← Акыда

Акыда · id 7252

منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام

حمود الرحيلي

Полный текст (832 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

تطوف في هذا الدرع الذي لا يستر العورة، وقد حرموا على أنفسهم من الزينة والرزق ما لم يحرمه الله عليهم. فلما جاء الإسلام، أبطل هذه العادات الجاهلية، ونقى الحج من تلك الضلالات الباطلة، وجعل الحج كله خالصاً لله تعالى، وأبطل العري المزري، وذلك التحريم للطيبات التي حرموها يغير دليل. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١. فهاتان الآيتان هما ردّ على أولئك المشركين فيما كانوا يفعلونه من الطواف بالبيت عراة، وفي تحريمهم على أنفسهم شيئاً من الزينة والرزق لم يحرمه الله عليهم.

стр. 667

روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: "كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافاً١ تجعله على فرجها، وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدى منه فلا أحله فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية٢. ذُكر عن ابن عباس ﵄: أن أهل الجاهلية من قبائل العرب، كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانوا إذا وصلوا إلى مسجد منى، طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عراة، وقالوا: لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب، ومنهم من يقول: نفعل ذلك تفاؤلاً حتى نتعرى من الذنوب، كما تعرينا من الثياب، وكانت المرأة منهم تتخذ ستراً تعلقه على حقويها، لتستتر به عن الحمس، وهم

стр. 668

قريش فإنهم كانوا لا يفعلون ذلك. وكانوا لا يصلون في ثيابهم، ولا يأكلون من الطعام إلا قوتاً، ولا يأكلون دسماً، فقال المسلمون: يا رسول الله فنحن أحق أن نفعل ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، أي: "البسوا ثيابكم وكلوا اللحم والدسم، واشربوا ولا تسرفوا"١. وقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية. أي: قل يا محمد منكراً وموبخاً لهؤلاء الجهلة الذين يطوفون ببيت الله عراة، ويحرمون على أنفسهم ما أحل لهم من الطيبات، من حرّم عليكم الطيبات من المآكل والمشارب، أو الملابس المخلوقة لنفعكم؟ ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهؤلاء المشركين إنّ هذه الزينة والطيبات الموجودة في الحياة الدنيا، إنّما هي مخلوقة للمؤمنين، وإنْ شاركهم فيها الكفار، وستكون للمؤمنين خالصة يوم القيامة، لا يشاركهم فيها أحد، لأن الله تعالى حرّم الجنة ونعيمها على الكافرين٢..

стр. 669

وعليكم أيها المشركون والناس جميعاً أن تتدبروا حكمة الله وتفقهوا تشريعه.. وكانت قريش لا تخرج من الحرم، وإنما يقفون في طرف الحرم، عند أدنى الحل، ويقولون نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته، فكانوا يقفون بالمزدلفة ويدفعون منها، ولا يقفون في عرفة١. فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢. وقد روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ٣.

стр. 670

دخول البيوت من غير أبوابها: ومن سخافات الجاهلية التي أبطلها الإسلام، الدخول إلى المنزل بعد الرجوع من السفر من غير الباب، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١. وفي الصحيحين عن البراء ﵁ قال: "نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ "٢. وروى الحديث أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبي إسحاق عن

стр. 671

البراء قال: "كانت الأنصار إذا قدموا من سفر، لم يدخل الرجل من قبل بابه، فنزلت هذه الآية"١. وعن هذه العادة الجاهلية يقول سيد قطب ﵀: "وسواء كانت هذه عادتهم في السفر بصفة عامة، أو في الحج بصفة خاصة، وهو الأظهر في السياق، فقد كانوا يعتقدون أنّ هذا هو البر -أي الخير أو الإيمان- فجاء القرآن ليبطل هذا التصور الباطل، وهذا المتكلف الذي لا يستند إلى أصل ولا يؤدي إلى شيء، وجاء يصحح التصور الإيماني للبر، فالبر هو التقوى، هو الشعور بالله ورقابته في السر والعلن، وليس شكلية من الشكليات التي لا ترمز إلى شيء من حقيقة الإيمان، ولا تعني أكثر من عادة جاهلية، كذلك أمرهم بأن يأتوا البيوت من أبوابها، وكرر الإشارة إلى التقوى، بوصفها سبيل الفلاح.. وأبطل العادة الجاهلية الفارغة من الرصد الإيماني"٢ ا.?. وبهذا نرى أن الإسلام جدد دين إبراهيم ﵇، الذي كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، وجعل بيت الله الحرام منسك هذه الأمة، فأمر بحجه وعمرته، كمال قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ

стр. 672

مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ ٢. وأمر بإخلاص التوحيد لله رب العالمين، وترك ما كان عليه أهل الجاهلية من إثم وباطل، قال تعالى: ﴿ ... فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٣. هذا وقد تقدم معنا في الباب الأول صور من الشرك في العبادات، كالدعاء والغلو في قبور الأنبياء والصالحين، والذبح والنذر وغيرها، فلا داعي لإعادة الحديث عنها.

стр. 673

الفصل الثاني: النقلة بهم في السلوك والأخلاق تمهيد: ولما كانت الأخلاق هي الدعامة الأولى لحفظ كيان الأمم، وهي ضرورة للفرد والمجتمع، فقد جاء الإسلام داعياً وموجهاً إلى التمسك بالأخلاق الطيبة، والفضائل السامية، لأنها تحقق الخير والسعادة في الدنيا والآخرة. ومحذراً ومنفراً من الرذائل والعادات الجاهلية الباطلة، لأنها تسبب الضرر في العاجل والآجل. لذلك يجدر بنا أنْ نستعرض بعض الجوانب في هذا السبيل بإيجاز، لنرى مدى ما تحقق لمعتنقي الإسلام بعد عهد الجاهلية والظلام. وسنقسم الحديث في ذلك إلى قسمين: القسم الأول: في الترغيب في الفضائل القسم الثاني: في التحذير من الرذائل.

стр. 674

القسم الأول: في الترغيب في الفضائل. ومن ذلك: ١- بر الوالدين وصلة الأرحام: وتأتي رابطة الأسرة بعد رابطة العقيدة في رحاب الإيمان بالله والخضوع لربوبيته، جلّ شأنه فهو أرحم بالناس من بعضهم لبعض، وكثيراً ما يقرن الله ، بين الأمر بعبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ٢.

стр. 675

والوصية بالوالدين والطاعة لهما، والرأفة والرحمة والإحسان إليهما مقيدة بغير معصية الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١. وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: أنزلت في أربع آيات، فذكر قصته وقال: فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر، والله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أموت، أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها، فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ ، الآية٢. ومثل الآية السابقة، قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن

стр. 676

جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١. وكما أمر الله تعالى بطاعته وتقواه، والحث على عبادته وحده، أمر بصلة الرحم وعدم قطعها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢. وقرن قطيعة الرحم بالفساد في الأرض، فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ٣. ومدح الله الواصلين لرحمهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ ٤. فهذه الآيات الكريمة تبين ما للرحم من مكانة عظيمة عند الله تعالى،

стр. 677

والحث على صلتها والإحسان إليها، والتحذير من قطعها وهضمها حقها؛ لأنّ ذلك من عادات الجاهلية التي جاء الإسلام بمحوها، وقد أكد القرآن الكريم هذه الرابطة بقوله: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ١. ٢-العدل والوفاء: ولما كان الظلم والجور من العادات الجاهلية، فقد اهتم الإسلام بالعدل، وجعله أساساً للعلاقات والتعامل بين المسلمين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٣. وقال : ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.

