وقد أخرج البيهقي حديث المثنى بن الصباح الذي قال الإمام أحمد هذا الحديث حديثه، رواه من طريق الحسن بن حفص، عن سفيان - يعني الثوري - عن المثنى، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: جاء أعرابى إلى رسول الله ﷺ فقال: إنا نكون في الرَّمل، وفينا الحائضُ والجنبُ والنُّفَساءُ، فيأتي علينا أربعةُ أشهرٍ لا نجد الماء، قال: «عليك بالتراب» - يعني التيمم. قال البيهقي: «هذا حديث يعرف بالمثنى بن الصباح عن عمرو، والمثنى غير قوي. وقد رواه الحجاج بن أرطاة، عن عمرو إلا أنه خالفه في الإسناد؛ فرواه عن عمرو، عن أبيه، عن جده، واختصر المتن فجعل السُّؤال عن الرجل لا يقدر على الماء، أيُجامِع أهلَه؟ قال: نعم … ». (١)
فالحديث معروف لمثنى بن الصَّبَّاح، وأخذه عنه الحجاج ثم خالفه في السند وفي المتن، فلذلك أنكره الإمام أحمد من حديث الحجاج.
ومنه أيضاً:
قال عبد الله: «حدثني مجاهد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن عُبيد، قال: حدثنا مِسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر قال: أتَتِ النبي ﷺ بواكي فقال: «اللهم اسقنا غَيثاً مُغيثاً مَريئاً مريعاً نافعاً غيرَ ضارٍّ عاجلاً غير آجِلٍ». قال: فأطبقت عليهم. فحدثت بهذا الحديث أبي فقال أبي: أعطانا محمد بن عُبيد كتابه عن مِسعر، ولم يكن هذا الحديث فيه، ليس هذا بشيء، كأنه أنكره من حديث محمد بن عُبيد. قال أبي: وحدثناه يعلى أخو محمد قال: حدثنا مِسعَر، عن يزيد الفقير مرسلاً، ولم يقل بواكي، خالفه». (٢)
стр. 1017
حديث محمد بن عبيد أخرجه أبو داود (١)، وعبد بن حميد (٢)، وابن خزيمة (٣)، والحاكم (٤)، والخطيب (٥)، والبيهقي (٦). وصححه الحاكم، والنووي، والألباني (٧).
وفيه علة خفية كشفها الإمام أحمد، وهي أن الحديث ليس من حديث محمد بن عبيد، بدليل أنه اطلع على كتاب محمد بن عبيد عن مِسعر، ولم يكن هذا الحديث فيه.
ثم ذكر أن يعلى بن عبيد حدثهم به، عن، مسعر، عن يزيد الفقير (٨) مرسلاً،
ليس فيه جابر. (٩)
فعلى ما ذكره الإمام أحمد فالظاهر أن محمد بن عبيد روى الحديث عن أخيه، فدلسه بإسقاطه ووقع في الخطأ فرفعه وهو مرسل.
وقد يقال لا يلزم من عدم وجود الحديث في كتاب محمد بن عبيد أن لا يكون الحديث عنده عن مسعر، فقد يكون سمعه ولم يدونه وحدث به من حفظه، فالجواب أنه يحتمل أنه تحمل الحديث من أخيه ثم غلط في روايته، فرفعه وزاد في المتن ما ليس منه - وهو قوله: أتت بواكي.
стр. 1018
وعلى القول بالتوقف في قبول ما ذكره الإمام أحمد، وإثبات أنه من حديثه، فروايته معارضة برواية أخيه يعلى بن عبيد، وكان أحمد يقول: يحيى أصح حديثاً من محمد وأحفظ (١). وقال أيضاً: «يحيى صحيح الحديث، وكان في بدنه صالحاً، وكان محمد أخوه يخطئ ولا يرجع عن خطئه». (٢) فترجح روايته لأنه أثبت. وذكر الحافظ ابن حجر عن الدارقطني أنه قال: «رواية من قال عن يزيد الفقير من غير ذكر جابر أشبه». (٣)
стр. 1019
المبحث الثاني: مراتبُ الرُّواةِ عن الأَعلامِ عند الإمام أحمد ومن يُرجّح قولُه منهم عند الاختلاف
اهتمّ الأئمة النقاد بالموازنة بين رواة الأخبار توثيقاً وتضعيفاً، فكثيراً ما يرد عنهم التوثيق والتضعيف نسبييْن، فيقولون: فلان أحب إليّ من فلان، أو أحفظ، أو أثبت، أو أصح حديثاً. وأخص من هذا موازنتهم بين الرواة عن بعض الأعلام المشهورين بكثرة الرواية والتلاميذ، حتى إن بعضهم قد رتبهم على طبقات (١)، كل طبقة تجمع صنفاً متجانساً من التلاميذ يشتركون في صفة واحدة تخصهم وتمييزهم عن غيرهم.
وفائدة هذه الموازنة معرفة من يقدَّم قوله عند الاختلاف، وتمييز من يصلح للاحتجاج به عند التفرد من غيره، وهذه المعرفة بمنزلة تتمة الطريق لكشف علل الأخبار وتمييز الصحيح منها من السقيم، ولا فائدة لجمع الطرق إذا لم توجد هذه المعرفة لدى الناقد، فبدونها لا يتمكن من تمييز الخطأ من الصواب، وإن اجتمعت لديه الطرق وتمثلت أمامه.
وكان الإمام أحمد قد أولى هذا الجانب عناية فائقة، ففي كلامه في الرجال نصوص كثيرة في التوثيق والتضعيف النسبيين، والتمييز بين الرواة عن بعض
стр. 1020
الأعلام فنص على من يقدَّم قولُه منهم عند الاختلاف، وكذلك في أثناء كلامه في إعلال الأحاديث يوجد جملاً من هذا أيضاً.
وفي هذا المبحث سأورد كلام الإمام أحمد في بيان مراتب الرواة عن بعض الأعلام الذين تدور غالب الأحاديث الصحيحة عليهم، ومن يرجح قوله منهم عند الاختلاف لوجود عوامل الترجيح فيه أكثر من غيره، وبيان تلك العوامل. كما أذكر بعض النماذج من اختلافهم على شيخهم وكيف رجح الإمام أحمد بينهم بناء على ترتيبهم الطبقي.
أصحاب عبد الله بن عمر
أشهر تلاميذه سالم ابنه ونافع مولاه. وقد اختلف قوله في الترجيح بينهما عند الاختلاف.
فقال المرُّوذي: «قلت: فإذا اختلف سالم ونافع، لمن تحكم؟ قال: نافع قد قدم سالماً على نفسه. وقد روى عنه، وكان مشمرّاً. قلت: لم أَرد الفضل، إنما أردت الحديث، إذا اختلفا، فقلبُك إلى أيهما أميل؟ قال: جميعاً عندي ثبت، وذهب إلى أن لا يقضي لأحد». (١)
فتوقف الإمام أحمد عن الترجيح بينهما.
وكذلك قال حرب بن إسماعيل الكرماني، قال: «قيل لأحمد إذا اختلف سالم ونافع في ابن عمر من أحب إليك؟ قال: ما أتقدم عليهما». (٢)
ومما يدل على تقديمه لسالم أنه جعل أصح الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه (٣).
ومع رواية المروذي التوقف عن الإمام أحمد فقد روى عنه أنه مال إلى قول نافع في اختلافهما في حديث: «من باع عبداً له مال».
