← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

والظاهر أنه كان يروي الحديث بالزيادة ظاناًّ منه أنها من الحديث، ثم أخذ يتردد في ذلك، ثم تبين له الصواب فيها ففصّلها من الحديث. وتوضيح ذلك أنه روى الحديث في رواية من ذكر عنه بالزيادة، وكان يقول في بعض تلك الروايات: «لا أدري، هذا في حديث رسول الله ﷺ أم لا؟». قال ذلك عنه الإمام أحمد (١)، وأبو كريب (٢). ثم ذكر الإمام أحمد عنه أن أبا صالح يقول ذلك. وخالفه عمرو الناقد، فقال: «قال ابن إدريس: قال سهيل: فإن عجل بك شيء فصلِّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت». (٣) وهذا يدل على أن ابن إدريس لم يضبطه جيداً عن سهيل بن أبي صالح، والله أعلم. ومنها: قال صالح: قلت حديث الزُّهري، عن ابن أُكيمة، عن أبي هريرة في القراءة في الصلاة قال: «فانتهى الناس عن القِراءة»، هو في الحديث عن أبي هريرة أو من كلام الزهري؟ قال: أما عبد الرزاق، فحكى عن معمر، عن الزهري قال: سمع ابن أُكيمة يحدّث بحديث عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ صلّى صلاة جهر فيها بالقراءة» وذكر الحديث: «فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما يجهر به من القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ). وقال ابن عيينة: فذكر الحديث. وقال معمر: عن الزهري: «فانتهى الناس في القراءة فيما يجهر به رسول الله ﷺ ). قال سفيان: خَفيتْ عليّ هذه الكلمة. وقال إسماعيل: عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، وذكر الحديث: «فانتهى الناس» إلى قوله:

стр. 982

«إني أقول: ما لي أُنازَع القرآن». فلم يزد على هذا، فالذي نرى أن قوله: «فانتهى الناس عن القراءة» أنه قول الزهري. (١) هذا الحديث رواه مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أُكيمة الليثي، عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفاً؟ فقال رجل نعم يا رسول الله، فقال: إني أقول ما لي أُنازَع القرآن. فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ). (٢) وهكذا رواه عن الزهري: معمر (٣)، ويونس بن يزيد الأيلي (٤)، وأبو أويس (٥). وأخرجه ابن عيينة فذكر الحديث إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن»، ثم قال: «قال معمر عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر به رسول الله ﷺ . قال سفيان: خَفيت عليه هذه الكلمة». هكذا رواه أحمد (٦)، والحميدي (٧)،

стр. 983

وعلي بن المديني (١) عن ابن عيينة. ورواه أبو داود (٢) من طرق عن ابن عيينة، بعضها تذكر زيادة قول سفيان عن معمر، وبعضها لا تذكرها، وبعضهم يسندها إلى الزهري عن أبي هريرة (٣). ورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري فانتهى حديثه إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن». أخرجه أحمد (٤). فاستدل الإمام أحمد بهذه الرواية وبرواية ابن عيينة على أن قوله: «فانتهى الناس عن القراءة»، قول الزهري مدرج في الحديث. وممن روى الحديث بمثل رواية عبد الرحمن بن إسحاق بدون اللفظة المدرجة الليث بن سعد (٥)، وعبد الملك بن جريج (٦). ويؤيد أن هذه اللفظة مدرجة من قول الزهري ما رواه الأوزعي ففصل كلام الزهري من الحديث بفصل ظاهر، فذكر الحديث إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن»، ثم قال: «قال الزهري: فانتهى الناس فلم يكونوا يقرؤون معه». (٧)، لكنه وهِم في

стр. 984

الإسناد فذكره عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة (١)، ولذلك كان الوليد بن مسلم يرويه عن الأوزاعي، عن الزهري، عمن سمع أبا هريرة يقول … هكذا أخرجه ابن حبان (٢)، فعلم الوليد أنه وهم فقال: عمن سمع أبا هريرة. وذكر الخطيب هذا الحديث والذي قبله من أمثلة ما أُدرج في الأحاديث المسندة المرفوعة من ألفاظ التابعين. ومنها: قال صالح: قلت حديث داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله في قصة ليلة الجن قال رسول الله ﷺ : «لا تستنجوا بالعظام ولا بالبَعر، فإنه زاد إخوانِكم من الجنّ» هو من قول علقمة، عن عبد الله، أو من قول الشعبي؟ قال: أما إسماعيل بن إبراهيم، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة فقالا جميعاً: قال الشعبي، وليس هو في حديث علقمة: سألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة فذكره … ، الحديث. قال أبي: وبلغني أن حفص بن غياث حدث به فجعله في حديث علقمة، عن عبد الله، فنرى أنه وهم، وهذا أثبت». (٣) حديث الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود رواه داود بن أبي هند، واختلف عليه. فرواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن داود، عن عامر الشعبي قال: «سألت

стр. 985

علقمة: هل كان ابن مسعود شهِد مع رسول الله ﷺ ليلةَ الجِنّ؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلةَ الجن؟ قال: لا، ولكنّا كنّا مع رسول الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا: استُطير أو اغتِيل. قال: فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ، فلما أصبحْنَا إذا هو جاء من قِبَل حِراءَ، قال: فقلنا يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبِتنا بشر ليلة بات بها قومٌ فقال: آتاني داعي الجنّ فذهبت معه فقرأتُ عليهم القرآنَ قال: فانطلق بنا فأرانا آثارَهم وآثارَ نيرانهم. وسألوه الزاد فقال: لكم كل عَظمٍ ذُكر اسمُ الله عليه يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحماً، وكل بَعرَةٍ عَلَفٌ لدوابِّكم. فقال رسول الله ﷺ فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم». (١) وهكذا رواه علي بن عاصم (٢)، وأبو داود الطيالسي، عن وُهيب بن خالد، ويزيد بن زريع (٣)، وتابعه نصر بن علي عن يزيد بن زريع (٤)، وكذلك زياد بن أيوب، وعمرو بن زرارة عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة (٥). فذكورا الحديث سياقة واحدة. وبعض هذا المتن ليس هو عند الشعبي عن علقمة إنما كان يرويه الشعبي

стр. 986

مرسلاً لا يُسنده إلى أحد، وهو من قوله: «وسألوه الزاد … » إلى آخر الحديث. فأدرج ذلك في رواية عبد الأعلي ومن ذكر معه. وعلى هذا وقع سؤال صالح للإمام أحمد. فقال الإمام أحمد: إن إسماعيل بن علية ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة فصلوا كلام الشعبي الذي أرسله وبينوه من حديث عبد الله المسند. أخرج كلا الروايتين أحمد (١). وممن فصّل ذلك أيضاً بشر بن المفضل (٢)، ويحيى بن غيلان، وإسحاق بن أبي إسرائيل كلاهما عن يزيد بن زريع (٣). ومما يؤيد ذلك أن بعض الرواة عن داود رووا الحديث إلى قوله: «فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم»، مما يدل على أنه هو القدر المسند من الحديث، وما زاد فمدرج. رواه على هذا الوجه عبد الله بن إدريس (٤)، وأبو خيثمة عن ابن علية (٥). وذكر الإمام أحمد رواية حفص بن غياث، عن علقمة، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعِظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن»، (٦)

