابن إسحاق: "ودعا رسول الله ﷺ قومه إلى الإسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال له زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، والأسود بن عبد يغوث، وأبي بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس، ويرى معك، فأنزل الله تعالى في ذلك قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ ١"٢.
وذكر الكلبي أن مشركي مكة قالوا: يا محمد، والله لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله، وأنك رسوله ... ٣.
وقد ذكر الله تعالى قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ٤.
стр. 619
وتتلخص شبهة المشركين في هذه القضية: أنهم اقترحوا على النبي ﷺ أحد أمرين:
إما أنْ تنزل عليهم الملائكة مباشرة.
أو ينزل ملك على الرسول ﷺ يرونه ويشاهدونه بأعينهم.
والواقع أنّ هذا الاقتراح لو لم يقيد بالرؤية والمشاهدة، لم يكن له فائدة، لأنه ثبت أنّ النبي ﷺ كان يتلقى القرآن الكريم من الله تعالى عن طريق جبريل ﵇، كما قال تعالى: ﴿َإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ ١.
قال ابن الجوزي: "والمراد بالروح الأمين جبريل، وهو أمين على وحي الله تعالى إلى أنبيائه"٢.
وثبت في الحديث الصحيح أنّ جبريل ﵇ كان يأتي النبي ﷺ في صورة بشرية، كما في حديث الإسلام والإيمان والإحسان وعلم الساعة، عن ابن عمر عن أبيه ﵄ قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع
стр. 620
علينا رجل، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه ... " ثم ذكر أسئلته للرسول ﷺ ... وفي نهاية الحديث بين الرسول ﷺ أنّ هذا الرجل هو جبريل ﵇، بدليل قوله: "يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" ١.
والقرآن الكريم حينما يحرص على تفنيد هذه الشبهة، ويرد على قائليها، إنما ليبين أنّ لغة الماديين واحدة، مهما تباعدت الأزمنة والأمكنة.
وعلى الرغم من سذاجة هذه الشبهة وتفاهتها، لكونها لم تدعم بدليل، ولم تؤيد ببرهان؛ لأنها تقيد مشيئة الله تعالى وقدرته العظيمة، وهو الفعال لما يريد، وهو الذي يختص برحمته من يشاء من خلقه، فإنّ القرآن الكريم لم يمر على هذه الشبهة دون الردّ عليها، وإبطالها، وذلك لتثبيت قلب النبي ﷺ ، وتقوية عزائم المؤمنين، وخذلان الباطل،
стр. 621
وإظهار الحق ونصرته.
ويرد القرآن الكريم على الاقتراحين السابقين من وجهين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ ١.
فالوجه الأول: أنه لو أنزل اللهُ تعالى ملكاً كما اقترحوا، لقضي الأمر بإهلاكهم ثم لا ينظرون.. بل يأخذهم العذاب عاجلاً كما مضت به سنة الله فيمن قبلهم.
قال ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: ولو أتاهم ملك في صورته، لأهلكناهم، ثم لا يؤخرون طرفة عين، وقال قتادة، يقول: لو أنزل الله ملكاً ثم لم يؤمنوا لعجل لهم العذاب.
وقال مجاهد في قوله: ﴿لَّقُضِيَ الأمْرُ﴾ ، أي: لقامت الساعة٢.
وذكر صاحب المنار عن المفسرين في قضاء الأمر هنا عدة وجوه٣:
стр. 622
نختار منها:
١- أنّ سنة الله في أقوام الرسل الذين قامت عليهم الحجة، أنهم كانوا إذا اقترحوا آية وأُعطوها، ولم يؤمنوا بها، يعذبهم الله بالهلاك والاستئصال الذي تتولى تنفيذه الملائكة، والله تعالى لا يريد أن يستأصل هذه الأمة، التي بعث فيها خاتم رسله نبي الرحمة، فالرحمة العامة تنافي هذا العذاب العام ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ١.
٢- أن المراد أنهم لو شاهدوا الملك بصورته الأصلية، كما يطلبون، لزهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون.
والوجه الثاني في الرّد عليهم: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ ، أي: لو جعل الرسول ملكاً، لجعل الملك متمثلاً في صورة البشر، ليمكنهم رؤيته وسماع كلامه الذي يبلغه عن الله تعالى، ولو جعله ملكاً في صورة البشر، لاعتقدوا أنه بشر، لأنهم لا يدركون منه إلا صورته، وصفات البشرية التي تمثل بها، وحينئذ يقعون في نفس اللبس والاشتباه الذي يلبسونه على أنفسهم باستنكار جعل الرسول بشراً٢.
стр. 623
وهناك أمر آخر، وهو أنّ طلبهم كان على وجه العناد، لا على وجه طلب الهداية والرشاد، فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا.
قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ ٢.
٢- اتهام الرسول ﷺ بالجنون:
ومن الحرب النفسية التي شنها المشركون ضدّ الرسالة اتهامهم للنبي ﷺ بالجنون، وقد ذكر القرآن الكريم هذه المقالة عنهم، وكر عليها بالدحض والإبطال، كما أبطل غيرها من المقالات الباطلة.
стр. 624
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ١.
وقال تعالى عنهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ ٢.
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ٥.
وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم، بأنَّ هذه الاعتراضات الظالمة لم تختص بمحمد ﷺ ، وإنّما قالها المكذبون الأولون لرسلهم، فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ٦.
стр. 625
والعرب وغيرهم يعرفون مرض الجنون، وكيف يتخبط المصاب به، ويهذي بكلام لا يقبله العقلاء، ويتصرف التصرفات التي تتنافى مع وقار الإنسان واحترامه لنفسه، وضبطه لسلوكه ووصوله إلى غايته.
وإذا قارنا بين هذه الأعراض، وما اتصف به محمد ﷺ قبل البعثة وبعدها من الحكمة والاتزان، والحلم والأناة في السياسة لأسرته ولأصحابه وللدولة، وما أنيطت به من مسئوليات تشريعية وقضائية وتنفيذية، وقيادة عسكرية، ومسئوليات في التربية والتعليم وغيرها، وما اتصف به من الأخلاق العالية في الصدق والوفاء، والأمانة والحلم، والكرم والشجاعة والصفح وغيرها من الصفات الجليلة، فكان بذلك قدوة الآباء والحكام والقضاة، والقادة والمعلمين والتجار والعمال، وبقية أفراد المجتمع، يجدون في شخصيته العظيمة الخلق العظيم، والمثل الأعلى للكمال الإنساني.
ولقد ردّ القرآن الكريم على هذه التهمة، رداً عنيفاً وشديداً، جاء ذلك في كثير من الآيات البينات.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ
стр. 626
جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ * بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ٥.
قال الفخر الرازي: "ومعناه أنّ تلك الصفة المحمودة إنّما حصلت، والصفة المذمومة إنّما زالت بواسطة إنعام الله ولطفه وإكرامه.. ثم إنه قرن بهذه الدعوة ما يكون كالدلالة القاطعة على صحتها، وذلك لأنّ قوله بنعمة ربك، يدل على أنّ نعم الله تعالى كانت ظاهرة في حقه من
стр. 627
الفصاحة التامة، والعقل الكامل، والسيرة المرضية، والبراءة من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة.
وإذا كانت هذه النعم محسوسة ظاهرة، فوجودها ينافي حصول الجنون، فنبه الله تعالى على هذه الدقيقة، لتكون جارية مجرى الدلالة اليقينية على كونهم كاذبين في قولهم إنه مجنون.
ومن الآيات التي ردّت هذه الفرية: قوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ ٢"٣.
ومن هذا يتبين لنا أنّ القرآن الكريم قد ردّ هذه الفرية، وهذا الباطل رداً قاطعاً بما لا مزيد عليه.
٣- اتهام الرسول ﷺ بالافتراء والكذب:
واتهم المشركون النبي ﷺ بأنّه افترى على الله كذباً حين بلغهم أمر ربه ﵎، بأن يعبدوا الله وحده، وأن الوحي ينزل عليه من عند الله تعالى.
﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢.
قال الراغب الأصفهاني:" استعمل الافتراء في القرآن في الكذب والشرك والظلم"٣.
ونقل الفخر الرازي عن أبي مسلم: "الافتراء افتعال من فريت، وقد يقال في تقدير الأديم: فريت الأديم، فإذا أريد قطع الإفساد قيل: أفريت وافتريت واختلقت، ويقال فيمن شتم امرءاً بما ليس فيه افترى عليه"٤.
وفي اللسان: "يقال فرى فلان الكذب يفريه إذا اختلقه، والفرية من الكذب"٥.
وهذه الفرية إنّما هي من قبيل افتراء المشركين على النبوة، كفريتهم بأنّ هذا القرآن أساطير الأولين، أو أنه تلقاه عن بشر، أو أنه سحر، أو
стр. 630
كلام شاعر، وغيرها من التهم المؤدية إلى نفي نبوة محمد ﷺ وما جاء به من عند ربه ﵎.
ولهذا فإنّ ردّ القرآن الكريم على هذه التهمة يعتبر رداً على جميع الافتراءات والشبه التي يثيرها المشركون.
وقد بين القرآن الكريم أنّ تلك التهمة لا تعدو كونها من قبيل الظلم والزور والبهتان.
قال الفخر الرازي عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ .
"واعلم أنّ الله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: ﴿فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ ، وبين الرازي أنّ هذا القدر إنّما يكفي جواباً عن الشبهة المذكورة؛ لأنه قد علم كل عاقل أنه ﵊ تحداهم بالقرآن، وهم في نهاية الفصاحة، وقد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآيات، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا، ولكان ذلك أقرب إلى أنْ يبلغوا مرادهم فيه، مما أوردوه في هذه الآية وغيرها، ولو استعان محمد ﷺ في ذلك بغيره، لأمكنهم أيضاً أن يستعينوا بغيرهم، لأنَّ محمداً ﷺ كأولئك المنكرين في معرفة اللغة، وفي المكنة من الاستعانة،
стр. 631
فلما لم يفعلوا ذلك، والحالة هذه، علم أنّ القرآن قد بلغ النهاية في الفصاحة، وانتهى إلى حد الإعجاز.
ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات في القرآن، وظهر بسببها سقوط هذا السؤال، ظهر أنّ إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الأدلة الواضحة، لا يكون إلا للتمادي في الجهل والعناد، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ "١.
وأضاف الرازي يقول: "إن الله وصف كلامهم بأنّه ظلم وزور، أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ منه، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وذلك هو الظلم، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه.
وقال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول ﷺ والرد عليه، والزور كذبهم عليه"ا.?.
والحق أنّ هذا القرآن يحمل دليل صدقه معه من عند الله تعالى، إذ تلتقي رسالته برسالات الأنبياء في أصولها، وجوهرها وأهدافها ومبادئها، وفيه زيادة بيان وتفصيل للشرائع والعقائد والأحكام.
وقد سلّى الله تعالى نبيه محمداً ﷺ بإعلام المكذبين له أنّ تكذيب الرسل هو ديدن الأمم السابقة مع رسلها وأنبيائها، قال
стр. 632
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿ ... مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وقال : ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ٣.
وبالإضافة إلى إعجاز القرآن البلاغي، وما يشتمل عليه من معجزات في الإخبار عن قصص السابقين، التي لم يحط بها النبي الأمي محمد ﷺ ، وكذلك إخباره عن بعض المغيبات، فإنّ إعجازه
стр. 633
بالشريعة الكاملة في تقريرها للأحكام السمحة، وقيامها على مبادئ العدل والحكمة وكرامة الإنسان، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، لا يزال يتحدى العالمين ويبرهن لهم أنّ النبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب لا يستطيع أنْ يأتي بمثل هذا القرآن، وإنه تنزيل من حكيم حميد.
قال الله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ١.
وعن صحة القرآن الكريم، وما فيه من حقائق علمية، يقول الطبيب الفرنسي موريس بوكاي في خاتمة سفره النفيس، الذي كتبه عن القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم: "إنّ مقارنة عديد من روايات التوراة مع روايات نفس الموضوعات في القرآن تبرز الفروق الأساسية بين دعاوي التوراة غير المقبولة علمياً، وبين مقولات القرآن التي تتوافق تماماً مع المعطيات الحديثة.
ولا يستطيع الإنسان تصور أنّ كثيراً من المقولات ذات السمة العلمية كانت من تأليف بشر، وهذا بسبب حالة المعارف في عصر محمد ﷺ ، لذا من المشروع تماماً أنْ ينظر إلى القرآن على أنه تعبير الوحي من الله، وأنْ تعطى له مكانة خاصة جداً، حيث أنّ صحته
стр. 634
أمر لا يمكن الشك فيه، وحيث أنّ احتواءه على المعطيات العلمية المدروسة في عصرنا تبدو كأنها تتحدى أي تفسير وضعي، عقيمةٌ حقاً المحاولات التي تسعى لإيجاد تفسير للقرآن بالاعتماد فقط على الاعتبارات المادية"١.
стр. 635
المبحث الثالث: إعانتهم للرسول ﷺ بطلب المعجزات والخوارق
ولما رأى زعماء المشركين في دعوة النبي ﷺ تحدياً لزعامتهم، وتهديداً لمكانتهم ومصالحهم، وضربة قاضية لتقاليدهم الموروثة، أخذوا يتحدون النبي ﷺ بطلب المعجزات؛ لتأييد صدق دعوته وصلته بالله .
وقد ذكر الله تعالى عنهم تلك المطالب في كتابه الكريم، كما ذكر الردود على تلك التحديات.
ومن الآيات التي تبين مدى التحدي والإحراج الذي واجهه النبي ﷺ ، قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ﴾ ١.
وقد تقدّم الرد على اعتراضهم بعدم إمكانية الجمع بين البشرية والنبوة في الذات الواحدة، في بحث اعتراضهم على بشرية الرسول ﷺ ، وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