стр. 1021
قال المروذي: «وذكرت له حديث نافع عن ابن عمر عن عمر: «من باع عبداً وله مال فماله للبائع»، فقال: خالفه سالم، هكذا رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . قلت: فأيما الثبت؟ فتبسّم، وقال: الله أعلم. قلت: ما الذي يميل إليه قلبك منهما؟ قال: أرى - والله أعلم - إلى نافع». (١)
وذكر ابن رجب أن غير المرّوذي نقل عن أحمد أنه رجح قول نافع في وقف حديث: «فيما سقت السماء العُشر». (٢)
واختلفا في ثلاثة أحاديث أخرى غير هذين: هما: حديث: «إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد منها راحلة»، رواه سالم عن أبيه عن النبي ﷺ ، ورواه نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله. وحديث: «تخرج نار من قبل اليمن فتحشر الناس … ». رواه سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ورواه نافع، عن ابن عمر، عن كعب قوله. (٣) وحديث: رفع اليدين في الصلاة، رفعه سالم عن أبيه، ووقفه نافع على ابن عمر. (٤)
وكلام الإمام أحمد في ترجيح قول نافع على قول سالم في الحديثين المذكورين ليس منبياً على تقديمه له على سالم، بل لقرينة كون نافع لم يرو الحديث على الجادة، فدل على مزيد ضبطه له، فلا يؤخذ من ذلك تقديمه مطلقاً على سالم، وبهذا يجمع بين توقفه عن التقديم بينهما وتقديمه لرواية نافع في تلك الموضعين، والله أعلم.
ومن تلاميذه عبد الله بن دينار مولاه، وقد تقدم قول أحمد فيه لما سئل عنه عن ابن عمر فقال: ثقة، إلا في حديث واحد يرويه، ويقصد بذلك حديث النهي عن بيع والولاء وهبته حيث يرى أنه خالف نافعاً فيه (٥).
стр. 1022
وقال الساجي عن أحمد: سئل عنه فقال: «نافع أكبر منه، وهو ثبت في نفسه، ولكن نافعٌ أقوى منه». (١)
فهذا يدل على أن عبد الله بن دينار دون نافع في ابن عمر عند أحمد.
ومنهم مجاهد بن جبر، وكان أكبر سناًّ من نافع، وجعله الإمام أحمد دون نافع في العلم عن ابن عمر، وأنكر عليه حديثاً لمخالفته لسالم، ونافع.
قال ابن هانئ: «وسئل - يعني أبا عبد الله أحمد بن حنبل - عن حديث مجاهد: «ما رأيت ابن عمر رفع يديه إلا حين يفتتح الصلاة»، فقال: هذا خطأ، نافع وسالم أعرف بحديث ابن عمر، وإن كان مجاهد أقدم، فنافع أعلم منه». (٢)
وحديث مجاهد هذا رواه أحمد (٣)، وابن أبي شيبة (٤)، والطحاوي (٥)، عن أبي بكر بن عياش، عن حُصين، عن مجاهد عن ابن عمر. وذكره البخاري تعليقاً في «كتاب رفع اليدين في الصلاة». (٦)
ولم يرد عن الإمام أحمد الكلام في غيرهم من تلاميذ ابن عمر مثل سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، لأن هؤلاء هم أكثر تلاميذه حديثاً عنه.
أصحاب نافع مولى ابن عمر
قال أبو داود: «قلت لأحمد: أصحاب نافع؟ قال: أعلم الناس بنافع عبيد الله
стр. 1023
وأرواهم. قلت: فبعده مالك؟ قال: أيوب أقدم. قلت: تقدم أيوب على مالك؟ قال: نعم». (١)
فجعل عبيد الله أثبتهم، ثم أيوب، ثم مالك.
وكذلك قال في رواية ابن هانئ: «ليس أحد في نافع أثبت من عبيد الله بن عمر، ولا أصح حديثاً». (٢)
وفي رواية المروذي: «قيل له: عبيد الله أثبت أو مالك في نافع؟ قال: ليس أحد أثبت في نافع من عبيد الله». (٣)
وقال أبو زرعة الدمشقي: «وسمعت أحمد بن حنبل يُسأل: من الثبت في نافع: عبيد الله، أم مالك، أم أيوب؟ فقدّم عبيد الله بن عمر، وفضله بلقي سالم والقاسم، وقال: هو من أهل البلد، يريد أن أهل البلد أعلم بحديثهم. قلت له: فمالك بعده؟ قال: إن مالكاً لثبت. قلت له: فإذا اختلف مالك وأيوب؟ فتوقف، وقال: ما أجترئ على أيوب، ثم عاد في ذكر عبيد الله فقال: شيخ من أهل البلد». (٤)
فتوقف في هذه الرواية فيما إذا اختلف مالك وأيوب، وذلك لجلالة أيوب.
وذكر ابن رجب رواية أخرى لابن هانئ عن أحمد قال: أوثق أصحاب نافع عندي أيوب، ثم مالك، ثم عبيد الله. (٥) ولم أقف عليها.
واعتبر الإمام أحمد في التقديم كثرة الأحاديث، لأنه قال في عبيد الله: هو أرواهم، فإن ذلك يدل على طول ملازمة الراوي لشيخه وبالتالي شدة معرفته
стр. 1024
لحديثه. وكذلك اعتبر قِدمَ السَّماع، حيث قال: أيوب أقدم، فقدّمه على مالك من أجل ذلك، وكذلك عبيد الله، قدّمه أيضاً لقدم سماعه، حيث إنه قد أدرك سالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. واعتبر التثبت أيضاً، وهو الإتقان وقلة الخطأ، حيث قال: إن مالكاً لثبت، ومقتضى هذا الوصف أن يقدمه على أيوب لكنه توقف عن ذلك لجلالة أيوب.
ويظهر أن كلام الإمام أحمد في الترتيب بين أصحاب نافع كان قاصراً على هؤلاء الرواة الثلاثة الذين هم أثبت أصحابه وأرواهم عنه، ولم يقسم معظم أصحاب نافع كما فعل ذلك ابن المديني، والنسائي بعده (١)
مثال لما اختلف أصحاب نافع فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
ومما اختلف فيه أصحاب نافع حديث ابن عمر أنه رمل من الحَجر إلى الحَجر.
قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: يرمل من الحَجر إلى الحَجر، قلت لأحمد: أليس أيوب يروي - أعني عن نافع - عن ابن عمر أنه مشى ما بين الركن إلى الحَجر؟ قال: بلى، ولكن يخالَف أيوب فيه، وذكر أن غيره روى أنه رمل من الحجر إلى الحجر - يعني ابن عمر». (٢)
ولم أقف على رواية أيوب؛ ورواه عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر «أنه رمل من الحجر إلى الحجر، ويقول إن رسول الله ﷺ كان يفعله». (٣)
ورواه مالك عن نافع، عن ابن عمر «أنه كان يمشي من الحجر الأسود إلى
стр. 1025
الحجر الأسود»، ولم يذكر المرفوع (١).
وفي رواية يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله: «قلت لنافع: أكان يمشي ما بين الركنين؟ قال: إنما كان يمشي لأنه أيسر لاستلامه». أخرجه البيهقي (٢)؛ وعند أحمد (٣): «ليكون أيسر لاستلامه».
ورواية سليم بن أخضر قريبة منها: «فذكروا لنافع أنه كان يمشي ما بين الركنين؟ فقال: ما كان يمشي إلا حين يريد أن يستلم». أخرجها أحمد (٤)
وتابع العمري الصغير عبد الله بن عمر عبيدَ الله ومالكاً (٥) على الرمل من الحجر إلى الحجر.
فرجح الإمام أحمد رواية عبيد الله ومالك على رواية أيوب، فدل على أنه إذا اجتمع اثنان من الثلاثة يقضى لهما على الآخر.
أصحاب ابن شهاب الزهري
نصّ الإمام أحمد في أكثر من رواية على أن أثبتهم وأصحهم حديثاً هو مالك بن أنس. وذكر بعده من ثقات أصحابه: معمر، وابن عيينة، وعقيل، وشعيب، ويونس.
