كعب بن أسد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إنْ اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك، فأبى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ ... إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ "١.
والآية الكريمة إقرار لرسول الله ﷺ على ما فعل، وأمر له بالثبات وعدم الانخداع بكلام اليهود، فإنّ أعرضوا عن حكمك بعد تحاكمهم إليك، فاعلم أنّ حكمة الله في ذلك هي أن إرادته تمت على أن يعذبهم ببعض ذنوبهم في الحياة الدنيا قبل الآخرة، لأنّ استثقالهم لأحكام التوراة الموجودة لديهم، وتحاكمهم إليك لعلك تتبع أهواءهم، ومحاولتهم لفتنتك عن بعض ما أنزل الله إليك من القرآن كل هذه أمارات على فساد الأخلاق وانحلال روابط الاجتماع، ولا بدّ أن تكون نتيجتها
стр. 702
وقوع العذاب بهم، وقد حلّ بيهود المدينة وما حولها -بسبب غدرهم- ما حلّ.
فقد أجلى النبي ﷺ بني النضير عنها، وقتل بني قريظة، وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ أي: متمردون في الكفر، مصرون عليه، خارجون من الحدود والشرائع التي اختارها الله لعباده.
ثم بين تعالى بأنّهم إذا أعرضوا عن حكم النبي ﷺ ، فهل حكم الجاهلية يطلبون، وهو حكم مبني على التحيز والهوى لجانب دون آخر، وترجيح القوي على الضعيف، وإنه لا أحد أحسن حكماً من حكم الله عند قوم يوقنون ويذعنون لشرعه١.
المراد بالجاهلية في الآية:
والمراد بالجاهلية: إما الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام، فيكون تعبيراً لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم، يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا يصدر عن كتاب، ولا يرجع إلى وحي.
وإما أهل الجاهلية وحكمهم، فهو ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى٢.
стр. 703
قال الإمام القرطبي: "والمعنى أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع.. وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونا على الأقوياء الأغنياء، فضارعوا الجاهيلة في هذا الفعل ... "١.
ثم يضيف القرطبي صورة أخرى، وهي ما روي عن طاووس قال: "كانوا إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، يقرأ هذه الآية: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ، فكان طاووس يقول: (ليس لأحد أنْ يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ ونسخ) .
واستطرد القرطبي قائلاً: (ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر، وذلك محرم، وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع) ، وقد أورد القرطبي في هذا الصدد بعض الأحاديث والآثار فانظره"٢.
وفي قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ استفهام إنكاري وتوبيخ لمن يعرضون عن حكم الله وحكم رسوله ﷺ ، ويبتغون حكم الجاهلية.
قال ابن كثير ﵀: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله
стр. 704
المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم"١.
ولما كان القصد هو الإيمان بالله تعالى وحده، والكفر بالطاغوت بأنواعه، فقد أنكر الله تعالى على اليهود الذين تركوا هداية كتابهم التوراة، بل وتركوا العقل والفطرة وآمنوا بالجبت من الأوهام والدجل والخرافات، وآمنوا بالطاغوت وهو كل ما عبد من دون الله من الأوثان والأصنام والأشخاص والأهواء وغيرها، ونصروا المشركين على المؤمنين الذين اتبعوا محمداً ﷺ .
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ ٢.
روى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال:" لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت حبر أهل المدينة وسيدهم؟ قال:
стр. 705
نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور١ المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ قال: أنتم خير منه، قال: فأنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ ٢، وأنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ "٣.
وعن ابن عباس قال: "كان الذين حزّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع والربيع بن أبي الحقيق وأبو عامر ... وسائرهم من بني النضير"٤.
ولا شك أنّ البشرية عندما تحيد عن حكم الله وشرعه، تصير إلى حكم الطواغيب، وإلى حكم الجاهلية، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
стр. 706
أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ ١.
قال ابن كثير: "ذكر في سبب نزول الآية: أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى أحكام الجاهلية، وقيل غير ذلك"٢.
والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا.
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه" ٣.
ومن هذا يتبين لنا أن من ترك الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى
стр. 707
الله عليه وسلم وحكم بقوانين وضعها البشر، أو بأعراف الأسلاف، أو تقليد الآباء والأجداد، مع المخالفة للشريعة الإسلامية، معتقداً بأفضلية تلك الأحكام على حكم الإسلام، فقد حكم بغير ما أنزل الله، وبالتالي فقد عبد غير الله؛ لأن الحكم في أمر العبادة والدين هو لله وحده، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
هذا وقد استحدث كثير من المسلمين اليوم من الشرائع والقوانين، مثل ما استحدث الذين من قبلهم، وتركوا الحكم بما أنزل الله عليهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
٣- وأد البنات٢:
ومن العادات الجاهلية التي أبطلها الإسلام قتل الأولاد، ووأد البنات، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ
стр. 708
لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ١.
وهذه الأعمال التي زينتها الشياطين التي توسوس لهم، ترجع لأحد وجوه ثلاثة٢:
الوجه الأول: اتقاء الفقر الواقع أو المتوقع، فالأول هو ما بينه الله تعالى بقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ ٣.
والثاني: ما بينه بقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا﴾ ٤.
الوجه الثاني: اتقاء العار، وهو خاص بوأد البنات –أي دفنهن حيات- خشية أن يكن سبباً للعار إذا كبرن، فهم يصورون البنت لوالدها الجبار العاتي، ترتكب الفاحشة أو تقترن بزوج دونه في الشرف والكرامة، فتلحقه الخسة، أو تُسْبى في القتال.
الوجه الثالث: التدين بنحر الأولاد للآلهة تقرباً إليها، بنذر أو بغير نذر، وكان الرجل ينذر في الجاهلية لئن ولد له كذا غلاماً لينحرنّ
стр. 709
أحدهم، كما حلف عبد المطلب بن هشام لئن ولد له عشرة نفر لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، وضربت الأقداح فخر القدح على عبد الله والد النبي ﷺ ، إلا أنه فداه بذبح مائة من الإبل١.
ولولا الشرك الخبيث وتزيين الشياطين للقوم، لما راجت هذه الوسوسة عندهم، قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ ٢.
لقد خسروا بقتل أولادهم وبوأد بناتهم خسراناً عظيماً، قال صاحب المنار: "وذلك أن خسران الأولاد يستلزم خسران كل ما يرجى من فوائدهم من العزة والنصرة والبر والصلة، والفخر والزينة والسرور، كما يستلزم خسران الوالد القاتل لعاطفة الأبوة ورأفتها، وما يتبع ذلك من القسوة والغلظة والشراسة، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق التي يضيق بها العيش في الدنيا، ويترتب عليها العقاب في الآخرة"٣.
ولذلك علل سبحانه هذا الجرم بسفه النفس، وهو اضطرابها
стр. 710
وحماقتها، وبالجهل أي: عدم العلم بما ينفع ويضر.. فهذه الأعمال أقبح ما كانت عليه العرب من غواية الشرك.
قال قتادة: "هذا صنيع أهل الجاهلية، كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة، ويغذو كلبه"١.
وقد فشا وأد البنات بين القبائل العربية، وخاصة بني تميم، وقد قيل أنّ رجلاً واحداً اسمه قيس بن عاصم، وأد بضع عشرة من بناته في الجاهلية٢.
وروي أنّ أول قبيلة وأدت من العرب ربيعة، حيث أن بنتا لأمير لهم وقعت أسيرة في أيدي قبيلة أغارت عليها، فلما عقد الصلح، لم تشأ البنت العودة إلى بيت أبيها، واختارت بيت آسرها، فغضب وسن لقومه الوأد، وقلدته بقية العرب.
ويذكر أن الوأد كان مستعملاً في قبائل العرب قاطبة فكان يستعمله واحد، ويتركه عشرة، فجاء الإسلام، وقد قل ذلك فيها إلا من بني تميم، فإنهم تزايد فيهم ذلك قبيل الإسلام٣.