стр. 678

إن العدل يكفل لكل فرد وكل جماعة الثقة البريئة من الميل إلى الهوى، وعدم التأثر بالحب والبغض، أو التبدل لعلاقة النسب والمصاهرة، والغنى والفقر، والقوة والضعف، إنّما تمضي الأمة في ظل الإسلام والعدل، تشق طريقها المستقيم، تكيل بمكيال واحد للجميع، وتزن بميزان واحد للكل. وهذا العدل الذي يدعو إليه الإسلام متفق مع عالمية الإسلام الخالدة، فقد جاء الإسلام لينشئ أمة مثالية، وقيماً ربانية، وموازين ثابتة للإنسانية كلها بعيداً عن التعصب لقبيلة أو أمة أو جنس أو لون، إنّما هي آصرة واحدة، ورابطة فريدة، يجتمع عليها الأسود والأبيض والأحمر والأصفر من أجل تحقيق العبودية لله رب العالمين. ومن أجل العدل والمساواة، كان الوفاء في الكيل والميزان بالقسط من أهم الأحكام الشرعية والأخلاقية، التي قررها القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا

стр. 679

كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ١. قال ابن عباس ﵄: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ ، فأحسنوا الكيل بعد ذلك"٢. وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٣. وقال تعالى حكاية عن قوم شعيب ﵇ لقومه: ﴿ ... فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ

стр. 680

إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ١. ٣- الإحسان: وفي مجال الإحسان، جاءت توجيهات القرآن الكريم تشهد بأنه كتاب روحي، يرتقي إلى أعلى مراتب السمو، ويعلو عن أية قوانين أو أخلاق بشرية. وبيّن القرآن الكريم أن الإحسان يجب أن يكون الواجب الطبيعي للإنسان، وأن الله تعالى كما أحسن إلى العبد نفسه، عليه هو أن يحسن إلى الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ٢. وبيّن القرآن أن ثمرة الإحسان تعود إلى المحسن نفسه. قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ٣. وقد أمر الله بالإحسان، وألح عليه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ

стр. 681

لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ٢. ورغب في الإتيان بالحسنات بقوله: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ ٣. ووعد المحسنين بحسن المثوبة والأمان يوم القيامة، قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ٤. وقد خص القرآن الكريم بعض الناس بالإحسان لما بينهم وبين المحسن من رابطة القربى كالإحسان إلى الوالدين وذوي القربى من الأخوة والأعمام والأخوال وسائر الأقربين، أو الجوار، أو لفئات من الناس فقدوا المعين والنصير، وأصبحوا في حاجة إلى مدّ يد العون والمساعدة.

стр. 682

والإحسان إلى اليتامى لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم، والإحسان إلى المساكين وهم المحتاجون الذين لا يجدون من يقوم بكفايتهم، وكذلك الإحسان إلى الجار من ذوي القرابة، والجار الذي ليس بينه وبين المحسن قرابة، كما أوصى الله بالإحسان إلى الصاحب بالجنب، وهو الرفيق في المجلس، أو في السفر، أو في العمل ونحو ذلك. وأوصى بالإحسان إلى ابن السبيل، وهو المسافر الذي فقد ماله في الطريق قبل أن يصل إلى بلده وأهله، وكذلك الإحسان إلى الرقيق، ومن الإحسان إليهم تحريرهم وعتقهم، وحسن معاملتهم. وفي ذلك كله يقول تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ١. وبيّن تعالى أنّ الجهاد في سبيل الله بالنفس أو بالمال، هو من الإحسان، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ َجَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.

стр. 683

وقد فسّر الرسول ﷺ الإحسان بقوله كما في حديث جبريل المشهور "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" ١. وعلى هذا فالإحسان يشمل كل عمل، وكل تعامل يقوم به الإنسان في علاقة العبد بربه، وعلاقاته مع جميع المخلوقين، ولهذا قال الرسول ﷺ : "إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء ... " ٢. ٤- الأمانة: والأمانة مسئولية أخلاقية عظيمة، لم تستطع السموات والأرض والجبال حملها عندما عرض الله ذلك عليها، بل أشفقن من تبعاتها وتكاليفها، وقد حمل الإنسان أعباء هذه الأمانة، وعليه أن يقوم بالوفاء بها. فمن قام بها وفق منهج الله تعالى، فاز بخيري الدنيا والآخرة، ومن خان أمانته، وضيع ما استأمنه الله عليه، خسر دنياه وآخرته. وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه المسئولية الأخلاقية العظيمة،