قال ابن هانئ: «سألت أبا عبد الله: أيُّما أثبت عندك في حديث الزُّهري:
стр. 1026
معمر، وابن عيينة، أو مالك، أو يونس، أو إبراهيم بن سعد، أو محمد بن الوليد الزُّبَيدي، أو عُقيل؟ قال: معمر أحبهم إليّ وأحسنهم حديثاً وأصح بعد مالك. ويونس أسند أحاديث رويت عن الزهري، لم يجاوز بها الزهري حدّث بها عن الزهري، عن سعيد بن المسيب». (١)
فجعل بعد مالك معمراً، وقدمه على بقية أصحاب مالك الثقات ما عدا مالك. كما أخّر يونس لأخطائه على الزهري بإسناد أشياء من رأي الزهري إلى سعيد بن المسيب.
وقال في رواية أخرى: «قيل له: فأي أصحاب الزهري أحب إليك؟ قال: مالك أحب إلي في قلة روايته، وبعده معمر، وما يضمّن إلى معمر أحد إلى أصبت معمراً يفوقه وأطلب منه للحديث، وقال: هذا أول من رحل إلى اليمن وإلى الجزيرة. قيل له: يونس وعقيل، قال: هؤلاء يحدثون من كتاب، وكان معمر يحدث حفظاً، فيحذف منها - من الأحاديث - وكان أطلبهم للعلم». (٢)
وقال أبو طالب: «قال أبو عبد الله: مالك أثبت في حديث الزهري من جميع من روى عنه في قلة ما روى، سفيان فخطئ في خمسة عشر حديثاً من حديث الزهري، ومعمر أثبت من سفيان». (٣)
ففي هذه الرواية أيضاً قدم مالكاً على جميع من روى عن الزهري، وقدم معمراً على سفيان بن عيينة.
وقال عبد الله: «قلت له: أيما أثبت أصحاب الزهري؟ فقال: لكل واحد منهم علة، إلا أن يُونس وعقيلا يؤديان الألفاظ، وشعيب بن أبي حمزة، وليس
стр. 1027
هم مثل معمر، معمر يقاربهم في الإسناد. قلت: فمالك؟ قال: مالك أثبت في كل شيء، ولكن هؤلاء الكثرة، كم عند مالك، ثلاثمائة حديث أو نحو ذا، وابن عيينة نحو من ثلاثمائة حديث. ثم قال: هؤلاء الذين رووا عن الزهري الكثير: يونس، وعُقيل، ومعمر. قلت له: شعيب؟ قال: شعيب قليل، هؤلاء أكثر حديثاً عن الزهري. قلت: فصالح بن كيسان، روايته عن الزهري؟ قال: صالح أكبر من الزهري، قد رأى صالح ابنَ عمر. قلت: فهؤلاء أصحاب الزهري، قلت: أثبتهم مالك؟ قال نعم، مالك أثبتهم، ولكن هؤلاء الذين قد بَقَروا عِلمَ الزهري: يونس، وعقيل، ومعمر. قلت له: فبعد مالك من ترى؟ قال: ابن عيينة. قلت له: الموقري يجيء عنه العجائب. قال ليس ذاك بشيء». (١)
فهنا قسم الأثبات من أصحاب الزهري إلى فريقين: من لم يكن كثير الحديث، وهم مالك، ابن عيينة، وشعيب. ومن كان كثير الحديث، وهم: معمر، ويونس، وعقيل. وجعل أثبتهم على الإطلاق مالك على قلة روايته عن الزهري، وبعده ابن عيينة. وهذا يخالف رواية ابن هانئ حيث جعل معمراً بعد مالك، وكان فيمن سئل عنهم ابن عيينة، ومفهوم ذلك أنه قدم معمراً عليه، ويخالف كذلك رواية أبي طالب.
وذكر جانباً لاستحسانه لحديث عقيل ويونس وشعيب عن الزهري، وهو كونهم يذكرون ألفاظ الأداء، وكان معمر يحذف ذلك لأنه كان يحدث من حفظه كما تقدم في رواية ابن هانئ.
وفي رواية أخرى لعبد الله ذكر الإمام أحمد وجه تقديم مالك على ابن عيينة، وهو قلة خطئه في حديثه عن الزهري بالمقارنة مع ابن عيينة.
стр. 1028
قال عبد الله: «سمعت أبي يقول: كنت أنا وعلي بن المديني فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري، فقال علي: سفيان بن عُيينة وقلت أنا: مالك بن أنس، قلت: مالك أقل خطأ عن الزهري، وابن عُيينة يُخطئ في نحو عشرين حديثاً عن الزهري، في حديث كذا، وحديث كذا، فذكرت منها ثمانية عشر حديثاً، وقلت: هات ما أخطأ فيه مالك، فجاء بحديثين أو ثلاثة، فرجعت فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عُيينة فإذا هي أكثر من عشرين حديثا». (١)
وفي رواية حرب الكرماني أيضاً قدم مالكاً على ابن عيينة وقال: هو أصح حديثاً، وقدمه أيضاً على معمر، وقال: إلا أن معمراً أكثر حديثاً عن الزهري اهـ (٢)
وكذلك اعتبر عامل قلة الخطأ النسبي في تقديم عقيل، وإبراهيم بن سعد على يونس.
قال المروذي: «سئل عن عقيل ويونس؟ فقال: عقيل، وذاك أن يونس ربما رفع الشيء من رأي الزهري يصيره عن ابن المسيب، وقال قد روى يونس عن عقيل». (٣)
وحكى ابن رجب عن أحمد أنه قال: «عقيل، وإبراهيم بن سعد عن الزهري أقل خطأ من يونس». (٤)
وأما شعيب، وعقيل، ويونس، فقد جاء ترتيب بينهم في رواية أبي زرعة
الدمشقي.
قال أبو زرعة: «وأخبرني أحمد بن حنبل قال: رأيت كتب شعيب، فرأيت
стр. 1029
كتباً مضبوطة مقيّدة، ورفع من ذكره. فقلت: فأين هو من يونس بن يزيد؟ قال: فوقه. قلت: فأين هو من عُقيل بن خالد؟ قال: فوقه. قلت: فأين هو من الزُّبَيدي؟ قال: مثله». (١)
فجعل شعيباً والزُّبَيدي (٢) في مرتبة واحدة فوق عقيل، ويونس.
ويتلخص من هذا أن مالكاً هو أثبت أصحاب الزهري عند الإمام أحمد، ثم معمر وابن عيينة، واختلف عنه في التقديم بينهما. ثم بعدهم شُعيب، والزُّبَيدي في مرتبة واحدة، ثم عقيل، ثم إبراهيم بن سعد، ثم يونس.
وهؤلاء الذين ذكرهم الإمام أحمد هم المقدمون في أصحاب الزهري، ولم يرد عنه تقسيم جميع أو معظم تلاميذ الزهري على الطبقات كما فعل ذلك محمد بن يحيى الذهلي، والنسائي، وابن حبان، والحازمي (٣).
واعتبر الإمام أحمد في التقديم: الإتقان والضبط المنجليان في قلة الخطأ، وكثرة الحديث الدال على العلم بحديثه وطول الصحبة له.
من تكلم فيهم من أصحاب الزهري في حديثهم عنه
فأما الذين تكلم فيهم الإمام أحمد في حديثهم عن الزهري فهم:
فمن الثقات:
منصور بن المعتمر؛ قال صالح: قلت لأبي: قوم قالوا: منصور أثبت في الزهري من مالك؟ قال: وأي شيء روى منصور عن الزهري، هؤلاء جهال، منصور إذا نزل إلى المشايخ اضطرب، إلى أبي إسحاق، والحكم،
стр. 1030
وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل». (١)
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب؛ سأله المروذي عنه فقال: هو ثقة، قال له: في الزهري؟ قال: كذا وكذا، حدث بأحاديث كأنه أراد خولف فيها اهـ (٢).
