← Акыда

Акыда · id 7252

منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام

حمود الرحيلي

Полный текст (832 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١. ثم ذكر عقيبه أمر الموت والبعث، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ ٢. وقال تعالى في آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣. والمراد من ذلك الإستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر٤. وهناك استدلالات أخرى، ذكرها بعضُ العلماء أمسكنا عنها اختصاراً٥.

стр. 562

المبحث الثالث: بيان الحق في أمر الشفعاء: معنى الشفاعة لغة: قال ابن الأثير: "الشفعة في كل ما لم يقسم، وهي مشتقة من الزيادة، لأنّ الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به، كأنه كان واحداً وتراً، فصار زوجاً شفعاً، والشافع هو الجاعل الوتر شفعاً ... وقد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم، يقال: شفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمُشَفِّع: الذي يَقْبَلُ الشفاعة، والمُشَفَّع الذي تقبل شفاعته"١. وفي المفردات للراغب: "والشفاعة الإنضمام إلى آخر ناصراً له وسائلاً عنه، وأكثرُ ما يستعمل في إنضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة في القيامة"٢. وقال ابن فارس: "الشين والفاء والعين، أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين"٣. وفي القاموس المحيط: "وشفعته فيه تشفيعاً حين شفع شفاعة،

стр. 563

واستشفعه إلينا سأله أن يشفع"١. ومن هذا يظهر لنا أنَّ الشفاعة في اللغة، تدورُ حول اقتران شيء بشيء، أو إنضمام شيء إلى شيء لزيادته أو لنصرته، أو للتجاوز عنه. وإذا بحثنا الشفاعة في كتاب الله تعالى، نجد أنَّها تنقسم إلى قسمين: شفاعة في الدنيا، وشفاعة في الآخرة، ونجد أنّ الشفاعة في الدنيا خاصة بالعباد، وتقع لبعضهم من بعض، لأنهم يملكونها، وهي تنقسم إلى قسمين: شفاعة حسنة وشفاعة سيئة، ومثال الشفاعة الحسنة: ما إذا استشفع شخص بشخص آخر عند ذي مال أو منصب أو سلطان ليشفع له عنده برفع حاجته إليه، لإظهار حقه أو إزالة الضرر والظلم عنه، فإنَّ تلك الشفاعة جائزة، وينال فاعلها الثواب من الله ﵎، بدليل قوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ ٢. وقول الرسول ﷺ : "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء" ٣.

стр. 564

أما الشفاعة السيئة: فهي ما إذا استشفع شخصٌ بشخص آخر في تعطيل حد من الحدود، أو إسقاط حق من الحقوق، أو إلحاق الضرر بآخر، فإنَّ تلك الشفاعة غير جائزة، وينال فاعلُها العقاب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ ١. وقد أمر الله تعالى عباده بالتعاون على فعل الخيرات، ونهاهم عن المنكرات، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٢. أما الشفاعة في الآخرة، فلا تكون إلا بأمر الله وحده، لا يملكها غيره، وخاصة بمن له ملك السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.

стр. 565

قال الفخر الرازي: "وتقرير الجواب، أنّ هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام، أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها. والأول باطل؛ لأنّ هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئاً، ولا تعقل شيئاً، فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها. والثاني باطل؛ لأنّ في يوم القيامة لا يملك أحدٌ شيئاً، ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره، وهذا هو المراد من قوله ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ "١. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ٢. وتنقسم الشفاعةُ في الآخرة إلى قسمين: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية. فأما الشفاعة المثبتة، فهي: شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له٣.

стр. 566

ومن ذلك شفاعات النبي ﷺ ، وهي كثيرة منها الشفاعة العظمى، وهي الشفاعة في فصل القضاء، وهي المقام المحمود الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ ١. وهي الشفاعة التي يتراجع عنها الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ﵈، حتى تنتهي إليه صلى الله عليه وسلم٢. ومنها شفاعته ﷺ فيمن دخل النار من أمته، فيخرج منها أناس بشفاعته ﷺ ، لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لكلِّ نبي دعوةٌ مستجابة، فتعجّل كلُّ نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاًَ" ٣.