стр. 987

فإنه يدل على أنها مسندة عن علقمة، عن عبد الله. فذكر أحمد أنه يرى أنه وهم من حفصٌ، وأن روايته عن الشعبي مرسلاً أثبت، وذلك لكثرة من رواه عن داود كذلك. لكن قد تابع حفص بن غياث عبد الوهاب بن عطاء (١)، عن داود، إلا أن الذين خالفوهما أكثر وأثبت. وقال الترمذي: كأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غِياث (٢). وصحح الدارقطني قول من فصل الكلام المدرج، وأن الصحيح أنه من كلام الشعبي مرسلاً. (٣). وذكر الخطيب هذا الحديث من أمثلة ما أُدرج فيه المرسل المقطوع بالمتصل المرفوع. (٤) وقد يتوقف الإمام أحمد في تعيين جهة الإدراج لعدم وجود مرجح، مثاله: قال صالح: «قلت: حديث عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله في قصة ابن النواحة قال: «فمضت السنة أن الرسل لا تُقتل»، هو في الحديث عن عبد الله أو من كلام أبي وائل؟ قال كذا الحديث». (٥) فهذا الحديث رواه عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود أنه قال - حيث قتل ابن النواحة - «إن هذا وابنَ أُثالٍ كانا أتيا النبي ﷺ رسولين لمسيلمة

стр. 988

الكذاب، فقال لهما رسول الله ﷺ : «أتشهدان أني رسو الله؟» قالا: نشهد أن مُسيلمة رسول الله! فقال: «لو كنت قاتلاً رسولاً لضربت أعناقكما». قال: فجرت السنة أن لا تقتل الرسل، فأما ابن أُثالٍ فكفاناه الله ، وأما هذا فلم يزل ذلك فيه حتى أمكن الله منه الآن». (١) فتوقف الإمام أحمد هل قوله: «فمضت السنة أن الرسل لا تقتل» من كلام ابن مسعود أو من كلام أبي وائل، وليس هناك ما يرجح أحد الاحتمالين، لأن هذه الزيادة إنما ذكرها المسعودي في حديثه، وليس في الحديث ما يميزها ويفصل كلام أبي وائل من كلام ابن مسعود. ولم أرهذه الزيادة في رواية الثوري، ولا في رواية سلام أبي المنذر، ولا أبي بكر بن عياش. ومن الأملثة التي وردت عن الإمام أحمد من مدرج المتن وتوقف عن الحكم لعدم وجود مرجح: قال صالح: «قلت: حديث الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة قال: «كن النساء يشهدن مع رسول الله ﷺ الصبح، فينصرفون متلفعاتٍ

стр. 989

بمُرُوطِهنّ، ما يُعرفن من الغَلَس». قالت: وكان النبي ﷺ يمكث قليلاً، وكانوا يرون أن ذلك كَيما يتقدّم النِّساء قبل الرِّجال، في الحديث عن أم سلمة أو هو من كلام الزهري؟ قال: رواه معمر، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سلّم مكث قليلاً، وكانوا يرون أن ذلك كَيما ينفُذُ النساء قبل الرجال». وقال إبراهيم بن سعد: قال ابن شِهاب: فنرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النِّساء قبل أن يُدركَهن من انصرف من القوم». (١) حديث أم سلمة رواه يونس، عن الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة مقتصراً على الجزء المسند منه، وهو قولها: «أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلمن من المكتوبة قُمن وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرِّجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ ، قام الرجال». (٢) وهكذا رواه الزُّبَيدي (٣)، وجعفر بن ربيعة (٤)، وإبراهيم بن سعد في رواية بعض الروايات عنه (٥)، ومعمر في رواية إسحاق الدبري، عن عبد الرزاق عنه (٦). وأما الزيادة الواقعة في الحديث وهي: «فكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ السناء قبل الرجال»، وهي التي وقع السؤال عنها، فرواية معمر التي ذكرها الإمام تحتمل أنها من قول أم سلمة (٧).

стр. 990

ورواية إبراهيم بن سعد صريحة في أن ذلك من قول الزهري (١). فذكر الإمام أحمد الروايتين ولم يرجح شيئاً، لعدم وجود المرجح. ففي هذا والذي قبله ليس التوقف في إثبات الإدراج، فإن ذلك ثابت ولا لبس فيه، وإنما هو في تعيين جهته، لأن الأدلة الموجودة لا تسعف الناظر. مدرج الإسناد وأما مدرج الإسناد فقد سبق أنه في الحقيقة نوع من القلب، حيث يقع فيه دخول متن حديث أو جزء منه في متن حديث آخر. ومنه ما تقدم أن محمد بن فضيل روى حديث عائشة في تلبية النبي ﷺ : «قالت عائشة: إني لأعلم كيف كان رسول الله ﷺ يُلبِّي قال: ثم سمعتها تلبِّي تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعمة لك والمُلك لا شريك لك». فزاد: «والملك لا شريك لك»، وهذه اللفظة معروفة في حديث ابن عمر، وأما حديث عائشة فإلى قولها: «إن الحمد والنعمة لك»، هكذا رواه الثقات من أصحاب الأعمش منهم الثوري، وأبو معاوية. وقد تقدم ذلك كله (٢). ومنه أيضاً: قال حنبل: «ثنا أبو عبد الله، ثنا محمد بن مُصعب، ثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس: مرَّ النبي ﷺ بشاة مَيْتة قد ألقاها أهلُها فقال: «والذي نفسي بيده، للدُّنيا أهون على الله من هذه على أهلها». قال أبو عبد الله: هو

стр. 991

عندي خطأ». (١) هذا الحديث من المواضع التي حكم الإمام أحمد فيها بوجود العلة ولم يبين وجهها ولا الذي صدرت منه، فبقي على الناظر أن يعمل فكرَه في التماس ذلك، وهذا يقع كثيراً عند الإمام أحمد، لكونه يخاطب بكلامه أهل الاختصاص والمعرفة بهذا الفن. ورواية محمد بن مصعب هذه أخرجها أحمد (٢)، وابن أبي شيبة (٣)، وأبو يعلى (٤)، وأبو نعيم (٥). والخطأ الذي أشار إليه هو أن الإسناد المذكور في هذا الحديث إنما يروى به متنٌ آخر شبيه به غير المتن المذكور معه، وأما المتن فإنما يعرف بغير هذا الإسناد، فالظاهر أن الراوي دخل عليه حديث في حديث، فلما ساق الإسناد وشرع في ذكر المتن انتقل ذهنه إلى المتن الآخر فذكره، وغفل عن المتن الحقيقي. وتوضيح ذلك أن هذا الإسناد يرويه الزهري، وهو صاحب تلاميذ، والمتن الذي رووه به هو: «أن رسول الله ﷺ مرَّ بشاةٍ مَيتةٍ أُعطيتها مولاةٌ لميمونة، فقال: هلاَّ استَمتعتُم بجلدها؟ قالوا: يا رسول الله، إنها مَيتة. قال: إنما حَرُم أكلُها». هكذا رواه مالك (٦)، ويونس بن يزيد الأيلي (٧)، وصالح بن كيسان (٨)،