هشيم بن بشير؛ قال أبو طالب: «ما صح من سماع هشيم عن الزهري إلا أربعة أحاديث يقول: حدثنا الزهري، والحديث الطويل حديث الرجم، وحديث صفية، وحديث المجادلة، وحديث ابن عمر: «ما استيسر من الهدي»، وما كان غير ذلك يقول: لا أدري من سفيان بن حسين سمعته أو الزهري. قلت: يقولون إن شعبة رضي بكتابه؟ قال: لا، ليس هذا بشيء إنما سمع بالموسم فنسي». (٣)
موسى بن عقبة؛ قال أحمد: «ما أُراه سمع من ابن شهاب، إنما هو كتاب نظر فيه». (٤)
جعفر بن برقان: قال الميموني: قال أحمد بن حنبل: «جعفر بن بُرقان ثقة ضابط لحديث ميمون، وحديث يزيد بن الأصم، وهو في حديث الزهري يضطرب ويختلف فيه». (٥) وسأله ابن هانئ: «أيما أحب إليك: جعفر بن برقان أو شعيب بن أبي حمزة في حديث الزهري؟ قال: جعفر ليس مثل هؤلاء». (٦)
وممن دونهم:
محمد بن أخي الزهري، ومحمد بن إسجاق. سئل الإمام أحمد عنهما في حديث الزهري أيهما أحب إليه؟ قال: «ما أدري، كأنه ضعفهما». (٧).
стр. 1031
سفيان بن حسين؛ قال أحمد: «ليس هو بذاك، في حديثه عن الزهري
شيء» (١).
صالح بن أبي الأخضر؛ قدم سفيان بن حسين عليه (٢)، وتقدم أنه ذكر متابعته لمعمر فقيل له: صالح يحتج به؟ فقال: «يُستدل به يُعتبر به». (٣)
مثال لما اختلف أصحاب الزهري فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «حدثني أبي، قال: أخبرنا سفيان قال: حفظتُه من الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أن عمر طاف بالبيت بعد الصبح سبعاً، ثم خرج فلم يصلّ الركعتين إلا بذي طوى وطلعت الشمس. سمعت أبي يقول: قال ابن أبي ذئب وغيره، حدثناه يحيى بن سعيد، عنه، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أن عمر طاف بالبيت، وهو الصواب - يعني عن حُميد». (٤)
ذكر الإمام أحمد هنا الاختلاف بين ابن عيينة ويحيى بن سعيد الأنصاري، في شيخ الزهري في أثر عمر. فرواه ابن عيينة عن الزهري، عن عروة؛ ورواه يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن حُميد، ولم يذكر رواية غيرهما من أصحاب الزهري، ورجح رواية يحيى بن سعيد على رواية ابن عيينة.
والظاهر أن ترجيح الإمام أحمد ليس مبنياً على رواية يحيى بن سعيد بمفردها فقد تابعه مالك (٥)، ومعمر (٦)، ولا تخفى هذان الطريقان عليه.
стр. 1032
وتابع ابن عيينة (١) صالح بن كيسان (٢)، وأسامة بن زيد الليثي (٣).
واجتماع مالك ومعمر يقضي على رواية ابن عيينة بالخطأ، فمالك أثبت منه في الزهري، وكذلك معمر في رواية ابن هانئ عن أحمد، فلو انفرد كل واحد منهما لكان قوله مقدماً على قول سفيان، فكيف وقد اجتمعا.
وقد خطأ رواية ابن عيينة الشافعي (٤)، وأبو حاتم (٥).
قال الخلال: أخبرني أحمد بن أصرم قال: «سألت أبا عبد الله عن حديث الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن حزين بن جابر، عن كعب قال: لما كلّم الله موسى … فقلت: إن معمراً يقول: حزين بن جابر، ويقول يونس: جزء بن جابر، وشيعب بن أبي حمزة: حزن بن جابر، فأيها عندك أعرف؟ قال: قول معمر». (٦)
حديث معمر ويونس كلاهما عند الطبري (٧)، ولفظه: قال كعب: «إن الله جل ثناؤه لما كلّم موسى كلّمه بالألسنة كلها قبل كلامه، يعني كلام موسى، فجعل يقول: يا رب، لا أفهم حتى كلّمه بلسانه آخر الألسنة، فقال: يا رب هكذا كلامك؟ قال: لا، ولو سمعت كلامي - أي على وجهه - لم تك شيئا»، وقال في
стр. 1033
رواية معمر: أخبرني جزء بن جابر. وكذلك وقع عند عبد الله بن أحمد بن حنبل (١) من ثلاث طرق عن معمر.
وكذلك قال في رواية يونس.
ورواية معمر عند البخاري (٢): جريز بن جابر. وعند ابن أبي حاتم (٣): جزي بن جابر، وقال: تابعه الزُّبيدي. وأما البخاري فذكر أن رواية يونس والزبيدي وابن أخي الزهري سواء: جزؤ. وفي نسخة: جرو (٤).
والاختلاف في تحقيق ما ذكره كل واحد من الرواة كثير، وأغلبه راجع إلى التصحيف، إلا أن الشاهد أن الإمام أحمد قدم قول معمر على قول يونس، وشعيب. ولم يذكر قول من سواهما. والظاهر أنه مشى على أصله في الترتيب بين معمر، وشعيب، ويونس، وأيضاً قد ذكر أحمد أن شعيباً ويونس كانا أصحاب كتب، ومعمر يحفظ، والتصحيف قليل من الحافظ بالمقارنة بصاحب الكتاب كما تقدم عن الإمام أحمد.
أصحاب سعيد بن أبي سعيد المقبري
قال عبد الله: «قال أبي: أصح النَّاس حديثاً عن سعيد المقبري لَيْث بن سعد، وعبيد الله بن عمر يُقدَّم في سعيد. وقال يحيى بن سعيد: ابن عجلان لم يَقف على حديث سعيد المقبري، ما كان عن أبيه عن أبي هريرة، وما روى هو عن أبي هريرة، أضعفهم عنه حديثاً أبو معشر». (٥)
стр. 1034
فجعل الإمام أحمد الليث بن سعد أصح الناس حديثاً عن سعيد المقبري.
وقد ذكر سبب تقديمه في موضع آخر:
قال عبد الله: «سمعت أبي يقول: أصح الناس حديثاً عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري ليث بن سعد، يَفصِل ما روى عن أبي هريرة، وما روى عن أبيه، عن أبي هريرة، هو ثبت في حديثه جداًّ». (١)
وقدم عبيد الله بن عمر في أصحاب سعيد المقبري أيضاً، لكن هل معنى هذا أنه مقدم حتى على الليث أو لا؟ فهذا محل بحث.
أما محمد بن عجلان، فذكر أنه اختلطت عليه أحاديث سعيد المقبري عن أبي هريرة، وعن أبيه، عن أبي هريرة فجعلها كلها عن أبي هريرة. فهذا يدل على خفة ضبطه وتمييزه لحديث المقبري، فلذلك أخره الإمام أحمد عن طبقة الأثبات من أصحاب المقبري.
وقال عبد الله: «سُئل أبي عن ابن عجلان وابن أبي ذئب؟ قال: ابن عجلان اختلطت عليه فجعلها كلها عن سعيد، عن أبي هريرة. وليت بن سعد أصحُّ القومِ عنه حديثاً، وهو أحب إلي منهم، يعني في حديث سعيد. وقال في موضع آخر عبيد الله بن عمر مقدم في حديث سعيد». (٢)
وقد قال عن ابن عجلان وابن أبي ذئب: «كلا الرجلين ثقة، ما فيهما إلا ثقة». (٣)
فيفهم أن ابن أبي ذئب مقدم عنده على ابن عجلان في سعيد المقبري لما ذكر من اختلاط.
стр. 1035
وجعل الإمام أحمد أضعف أصحابه حديثا أبا معشر نجيح بن عبد الرحمن المديني، أحد الضعفاء. قال أحمد في رواية الأثرم - وقيل له: أبو معشر المديني يكتب حديثه؟ فقال: «عندي حديثه مضطرب، لا يُقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر به». (١)
وقد تقدم ذكر مثال لحديث اختلف فيه على سعيد المقبري بين الليث بن سعد
وصفوان بن سليم، وقدّم قول الليث، وهو حديث العطاس (٢).