стр. 567

وصح أنَّ القرآن الكريم يشفعُ لأهله، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه" ١. ومن خلال آيات القرآن الكريم يتبين لنا أنَّ الشفاعة التي أثبتها الله تعالى، هي مقيدة بأمرين: الأمر الأول: أذن الله تعالى للشافع، فإن لم يأذن له فلا يشفع. الأمر الثاني: رضا الله سبحانه عن المشفوع له، فإن لم يرض فلا شفاعة. قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣. وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ

стр. 568

لَهُ قَوْلاً﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ ٣. ففي هذه الآيات الكريمة أخبر اللهُ أنَّ الشفاعة في ذلك اليوم كلها عند من له ملك السموات والأرض، وهو الله سبحانه وحده، لا عند غيره من الملائكة والأنبياء والأولياء وغيرهم، فهو الذي يأذن لمن شاء أن يشفع فيه، كما أخبر أنّها لا تكون إلاّ بعد إذنه للشافع، وإن لم يأذن له فلا يشفع، وأخبر أنّها لا تكون نافعة إلا لمن كان مرضياً عنده قولاً وعملاً، ولا يكون مرضياً إلاّ إذا كان مؤمناً خالصاً، ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، الذين جردوه وخلّصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذي ارتضى الله سبحانه وتعالى٤.

стр. 569

ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال: "من قال لا إله إلاّ الله خالصاً من قلبه أو نفسه" ١. وواضح من صريح القرآن الكريم، أنَّ الشفاعة لا تشمل من مات على الكفر والشرك، وذلك لحكم الله تعالى بخلود الكافرين والمشركين في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ٢. وأما الشفاعة المنفية: فهي الشفاعة المعروفة لدى الناس عند الإطلاق، وهي: أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء، فيقبل شفاعته٣. وهذه الشفاعة هي الشفاعة الشركية، وهي التي أثبتها المشركون، فاتخذوا من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، وصوروا تماثيلهم، وقالوا: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعباداتهم، ليشفعوا لنا، كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم، لكونهم أقرب

стр. 570

إلى الملوك من غيرهم، فيشفعوا عند الملوك بغير أذن الملوك١. قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿ ... وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٣. وقد أبطل الله تعالى هذه الشفاعة في كتابه، وذم المشركين عليها وكفرهم، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن

стр. 571

دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٢. وقال : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ٤. وقال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ

стр. 572

ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ... ﴾ ١. فهذه الآيات الكريمة صريحة في قطع أطماع المشركين من القبورين وأشباههم قديماً وحديثاً، أن يكونوا أهلاً لشفاعة الرسول ﷺ . ومن المعلوم أنّ الإنسان إذا نطق بالشهادتين في حال تلبسه بالأعمال المناقضة لشروطهما -كحال القبوريين مثلاً- الذين يستحلون محارم الله، بصرف شيء من العبادة للأموات، كالصلاة والدعاء والذبح والنذور ونحوها - فإنَّ نطقهم حينئذ بالشهادتين لا يُفيدُهُم شيئاًَ، لأنَّ أعمالهم الشركية تنافي ذلك وتنقضه. ومن أراد شفاعة الرسول ﷺ ، فعليه أن يطلبها من الله تعالى وحده، وأن يعمل صالحاً. ومن أهم مظاهر العمل الصالح الأمور الآتية: ١- إخلاص العبادة لله تعالى في كل شيء، ونفي جميع أنواع الشرك عنه ، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله

стр. 573

عليه وسلم: "من قال لا إله إلاّ الله خالصاً من قلبه أو من نفسه" ١. ٢- تمام المتابعة للرسول ﷺ في كل ما أمر به، أو نهى عنه.

стр. 574

المبحث الرابع: بيان الحق في أمر الأولياء: معنى الولي لغة: اسم من الوَلْي، والولي هو القرب والدنو١. قال ابن فارس: "الواو واللام والياء، أصل صحيح يدل على قرب"٢. ويطلق الولي على الصديق والنصير والتابع والمحب، والمولاة ضد المعاداة٣. قال ابنُ الأثير: "الولي هو الناصر، وقيل المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها ... وهو الربُّ المالك، والسيد المنعم، والمعتق والناصر والمحب والتابع.. وكلّ من وليَ أمراً أو قام به، فهو مولاه ووليه.."٤. ومن هذا يتبين لنا أنَّ معنى الولي والولاية في اللغة، يدور حول القرب والدنو، والصديق والنصير، والتابع والمحب، والناصر والمتولي للأمور، ونحو ذلك. أما ولاية الله للعبد، فهي هدايته إلى الإيمان، وإلى طاعته ومحبته ونصرته له، وتقريبه إليه حتى يحبه، فإذا أحبه قرب منه وتولى