стр. 711
وقد شنع القرآن الكريم على الذين يئدون البنات، وقبح فعلهم المبني على الظلم والجور والجهل، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ ٢.
قال صاحب التسهيل: "الموؤدة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حية، من كراهته لها أو غيرته عليها، فتسأل يوم القيامة بأي ذنب قتلت؟ على وجه التوبيخ"٣.
وكان من الأمور الهامة التي بايع رسول الله ﷺ عليها النساء، عدم قتل أولادهن، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ
стр. 712
فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : "أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ﴾ ٢ الآية"٣.
٤- الزنا:
ولما كان الزنا من الفواحش الشائعة في الجاهلية، فقد جاء الإسلام يحذر منه أشذ الحذر؛ لأنه لا يمكن قيام أسرة ولا قيام مجتمع، في وحل
стр. 713
الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ١.
ذكر الطبري في تفسيرها عن السدي: "أما ما ظهر منها: فزواني الحوانيت، وأما ما بطن: فما خفي".
وعن ابن عباس قال: "كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرّم الله الزنا في السر والعلانية"٢.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ ٣.
ومعنى قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ أي: ابتعدوا ولا تدنوا من الزنا، وهو أبلغ من قوله: "لا تزنوا"، لأنه يفيد النهي عن مقدمات الزنا كاللمس، والنظرة، والقبلة والغمز وغير ذلك مما يجر إلى الزنا.
والقرآن الكريم يحذر من مجرد مقاربة الزنا، لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة، فالتحرز من المقاربة أضمن، فعند المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان، ومن ثم يغلق الإسلام الطريق على أسبابه الدافعة إليه،
стр. 714
توقياً للوقوع فيه.
يحرم الاختلاط، ويحرم الخلوة، وينهى عن التبرج بالزينة، ويحض على الزواج لمن استطاع، ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع، ويمنع الحواجز التي تقف في طريق الزواج؛ كالمغالاة في المهور، وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد، ويحض على مساعدة من يبتغون الزواج ليحصنوا أنفسهم، ويوقع أشد العقوبة على الجريمة حيث تقع، وعلى رمي المحصنات الغافلات دون برهان ... إلى آخر وسائل الوقاية والعلاج، ليحفظ الأسرة المسلمة من التردي والانحلال"١.
وقال تعالى: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ﴾ ٢.
ذكر ابن كثير عن مجاهد: أي: المعصية في السر والعلانية.
وفي روايته عنه: هو ما ينوي مما هو عامل.
وعن قتادة: أي سره وعلانيته قليله وكثيره.
وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة والصدائق والأخدان.
стр. 715
وقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم١.
ثم قال ابن كثير: "والصحيح أن الآية عامة في ذلك كله"٢.
وكان من شروط مبايعة النبي ﷺ للنساء في العقبة، عدم الزنا....
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٣.
وقد رغب الإسلام في الزواج الشرعي بصور متعددة، فذكره تارة بأنه من سنن الأنبياء، وهدى المرسلين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ ٤.
стр. 716
وذكره تارة في معرض الامتنان: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ١.
ويلفت القرآن الكريم نظر المرء إلى أنّ الله تعالى سيجعل الزواج سبيلاً إلى الغنى، قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى٢ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
ومن سمو الإسلام أنه شرع العقوبة الزاجرة لرذيلة الزنا: مائة جلدة للبكر، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
أو الرجم للمحصن، كما ورد في السنة الصحيحة من ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى رجل من المسلمين
стр. 717
رسول الله ﷺ -وهو في المسجد- فناداه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى عليه ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ : اذهبوا به فارجموه" ١.
٥- التبرج:
ومن الأمور التي حذّر الإسلام منها تبرج النساء، بإظهار الزينة والمحاسن للرجال الأجانب، لأنّ ذلك من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها.
قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ
стр. 718
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١.