أصحاب أبي إسحاق السَّبِيعي
قال المرُّوذي: «قلت: من أصحاب أبي إسحاق المتثبِّتون؟ قال: شعبة، وسفيان». (٣)
وقال الفضل بن زياد: «سألت أبا عبد الله: من أثبت الناس عندك في أبي إسحاق؟ قال: سفيان وشعبة. قلت: فالأعمش أحب إليك أو سفيان عن أبي إسحاق؟ فقال: سفيان أكثر، وسفيان وشعبة هما أثبت عندنا من الأعمش عن كل من روى عنه، ممن روى عنهم الأعمش». (٤)
وقال ابن هانئ: «سألته أيما أثبت عندك في حديث أبي إسحاق؟ قال: شعبة، ثم سفيان الثوري». (٥)
وقال الميموني: «قلت لأبي عبد الله: من أكبر في أبي إسحاق؟ قال: ما أجد في نفسي أكبر من شعبة فيه، ثم الثوري. وقال: وشعبة أقدم سماعاً من سفيان.
стр. 1036
قلت: وكان أبو إسحاق قد تأخر؟ قال: إي والله، هؤلاء الصغار زهير، وإسرائيل يزيدون في الإسناد وفي الكلام». (١)
فشعبة والثوري هما الطبقة الأولى من أصحاب أبي إسحاق، وقدم شعبة على الثوري، لكون سماعه من أبي إسحاق أقدم، لأن أبا إسحاق كان قد تغير، فكل ما كان السماع منه أقدم كان ذلك أثبت.
وقال الفضل بن زياد: «سئل أبا عبد الله عن شريك وإسرائيل عن أبي إسحاق أيهما أحب إليك؟ فقال: شريك أحب إلي، لأن شريكاً أقدم سماعاً من أبي إسحاق،
وأما المشايخ فإسرائيل». (٢)
فقدم شريكاً على إسرئيل بن يونس بن أبي إسحاق في أبي إسحاق خاصة دون سائر الشيوخ لقدم سماعه من أبي إسحاق.
وقال المروذي: «قال أحمد: شريك حسن الرواية عن أبي إسحاق». (٣)
وقال عبد الله: «قال: شريك عن أبي إسحاق قال: كان ثبتاً فيه». (٤)
وقال حنبل بن إسحاق: «وسئل أبو عبد الله: من أحب إليك؟ جرير بن عبد الحميد أو شريك؟ قال: جرير أقل سقطاً من شريك، شريك كان يخطئ. قيل له: فأبو الأحوص أو شريك؟ قال: شريك. قيل له: فمن في أبي إسحاق؟ قال: شريك، شريك سمع قديماً». (٥) فقدم شريكاً على جرير الضبي في أبي إسحاق خاصة دون غيره من المشايخ. وأما أبو الأحوص فهو دون شريك مطلقاً.
стр. 1037
وقال صالح: «قال أبي: سمع شريك من أبي إسحاق قديماً، وشريك في أبي إسحاق أثبت من زهير، وإسرائيل، وزكريا». (١)
وقال أبو داود: «سمعت أحمد قال: زهير، وزكريا، وإسرائيل ما أقربهم في أبي إسحاق، في حديثهم عنه لين، ولا أُراه إلا من أبي إسحاق، هو السبيعي. قال: قلت لأحمد: شريك منهم؟ قال: شريك سمع قديماً».
فقدم شريكاً على هؤلاء لقدم سماعه من أبي إسحاق.
فالطبقة الثانية من أصحاب أبي إسحاق هو شريك وحده، فالنصوص عن الإمام أحمد تدل على أنه ليس أعلى منه في أبي إسحاق إلا شعبة والثوري.
والطبقة الثالثة هم سائر الرواة الذين سمعوا من أبي إسحاق بأخرة وفيهم أئمة
أجلاء؛ وهم: زهير بن معاوية الجعفي، وزكريا بن أبي زائدة، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق،، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق، وأبوهما يونس بن أبي إسحاق، وأبو الأحوص سلاّم بن سُليم.
وأما الترتيب بين أهل هذه الطبقة، فقد تقدم عن أحمد في رواية أبي داود أنه يقول في الثلاثة الأولين: زهير، وزكريا، وإسرايئل: ما أقربهم في حديث أبي إسحاق.
وقال صالح: «قال أبي: إذا اختلف زكريا وإسرائيل فإن زكريا أحب إليّ في أبي إسحاق، ثم قال: ما أقربهما». (٢)
فالظاهر أنه لم يفضّل بينهما في الآخر.
أما إسرائيل وأخوه عيسى، وأبوهما يونس فقال عبد الله: «سألت أبي: أيما أصح حديثاً عيسى أو أبوه يونس؟ قال: لا عيسى أصح حديثاً. قيل له: عيسى أو
стр. 1038
أخوه إسرائيل؟ فقال: ما أقربهما، وفي حديث إسرائيل اختلاف على أبي إسحاق أحسب ذاك من أبي إسحاق». (١)
وقال الفضل بن زياد: «يونس بن أبي إسحاق حديثه فيه زيادة على الناس. قلت له: يقولون: إنما سمعوا من أبي إسحاق حفظاً، ويونس ابنه سمع في الكتب فهي أتم. قال: من أين! قد سمع إسرائيل ابنه من أبي إسحاق وكتب وهو وحده، فلم تكن فيه زيادة مثل يونس. قلت: من أحب إليك، يونس أو إسرائيل في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل. قلت: إسرائيل أحب إليك من يونس؟ قال: نعم، إسرائيل صاحب كتاب». (٢)
وقال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله وذكر يونس بن أبي إسحاق وضعفه حديثه عن أبيه، وقال: حديث إسرائيل أحب إليّ منه». (٣)
فالذي يظهر من هذه النصوص أن زهير، وزكريا، وإسرائيل، وعيسى كلهم قريب من السواء في أبي إسحاق ويونس دونهم، فقد ضعف الإمام أحمد حديث يونس عن أبي إسحاق، بينما قال في حديث أولئك عنه: فيه لين، وأيضاً، صرح بتقديم إسرائيل وأخيه عيسى على يونس، فمن كان في منزلتهما فإنه يقدم عليه مثلهما. وأما أبو الأحوص فلم أقف على ما يدل على مرتبته بين هؤلاء، ولعله قريب من زهير ومن معه، وفوق عيسى بن يونس، لأنه لم يرد عن الإمام أحمد أنه ضعف حديثه عن أبي إسحاق كما قال في حديث يونس، والله أعلم.
وأما من تكلم فيهم في أبي إسحاق فقد تقدم أنه تكلم في حديث أبي بكر بن عياش عنه (٤)، فيكون هو ويونس بن أبي إسحاق أهل الطبقة الرابعة، وهي
стр. 1039
طبقة من ضعف حديثهم عن أبي إسحاق.
مثال لما اختلف أصحاب أبي إسحاق فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «سألته - أي أحمد بن حنبل - عن حديث ابن إدريس، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «قُبِض النبيُّ ﷺ وأنا خَتين». قال أبي: لم نزل نسمع أن هذا حديث واهٍ. وقال عبد الله: قرأت على أبي فأقر به: أبو سعيد مولى بني هاشم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: «تُوفي النبيُّ ﷺ وابن عباس ابن خمس عشرة سنة». قال عبد الله: سمعت أبي يقول: حديث شعبة كأنه يُوافق حديث الزُّهري عن عبيد الله، عن ابن عباس: «جئت على أتانٍ وقد ناهزتُ الاحتلام». قال أبي: حدثناه عبد الرحمن، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس. قال أبي: وحدثناه يعقوب، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، قال: ناهزت الحُلُم». (١)
فخطأ رواية إدريس بن يزيد الأودي (٢) - وهو أحد الثقات (٣) - وصحح رواية شعبة، والرواية التي ذكرها صورتها مرسلة، لكن جاءت مسندة في موضع آخر:
قال عبد الله: «حدثني أبي: قال حدثنا سليمان بن داود، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: توفى رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة». (٤). وعند الطيالسي زيادة: «مختون».