стр. 992

والزُّبَيدي (١)، ومعمر (٢)، وعقيل ويونس (٣)، والأوزاعي (٤)، كلهم عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس بهذا المتن. والعجب أن محمد بن مصعب قد شارك هؤلاء في رواية هذا المتن بالإسناد نفسه؛ أخرج تلك الرواية الإمام أحمد (٥)، فوافق أصحاب الأوزاعي الوليد بن مسلم، وشعيب بن إسحاق اللذين رويا الحديث عن الأوزاعي. وهذا يدل على أن الوهم من محمد بن مصعب، لا من الأوزاعي. وأما المتن الذي رواه محمد بن مصعب بهذا الإسناد، وهو: «للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها»، فإنه يروى بأسانيد أخرى منها: حديث أبي جعفر الباقر، عن جابر بن عبد الله، وهو عند مسلم (٦)، وأحمد (٧)، وابن أبي شيبة (٨) ولفظه: «أن النبي ﷺ مرَّ بجديٍ أَسَكَّ ميِّتٍ فتناوله، فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يُحبّ أنّ هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حياًّ كان عيباً فيه لأنه أسَكَّ، فكيف وهو ميّت؟ فقال: فوالله لَلدُّنيا أهْونُ على الله من هذا عليكم». ومنها: حديث عبد الله بن ربيعة: «كان رسول الله ﷺ في سفرٍ فإذا هو

стр. 993

بشاة منبوذة فقال: أترون هذه هينة على أهلها؟ قالوا: نعم. قال الدنيا أهونُ على الله من هذاه على أهلِها». (١) ومنها أحاديث أخرى عن غيرهما من الصحابة. فجعل محمد بن مصعب هذا المتن لإسناد حديث ابن عباس في شاة مولاة ميمونة، وقد كان رواه على الصواب، فدل هذا على أنه كان يضطرب في روايته، ولم يضبطه جيداً. ومحمد بن مصعب هو القُرقُساني، سأل عبد الله الإمام أحمد عنه فقال: لا بأس به، وحدث عنه بأحاديث كثيرة (٢). وقال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: القرقُساني عن الأوزاعي مقارَب، وأما عن حماد بن سلمة ففيه تخليط». (٣). وقال أبو زرعة: صدوق في الحديث، ولكنه حدث بأحديث منكرة. وضعفه ابن معين، والنسائي مطلقاً، وضعفه صالح الجزرة في الأوزاعي (٤)، وكذلك قال أبو أحمد الحاكم: روى عن الأوزاعي منكرة (٥). وقد سئل أبو حاتم وأبو زرعة عن هذا الحديث فقالا: «هذا خطأ، إنما هو: أن النبي ﷺ مرّ بشاة ميّتة فقال: «ما على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها». قال ابن أبي حاتم: فقلت لهما: الوهم ممن هو؟ قالا: من القرقساني». (٦)

стр. 994

وقال ابن حبان مثل ذلك (١). وقال الدارقطني: وهم في متنه محمد بن مصعب (٢).

стр. 995

المطلب السابع: ذكر بعض القرائن يُتوصل بها إلى معرفة أخطاء الثقات في الأحاديث كما وردت عن الإمام أحمد إن ما تقدم من الأحاديث كلها من أحاديث الثقات وتدل ظاهر أسانيدها ببادي الرأي على أنها صحيحة، لكن أئمة هذا العلم قد أدركوا فيها عللاً خفية حالت بينها وبين رتبة الصحة والقبول، وقد غفل عن هذه العلل كثير ممن لم يسلكوا سبيلهم فحكموا على كثير منها بالصحة وجانبهم الصوابُ في ذلك. وعندما كشف الأئمة تلك العلل، وحكموا بموجبها على الروايات بالخطأ، لم يفعلوا ذلك بمجرد الحدس من غير تحقّق، بل اعتمدوا على أدلة ثابتة بصريح المعقول توصلوا بها إلى اليقين أو الظن الراجح في أحكامهم. ومن خلال دارستي للأحاديث التي أعلها الإمام أحمد ظهر لي بعض القرائن رأيته يعتمدها للتوصل إلى إدراك العلل الواقعة في أحاديث الثقات. وهي كالتالي: ١. التَّفرُّد ممن لا يُحتمل تفردُه وبخاصة عن حافظٍ مُكثِرٍ ذي تلاميذَ كُثُر وقد تقدم أمثلة كثيرة في مبحث التفرد لأحاديث الثقات التي ردّها الإمام بالتفرد، وذلك حيث لم يكن لدى الثقة من التثبت والإتقان ما يحتمل ويقبل منه أن ينفرد عن شيخه بما لا يُعرف إلا من جهته. ومن الأمثلة أيضاً: قال أبو داود: «سمعت أحمد ذُكر له حديث ضمْرة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : «من ملَك ذا رحِمٍ مَحرمٍ فهو حرٌّ». فقال أحمد: ليس من ذا شيء، وهِم ضمْرة». (١)

стр. 996

وقال أبو زرعة الدمشقي: فأنكره، وردّه رداًّ شديداً. (١) قال أحمد عن ضمْرة بن ربيعة: «من الثقات المأمونين، رجلٌ صالح، صالح الحديث، لم يكن بالشام رجلٌ يُشبهه». وقال له عبد الله: أيما أحب إليك هو أو بقية؟ قال: «لا، ضمْرة أحب إلينا، بقية ما كان يبالي عمّن حدّث». (٢) وقال أبو داود: «قلت لأحمد: ضمْرة بن ربيعة؟ قال: ثقة، ثقة». (٣) وقال ابن قُدامة: «سئل أحمد عن ضمْرة بن رببيعة فقال: ثقة، إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل». (٤) وهذا الحديث رواه ضمْرة عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من ملَك ذا رحِمٍ مَحرمٍ فهو حرٌّ» أخرجه النسائي (٥)، وابن الجارود (٦)، وابن ماجه (٧)، والطحاوي (٨) والحاكم (٩)، والبيهقي (١٠)، وابن عساكر (١١). وقد أنكره الإمام أحمد على ضمْرة بن ربيعة مع ثقته، ولم يصرح بوجه الإنكار، إلا أنه يؤخذ ذلك من كلام الإمام أحمد في ضمْرة كما رواه ابن قدامة،

стр. 997

أنه روى حديثين لا أصل لهما، فهذا أحدهما، وقد تقدم الآخر في تفسير معنى «لا أصل له» عند الإمام أحمد في مبحث الإعلال بكذب الراوي (١). وهما الحديثان اللذان ذكر أبو زرعة الدمشقي إنكار الإمام أحمد لهما على ضمْرة. فوجه الإنكار أن هذا الحديث لا يعرف من حديث الثوري، ولا من حديث عبد الله بن دينار، ولا من حديث ابن عمر. وقد يقال: إذا كان ضمْرة ثقة مأموناً فلمَ لا يُقبل تفردُه عن الثوري، وهذه وجهة نظر من صحح الحديث كعبد الحق الإشبيلي (٢)، وابن القطان (٣)، وابن التركماني (٤)، واستحسن الشيخ الألباني كلام ابن التركماني في تصحيحه للحديث ورده على تضعيف البيهقي له (٥). فيقال في الجواب: هذا صحيح لو كان الذي تفرد عنه لم يكن كثير الحديث والتلاميذ مثل الثوري، ولو كان شيخه أيضاً لم يكن كذلك، أما وكلٌّ من ابن عمر، وابن دينار، والثوري معروف بكثرة الرواية (٦) والرواة، فكيف يغيب هذا الأصل عن جميع الرواة من لدن طبقة تلاميذ ابن عمر، مروراً بطبقة الرواة عن ابن دينار إلى طبقة تلاميذ الثوري، فلا يرويه إلا ضمْرة بن ربيعة الذي لم يُعرف بطول صحبته للثوري ولا بكثرة الرواية عنه، بل كان الثوري بالكوفة بينما هو بين دمشق وفلسطين، ولم يكن من الطبقة الأولى