стр. 575

أموره، ونصره وحفظه، فكان بذلك وليه، كما قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١. ومعنى ذلك أن الله تعالى: يتولى المؤمنين بعونه وتوفيقه، ويخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.. وأنه ولي المؤمنين ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه وهاديهم"٢. وإذا كان الله ينصر عبده المؤمن، ويعينه ويتولى أموره، فهذا يدلُّ على أنَّ ربه يحبه ويرضى عنه، ويقربُه منه، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٤. وقال تعالى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿﵃

стр. 576

وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ١. وأما ولاية المؤمن لله تعالى، فهي: الإيمان به ﵎ قولاً وعملاً واعتقاداً، ونصرة دينه والمحافظة على شرائعه، وموالاته في ما يحبه ويرضاه، وعدم معاداة من والاه. وخلاصة القول في هذا: فإنَّ ولاية العبد لله تكون في الموافقة في ما يحبُّ الله ويبغض، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه. والفرق بين الولايتين بين واضح، وذلك أنّ الله تعالى لا يوالي أحداً من خلقه افتقارا له واحتياجا إليه، وإنّما يواليه إكراماً له، وإنعاماً عليه؛ لأنّ الله تعالى غني عن كل ما سواه، والخلق كلهم في حاجة إليه، وقد نفى الله تعالى أن يكون له ولي من الذل، فقال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ٢. وأما العبد فإنه يوالي ربه لشدة فقره واحتياجه إلى هدايته ونصرته وإعانته، ورعايته ومحبته ورضاه عنه، وتقريبه إليه، وهو في حاجة ملحة إلى ربه ﵎ في كل أمر من أموره في دنياه وآخرته.

стр. 577

وقد بين القرآن الكريم أن المشركين ما عبدوا الأصنام واتخذوا الأولياء والشفعاء إلا بتقربهم إلى الله زلفى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١. ومعنى الآية الكريمة: أنّ هؤلاء المشركين اتخذوا من دون الله أولياء من الأصنام والأوثان، يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله منزلة، وحظوة وتشفع لنا عنده في النصر والرزق، وما ينوبنا من أمور. وقد هددهم الله تعالى، وبين لهم عاقبة ما يفعلون، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ، أي: إنَّ الله يحكم بينهم وبين خصومهم في موضوع التوحيد والإشراك، ويجازي كلاً بما هو أهل له، فيدخل المخلصين الموحدين الجنة، ويدخل المشركين النار. وقد ظنّ الجهلةُ أنّ من يظهر لدية أمور خارقة للعادة، أنّه من أولياء الله المقربين، ولو كانت أفعال ذلك الشخص وأعماله تخالف شريعة الله، وتخالف سنة رسوله ﷺ ، ولهذا فقد تجرأ كثيرٌ من الجهلة

стр. 578

إلى تعظيم ومحبة وموالاة من ليس بولي، حتى وصل بهم الأمر إلى دعائهم والاستغاثة بهم، سواء كان الولي المتقرب إليه حياً أو ميتاً، وهذه الأعمال والاعتقادات هي شرك محض. يقول صاحب كتاب صراع بين الحق والباطل: "يفهم الناسُ اليوم الولاية فهماً معكوساً يخالف حقيقتها ومعناها، فإنّه لفرط جهلهم بأمور الدين، وعدم معرفتهم لحقيقة الولاية، نسبوا الأمر إلى غير أهله، وخلعوا الشيء على من ليس جديراً به، فأطلقوا لفظ الولي على من لا يستحقون من المتعطلين الخاملين الذين عطّلوا جوارحهم، وتعطلوا عن العمل والسعي والكفاح، بحجة التواكل والزهد والانقطاع للعبادة، ولزوم التكايا وزوايا الأضرحة، وأطلقوا أيضاً على كل من سال لعابه ولبس الثياب الممزقة المرقعة، وأطال شعر رأسه، وأرخى لحيته، وأطبق يديه على مسبحة طويلة، ووضع على رأسه عمامة كبيرة ... وظهر أمام الناس في زي عجيب، حتى البله ومن في عقولهم خبل وهوس. وأعطوا كذلك لبعض المجرمين الأشقياء ... الذين يعيشون آمنين متسترين تحت لعب الولاية، ويباشرون أعمال الدجل والشعوذة والكذب باسم الدين. وهكذا ظن السذج من الناس أنّ كل من ظهر على هذه الصورة