стр. 1040
ورواه معاذ بن معاذ العنرى (١)، وخالد بن الحارث (٢) كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد بلفظ: «توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة وقد خُتنت».
فهذه الرواية وكذا رواية الطيالسي تدلان على صحة رواية إدريس الأودي عن أبي إسحاق، فلا يظهر وجه تضعيفها، والله أعلم.
أصحاب إبراهيم بن يزيد النخعي
قال عبد الله: «سألت أبي من أثبت الناس في إبراهيم؟ فقال: الحكم بن عتيبة، ثم منصور». (٣)
وقال أيضاً: «قلت لأبي: أي أصحاب إبراهيم أحب إليك؟ قال: الحكم، ثم منصور، ما أقربهما». (٤)
وقال الفضل بن زياد: «قال أحمد: لا أعلم أحداً أثبت من الحكم إلا أن يكون
منصور بن المعتمر». (٥)
وقال أبو طالب: «قال أبو عبد الله: الحكم عن إبراهيم أحب إلي من الأعمش عن إبراهيم». (٦)
وقال الفضل أيضاً: «سمعت أبا عبد الله يقول: منصور أصح حديثاً من الأعمش لقلة حديثه». (٧)
وقال الفضل: «سمعت أبا عبد الله وقيل له: إذا اختلف منصور والأعمش
стр. 1041
عن إبراهيم فبقول من تأخذ؟ قال: بقول منصور، فإنه أقل سقطاً». (١)
فالطبقة الأولى من أصحاب إبراهيم عند أحمد: الحكم ومنصور، ومرة قدم الحكم، ومرة جعلهما قريبين من بعض.
ويليهما الأعمش.
وقال عبد الله: «قال أبي: منصور والأعمش أثبت من حماد وعاصم. قال: وسألته عن حماد وعاصم فقال: عاصم أحب إلينا، عاصم صاحب قرآن، وحماد صاحب فقه». (٢)
وقال أبو داود: «قلت لأحمد: أبو معشر أحب إليك أو حماد؟ قال: زعموا أن أبا معشر كان يأخذ عن حماد، إلا أن أبا معشر عند أصحاب الحديث يريد كان أكبر، لأن حماداً كان يرى الإرجاء. قلت لأحمد: مغيرة أحب إليك في إبراهيم أو حماد؟ قال: أما ما روى سفيان وشعبة عن حماد، فحماد أحب إلي، لأن في حديث الآخرين عنه تخليطاً. قلت لأحمد مرة أخرى: أبو معشر أحب إليك أو حماد في إبراهيم؟ قال: ما أقربهما». (٣)
فهذه الطبقة الثالثة من أصحاب إبراهيم، وهم: عاصم بن أبي النجود، وحماد بن أبي سليمان، وأبي معشر زياد بن كليب، وهم دون الأعمش وأهل الطبقة الأولى - الحكم ومنصور. وقدم عاصماً لأنه صاحب قرآن. وجعل حماداً وأبا معشر في درجة واحدة،، لكن بشرط صحة الطريق إلى حماد، لأن رواية القدماء - الثوري، وشعبة، وهشام الدستوائي - تقارب، وأما غيرهم فجاؤوا عنه بأعاجيب (٤).
стр. 1042
وأما المغيرة بن مِقسم فقال عبد الله عن أحمد: «كان صاحب سنة ذكيًّا حافظاً، وعامة حديثه عن إبراهيم مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حمّاد، ومن يزيد بن الوليد، والحارث العكلي، وعن عبيدة، وعن غيره، وجعل يضعِّف حديث المغيرة عن إبراهيم وحده». (١)
ومتقضى هذا أن يكون حديثه عن إبراهيم دون حديث أهل الطبقة الثالثة، فإنه أطلق الضعف على حديثه عن إبراهيم لأن عامتها مدلسَّة. وقد أخرج الشيخان له عن إبراهيم، ولم يخرج البخاري لحماد بن أبي سليمان في الصحيح، ولا لأبي معشر. لكن ذكر الحافظ ابن حجر أن البخاري ما أخرج لمغيرة بن مِقسم عن إبراهيم إلا ما توبع عليه (٢).
مثال لما اختلف أصحاب إبراهيم فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «قرأت على أبي: محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة قالت: كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ تعني الجنابة. سمعت أبي يقول: وقال عبد الأعلى، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود أو عبد الرحمن بن يزيد. وقال غندر: عن الأسود. ورواه الأعمش، ومنصور، والحكم، عن إبراهيم، عن همام». (٣)
أصحاب ثابت البُناني
قال أبو داود: سمعت أحمد قال: «ليس أحد أثبت في ثابت من حماد بن سلمة هؤلاء الشيوخ يتوهمون. وقال: قال أبو داود عن حماد بن سلمة قال: قلت: هذا قام لثابت، فجعلت أقلب عليه الأحاديث فأقول: أنس، فيقول: لا، إنما حدثنا به
стр. 1043
ابن أبي ليلى، لا إنما حدثنابه أنس، يعني لما يذكره أيضا له عن غير أنس ماهو لأنس» (١).
قال ابن هانئ: سمعت أبا عبد الله يقول: «كان حماد بن سلمة من أثبت أصحاب ثابت. قال: جعل سليمان بن المغيرة يلقى عليه يوماً أحاديث من حديث ثابت قال: فقال: هذا قاص، قال: فجعل حماد يقول: هذا من حديث ثابت. وقال أبو عبد الله: كان كان حماد ثبتاً في حديث ثابت البناني، وكان بعده سليمان بن المغيرة، وكان ثابت يُحيلون عليه في حديث أنس، وكان يُحيلون ثابت عن أنس (كذا)، وكل شيء لثابت روى عنه كانوا يقولون: ثابت، عن أنس». (٢)
قال ابن هانئ: «فقيل له: فكيف معمر في ثابت؟ أيهما أحب إليك؟ حماد بن سلمة أو معمر؟ قال: ما أحدٌ روى عن ثابت، أثبت من حماد بن سلمة. قال: سليمان بن المغيرة أثبت أخباراً. فقلت: هذا قاص، فجعلت أقلب عليه الأحاديث فيقول: لا، هو عن فلان، فأقلب عليه حديثَ أنس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى فجعل يحفظها ويرددها». (٣)
قال المروذي: «ليس أحد أثبت ولا أعرف بحديث ثابت من حماد. ثم قال:
وسليمان بن المغيرة، قلت: معمر؟ قال: معمر حسن الحديث عن ثابت». (٤)
مثال لما اختلف على ثابت البُناني فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «حدثني محمد بن جعفر الوركاني قال: أخبرنا حمّاد الأبح، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوَّلُه خيرٌ أو آخرُه». سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هو خطأ، إنما يروى هذا الحديث عن
стр. 1044
الحسن حدثني أبي قال: حدثنا حسن بن موسى الأشيب قال: حدثنا حماد بن يحيى قال: حدثنا ثابت عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أو آخره. حدثني أبي قال: حدثناه حسن بن موسى قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد، ويونس، عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: «مثل أمتي … » فذكره». (١)
أصحاب قتادة
قال أبو زرعة: «فأخبرني أحمد بن حنبل - وذكر سعيد بن أبي عزوبة، وهشام الدستوائي - أن الاختلاف عن هشام في حديث قتادة أقل منه في حديث سعيد». قال أبو زرعة: ورأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديماً في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه». (٢)
مثال لما اختلف أصحاب قتادة فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
١. قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: لا نقول بالسعاية، حديث قتادة لا يقول فيه شعبة وهشام السعاية». (٣).
٢. سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: «اختلف شعبة، وسعيد، وهشام في حديث أنس: «كان أصحاب النبي ﷺ تخفق رُؤُسُهم ثم يصلون ولا يتوضئون» في اللفظ، وكلهم ثقات».