والتبرج في اللغة: يقال ثوب مبرج صورت عليه بروج فاعتبر حسنه، فقيل تبرجت المرأة، أي تشبهت به في إظهار المحاسن، وقيل: ظهرت من برجها، أي: قصرها٢.
والتبرج: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال٣.
قال مجاهد: "كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال، فذلك تبرج الجاهلية"٤.
وقال قتادة: "وكانت لها مشية تكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن ذلك"٥.
وقال مقاتل بن حيان: "والتبرج إنها تُلقي الخمار على رأسها، ولا تشده، فيداري قلائدها، وقرطها وعنقها، ويبدوا ذلك كله"٦.
وفسّر الإمام القرطبي حقيقة التبرج بأنه: "إظهار ما ستره أحسن،
стр. 719
وهو مأخوذ من السعة، يقال في أسنانه برج إذا كانت متفرقة.
وهو أيضاً التكشف والظهور للعيون بغير حائل يستر.
وقيل: إنّ المرأة كانت تلبي الدرع من اللؤلؤ غير مخيط، وتلبس الثياب الرقاق ولا تواري بدنها"١ ا.?.
واختلف الناس في الجاهلية الأولى٢، فقيل: هي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم ﵇، وقيل ما بين آدم ونوح، وهي ثمانمائة سنة، وقيل: ما بين نوح وإدريس، وقيل: ما بين نوح وإبراهيم، وقيل: ما بين موسى وعيسى، وقيل: ما بين عيسى ومحمد ﷺ ..
وقال العباس المبرد: والجاهلية الأولى كما تقول: الجاهلية الجهلاء، قال وكان الناس في الجاهلية الجهلاء يظهرون ما يقبح إظهاره.
ويشاركه في الرأي ابن عطية، إذ قال: "والذي يظهر عندي أنه أشار للجاهلية التي لحقنها، فأمر بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كانت قبل الشرع من سيرة الكفرة، وكان النساء دون حجاب، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه، وليس المعنى أنّ ثم جاهلية أخرى، وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة التي قبل الإسلام، فقالوا: جاهلي في الشعراء، وقال ابن عباس في البخاري سمعت أبي في الجاهلية يقول غير هذا.
стр. 720
ويؤيد القرطبي هذا الرأي بتحفظ، حيث قال: "قلت: وهذا قول حسن".
ويعترض بأنّ العرب كانت أهل قشف وضنك في الغالب، وأنّ التنعم وإظهار الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة، وهي المراد بالجاهلية الأولى.
وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المشية على تدلل وتكسر، وإظهار المحاسن للرجال، إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعاً، وذلك يشمل الأقوال كلها "١ا.?
ولا شك أن الدين الإسلامي أنكر التبرج الذي كان سائداً بين نساء العرب، ومنعه بالأوامر والتوجيهات التي جاء بها القرآن الكريم، فاسمع إلى خطاب الله تعالى إلى زوجات وبنات النبي ﷺ ونساء المؤمنين بإدناء الجلابيب، كي لا يتعرض لهن فاسق بأذى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ٢.
ومن هنا يتبين لنا أنّ القرآن الكريم نهى عن التبرج والسفور، ليطهر
стр. 721
المجتمع الإسلامي من آثار الجاهلية، ويبعده عن عوامل الفتنة ودواعي الغواية.
وفي مقابل نهي الإسلام للنساء عن عادات الجاهلية الشريرة، أمرهن بالخير والبر، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله في جميع الأوامر والنواهي؛ لينلن الخير والفلاح.
٦- الإكراه على البغاء:
ومن العادات الجاهلية التي قضى عليها الإسلام، ما كان يفعله بعض الجاهليين من إكراه إمائهم على الزنا من أجل أخذ عرض من أعراض الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: "كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة، أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أبي بن سلول، فإنّه كان له إماء، فكان يكرههن على البغاء
стр. 722
طلباً لخراجهن، ورغبة في أولادهن، ورياسة منه فيما يزعم"١.