стр. 579

الخادعة قطب كبير، وصاحب سر باتع، وأنه واصل ومتصل مع الله اتصالا مباشراً بدون حجاب ... "١. ويقول الميلي الجزائري: "الولي عند الناس اليوم: إما من انتصب للآذان بالأوراد الطرقية، ولو كان في جهله بدينه مساوياً لحماره، وإما من اشتهر بالكهانة وسمّوه حسب اصطلاحهم "مرابطاً"، ولو تجاهر بترك الصلاة وأعلن شرب المسكرات، وإما من انتهى إلى مشهور بالولاية، ولو كان إباحياً لا يحرم حراماً". ثم يقول: "وحق هؤلاء الأولياء على الناس الجزم بولايتهم، وعدم التوقف في دخولهم الجنة، ثم الطاعة العمياء، ولو في معصية الله، وبذل المال لهم ولو أخلّ بحق زوجته وصبيته، فهم المطلوبون في كل شدة، وهم حماة للأشخاص وللقرى والمدن كبيرها وصغيرها، حاضرها وباديها، فما من قرية بلغت في البداوة أو الحضارة إلاّ ولها ولي تنسب إليه، فيقال: سيدي فلان هو مولى البلد الفلاني، ويجب عند هؤلاء الناس أن يكون بعض علماء الدين خدمة لهؤلاء الأولياء، مقرين لأعمالهم وأحوالهم، غير منكرين لشيء منها"٢ا.?.

стр. 580

هذا هو مفهوم الولاية والأولياء عند جهلة الناس في كثير من أنحاء العالم الإسلامي اليوم، وهو كما ترى، جهل واضح، وخطأ فادح لا يستند إلى شيء من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ . أما أولياء الله الحقيقيون، فقد بينهم الله تعالى في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ١. فالآيات الكريمة تبين أنّ أولياء الله هم الذين آمنوا به وبرسوله، واتبعوا شرائعه وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، ووافقوه فيما يحب، وابتعدوا عن مساخطه، ووالوا أولياءه، وعادوا أعداءه. وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. وفي هاء الكناية في قوله ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ﴾ قولان: أحدهما: أنها ترجع إلى المسجد، وهو قول الجمهور، والمعنى أنّ المشركين قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله عليهم بهذا.

стр. 581

والثاني: أنها تعود إلى الله عز وجل١. قال ابن جرير: "وما لهؤلاء المشركين ألاّ يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام، ولم يكونوا أولياء الله، أي: ما أولياء الله إلا المتقون، يعني: الذين يتقون الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أنّ أولياء الله المتقون"٢. ومن هذا يتبين لنا أنّ ولي الله هو المؤمن التقي الصالح، المؤمن بما جاء به رسول الله ﷺ ، المطيع فيما يأمرُ به، المجتنب لما ينهى عنه. وإذاً فالمظاهر وحدها لا تدلّ على الولاية، ونحن لا يمكننا أن نقطعَ لأحد بالولاية والتقوى، وإنّما يمكن أنْ نَحْكُم بإسلام شخص من خلال ما يظهر لنا من أحواله وسيرته على قاعدة: "لنا الظاهر والله يتولى السرائر". أمّا القطع بولاية شخص وتقواه، فهذا مردّه إلى الذي يعلم سرائر العباد، ، قال : ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ ٣.

стр. 582

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ ١. وقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٢. وقد دعا القرآن الكريم المؤمنين أنْ يتخذ بعضُهم بعضاً أولياء لنصرة دين الله، وإعلاء كلمته، والدفاع عن عقيدة التوحيد ومحاربة الشرك، ومقاومة البدع والخرافات المنتشرة بين الناس باسم الدين، ومعاونة بعضهم بعضاً فيما يعود عليهم بالخير والنفع في أمور الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ

стр. 583

أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١. وقد نهى الله تعالى المؤمنين أنْ يتخذوا أعداءه من الكافرين والمشركين أولياء، يتوددون إليهم ويناصرونهم ضد إخوانهم من المؤمنين الذين يعملون لإعلاء كلمة الله ونصرة الحق. قال تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.