«حدثنا هلال بن فياض - وهو يعرف بشاذ - قال: حدثنا هشام الدّستوائي، عن قتادة، عن أنس قال: كان أصحاب النبي ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رُؤُسُهم ثم يُصلّون ولا يتوضئون».
стр. 1045
«قال: حدثنا ابن يسار قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: «كان أصحاب النبي ﷺ ينامون ثم يقومون فيُصلون ولا يَتوضّئون على عهد النبي ﷺ ).
«حدثنا ابن المنبي قال: حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: «كان أصحاب النبي ﷺ يضعون جنوبهم فينامون فمنهم من يتوضأومنهم من لا يتوضأ».
«حدثنا موسى وداود بن شبيب المعنى واحد قالا حدثنا حماد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال أقيمت صلاة العشاء فقام رجل فقال يا رسول الله إن لي حاجة فقام بناحية حتى نعس القوم أو بعض القوم ثم صلى بهم ولم يذكر وضوءاً».
«حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس شبهه ولم يذكر أمر الوضوء».
«حدثنا عباد بن موسى قال حدثنا إسماعيل عن حميد عن أنس شبهه أيضاً ولم يذكر أمر الوضوء». (١)
وقال ابن هانئ: «حديث أنس: إنهم كانوا يضطجعون. قال: ما قال هذا شعبة قط. وقال حديث شعبة: «كانوا ينامون». وليس فيه: «يَضطجعون». وقال هشام: «كانوا ينعسون». وقد اختلفوا في حديث أنس». (٢)
أصحاب يحيى بن أبي كثير
قال أبو داود: «سمعت أحمد قال: ليس أحد أثبت في يحيى بن أبي كثير من هشام الدستوائي». (٣)
стр. 1046
قال صالح: وسأل أحمد: «أكثر مَنْ في يحيى بن أبي كثير مِن أهل البصرة هشام الدُّستوائي، وحرب بن شداد، وأبان، وشيبان ثبت في كل المشايخ، وهمام. قلت: الأوزاعي؟ قال: هؤلاء أثبت من الأوزاعي». (١)
قال أبو بكر الأثرم: «ذكر أحمد أصحاب يحيى بن أبي كثير فقال: هشام صاحب كتاب والأوزاعي حافظ وهمام ثقة، هشام أثبت من أبان وحرب بن شداد ومعاوية بن سالم ثقتان». (٢)
قال أبو زرعة: «وسمعت أحمد بن حنبل يسأل: من أثبت الناس في يحيى ابن أبي كثير؟ قال: هشام الدستوائي ثم قال: هؤلاء الأربعة: علي بن المبارك، وأبان، وهشام، وحرب بن شداد - يعني بعد هشام - وقال: سمعت أحمد بن حنبل يضعِّف رواية أيّوب بن عُتبة، وعكرمة بن عمّار عن يحيى بن أبي كثير. وقال: عكرمة أوثق الرجلين». (٣)
مثال لما اختلف أصحاب قتادة فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «حدثني أبي قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن يَعيش بن الوليد، عن ابن معدان، عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فسألته عن ذلك، فقال: صبيت لرسول الله ﷺ وضوءه». قال: إنما رواه يحيى، عن الأوزاعي، عن يعيش عن معدان عن أبي الدرداء». (٤)
стр. 1047
أصحاب ابن جريج
قال أبو زرعة: «قلت لأحمد بن حنبل: كان عبد الرزاق يحفظ حديث معمر؟ قال: نعم قيل له: فمن أثبت في ابن جريج؟ عبد الرزاق أو محمد بن بكر البرساني؟ قال: عبد الرزاق». (١)
مثال لما اختلف أصحاب ابن جريج فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «حدثنا بعض الكوفيين قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس عن النبي ﷺ خمروا وجوه موتاكم ولا تشبهوا بيهود». فحدثت به أبي فأنكره، وقال: هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدّثني عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن عطاء مرسل». (٢)
قال عبد الله: «سُئل أبي عن حديث ابن عيينة عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن النبي ﷺ لعن المترِّجلات من النساء. فقال: رواه حجاج الأعور عن ابن جريج بإسناد آخر وليس هو عن ابن أبي مليكة». (٣)
قال عبد الله: «سمعت أحمد سئل عن حديث عليّة بن عامر أن أخته نذرت أن تحج حافية؟ قال: روح يقول يحيى بن أيوب وابن بكر وعبد الرزاق يقولان سعيد بن أبي أيوب - يعني يقولون عن ابن جريج عنهما». (٤)
أصحاب حُصين
قال أبو داود: «قال أحمد: ليس أحد أصح حديثاً عن حصين من هشيم». (٥)
стр. 1048
مثال لما اختلف أصحاب حُصين فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «وذكرت لأبي حديث الثوري عن حصين عن إبراهيم عن عبد الله أنه كان يرفع يديه في أول الصلاة ثم لا يعود. قال أبي: حدثنا هشيم قال خدثنا حصين عن إبراهيم لم يجز به إبراهيم، وهشيم أعلم بحديث حصين». (١)
قال عبد الله: «سمعت أبي ذكر عن عباد بن العوام قال: أخطأ أخونا هشيم في حديث حصين عن عمرو بن عبد الملك بن الحويرث، قال أبي: أخطأ عباد وأصاب هشيم. قال أبي: حدثنا هشيم قال حصين: أخبرنا عبد الملك بن عمرو الحويرث قال: حدثت أن النبي ﷺ كان مما يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة، وكان مما يمس لحيته وهو يصلي. حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن حصين عن عبد الملك ابن أخي عمرو بن حويرث أن النبي ﷺ ربما مس لحيته وهو يصلي». (٢)
حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن حصين عن عبد الملك ابن أخي عمرو بن حويرث أن النبي ﷺ ربما مس لحيته وهو يصلي.
قال صالح: «قال أبي: قال عباد: أخطأ هشيم في حديث حصين عن عمرو بن عبد الملك بن الحويرث، وكان هشيم يقول: عبد الملك بن عمرو بن الحويرث، والخطأ في يد عباد، وأصاب هشيم. قال أبي: وكان عباد ربما قال: أنبأناه وأخبرناه وأنبأناه عاصم بن كليب. حدثنا صالح قال: حدثنا أبي قال: حدثنا هشيم قال: حصين أن عبد الملك بن عمرو بن الحويرث قال: حدثت أن رسول الله ﷺ كان مما يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة وكان ربما يمس لحيته وهو يصلي. حدثنا
стр. 1049
صالح: قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن حصين عن عبد الملك بن أخي عمرو بن حريث أن النبي ﷺ ربما مس لحيته في الصلاة». (١)
стр. 1050
الخاتمة
الحمد لله أولاً وآخرًاً حمداً يليق بجلال ربّنا وكماله وكما يحبُّ ربُّنا ويرضى، فقد يسّر الله بمنه وكرمه وفضله عليّ بإتمام هذا البحث الذي عشت فيه فترة من الزمن مع إمام أهل السنة والجماعة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في ظل كلامه في علل الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ وفي رواتها.
إن الإمام أحمد من الأئمة الذين خاضوا في مجال إبراز الأخطاء والأوهام التي وقع فيها رواة الأخبار، وكيف وقعوا فيها، والخطأ مما جبل عليه البشر، وأسباب طروه لا تنحصر، فكان من الصعوبة بمكان وضع قواعد جامدة لا مرونة فيها تكون هي المعوّلة في الحكم على الراوي بالخطأ في روايته، ومن أجل ذلك كان من أبرز سمات منهج الإمام أحمد العمل مع القرائن في كل حديث حديث.