وذكر المفسرون: أنّ عبد الله بن أبي كانت له ست جوار يكرههن على الزنا، وضرب عليهم ضرائب، فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية، وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا عليه من القبائح ما لا يخفى، فإنّ من له أدنى مروءة لا يرضى بفجور من يحويه حرمة من إمائه، فضلاً عن أمرهن به، أو إكراههن عليه، لا سيما عند إرادتهن التعفف٢.
وقوله: ﴿لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ، أي: من أجل أن تحصلوا على حطام الدنيا الزائل بطريق الرذيلة والفاحشة، وقد "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن" ٣.
وقوله: ﴿وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، أي: ومن يجبرهن على ارتكاب فاحشة الزنا، فإنّ الله غفور لهن رحيم بهن، وسينتقم الله ممن أكرههن على الزنا شر انتقام.
стр. 723
٧- أكلهم للميتة والدم وما أهل به لغير الله والمنخنقة.. الخ
وأكل الجاهليون الخبائث، كالميتة والدم، وما ذبح للأصنام، فذكر عليه غير اسم الله تعالى، كقولهم باسم اللات والعزى ونحو ذلك.
ولهذا جاء الإسلام الحنيف بتحريم هذه الخبائث للأضرار الناتجة عنها دينياً ودنيوياً.
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١.
ومثل ذلك في سورة النحل٢: والميتة هي كل ما أُزهق روحه من الحيوان بغير تذكية٣، وحرمت لأنّ الحيوان إذا مات حتف أنفه احتبس الدم في عروقه، وتعفن وفسد، وحصل من أكله من مضار عظيمة٤.
ويستثنى من الميتة السمك، فإنه حلال، سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء
стр. 724
البحر؟ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" ١.
وكذلك الجراد لما في الصحيحين من حديث أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد٢.
وحرم "الدم"، والمراد به الدّم المسفوح.
قال ابن كثير: "وذلك أنّ أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئاً محدداً من عظم ونحوه، فيعضد به بعيره أو حيواناً من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة"٣.
وحرم "لحم الخنزير" أنسيه ووحشيه، وجميع أجزائه حتى الشحم٤، وذلك للأضرار الناتجة عن أكله صحياً وأخلاقياً.
стр. 725
وقد أثبت العلم الحديث أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة "الدودة الشريطية وبويضاتها المكتسبة".
يقول سيد قطب: "ولما كان هذا الاكتشاف قد احتاج إلى قرون طويلة ليكتشف آفة واحدة، فمن ذا الذي يجزم بأن ليس هناك آفات أخرى من لحم الخنزير لم يكشف بعد عنها؟ "١.
فسبحان الحكيم العالم بما يصلح لخلقه وما يضرهم.
وأما ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ فهو ما ذكر عليه غير اسم الله، أو ذبح لغير الله، كقولهم باسم اللات والعزى٢، ونحو ذلك.
أما من ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من المحرمات، بشرط ألا يكون متجاوزاً مقدار الحاجة، أو خارجاً في معصية الله، فإنّ له أن يتناول هذه المحرمات بقدر حاجته، فالله غفور رحيم بعباده، ومن رحمته أنْ أباح لهم هذه المحرمات عند الضرورة.
وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ
стр. 726
إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ... ﴾ ١.
قال صاحب الكشاف: "كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات: البهيمة التي تموت حتف أنفها، والفصيد وهو الدم في الأمعاء، يشوونه ويقولون لم يحرم من فزد -أي فَصَدَ له ... "٢.
وقد سبق بيان معنى الميتة والدم وما أهل لغير الله به في الكلام عن آية البقرة السابقة.
وأما ﴿الْمُنْخَنِقَةُ﴾ فهي التي تموت بالخنق٣.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد، كالعصا والحجر.
قال ابن عباس وغيره: "هي التي تضرب بالخشبة حتى يقذها فتموت".
وقال قتادة: "كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصا، حتى إذا ماتت
стр. 727
أكلوها"١.
وفي الصحيح أن عدي ابن حاتم قال: قلت يا رسول الله: إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: "إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله" ٢.