стр. 998

من أصحابه أمثال القطان، وابن مهدي، ووكيع، وأبي نعيم، فما بال هذا الحديث لا يعرفه واحد من هؤلاء؟ ومن أجل هذا اعتبره الإمام أحمد من الذين لا يحتمل تفردهم عن حافظ مكثر مثل الثوري. وقد وافق الإمام أحمد على هذا الحكم نفسه غيرُه من الأئمة. فقال الترمذي: «لم يتابع ضمْرة بن ربيعة على هذا الحديث، وهو خطأ عند أهل الحديث» (١). وقال النسائي: «هذا حديث منكر، ولا نعلم أحداً رواه غير ضمْرة» (٢). وأما البيهقي فأعلّ الحديث بأن ضمْرة انقلب عليه هذا الحديث بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته المعروف بأنه مروي بهذا الإسناد (٣). لكن ضمْرة قد روى الحديثين معاً بالإسناد نفسه، فيبعد مع ذلك أن يكون انقلب عليه أحدهما بالآخر، وهذا الذي نبه عليه الحاكم (٤) لما روى الحديثين معاً من طريق ضمْرة، فقال: «إنما ذكرت المتن الأول ليزول به الوهم عن ضمْرة» (٥). وأشار الحافظ ابن حجر (٦) إلى ذلك أيضاً. فمعرفة التفرد الكائن ممن لا يحتمل تفرده هي القرينة التي توصل بها الإمام أحمد إلى الحكم على الحديث بالخطأ، مع أن ظاهر إسناده يوهم أنه صحيح.

стр. 999

ومثال آخر: قال الأثرم: «قيل لأبي عبد الله: روى شبابة، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه: بايعنا النبي ﷺ … فأنكره وقال: إنما هذا حديث طارق، ما سمعت هذا من حديث قتادة ولا من حديث شعبة». (١) فأنكره لأنه لا يُروى من حديث شعبة، ولا من حديث قتادة، وكل منهما كان كثيرا الحديث والتلاميذ. ٢. المخالفة لرواية الأوثق أو الأكثر عدداً وهذا أيضاً قد مرّ ذكر أمثلته عن الإمام أحمد في مطلبين (٢)، وبمعرفته يتوصل إلى معرفة كثير من الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات التي ظاهرها الصحة، ولا يمكن الوصول إلى معرفة المخالفة إلا بجمع الطرق، ولذلك اشتهرت مقولتهم أن الباب إذا لم يجمع طرقُه لم يُعلم خطؤه. والمخالفة ذات الوجهين قرينة قوية لكشف القلب الذي من نوع إبدال حديث بآخر. وقد تقدمت بعض أمثلة ذلك، ومنها أيضاً: قال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله وذكر شبابة فقلت له: روى عن شعبة، عن بُكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي في الدُّبّاء، فقال: وهذا إنما روى شعبة بهذا الإسناد حديثَ الحجّ». (٣) فالنهي عن الانتباذ في الدباء والمزفّت صحيح ثابت عن النبي ﷺ عن

стр. 1000

جماعة كثيرين من الصحابة، منهم أنس بن مالك (١)، وعلي بن أبي طالب (٢)، وعائشة (٣)، وأبو هريرة (٤)، وابن عباس (٥)، وابن عمر (٦)، وجابر بن عبد الله (٧)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (٨)، وغيرهم. ورواية عبد الرحمن بن يعمر الديلي غريبة جداً، لا تعرف إلا بهذا الإسناد، تفرد به شبابة، عن بكير بن عطاء عنه. (٩) والمعروف عن شعبة بهذا الإسناد حديث: «الحج عرفة». هكذا رواه أصحاب شعبة: غندر (١٠)، وأبو الوليد الطيالسي (١١)، وأبو داود الطيالسي (١٢)، وروح بن عبادة (١٣)، ويزيد بن هارون (١٤)، ومعاذ بن معاذ العنبري (١٥)،

стр. 1001

وأبو عبيدة الحداد (١)، وسهل بن يوسف وحماد بن مسعدة (٢). فهذا المتن هو الذي يعرف بهذا الإسناد، وأما حديث النهي عن الدباء والمزفت فلا يعرف بالإسناد الذي ذكره شبابة. وقد أنكر هذا الحديث على شبابة طوائف من الأئمة منهم غير الإمام أحمد، منهم الإمام البخاري (٣). وقال أبو جاتم: هذا حديث منكر، لم يروه غير شبابة، ولا يُعرف له أصل (٤). وقال الترمذي: «هذا حديث غريب من قبل إسناده لا نعلم أحدا حدث به غير شبابة، وقد رُوي عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة أنه نهى أن يُنتبذ في الدُّبّاء والمزفَّت، وحديث شبابة إنما يُستغرب لأنه تفرد به عن شعبة، وقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بُكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعمُر عن النبي ﷺ أنه قال: «الحج عرفة» فهذا الحديث المعروف عند أهل الحديث بهذا الإسناد». (٥) ووجه المخالفة ذات الوجهين أن شبابة خالف كل من روى حديث النهي عن الدباء والمزفت حيث جعله من مسند عبد الرحمن بن يعمر، بينما هو معروف برواية غيره من الصحابة. وخالف أصحاب شعبة حيث روى بإسناد شبعة، عن بكير، عن عبد الرحمن بن يعمر هذا الحديث الذي يروي به أصحاب شعبة حديثاً غيره. ويشكل على هذا الإعلال أن شبابة قد روى حديث: «الحج عرفة» عن

стр. 1002

شعبة، عن بكير، عن عبد الرحمن بن يعمر كما رواه سائر أصحاب شبعة. أخرجه الطحاوي (١) عن علي بن معبَد عنه. وعلي بن معبد ثقة فقيه (٢). فلم يبق إلا تفرده من بين أصحاب شعبة برواية حديث النهي عن الدباء والمزفت. ويؤيد كونه غير محفوظ أن البخاري روى عن عبد الرزاق عن الثوري بصيغة الجزم أنه قال: «كان عند بكير حديثان، سمع شعبة أحدَهما ولم يسمع الآخر». (٣) فالذي يجزم به أن شعبة سمع حديث: «الحج عرفة»، فبقي سماعه للحديث الآخر - حتى ولو كان حديثنا المذكور (٤) - منفياً على ما قاله الثوري. وهذا مستند البخاري في نفي الصحة عن حديث شبابة في النهي عن الدباء والمزفت. وقد يقال في مثل هذا: إن المثبِت مقدّم على النافي، وهذا صحيح، إلا أن في باب تضافر الأدلة يحتج بمثل هذه القرينة. وأما علي بن المديني فقال لما سئل عن هذا الحديث «أيَّ شيء تقدر تقول في ذاك، - يعني أن شبابة كان شيخاً صدوقاً إلا أنه كان يقول بالإرجاء - ولا يُنكر من رجل سمع من رجل ألفاً وألفين أن يجيء بحديث غريب». (٥) ٣. مخالفة الراوي لمقتضى ما رواه وقد تقدمت أمثلة ذلك أيضاً (٦)، وأنها من قواعد إعلال الأحاديث عند الإمام أحمد وغيره من الحفاظ.