ومع تلك الصعوبة فلا يستحيل على من درس منهج الإمام أحمد من الاطلاع على أهم الأصول التي بنى عليها الإمام أحمد كلامه في الإعلال، ولا يقال إنها قواعد بل هي قرائن كادت لكثرة استعمالها أن تكون قواعد في هذا العلم، ومن خلال هذه الدراسة تكاد تنحصر في عشرة أمور:
١. التَّفرُّد ممن لا يُحتمل تفردُه وبخاصة عن حافظٍ مُكثِرٍ ذي تلاميذَ كُثُر.
٢. المخالفة لرواية الأوثق أو الأكثر عدداً.
٣. مخالفة الراوي لمقتضى ما رواه.
٤. مخالفة الرواية للثابت المعروف.
٥. سلوك الجادَّة عند بعض الرواة في حالة الرواية.
٦. معرفة الملابَسات المتعلقة بمجالس التحمّل والأداء.
стр. 1051
٧. معرفة ما ينفي السماع الموهوم في السند.
٨. معرفة من ضُعِّف من الثقات تضعيفاً مقيداً، إما في بعض شيوخه، أو في بعض الأوقات، أو الحالات، أو في حديثه في بعض البلدان، أو في حديث بعض أهل البلدان عنه.
٩. معرفة مراتب الرواة عن الأعلام المُكثِرِينَ في الرواية وعدد التلاميذ.
١٠. الفهم الخاص بأن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان.
ولا ينفرد الإمام أحمد في أغلب مسائل هذا العلم بما لا يوافقه عليه غيره من أقرانه أو شيوخه، ففي عدم اعتبار عدد محدود لرفع الجهالة حيث جعل الضابط في ذلك شهرة الراوي، فقد وافقه غيره من أقرانه. وكذلك في اعتبار ثبوت السماع للحكم بالاتصال على السند المعنعن، وفي ضابطه في الحكم بالنكارة على ما تفرد به الراوي الذي لا يحتمل منه ذلك التفرد وإن كان ثقة.
ومصطلحاته في هذا العلم أكثر شمولاً من المصطلحات الموضوعة عند المتأخرين.
وقد تكون مواقفه في بعض مسائل هذا العلم تعكس منزلته من الإمامة في هذا الدين، فلا تكون نظرته من مجرد منظار أهل الاختصاص بعلم الرواية، مثل موقفه مع المشتهرين بالبدعة والهوى الداعين إليها، وكذلك الذين أجابوا في محنة خلق القرآن، حيث ترك الرواية عنهم ونهى غيره عن ذلك، لا لعدم صحة الاحتجاج بمروياتهم لكن لواجب الديانة المقتضي هجران أصحاب الفرق المخالفين للسنة والجماعة.
والعمل في دراسة منهج الإمام لم يكن أمراً سهلاً، فدراسة المناهج أمر يحتاج إلى استقراء تام، ويزيده صعوبةً صعوبةُ الوقوف على ما يصححه من
стр. 1052
الأحاديث والذي يمكن أن يجعل أصلاً لوضع شرطه في القبول، فمثلاً ليس كل حديث في مسنده صحيحاً عنده، كما هو الحال في الجامع الصحيح بالنسبة للإمام البخاري، وليس كل مسئلة فقهية استدل لها بحديث يستنتج منها صحة الحديث عنده، الأمر الذي يلزم على الباحث أن يستنير بما وضعه أهل الاستقراء التام لأقوال الإمام أحمد.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1053
فهرس المصادر والمراجع
١. إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) تحقيق الدكتور زهير بن ناصر الناصر، الطبعة الأولى عام ١٤١٥ هـ ١٩٩٤ م
٢. إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين، الشريف حاتم العوني، ط/ ١
٣. أجوبة أبي زرعة لأسئلة البرذعي ضمن كتاتب: «أبوزرعة وجهوده في السنن النبوية دراسة» دراسة وتحقيق الدكتور سعدي الهاشمي، طبعة المجلس العلمي الاسلامي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢ م
٤. الآحاد والمثاني، تأليف الحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم (ت ٢٨٧ هـ)، تحقيق د. باسم فيصل جوابرة، دار الراية الرياض ط/ ١ - ١٤١١ هـ
٥. الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما، تصنيف الإمام ضياء الدين أبي عبد الله المقدسي. ط/ ١ - ١٤١٠ هـ
٦. الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان تأليف الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى عام ١٤٠٨ هـ ١٩٨٨ م
٧. أحوال الرجال، لأبي إسحاق إبراهيم بن يققوب الجوزجاني (ت ٢٥٩ هـ)، حققه السيد صبحي السامرائي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، عام ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م
٨. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري لأبي العباس أحمد بن محمد القسطلاني دار الفكر بيروت.
стр. 1054
٩. الإرشاد في معرفة علماء الحديث، تأليف الحافظ أبي يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي القزويني (ت ٤٤٦ هـ)، تحقيق د. محمد سعيد بن عمر إدريس، ط/ ١ - ١٤٠٩ هـ، مكتبة الرشد الرياض.
١٠. الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات، تأليف أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، ط/ ١، ١٤١٧ هـ، مكتبة ابن تيمية.
١١. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، تأليف محمد ناصر الدين الألباني الكتبة الاسلامي، الكبعة الثانية ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م
١٢. الأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم الكبير محمد بن محمد تحقيق د/ يوسف بن محمد الدخيل مكتبة الغرباء الأثرية المدينة المنورة الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ
١٣. الإصابة في تمييز الصحابة تأليف الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ٨٥٢ هـ الطبعة الأولى عام ١٣٢٨ هـ مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر
١٤. الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، للحافظ علي بن هبة الله المشهور بالأمير ابن ماكولا، نشر محمد أمين دمج، بيروت
١٥. الإلزامات والتتبع للإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني ت ٣٨٥ هـ تحقيق ودراسة الشيخ أبي عبد الرحمن مقبل بن هادى الوادعي، مطبعة المدني بمصر
١٦. الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين للدكتور نور الدين عتر مؤسسة الرسالة
١٧. الإمام في معرفة أحاديث الأحكام، تأليف الإمام تقي الدين أبي الفتح محمد بن علي بن وهب، المشهور بابن دقيق العيد، (ت ٧٠٢ هـ)، تحقيق سعد بن عبد الله آل حميد، دار المحقق، ط/ ١، ١٤٢٠ هـ.
стр. 1055
١٨. الأنساب لأبي سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني (ت ٥٦٢ هـ) مكتبة المثنى بغداد ١٩٧٠ هـ
١٩. البداية والنهاية، للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، تحقيق د. عبد الله التركي، ط/ ١، ١٤٢٠ هـ، دار هجر.
٢٠. الأوسط في السنن والإحماع والاختلاف، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت ٣١٨ هـ)، تحقيق د. أبي حماد صغير أحمد حنيف، دار طيبة ط/ ١ - ١٤٠٥ هـ
٢١.
بحر الدم فيمن تكلم فيهم الإمام أحمد بمدح أو ذم، تأليف يوسف بن حسن بن عبد الهادي، تحقي د. أبي أسامة وصي الله بن محمد عباس، نشر دار الراية، الرياض ط/ ١ - ١٤٠٩ هـ
٢٢. البحر الزخار المعروف بمسند البزار، للحافظ أبي بكر أحمد بن عمر العتكي، تحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، ط/ ١ - ١٤٠٩ هـ
٢٣. بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق د. حسين أحمد صالح المباركي، مركز خدمة السنة بالتعاون مع مجمع الملك فهد، المملكة العربية السعودية، ط/ ١
٢٤. بلدان الخلافة الشرقية، كي لسترنج، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م
٢٥. بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام، للحافظ أبي الحسن بن القطان الفاسي، دراسة وتحقيق د. الحسين آت سعيد، دار طيبة الرياض ط/ ١ - ١٤١٨ هـ
٢٦. التابعون الثقات الذين اختلف في سماعهم من بعض الصحابة رشالة جامعية قدمت لنيل درجة الدكتوراة تقديم د مبارك الهاجري.