وأما ﴿الْمُتَرَدِّيَةُ﴾ فهي التي تقع من شاهق، أو موضع عال، فتموت بذلك.
قال ابن عباس: "المتردية التي تسقط من جبل".
وقال قتادة: "هي التي تتردى في بئر".
وقال السدي: "هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر"٣.
وأما ﴿َالنَّطِيحَةُ﴾ فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها٤، فتموت قبل أن تذكى.
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ ، هي في الحقيقة من جنس
стр. 728
الميتة؛ لأنّ كل واحدة منها ماتت ولم يسل دمها، فكانت كالميتة حتف أنفها١.
وأما ﴿مَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فهي ما عدا عليها سبع من السباع، فأكل بعضها فماتت بذلك.
وكان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة، أو البعير، أو البقرة، أو نحو ذلك٢.
وأما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ، قال الزمخشري: "كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت، يذبحون عليها، ويشرّحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها تسمى الأنصاب. قال الأعشى:
وذا النصب المنصوب لا تعبدنه ... لعاقبة والله ربك فاعبدا٣
قال ابن كثير: "فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح، حتى ولو كان يذكر عليه اسم الله، لما في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله"٤ ا.?
стр. 729
وقوله: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ﴾ ، قال الأزهري: "معنى الاستقسام: هو طلب معرفة ما قسم له من الخير والشر، مما لم يقسم له بواسطة ضرب القداح"١.
وقال عن الأزلام: "والأزلام كانت لقريش في الجاهلية، مكتوب عليها أمر ونهي وافعل ولا تفعل، وقد زلمت وسويت ووضعت في الكعبة، يقوم بها سدنة البيت، فإذا أراد رجل سفراً أو نكاحاً أتى السادان فقال: اخرج لي زلماً، فيخرجه وينظر إليه فإذا خرج قدح الأمر مضى على ما عزم عليه، وإنْ خرج قدح النهي قعد عما أراده، وربما كان مع الرجل زلمان، وضعهما في قرابه، فإذا أراد الاستقسام أخرج أحدهما، قال الحطيئة يمدح أبا موسى الأشعري:
يجز الطير إنْ مرت به سنحاً ... ولا يفيض على قسم بالأزلام٢
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ "أنّ النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت، لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل ﵉ بأيديهما الأزلام، فقال: قاتلهم
стр. 730
الله، والله إن استقْسما بالأزلام قط" ١.
وفي صحيح البخاري أيضاً أن سراقة بن مالك بن جعشم لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام هل أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره لا تضرهم، قال: فعصيت الأزلام، واتبعتهم، ثم إنه استقسم بها ثانية، وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره لا تضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك، ثم أسلم بعد ذلك٢.
وقال مجاهد عن الأزلام: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم كانوا يتقامرون.
ويعلق ابن كثير على قول مجاهد، فيقول: "وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار فيه نظر، اللهم إلا أن يقال إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة وفي القمار أخرى، والله أعلم فإنّ الله
стр. 731
سبحانه قد قرن بينها وبين القمار، وهو الميسر، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١"٢.
٨- الخمر:
الخمر في اللغة: أصل الخمر ستر الشيء، ومنه خمار المرأة، قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ٣.
وخمرت الإناء غطيته، وأخمرت العجين جعلت فيه الخمير، والخميرة سميت لكونها مخمورة من قبل، ومنه قولهم: دخل في خمار الناس، أي في جماعتهم الساترة لهم، والخمر سميت لكونها خامرة لمقر العقل٤.
جاء في اللسان: سميت الخمر خمراً لأنها تركت فاختمرت، واختمارها تغير ريحها، ويقال سميت بذلك لمخامرتها العقل٥.
стр. 732
ويطلق الخمر على الشجر الملتف١.
ومن هذا يتبين لنا أن كلمة "الخمر" تدور حول الستر، والتغطية والمخالطة، والترك وتغير الرائحة، وهي تستر عقل شاربها وتحجبه، ومن ثم يصير شاربها مستور العقل، ويتصرف بلا وعي ولا شعور.