стр. 584

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١. ومن خلال الآيات الكريمة، يتبين لنا أنّ أولياء الله الحقيقيين لا يعلنون عن أنفسهم، لأنّ الولاية الحقة إنّما تكون في القلوب إيماناً وتقوى، وليس لها آثار معروفة أو ملموسة سوى الاستقامة على طاعة الله ، والمحبة الخالصة له ولرسوله ﷺ ، والانقياد لأوامر الدين، والابتعاد عن نواهيه. وموقفهم تجاه دين الله يتمثل في العمل به ونصرته، وعلاقتهم مع الله سبحانه باتخاذه وحده ولياً لهم دون غيره، وعلاقتهم بعضهم ببعض يتمثل في التعاون والتناصح والتأييد والنصرة في الحق. وعلاقتهم مع أعداء الله يكون في عدم محبتهم أو مناصرتهم. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله قال من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبد بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها،

стр. 585

وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته"١. هذه الولاية الحقة، وهذا ما فهمه السلف الصالح عنها، لا كما يدعي الدجالون في هذا الزمان. يذكر الأستاذ رشيد رضا جوانب هامة عن حياة هؤلاء الأدعياء تحت عنوان "أولياء الخيال وأولياء الطاغوت والشيطان"، فيقول: " فأولياء الله الذين يشهد لهم كتابه بالولاية هم المؤمنون الصالحون المتقون، ولكن اشتهر بين المسلمين بعد عصر السلف ما يدلّ على أنّ الأولياء عالم خيالي غير معقول، لهم من الخصائص في عالم الغيب، والتصرف في ملكوت السموات والأرض، فوق كل ما ورد في كتاب الله وأخبار رسوله الصادقة، في أنبياء الله المرسلين، وينقلون مثل هذه الدعاوى عن بعض من اشتهروا بالولاية ممن لهم ذكر في التاريخ، ومن لا ذكر لهم إلا في كتاب الأدعياء الذين فتنوا المسلمين والمسلمات بهم، ممن يسمون بالمتصوفة وأهل الطريق، ينقلون عنهم ما يؤيدون به مزاعمهم الخرافية الشركية"٢. هذه بعض صور أولياء الله عند أولئك القوم، وهم في الحقيقة أعداء الله ورسوله والمؤمنين؛ لأنهم تركوا ما أمروا به، وفعلوا ما يخالف كتاب

стр. 586

الله وسنة رسوله ﷺ . وقد أبطل الله تعالى تلك الولاية والموالاة، لأنها لا تكون إلا لله عالم الغيب والشهادة، المتصرف في ملكوت السموات والأرض، المطلوب في كل شدة، لأجل هذا عاب الله المشركين لاتخاذهم الأولياء من دونه، فقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ أنْ يقول لهم، أجعلتم لله شركاء وعبدتموهم من دون الله، وهم لا يقدرون على نفع أنفسهم، ولا دفع الضر عنها، فكيف يستطيعون لغيرهم، وذلك ما ورد نصه في قوله تعالى: ﴿ ... قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم

стр. 587

مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾ ٢. فالله وحده هو الولي الحق الناصر للمؤمنين الصادقين، لا مولى سواه، ولا ناصر غيره، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣. وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ٤. وقال : ﴿مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.

стр. 588

وقد شبه القرآن الكريم الذين اتخذوا من دون الله أولياء يرجون نفعهم بالعنكبوت في اتخاذها بيتاً لا يغني عنها في حرٍ ولا برد، ولا مطر ولا أذى. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١. وقد أكد القرآن أنّ هذه الولاية الشركية إنّما هي نتيجة لموالاة مشركي الإنس، واستمتاعهم بالشياطين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ٣.

стр. 589

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا ... ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ ٢. وأما كيفية استمتاع شياطين الإنس وشياطين الجن بعضهم ببعض، فذكر الصحابة أنّ ذلك في الدنيا، وقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض، فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة، وأما استمتاع الجن بالإنس، فإنه كان فيما ذكر، ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم في استعانتهم بهم، فيقولون: قد سُدْنا الإنس والجن٣ ا.?. وقد بين القرآن أنّ من يطع الشيطان ويواليه، ويترك أمر الله، فقد خسر وهلك هلاكاً مبيناً واضحاً.