стр. 684

فقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ ١. وقد اتصف أنبياء الله ورسله بالأمانة، قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ٢. وقال تعالى عن هود ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ٣. وقال تعالى عن صالح ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ٤. وكذلك قال قوم لوط وشعيب وموسى ﵈ لأقوامهم. وقد جمع الله محاسن الأمانات وأكملها لنبينا محمد ﷺ ، فأكمل الله به الدين، وأتم به النعمة على المؤمنين إلى يوم القيامة، وقد استأمنه الله على أعظم كتاب أنزل على خير نبي، واختصه بالشفاعة

стр. 685

العظمى التي يتخلى عنها أولو العزم من الرسل. وقد مدح الله المؤمنين الذين من أجلّ صفاتهم حفظ الأمانات ورعايتها، وحفظ العهود، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ ١. ومن هنا نرى أنّ الأمانة من أعظم أمهات الأخلاق والفضائل التي جاء بها الإسلام، وحفظها الأنبياء ﵈. ٥- الصبر: ولما كان الهلع والجزع والتسخط، وعدم الصبر والتحمل من العادات الجاهلية، فقد جاء الإسلام يدعو إلى الصبر وعدم الجزع عند وقوع المصيبة، وعلى المسلم أنْ يحتسب الأجر عند الله تعالى. قال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ٢. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال

стр. 686

النبي ﷺ : "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" ١. قال ابن حجر ﵀: "قوله: "وليس منا" أي: من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ، المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لست منك ولست مني ... وقوله: "لطم الخدود" خص الخد بذلك لكونه الغالب في ذلك، وإلاّ فضرب بقيه الوجه داخل في ذلك، وقوله: "وشق الجيوب" جمع جيب، وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه: إكمال فتحته إلى آخره، وهو من علامات السخط"٢ا.?. ودعوى الجاهلية: "هي النياحة وندبة الميت، والدعاء بالويل ونحوه، والمراد بالجاهلية: ما كان قبل الإسلام"٣. وقد دعا القرآن الكريم إلى الصبر في موطن تحمل أذى الناس، قال

стр. 687

تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ ١. ودعا إليه في موطن المثابرة على العبادة، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ ٢. وقال : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ٣. وقد وعد الله الصابرين بالأجر الوفير، والثواب العظيم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٦. والصبر أنواعه كثيرة، وميادينه واسعة، وقد تحدث عنها القرآن

стр. 688

الكريم في أكثر من تسعين موضعاً، كما روى الإمام أحمد رحمه الله١، ولكنها في الجملة ترجع إلى الصبر على طاعة الله، والصبر عن معاصي الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة٢. ٦-الصدق: الكذب سلوك جاهلي، يؤدي إلى تصدع بنيان المجتمع، وإلى خلل سيره، لذلك جاء الإسلام الحنيف بالتحذير منه، وتوعد القرآن الكريم الكاذبين بالعذاب الأليم يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣. وأمر الإسلام بالصدقِ في الأقوال والأعمال، واعتبره أساساً من أسس الفضائل التي تبنى عليها المجتمعات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤.

стр. 689

قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ ١. وأخبر القرآن بأنّ الصدق من أخلاق الأنبياء، قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ ٢. وقال تعالى عن إسماعيل ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا﴾ ٣. كما وصف القرآن إدريس ومريم ﵉ وغيرهما بهذه الصفة الأخلاقية النبيلة، وتحدث القرآن عن نبينا محمد ﷺ بأنه جاء بالصدق، وهو القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ٤. وبيّن تعالى أنّه سيميز بين الصادقين في الإيمان، وبين الكاذبين فيه، فقال تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٥.