стр. 1003

٤. معرفة مخالفة الرواية للثابت المعروف وهذا أيضاً قد تقدمت أمثلته في مطلب مستقل (١). ٥. سلوك الجادَّة معنى الجادَّة معظم الطريق، وهي أيضاً الطريق إلى الماء (٢). والمقصود بسلوك الجادّة اتباع الطريق المعهود في الرواية، وتوضيح ذلك من كلام الشيخ المعلمي ﵀، قال: «وأغلب ما يكون الخطأ بالحمل على المألوف … وهكذا الخطأ في الأسانيد أغلب ما يقع بسلوك الجادة، فهشام بن عروة غالب روايته عن أبيه، عن عائشة، وقد يروي عن وهب بن كيسان، عن عبيد بن عمير، فقد يسمع رجل من هشام خبراً بالسند الثاني ثم يمضي على السامع زمان فيشتبه عليه، فيتوهم أنه سمع ذاك الخبر من هشام بالسند الأول على ما هو الغالب المألوف، ولذلك تجد أئمة الحديث إذا وجدوا راويين اختلفا بأن رويا عن هشام خبراً واحداً، جعله أحدُهما عن هشام، عن وهب، عن عُبيد، وجعله الآخر عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فالغالب أن يُقدموا الأول، ويخطّؤوا الثاني، هذا مثال، ومن راجع كتب علل الحديث وجد من هذا ما لا يُحصى». (٣) فذكر أن سلوك الجادة قرينة استعملها أئمة الحديث لتقوية ظنهم بخطأ من سلكها، وذلك أن الذي جاء بما يخالف المألوف يدل على مزيد ضبطه لما رواه فتُقدم روايته على من سلك الجادة. وقد تقدم عن الإمام أحمد ما يدل على اعتباره هذه القرينة طريقة لمعرفة الخطأ. قال: «وأهل المدينة إذا كان حديثٌ غلطٌ يقولون: «ابن المنكدر، عن جابر»، وأهل البصرة يقولون: «ثابت، عن أنس»، يُحيلون عليهما». (٤)

стр. 1004

قال الحافظ ابن رجب في مراد الإمام أحمد من هذه العبارة: «لما اشتهرت رواية ابن المنكدر عن جابر، ورواية ثابت عن أنس، صار كل ضعيف وسيئ الحفظ إذا روى حديثاً عن ابن المنكدر يجعله عن جابر عن النبي ﷺ ، وإن رواه عن ثابت، جعله عن أنس عن النبي ﷺ ). (١) ومن النماذج لاستعمال الإمام أحمد لهذه القرينة: ما تقدم من الخلاف بين الثوري وجرير على منصور في حديث: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال … »، فإن جريراً رواه، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، ورواه الثوري عن منصور، عن ربعي، عن رجل من الصحابة، فقال الإمام أحمد طريق الثوري هو المحفوظ، وقال في حديث جرير ليس بشيء. فإن من القرائن التي كشفت علة رواية جرير أنه أتى به على الطريق المألوف: منصور، عن ربعي، عن حُذيفة، والثوري حفظ أنه ليس عن حذيفة على الجادة، ولكن عن رجل من الصحابة غير مسمى. (٢) ومنها: قال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن حديث الأوزاعي عن حسّان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر أن النبي ﷺ رأى رجلاً ثائرَ الشعر فقال: «أما وجد هذا ما يسكن به شعرَهُ»؟ ورأى رجلاً آخر وسخ الثياب … فقال: ما أنكره من حديث، ليس إنسان يرويه - يعني عن ابن المنكدر - غير حسان. قال أحمد: كان ابن المنكدر رجلاً صالحاً، وكان يُعرف بجابر مثل ثابت، عن أنس، وكان يحدث عن يزيد الرقاشي، فربما حدّث بالشيء مرسلاً فجعلوه عن جابر». (٣)

стр. 1005

هذا الحديث أخرجه أبو داود (١)، والنسائي (٢)، وأحمد (٣)، والحاكم (٤) كلهم من طرق عن الأوزاعي به. ولفظه: «أتانا رسول الله ﷺ فرأى رجلاً شعِثاً قد تفرق شعرُه فقال: «أما كان يجد هذا ما يسكِّن به شعرَه؟». ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة فقال: «أما كان يجد ماء يغسل به ثوبَه؟». وهذا السند ظاهره الصحة فإن حسّان بن عطية قد وثقه أحمد، وابن معين، والفسوي وغيرهم (٥). وأنكر الإمام أحمد الحديث بقرينة رواية حسان له عن ابن المنكدر، عن جابر، حيث سلك الجادة المعروفة، بالإضافة إلى تفرده بذلك عن ابن المنكدر. ولربما روى ابن المنكدر الحديث مرسلاً، فيسنده من لم يضبط حديثه على الجادة، ومراسيل ابن المنكدر ترجع أصولها في بعض الأحيان إلى رجال ضعفاء مثل يزيد الرقاشي. قال عبد الله: «حدثني أبي، حدثنا سفيان، قال: حدثنا ابن المنكدر، سمع سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، يخبر عن جبير بن الحُويرث: «رأيت أبا بكر واقفاً على قزح». قال أبي: قالوا لسفيان: إن ابن المنكدر يقول: عن أبيه، عن جابر. فقال: من أين أقع على هذا: سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحُويرث: «رأيت أبا بكر»، قال أبي: وإنما هو: عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع». (٦) هذا الحديث رواه الشافعي (٧)، وابن أبي شيبة (٨)، والفاكهي (٩)،

стр. 1006

والطبري (١)، والبيهقي (٢)، عن سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جُبير بن الحويرث: «رأيت أبا بكر ﵁ واقفاً على قَزَحٍ، وهو يقول: أيُّها الناس، أَصبِحُوا، أيُّها النَّاس أصبِحوا، ثم دفع فإني لأنظر إلى فخِذِهِ قد انكشفتْ مما يَحرُشُ بعيرَه بِمِحجَنِهِ». ولم أقف على رواية محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر. وقد روى ابن أبي حاتم هذه القصة أيضاً عن على بن المديني قال: «سمعت سفيان وقيل له إن منكدر بن محمد بن المنكدر روى عن أبيه، عن جابر قال: رأيت أبا بكر واقفاً على قزَح، فقال: سفيان قد سمعتُ منكدرا يقوله فكرهت أن أقول له شيئاً، واستحييْت منه، ثم قال سفيان: نحن أحفظ له منه، إنما قال ابن المنكدر: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جُبير بن الحويرث». (٣) ومنها: قال عبد الله: «سألت أبي عن حديث هشيم، عن حُصين، عن عمرو بن مرة، عن علقمة بن وائل، عن أبيه عن النبي ﷺ في الرفع. قال: رواه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن اليحصبي، عن وائل عن النبي ﷺ ، خالف حُصينٌ شعبةَ، فقال: شعبةُ أثبت في عمرو بن مرة من حُصين، القول قول شعبة، من أين يقع شعبة على أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل!». (٤)