стр. 590

قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ . نعوذ بالله من موالاة الشياطين وأوليائهم.

стр. 591

الفصل الثاني: دحض شبهات المشركين حول الرسالة . المبحث الأول: دحض أكاذيب المشركين على القرآن . ... الفصل الثاني: دحض شبهات المشركين حول الرسالة: ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: دحض أكاذيب المشركين على القرآن: ويشتمل على ما يلي: ١- زعمهم بأن القرآن أساطير الأولين: والأساطير: جمع أسطورة، كأحدوثة وأحاديث، وأرجوحة وأراجيح. وفي اللسان: الأساطير: الأباطيل، والأساطير: أحاديث لا نظام لها ... وسطّرها ألفها، وسطر علينا: أتانا بالأساطير.."١. قال الراغب: "أساطير الأولين، أي شيء كتبوه كذباً وميناً فيما زعموا"٢. وقد زعم المشركون بأنّ القرآن الكريم إنّما هو أساطير من أساطير الأولين، جاء ذلك عنهم في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ

стр. 592

أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ١. ذكر ابن الجوزي في سبب نزولها: أن نفراً من المشركين منهم عتبة، وشيبة، والنضر بن الحارث، وأمية وأبي ابنا خلف، جلسوا إلى رسول الله ﷺ واستمعوا إليه، ثم قالوا للنضر بن الحارث: ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بَنِيَّةً ما أدري ما يقول. إلا أني أرى تحرك شفتيه، وما يقول إلا أساطير الأولين، مثلما كنت أحدثُكُم عن القرون الماضية٢. قال ابن هشام: "وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله ﷺ ، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار٣، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثاً مني؟ وأضاف ابن هشام يقول: وهو الذي قال فيما بلغني: ﴿سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا

стр. 593

أَنَزلَ اللهُ﴾ ١"٢. قال ابن إسحاق: "وكان ابن عباس ﵄ يقول فيما بلغني، أنزل فيه ثمان آيات من القرآن: قول الله : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٣. وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن". وهذه المقالة: "كانوا يطلقونها على الحكايات التي تتضمن الخوارق المتعلقة بالآلهة والأبطال في قصص الوثنيات، وأقربها إليهم كانت الوثنية الفارسية وأساطيرها"٤. ومعنى قولهم ذلك: "أي: ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل، ومنقول عنهم"٥. يقول الفخر الرازي عن مقصود المشركين بهذه التهمة:" اعلم أنه كان مقصود القوم من ذكر قولهم: ﴿إِن هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ القدح في

стр. 594

كون القرآن معجزاً، فكأنهم قالوا: إنّ هذا الكلام من جنس سائر الحكايات المكتوبة، والقصص المذكورة للأولين، وإذا كان هذا من جنس تلك الكتب المشتملة على حكايات الأولين، وأقاصيص الأقدمين، لم يكن معجزاً خارقاً للعادة"١. ومن الآيات التي قصها الله علينا من قولهم في هذا الصدد: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٤. كما ذكر القرآن الكريم هذا الافتراء على لسان المشركين في سورة المؤمنون والنمل، في معرض إنكارهم للبعث. قال تعالى في سورة المؤمنين: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ

стр. 595

هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ١. وقال في سورة النمل: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٢. وعن مغالطات المشركين ومجادلاتهم الباطلة، يقول سيد قطب: "وهم يعلمون جيداً أنّ هذا القرآن ليس بأساطير الأولين، ولكنهم إنّما كانوا يجادلون، ويبحثون عن أسباب الرد والتكذيب، ويتلمسون أوجه الشبهات البعيدة، وكانوا يجدون فيما يتلى عليهم من القرآن قصصاً عن الرسل وأقوامهم، وعن مصارع الغابرين من المكذبين، فمن باب التمحل والتماس أوهى الأسباب، قالوا عن القصص وعن القرآن كله: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ "٣. قال صاحب تفسير المنار: "وهذا شأن من ينظر إلى الشيء نظراً سطحياً، لا يستنبط منه علماً ولا برهاناً.. وأنّ مثلهم في هذا كمثل الطفل الذي يشاهد ألعاب الصور المتحركة، يديرها قوم لا يعرف لغتهم،