أما الخمر في الشرع فهي: كل ما من شأنه أنْ يسكر يعتبر خمراً، ولا عبرة بالمادة التي أخذت منه، فما كان مسكراً من أي نوع من الأنواع فهو خمر شرعاً، ويأخذ حكمه، ويستوي في ذلك ما كان من العنب أو التمر أو العسل أو الحنطة أو الشعير، وما كان على شكل حبوب أو سوائل أو فواكه وغيرها.
وقد كان حب الخمر من عادات العرب التي تغلغلت في نفوسهم ودأبوا عليها، حتى خالط قلوبهم حبها.
فلما جاء الإسلام الحنيف، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم سبل السلام وطرق الخير، بغرس المبادئ السامية في الإنسان، حيث جعله لا يعبد إلا الله ولا يؤمن إلا به.. جاء يحرّم الخمر -أم الخبائث- على الناس، وذلك لما تجلبه من أضرار سيئة في النفس والبدن والخلقة على الفرد والجماعة.
ونظراً لتغلغل حب الخمر في نفوس الجاهليين، فقد كان تحريمها على
стр. 733
خطوات:
الخطوة الأولى: لما كثر سؤال المسلمين عنها، وعن لعب الميسر، لِمَا كانوا يرونه من شرورهما ومفاسدهما، أنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ ١.
والميسر: القمار، يقال: يَسَرَ الرجلُ يَيْسِرُ، فهو يسر وياسر، والجمع أيسار٢.
قال مجاهد: "كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز"٣.
ومعنى الآية الكريمة: يسألونك يا محمد عن حكم الخمر وحكم القمار، فقل لهما إنّ في تعاطيهما ضرراً عظيماً وإثماً كبيراً، ومنافع مادية ضئيلة، لأنّ ضياع العقل وذهاب المال، وتعريض البدن للمرض في الخمر وما يسببه القمار من خراب البيوت، ودمار الأسر، وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين لا يساوي ما فيهما من نفع قليل تافه.
ومن هذه الآية يتبين لنا أنّ الإثم أرجح من المنافع في الخمر والميسر،
стр. 734
وفي هذا ترجيح لجانب التحريم، ولكنه ليس تحريماً قاطعاً.
ثم تأتي الخطوة الثانية في تحريم الخمر أثناء الصلاة، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ ١.
وقد ذكر في سبب نزولها: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً، فدعا نفراً من الصحابة رضوان الله عليهم، فأكلوا وشربوا حتى ثملوا، فلما جاء وقت صلاة المغرب، قدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. وأنتم عابدون ما أعبد﴾ من سورة الكافرون، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ ٢.
وبعد أن تهيأ المسلمون لقبول حكم الله في الخمر، جاءت الخطوة الأخيرة، والقاضية بتحريم الخمر والميسر، تحريماً صريحاً، في كل وقت وحين.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ
стр. 735
رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ ١.
روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي عن عمر أنه قال: -لما نزل تحريم الخمر- قال اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ ، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى أن: لا يقربن الصلاة سكران، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعى عمر فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ ، قال عمر: انتهينا انتهينا٢.
стр. 736
قال القفال: "والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب، أنّ الله تعالى علم أنّ القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بها كثيراً، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدرج وهذا الرفق"١.
٩- الربا:
الربا لغة: الزيادة، يقال: ربا المال يربو ربواً، إذا زاد وارتفع٢.
وهو في الشرع: الزيادة على أصل المال من غير عقد تبائع٣.
وقد كان هذا الوباء منتشراً في الجاهلية إنتشاراً واسعاً، ولا ريب أنّ لليهود الذين سكنوا الجزيرة العربية اليد الطولى في انتشار هذا الداء بينهم، فاليهود هم الذين ﴿قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ٤.
والربا قسمان٥:
١-ربا النسيئة.
٢-وربا الفضل.
стр. 737
وربا النسيئة (التأجيل) هو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل.
وربا الفضل وهو بيع النقود بالنقود، أو الطعام بالطعام مع الزيادة.