стр. 690

وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ ١. إلى غير ذلك من الآيات التي تبين ما للصدق والصادقين من مكانة عظيمة عند الله تعالى. ٧- الاستقامة وتزكية النفس: وعن الابتعاد عن الضلالات والجهالات، أمر الإسلام بالاستقامة على توحيد الله وطاعته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣. وبيّن القرآن الكريم أنَّ من اتقى ربه بفعل الطاعات، وترك المحرمات، وأصلح نفسه، فإنه لا خوف عليه في الآخرة، ولا يصيبه الحزن، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى

стр. 691

وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢. وقد امتدح الله تعالى من طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة، واتبع ما جاء به النبي ﷺ ، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَاوَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٤.

стр. 692

القسم الثاني: في التحذيرات من الرذائل ومن ذلك: ١- تقاليد الجاهلية في الحرث والأنعام: وحول ما كان يزاوله المشركون في شأن الثمار والأنعام، يقول ﵎: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١. والمعنى أن مشركي قريش جعلوا لله مما خلق من الزرع والأنعام نصيباً مما ينفقونه على الفقراء، ولشركائهم نصيباً يصرفونه على سدنتها، فقد روي: "أنهم كانوا يجعلون نصيب الله لقرى الضيفان، وإكرام الصبيان، والتصدق على المساكين، ونصيب آلهتهم لسدنتها وقرابينها، وما ينفق على معابدها"٢. وجعلوا لله مما خلق من الزرع والثمار والأنعام جزءاً وقسماً،

стр. 693

فقالوا: هذا النصيب لله بزعمهم، وهذا النصيب لشركائنا وأصنامنا، وما كان للأصنام فلا يصل إلى الله منه شيء، وما كان من نصيب الله، فهو يصل إلى أصنامهم، فقبح هذا العمل لإيثارهم المخلوق العاجز على الخالق القادر على كل شيء، ولعملهم شيئاً لم يشرعه الله تعالى لهم. قال ابن عباس: "إنّ أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثاً، أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءاً وللوثن جزءاً، فما كان من حرث أو ثمرة من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإنْ سقط منه شيء فيما سمي لله ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وقالوا إنّ الله غني والأصنام أحوج"١. وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٢. وفي هاتين الآيتين الكريمتين بيان لقبائح المشركين وجرائمهم، حيث

стр. 694

خصوا بعض الأنعام والزروع لأوثانهم، ومنعوها على غيرهم، ولا يطعمونها إلا من يريدون بزعمهم الباطل من غير دليل ولا برهان، ومن الأنعام لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح، وإنما يذكرون عليها اسم أصنامهم افتراء على الله وكذباً. ومن قبائحهم أنهم قالوا: ما في بطون هذه الأنعام حلال لذكرونا خاصة، ومحرم على أزواجنا، بمعنى أنه لا يجوز على زعمهم أن تأكل منه أزواجهم، وإن كان المولود منها ميتة، اشترك في أكله الذكور والإناث.. وسيحاسبهم الله تعالى على هذا العمل في التحليل والتحريم، بغير علم. قال تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ

стр. 695

غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١. فهذه الآيات الكريمة هي على شاكلة الآيات السابقة، فيما كان يفعله مشركوا العرب قبل الإسلام من التحليل والتحريم، إذ كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة، وإناثها تارة، وأولادها تارة أخرى، وقد بين الله تعالى كذبهم وافترائهم في نسبة ذلك التحليل والتحريم إلى الله تعالى، كما أخبرهم على لسان رسوله ﷺ عن ما هو حلال، وما هو حرام في كتابه ﵎. وكان المشركون يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ويجعلونها للأوثان، ويزعمون أنّ الله تعالى أمرهم بذلك كذباً وبهتاناً واتباعاً لآبائهم. قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ ٢.