стр. 596

وكل حظه مما يرى من المناظر، ومن المكتوبات المفسرة لها، لا يعدو التسلية"١. ٢- زعمهم بأن الرسول ﷺ تلقاه عن بشر: ومن مفتريات المشركين على القرآن وعلى الرسول ﷺ أيضاً، زعمهم بأنّ القرآن الكريم إنّما هو من تعليم بشر. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ٢. واختلفت الروايات في تعيين الشخص الذي زعموا أنه يعلم الرسول ﷺ ، قيل: كانوا يشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم، غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعاً يبيع عند الصفا، وربما كان رسول الله ﷺ يجلس إليه ويعلمه بعض الشيء، وذلك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير، بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه٣. قال محمد بن إسحاق: "كان الرسول ﷺ فيما

стр. 597

بلغني كثيراً ما يجلس عند المروة إلى سبيعة، غلام نصراني يقال له: جبر، عبد لبعض بني الحضرمي، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... ﴾ الآية"١. وهناك روايات ضعيفة تذهب إلى أن اسمه " يعيش". وقيل: "عايش"٢. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ قناً يعلم بمكة، وكان اسمه "بلعام"، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنّما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه الآية٣. وقال آخرون: بل كانا غلامين اسم أحدهما: يسار، والآخر: جبر، وقيل: "خير"، بدل: "جبر"٤. وعن الزهري عن سعيد بن المسيب:" إنّ الذي قال ذلك رجل من المشركين، كان يكتب الوحي للرسول ﷺ ، فارتد بعد

стр. 598

ذلك عن الإسلام، وافترى هذه المقالة قبحه الله"١. وقيل: المقصود بذلك سلمان الفارسي، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسلمان إنّما أسلم بالمدينة٢. وقد ردّ الله تعالى على هذه الفرية بقوله: ﴿لِِِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ، أي: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته، ومعانيه التامة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على بني إسرائيل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟ إنّه لا يقول هذا من له أدنى مسكة عقل٣. نعم: كيف يتعلم محمد ﷺ هذا القرآن العظيم في فصاحته وبلاغته وقوة معانيه من رجل أعجمي؟!

стр. 599

ومن أين للأعجمي أنْ يأتي بهذا الكتاب الذي تحدى الله به الإنس والجن على حد سواء؟! وقال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١. يقول سيد قطب ﵀: "وهذه المقالة منهم يصعب حملها على الجد، وأغلب الظن أنها كيد من كيدهم الذي كانوا يريدونه ويعلمون كذبه وافتراءه، وإلاّ فكيف يقولون - وهم أخبر بقيمة هذا الكتاب وإعجازه – أنّ أعجمياً يملك أنْ يعلم محمداً هذا الكتاب؟ ولئن كان قادراً على مثله، لظهر به لنفسه"٢. ويضيف سيد قطب قائلاً: "واليوم بعدما تقدمت البشرية كثيراً، وتفتقت مواهب البشر عن كتب ومؤلفات، وعن نظم وتشريعات، يملك كل من يتذوق القول، وكل من يفقه أصول النظم الاجتماعية، والتشريعات القانونية أنّ مثل هذا الكتاب لا يمكن أنْ يكون من عمل بشر". ومن الآيات التي تذكر افتراءات المشركين في هذا الصدد: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

стр. 600

* اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. والمعنى وكما فصلنا الآيات من بيان التوحيد، وأنه لا إله إلاّ الله وحده، كذلك نوضح الآيات ونبينها، وليقول المشركون والكافرون المكذبون: دارست يا محمد من قبلك من أهل الكتاب وقارأتهم، وتعلمت منهم. ذكر ذلك ابن جرير وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم٢. والحق أنه لا يوجد أحد من أهل الكتاب على هذا المستوى الذي جاء به محمد ﷺ ، وهذه كتب أهل الكتاب التي كانت بين أيديهم يومذاك، ما تزال بين أيدينا، والمسافة شاسعة بين هذا الذي في أيديهم وبين القرآن الكريم. إنَّ ما بين أيديهم إنْ هو إلا روايات لا ضابط لها عن تاريخ الأنبياء والملوك، مشوبة بأساطير وخرافات من صنع أشخاص مجهولين -هذا فيما يختص بالعهد القديم-. أما العهد الجديد -وهو الأناجيل- فما يزيد كذلك على أن يكون روايات رواها تلاميذ المسيح ﵇ بعد عشرات السنين، وتداولتها
следующие страницы →