стр. 1007

ومنها: قال عبد الله: «وجدت في كتاب أبي قال: قيل لصفوان بن عيسى: من حدثك؟ قال: الحارث بن عبد الرحمن، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، بإذن الله له، فقال له ربه جل وعز: رحمك ربك يا آدم. قال أبي: خالفه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن سعيد، عن عبد الله بن سلام». (١) ذكر النسائي الروايتين (٢) وقال عن رواية الليث: وهذا هو الصواب، والآخر خطأ اهـ. وصفوان بن عيسى وثقه ابن سعد (٣)، وقال فيه أبو حاتم: صالح (٤). وفي ذكر الإمام أحمد لمخالفة الليث له إشارة إلى أنها أصح، وذلك لأن صفوان روى الحديث على الجادة المعروفة: سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وكون الليث يرويه عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام يدل على ضبطه، إذا كيف يقع على عبد الله بن سلام بهذا الإسناد لولا أنه حفظه وضبطه؟ ٦. معرفة الملابَسات المتعلقة بمجالس التحمّل والأداء وهذا أيضاً من القرائن التي يهتدى بها إلى معرفة الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات. فمن أمثلة ذلك فيما يتعلق بمجلس التحمل ما سبق لجرير بن حازم في روايته لحديث أبي قتادة: قال رسول الله ﷺ : «إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تقوموا

стр. 1008

حتى تروني»، حيث قلبه فجعله من حديث ثابت عن أنس، فبين حماد بن زيد أنه سمعه من حجاج الصواف، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في مجلس ثابت، فظنّ أنه سمعه - يعني من ثابت». (١) ومن أمثلة ملابسات تتعلق بمجلس الأداء: قال المزي: «قال أبو زرعة: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن حديث أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أنس، عن أمِّ حبيبة - أي أريت ما تلقى أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض، وكان ذلك سابقاً من الله، فسألته أن يوليني شفاعة فيهم يوم القيامة، ففعل - قال: ليس له عن الزهري، عن أصل، وأخبرني أنه من حديث شعيب، عن ابن أبي حسين، وقال لي: كتاب شعيب عن ابن أبي حسين ملصق بكتاب الزهري، قال: فبلغني أن أبا اليمان حدثهم به عن الزهري، وليس له أصل، كأنه يذهب إلى أنه اختلط بكتاب الزهري، إذ كان به ملصقاً، فرأيته كأنه يعذر أبا اليمان، ولا يحمل عليه فيه. قال: وقد سألت عنه أحمد بن صالح مقدمه دمشق فقال لي مثل قول أحمد: إنه لا أصل له عن الزهري». (٢) فهذا الحديث إسناده ظاهره الصحة، وأنكره الإمام أحمد على أبي اليمان بأنه ليس له أصل من حديث الزهري، وانكشف له وجه الخطأ بما لابس مجلس أداء الراوي حين حدث بالحديث، وذلك أن أبا اليمان كان كتابه عن شعيب، عن الزهري ملصقاً بكتابه عن شعيب، عن ابن أبي حسين فقلب الورقة من حديث الزهري إلى حديث ابن أبي حسين، ولم تنقلب في ذهنه فحدث بالحديث من حديث الزهري وهو من حديث ابن أبي حسين، ولذلك أعذره الإمام أحمد ولم يحمل عليه. أما يحيى بن معين فذكر حينما سئل عن الحديث فقال: «أنا سألت أبا اليمان فقال: الحديث حديث الزهري، فمن كتبه عنيّ فقد أصاب، ومن كتبه عنيّ من

стр. 1009

حديث ابن أبي حسين فهو خطأ، إنما كُتِب في آخر حديث ابن أبي حسين فغلطتُ فحدثتُ به من حديث ابن أبي حسين، وهو صحيح من حديث الزهري». (١) وروى مثله إبراهيم بن هانئ النيسابوري قال: «قال لنا أبو اليمان: الحديث حديث الزهري، والذي حدثتكم عن ابن أبي حسين غلطت فيه بورقة قلبتها». (٢) قال الذهبي: تعين أن الحديث وهِم فيه أبو اليمان، وصمّم على الوهم، لأن الكبار حكموا بأن الحديث ما هو عند الزهري، والله أعلم. (٣) وقد سئل محمد بن يحيى عنه فقال: حدثنا به أبو اليمان عن ابن أبي حسين من أصل كتابه، وذهب إلى أن من حدث به عن أبي اليمان من حديث الزهري فإنما ذلك تلقين لُقنه أبا اليمان (٤). وقد أخرج الإمام أحمد الحديث من حديث أبي اليمان، عن شعيب، عن ابن أبي حسين (٥)، وقال عند تخريجه للحديث: «يتلو أحاديث ابن أبي حسين»، وكُتُب أبي اليمان، عن شعيب كانت عند أحمد كما تقدم (٦)، فذكر هذا الحديث تحت أحاديث ابن أبي حسين، لا تحت أحاديث الزهري. وأخرجه من حديث الزهري ابن أبي عاصم (٧)، والحاكم (٨)، وابن عبد البر (٩). فمثل هذه الوقائع المتعلقة إما بمجلس التحمل أو بمجلس الأداء، أو بهما

стр. 1010

يهتدى بها لمعرفة الخطأ وجهته. ٧. معرفة ما ينفي السماع الموهوم في السند والمقصود بذلك كشف تدليس المدلّس، أو الإرسال الخفي من صاحبه، وهذا أيضاً من القرائن التي تكشف الخطأ في أحاديث الثقات مما ظاهرها الصحة. فمن ذلك: قال صالح: سألت أبي عن المسح على الخفين، يمسح ظاهرهما وباطنهما؟ وهل يعمل بحديث المغيرة بن شُعبة؟ قال: أبي: المسح على الخفين إنما يُمسح أعلاهما. وقال بعض الناس: وأسفلهما، وليس هو بحديث ثبت عندنا … قال صالح: حدثني أبي قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء ابن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة «أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله». قال أبي: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن مهدي، فذكر عن ابن المبارك، عن ثور قال: حدّثت عن رجاء، عن كاتب المغيرة، ولم يذكر فيه المغيرة، ولا أرى الحديث ثبت». (١) وقال الأثرم: «سئل أبو عبد الله عن حديث المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله، فقال: هذا الحديث ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك، أنه قال عن ثور: حدِّثتُ عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، وليس فيه المغيرة. قال أحمد: وأما الوليد فزاد فيه: عن المغيرة، وجعله ثور، عن رجاء، ولم يسمعه ثور من رجاء، لأن ابن المبارك قال فيه: عن ثور حدِّثتُ عن رجاء». (٢) فهذا الحديث انكشف خطؤه بالوقوف على ما ينفي السماع الموهوم في سنده، وذلك أن الوليد بن مسلم قد أخفى موضع الانقطاع من السند بالتسوية،