стр. 696

والبحيرة هي: الناقة كانت إذا ولدت خمسة أبطن، فكان آخرها ذكراً، بحروا أذنها –أي شقوها- واعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تمنع عن ماء ترده، ولا من مرعى، وإذا لقيها المُعيي المنقطع به لم يركبها١. والسائبة هي: الناقة تسيب في الجاهلية، وذلك أنه إذا قدم الرجل من سفر بعيد، أو برئ من علة، أو نجته دابته من مشقة أو حرب، قال: ناقتي -أي تسيب فلا ينتفع بظهرها، ولا تمنع عن ماء، ولا من كلأ، ولا تركب٢. وقال ابن الأثير: "كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر، أو برءٍ من مرض، أو غير ذلك، قال ناقتي سائبة، فلا تمنع من ماء، ولا من مرعى، ولا تحلب، ولا تركب.. وأصله من تسيب الدواب، وهو إرسالها تذهب وتجيء حيث شاءت"٣. والوصيلة: قال المفسرون: كانت في الشاء خاصة، كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم، فإذا ولدت ذكراً

стр. 697

وأنثى قالوا وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.. وهي الشاء التي ولدت سبعة أبطن عناقين عناقين، فإنْ ولدت في السابع عناقاً قيل: وصلت أخاها، فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء، وتجري مجرى السائبة..١. وقيل: إذا ولدت الشاة ستة أبطن، نظروا فإن كان السابع ذكراً ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كانت أنثى وذكراً قالوا: وصلت أخاها فلم يذبح وكان لحمها حراماً على النساء.."٢. والحامي: هو الفحل من الإبل يضرب الضراب المعدود، قيل: عشرة أبطن، فإذا بلغ ذلك قالوا: هذا حام، أي حمى ظهره فيترك فلا ينتفع منه بشيء، ولا يمنع من ماء ولا مرعى٣. فلما جاء الإسلام أبطل هذه العادات الجاهلية كلها، فلا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ ، فيقولون أمرنا بهذا وأكثرهم لا يعقلون إنّ هذا افتراء

стр. 698

وكذب على الله تعالى؛ لأنهم يقلدون في ذلك الآباء والأجداد، ولو كانوا لا يعلمون من الدين شيئاً، ولا يهتدون إلى الحق والصواب. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ١. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم: "نزلت إنكاراً على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل.."٢. والمعنى: أخبروني أيها المشركون الجاهلون عما خلق الله لكم من الرزق الحلال فحرمتم بعضه وحللتم بعضه.. وقد أمركم الله على لسان رسوله ﷺ أنْ يقول لكم: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ . قال المراغي: "والخلاصة أنه لا مندوحة لكم من الاعتراف بأحد أمرين:

стр. 699

إما دعوى الأذن من الله لكم بالتحريم والتحليل، وذلك اعتراف بالوحي، وأنتم تنكرونه وتزعمون أنه محال. وإما الافتراء على الله، وهو الذي يلزمكم إذا أنكرتم الأول"١. وقد أنكر الله تعالى على هؤلاء المشركين لاتخاذهم شرعاً لم يأمر الله به، فقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢. وقد نهى الله تعالى المشركين ووبخهم في شأن ما تصفه ألسنتهم من الكذب هذا حلال وهذا حرام، من غير دليل ولا برهان، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ ٣. وأخبرهم أنّه سيحاسبهم يوم القيامة على ما ارتكبوا من الكذب والبهتان، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ

стр. 700

عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ١. ومن هذا يتبيّن لنا أنّ الذي يجعل الحلال حلالاً، والحرام حراماً هو الله سبحانه دون سواه، فما أحله الله؛ فهو الحلال إلى يوم القيامة، لا يملك كائن من كان أن يحرمه، وما حرمه الله تعالى؛ فهو حرام إلى يوم القيامة، لا يملك كائن من كان أن يحله. ٢- أحكام الجاهلية: وقد أبطل الله تعالى أحكام الجاهلية المبنية على الظلم والجور، والمستمدة من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعوها من عند أنفسهم، وجعل الحكم كله لله وحده. قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢. روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵄ قال:" قال

стр. 701

كعب بن أسد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إنْ اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك، فأبى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ ... إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ "١. والآية الكريمة إقرار لرسول الله ﷺ على ما فعل، وأمر له بالثبات وعدم الانخداع بكلام اليهود، فإنّ أعرضوا عن حكمك بعد تحاكمهم إليك، فاعلم أنّ حكمة الله في ذلك هي أن إرادته تمت على أن يعذبهم ببعض ذنوبهم في الحياة الدنيا قبل الآخرة، لأنّ استثقالهم لأحكام التوراة الموجودة لديهم، وتحاكمهم إليك لعلك تتبع أهواءهم، ومحاولتهم لفتنتك عن بعض ما أنزل الله إليك من القرآن كل هذه أمارات على فساد الأخلاق وانحلال روابط الاجتماع، ولا بدّ أن تكون نتيجتها

стр. 702

وقوع العذاب بهم، وقد حلّ بيهود المدينة وما حولها -بسبب غدرهم- ما حلّ. فقد أجلى النبي ﷺ بني النضير عنها، وقتل بني قريظة، وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ أي: متمردون في الكفر، مصرون عليه، خارجون من الحدود والشرائع التي اختارها الله لعباده. ثم بين تعالى بأنّهم إذا أعرضوا عن حكم النبي ﷺ ، فهل حكم الجاهلية يطلبون، وهو حكم مبني على التحيز والهوى لجانب دون آخر، وترجيح القوي على الضعيف، وإنه لا أحد أحسن حكماً من حكم الله عند قوم يوقنون ويذعنون لشرعه١. المراد بالجاهلية في الآية: والمراد بالجاهلية: إما الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام، فيكون تعبيراً لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم، يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا يصدر عن كتاب، ولا يرجع إلى وحي. وإما أهل الجاهلية وحكمهم، فهو ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى٢.

стр. 703

قال الإمام القرطبي: "والمعنى أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع.. وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونا على الأقوياء الأغنياء، فضارعوا الجاهيلة في هذا الفعل ... "١. ثم يضيف القرطبي صورة أخرى، وهي ما روي عن طاووس قال: "كانوا إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، يقرأ هذه الآية: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ، فكان طاووس يقول: (ليس لأحد أنْ يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ ونسخ) . واستطرد القرطبي قائلاً: (ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر، وذلك محرم، وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع) ، وقد أورد القرطبي في هذا الصدد بعض الأحاديث والآثار فانظره"٢. وفي قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ استفهام إنكاري وتوبيخ لمن يعرضون عن حكم الله وحكم رسوله ﷺ ، ويبتغون حكم الجاهلية. قال ابن كثير ﵀: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله

стр. 704

المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم"١. ولما كان القصد هو الإيمان بالله تعالى وحده، والكفر بالطاغوت بأنواعه، فقد أنكر الله تعالى على اليهود الذين تركوا هداية كتابهم التوراة، بل وتركوا العقل والفطرة وآمنوا بالجبت من الأوهام والدجل والخرافات، وآمنوا بالطاغوت وهو كل ما عبد من دون الله من الأوثان والأصنام والأشخاص والأهواء وغيرها، ونصروا المشركين على المؤمنين الذين اتبعوا محمداً ﷺ . قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ ٢. روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال:" لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت حبر أهل المدينة وسيدهم؟ قال:

стр. 705

نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور١ المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ قال: أنتم خير منه، قال: فأنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ ٢، وأنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ "٣. وعن ابن عباس قال: "كان الذين حزّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع والربيع بن أبي الحقيق وأبو عامر ... وسائرهم من بني النضير"٤. ولا شك أنّ البشرية عندما تحيد عن حكم الله وشرعه، تصير إلى حكم الطواغيب، وإلى حكم الجاهلية، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
следующие страницы →