وبالنظر إلى الآيات الواردة في الربا، نجد أنّ القرآن الكريم قد تعرض لهذا الداء الوبيل في أربعة مواضع:
ففي المرحلة الأولى يقول تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ١.
والآية الكريمة كما تبين أنّ الربا ليس له ثواب عند الله، فهي كذلك لم تذكر أنّ الله قد أجل لآكله عقاباً، كما تبين الآية أنّ ما أخذه المرابي من المحتاج عن طريق الاستغلال ليزيد به في ماله بلا مقابل، فإنّ ماله لن يزيد عند الله تعالى.
أما المرحلة الثانية: فقد كانت درساً وعبرة قصها علينا القرآن الكريم عن سيرة اليهود الذين حرّم عليهم الربا، فأكلوه، وعاقبهم الله بمعصيته، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ
стр. 738
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١.
وواضح أنّ هذه العبرة لا تقع موقعها إلاّ إذا كان من ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين، ولكنه حتى الآن تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح، ومهما يكن من أمر، فإنّ هذا الأسلوب كان من شأنه أن يدع المسلمين في موقف ترقب وانتظار لنهي يوجه إليهم قصداً في هذا الأمر.
ثم تأتي المرحلة الثالثة: تحمل النهي الصريح عن الربا، ولكنه لم يكن إلاّ نهياً جزئياً عن الربا الفاحش، الذي يتزايد حتى يصير أضعافاً مضاعفة٢.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.
قال ابن جرير: "إنّ الرجل كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول الذي عليه المال: أخر عني دينك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافاً مضاعفة،
стр. 739
فنهاهم الله في إسلامهم عنه"١.
وفي النداء للمؤمنين بهذا الوصف، دليل على أنّ الإيمان يتنافى مبدئياً مع أكل الربا الذي لا يكون إلا مع الجشع والظلم واستغلال المحتاجين، والإيمان إنّما يكوِّن مجتمعاً نظيفاً سليماً يبني معاملاته كلها على التراحم والتعاون على الخير.
وأخيراً تأتي المرحلة الرابعة، والتي ختم بها التشريع في الربا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ ٢.
والنص الكريم يعلق إيمان الذين آمنوا على ترك ما بقي من الربا، فإنه لا إيمان بغير طاعة وانقياد لما أمر الله به، والنص القرآني لا يدعهم في شبهة من الأمر، ولا يدع إنساناً يتستر وراء كلمة الإيمان، بينما هو لا يطيع ولا يرتضي ما شرع الله، ولا ينفذه في حياته، ولا يحكمه في معاملاته.
ولقد ترك لهم ما سلف من الربا لم يقرر استرداده منهم، ولا
стр. 740
مصادرة أموالهم كلها، أو جزء منها، بسبب أنّ الربا كان داخلاً فيها.. إذ لا تحريم بغير نص، ولا حكم بغير تشريع.. وفي الوقت ذاته علق اعتبارهم مؤمنين على قبولهم لهذا التشريع وإنفاذه في حياتهم منذ نزوله وعلمهم به.. واستجاش قلوبهم –مع هذا- شعور التقوى لله، وهو الشعور الذي ينوط به الإسلام تنفيذ شرائعه، ويجعله الضمان الكامن في ذات الأنفس، فوق الضمانات المكفولة بالتشريع ذاته.
وإلى جوار صفحة الترغيب هذه صفحة الترهيب.. الترهيب الذي يزلزل القلوب: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرسُولِهِ﴾ .
يا للهول حرب من الله ورسوله.. حرب تواجهها النفس البشرية، حرب رهيبة معروفة المصير، مقررة العاقبة.. فأين الإنسان الضعيف الفاني من تلك القوة الجبارة الساحقة الماحقة؟ "١.
ولقد كتب رسول الله ﷺ بهذه الآيات إلى عتاب بن أسيد نائب مكة، من أجل محاربة بني المغيرة إذا لم يقلعوا عن التعامل بالربا، فقالوا: "نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا" فتركوه كلهم٢.