стр. 1011

فسوى الإسناد وكأنه متصل، فقال: عن ثور ين يزيد، عن رجاء بن حيوة. فكشفت رواية ابن المبارك تسوية الوليد بن مسلم، وأن ثور بن يزيد قال فيه: حدثت عن رجاء، فدل على وجود الواسطة بينهما وأنه لم يسمعه منه. وحديث الوليد بن مسلم رواه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، وابن ماجه (٣)، وأحمد (٤)، وابن الجارود (٥)، والطبراني (٦)، والدارقطني (٧)، والبيهقي (٨)، وابن عبد البر (٩). وأما رواية ابن المبارك فهي مسندة في سؤال صالح عن أحمد عن ابن مهدي عنه. وبقية من ذكرها ذكرها معلقة (١٠). ووقع في رواية الدارقطني ما يوهم رفع هذه العلة، حيث رواه عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد حدثنا رجاء بن حيوة فذكره. فهذا ظاهره أن ثوراً سمعه من رجاء، فتزول العلة. قال الحافظ ابن حجر: لكن رواه أحمد بن عُبيد الصفار في «مسنده» عن أحمد ين يحيى الحلواني، عن داود بن رشيد، عن رجاء، ولم يقل: حدثنا رجاء، فهذا اختلاف

стр. 1012

على داود يمنع من القول بصحة وصله مع ما تقدم من كلام الأئمة». (١) ثم إنه قد خالفه جمع من الرواة عن الوليد بن مسلم، كلهم ذكروه بالعنعنة. ثم حتى ولو ثبت فابن المبارك أحفظ وأجل من الوليد بن مسلم كما قال ابن القيم (٢). وضعف الحديث البخاري وأبو زرعة (٣) لمخالفة رواية ابن المبارك له. وقال الدارقطني: «وحديث رجاء بن حيوة الذي فيه ذكر أعلى الخف وأسلفه لا يثبت لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلاً» (٤). ومنه أيضاً: قال أبو طالب أحمد بن حُميد: «سألت أحمد بن حنبل عن حديث شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت مجاهداً يحدث عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في التشهد والتحيات، فأنكره وقال: لا أعرفه. قلت: يروي نصر بن علي، عن أبيه - يعني عن شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت مجاهداً. قال: قال يحيى: كان شعبة يضعّف حديث أبي بشر عن مجاهد قال: لم يسمع منه شيئاً. وقال: إنما ابن عمر يرويه عن أبي بكر الصديق: علّمَنا التَّشهد، ليس فيه النبي ﷺ ). (٥) هذا الحديث إنما أنكر الإمام أحمد رفعه إلى النبي ﷺ ، لأن ذلك جاء من طريق أبي بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشية، عن مجاهد، عن ابن عمر، وحتى إن أبا بشر قد صرح بالسماع من مجاهد في رواية نصر بن علي (٦)، عن أبيه علي بن نصر

стр. 1013

الجهضمي، عن شعبة (١). وقد خالفه غيره عن شعبة، عن أبي بشر، عن محاهد، عن ابن عمر موقوفاً عليه. (٢) وذكر الإمام أحمد أن الصحيح أن ابن عمر كان يرويه عن أبي بكر: «علمنا التشهد» ليس فيه النبي ﷺ ، هكذا رواه أبو الصديق الناجي عن ابن عمر (٣). فهذا أيضاً انكشفت علته بالوقوف على ما ينفي السماع المصرح به في السند، وهذا الأمر هو ما ذكره شعبة أن أبا بشر لم يسمع من مجاهد شيئاً. ٨. معرفة من ضُعِّف من الثقات تضعيفاً مقيداً، إما في بعض شيوخه، أو في حديثه في بعض البلدان، أو في حديث بعض أهل البلدان عنه، أو في بعض الأوقات، أو الحالات. وقد تقدم كل ذلك مفصلاً مع نماذج كل نوع لدى الإمام أحمد (٤). ٩. معرفة مراتب الرواة عن الأعلام المُكثِرِينَ في الرواية وعدد التلاميذ وبهذه المعرفة يحصل لدى الناقد تمييز من يستحق التقديم ممن حقه التأخير عند الاختلاف، ومن يحتمل ويقبل منه التفرد عن شيخه ممن يتوقف أو يرد ذلك عنه. وهذا ما سيأتي دراسته في المبحث القادم، وهو المبحث الثاني من هذا الفصل

стр. 1014

إن شاء الله، أفردته بالدراسة لأهميته. ١٠. الفهم الخاص بأن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان ويلحق بذلك معرفة ما لكل راوٍ من الأحاديث. ذكر هذا الحافظ ابن رجب ضمن القواعد في علم العلل (١)، وهذا الفهم اكتسبه النقادُ بكثرة ممارستهم للأحاديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، فيعلّون الروايات بناء على هذا الفهم، ولو قيل لأحدهم كيف ذلك، تقصر عبارته دون التعبير عن وجه حكمه أو الاستدلال له، لكن فهمه ومعرفته أثبتان في قريحته ما يكاد يجزم بأن ما قاله صحيح ويأبى منه قبول نقيضه، ويظهر مصداق قولهم بالنظر والتتبع، وحالتهم في هذا كمثل حالة ناقد الدراهم. ومن أمثلة ذلك، قال أحمد: «سعد بن سناد تركت حديثه، حديثه مضطرب، يشبه حديثه حديث الحسن، ولا يشبه أحاديث أنس». (٢) وقد كان هذا منهج الأئمة الذين تقدموا الإمام أحمد. قال عبد الله: «حدثني أبو عمر قال: حدثني أبو أسامة، قال: كُنتُ عند سفيان فحدّثهُ زائدةٌ، عن شُعبة، عن سلمة بن كُهيل، عن سعيد بن جبير ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨]. قال: هم الشُّهداءُ. فقال له سفيان: إنك لَثِقة، وإنّك لتحدّثُنا عن ثِقة، وما يَقبَلُ قلبي إن هذا من حديث سلمة، فدعا بكتابٍ فكتب: مِن سُفيان بن سعيد إلى شُعبة، وجاء كتاب شُعبة: مِن شُعبة إلى سفيان، إني لم أُحدِّث بهذا عن سلمة، ولكن حدثني عُمارة بن أبي حفصة، عن حِجر الهَجَري، عن سعيد بن جبير». (٣)

стр. 1015

ومنه أيضاً: قال عبد الله: «حدثني أبو صالح الحكم بن موسى قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الملك بن أبي غنية أو غيره عن الحكم بن عتيبة عن مجاهد عن عبد الله بن عباس قال لما انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله ﷺ على القتلى فرأى منظراً سيئاً، ورأى حمزة قد شُقّ بطنُه واصطُلِمَ أنفُه، وجدِّعَت أُذُناه. فقال: لولا أن تجزَع النساءُ أو تكون سنةً بعدي، لتركتُه حتى يبعثه الله من بطون السِّباع والطير، ولأُمثِّلنّ مكانَه منهم سبعين. ثم دعا ببُردة فغطّى بها وجهَه فخرجت رِجلاه، فغطّّى بها رجليْه فخرج وجهه، فغطَّى بها رسول الله ﷺ وجهَه وجعل على رِجليْه شيئاً من الإِذخِر ثم قدّمه فكبَّر عليه عشراً، فذكر الحديث. فحدّثتُ به أبي فقال: هذا من حديث الحسن بن عُمارة، ليس هذا من حديث ابن أبي غنيّة، ابن أبي غنيّة أتقى لله من أن يحدث بمثل هذ». (١) أخرجه الدارقطني (٢) ومنه: قال عبدالله: «سمعت أبي يقول في حديث حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله الرجل يغيب فلا يقدر على الماء أيجامع أهله قال نعم قال أبي هذا حديث مثنى كأنه أنكره من حديث حجاج» (٣). حديث حجاج أخرجه أحمد (٤)، والبيهقي (٥).

стр. 1016

وقد أخرج البيهقي حديث المثنى بن الصباح الذي قال الإمام أحمد هذا الحديث حديثه، رواه من طريق الحسن بن حفص، عن سفيان - يعني الثوري - عن المثنى، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: جاء أعرابى إلى رسول الله ﷺ فقال: إنا نكون في الرَّمل، وفينا الحائضُ والجنبُ والنُّفَساءُ، فيأتي علينا أربعةُ أشهرٍ لا نجد الماء، قال: «عليك بالتراب» - يعني التيمم. قال البيهقي: «هذا حديث يعرف بالمثنى بن الصباح عن عمرو، والمثنى غير قوي. وقد رواه الحجاج بن أرطاة، عن عمرو إلا أنه خالفه في الإسناد؛ فرواه عن عمرو، عن أبيه، عن جده، واختصر المتن فجعل السُّؤال عن الرجل لا يقدر على الماء، أيُجامِع أهلَه؟ قال: نعم … ». (١) فالحديث معروف لمثنى بن الصَّبَّاح، وأخذه عنه الحجاج ثم خالفه في السند وفي المتن، فلذلك أنكره الإمام أحمد من حديث الحجاج. ومنه أيضاً: قال عبد الله: «حدثني مجاهد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن عُبيد، قال: حدثنا مِسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر قال: أتَتِ النبي ﷺ بواكي فقال: «اللهم اسقنا غَيثاً مُغيثاً مَريئاً مريعاً نافعاً غيرَ ضارٍّ عاجلاً غير آجِلٍ». قال: فأطبقت عليهم. فحدثت بهذا الحديث أبي فقال أبي: أعطانا محمد بن عُبيد كتابه عن مِسعر، ولم يكن هذا الحديث فيه، ليس هذا بشيء، كأنه أنكره من حديث محمد بن عُبيد. قال أبي: وحدثناه يعلى أخو محمد قال: حدثنا مِسعَر، عن يزيد الفقير مرسلاً، ولم يقل بواكي، خالفه». (٢)

стр. 1017

حديث محمد بن عبيد أخرجه أبو داود (١)، وعبد بن حميد (٢)، وابن خزيمة (٣)، والحاكم (٤)، والخطيب (٥)، والبيهقي (٦). وصححه الحاكم، والنووي، والألباني (٧). وفيه علة خفية كشفها الإمام أحمد، وهي أن الحديث ليس من حديث محمد بن عبيد، بدليل أنه اطلع على كتاب محمد بن عبيد عن مِسعر، ولم يكن هذا الحديث فيه. ثم ذكر أن يعلى بن عبيد حدثهم به، عن، مسعر، عن يزيد الفقير (٨) مرسلاً، ليس فيه جابر. (٩) فعلى ما ذكره الإمام أحمد فالظاهر أن محمد بن عبيد روى الحديث عن أخيه، فدلسه بإسقاطه ووقع في الخطأ فرفعه وهو مرسل. وقد يقال لا يلزم من عدم وجود الحديث في كتاب محمد بن عبيد أن لا يكون الحديث عنده عن مسعر، فقد يكون سمعه ولم يدونه وحدث به من حفظه، فالجواب أنه يحتمل أنه تحمل الحديث من أخيه ثم غلط في روايته، فرفعه وزاد في المتن ما ليس منه - وهو قوله: أتت بواكي.

стр. 1018

وعلى القول بالتوقف في قبول ما ذكره الإمام أحمد، وإثبات أنه من حديثه، فروايته معارضة برواية أخيه يعلى بن عبيد، وكان أحمد يقول: يحيى أصح حديثاً من محمد وأحفظ (١). وقال أيضاً: «يحيى صحيح الحديث، وكان في بدنه صالحاً، وكان محمد أخوه يخطئ ولا يرجع عن خطئه». (٢) فترجح روايته لأنه أثبت. وذكر الحافظ ابن حجر عن الدارقطني أنه قال: «رواية من قال عن يزيد الفقير من غير ذكر جابر أشبه». (٣)

стр. 1019

المبحث الثاني: مراتبُ الرُّواةِ عن الأَعلامِ عند الإمام أحمد ومن يُرجّح قولُه منهم عند الاختلاف اهتمّ الأئمة النقاد بالموازنة بين رواة الأخبار توثيقاً وتضعيفاً، فكثيراً ما يرد عنهم التوثيق والتضعيف نسبييْن، فيقولون: فلان أحب إليّ من فلان، أو أحفظ، أو أثبت، أو أصح حديثاً. وأخص من هذا موازنتهم بين الرواة عن بعض الأعلام المشهورين بكثرة الرواية والتلاميذ، حتى إن بعضهم قد رتبهم على طبقات (١)، كل طبقة تجمع صنفاً متجانساً من التلاميذ يشتركون في صفة واحدة تخصهم وتمييزهم عن غيرهم. وفائدة هذه الموازنة معرفة من يقدَّم قوله عند الاختلاف، وتمييز من يصلح للاحتجاج به عند التفرد من غيره، وهذه المعرفة بمنزلة تتمة الطريق لكشف علل الأخبار وتمييز الصحيح منها من السقيم، ولا فائدة لجمع الطرق إذا لم توجد هذه المعرفة لدى الناقد، فبدونها لا يتمكن من تمييز الخطأ من الصواب، وإن اجتمعت لديه الطرق وتمثلت أمامه. وكان الإمام أحمد قد أولى هذا الجانب عناية فائقة، ففي كلامه في الرجال نصوص كثيرة في التوثيق والتضعيف النسبيين، والتمييز بين الرواة عن بعض

стр. 1020

الأعلام فنص على من يقدَّم قولُه منهم عند الاختلاف، وكذلك في أثناء كلامه في إعلال الأحاديث يوجد جملاً من هذا أيضاً. وفي هذا المبحث سأورد كلام الإمام أحمد في بيان مراتب الرواة عن بعض الأعلام الذين تدور غالب الأحاديث الصحيحة عليهم، ومن يرجح قوله منهم عند الاختلاف لوجود عوامل الترجيح فيه أكثر من غيره، وبيان تلك العوامل. كما أذكر بعض النماذج من اختلافهم على شيخهم وكيف رجح الإمام أحمد بينهم بناء على ترتيبهم الطبقي. أصحاب عبد الله بن عمر أشهر تلاميذه سالم ابنه ونافع مولاه. وقد اختلف قوله في الترجيح بينهما عند الاختلاف. فقال المرُّوذي: «قلت: فإذا اختلف سالم ونافع، لمن تحكم؟ قال: نافع قد قدم سالماً على نفسه. وقد روى عنه، وكان مشمرّاً. قلت: لم أَرد الفضل، إنما أردت الحديث، إذا اختلفا، فقلبُك إلى أيهما أميل؟ قال: جميعاً عندي ثبت، وذهب إلى أن لا يقضي لأحد». (١) فتوقف الإمام أحمد عن الترجيح بينهما. وكذلك قال حرب بن إسماعيل الكرماني، قال: «قيل لأحمد إذا اختلف سالم ونافع في ابن عمر من أحب إليك؟ قال: ما أتقدم عليهما». (٢) ومما يدل على تقديمه لسالم أنه جعل أصح الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه (٣). ومع رواية المروذي التوقف عن الإمام أحمد فقد روى عنه أنه مال إلى قول نافع في اختلافهما في حديث: «من باع عبداً له مال».
следующие страницы →