← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7254

منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

بشير علي عمر

Полный текст (1 079 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أعظم نعم الله تعالى على البشرية نعمة النبوة والرسالة، بها أنقذهم من الضيق في هذه الحياة والدنيا والهلاك والخذلان في العقبى، وهداهم بها إلى الحياة الطيبة في الأولى، والسعادة الأبدية في الأخرى. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].

стр. 2

وقد أتم الله هذه النعمة ببعثة خاتم النبيين وإمام المرسلين وخليله وخيرته من خلقه محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فأكمل به الدين وأتمّ به النعمة، وقضى جلّ في عُلاه بحكمته ولطفه وكرمه ألا ينقطع فضلُه ومنُّه على عباده، فتكفل سبحانه بحفظ ذلك النور الذي أرسله به، فببقائه تبقى النعمة وتزول النقمة، فحفظ الكتاب في الصدور والصحف ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. وقيض للأمة من يحفظ السنة من الحملة الصادقين الموثوقين والعلماء الربانيين المؤيدين بالتأييد الرباني، الذين رزقهم من الحفظ والذكاء ما مكنهم به من حفظ السنة النبوية وتدوينها، ووضْعِ سياجٍ عليها يصونها من أن تكون فريسةً لأباطيل من رام الخلط على الأمة في سنة نبيها من الوضّاعين والملاحدة، أو لأوهامِ وأغلوطاتِ من لم يُحكم ضبطَ المرويات. وقد بذل هؤلاء الجهابذةُ من العلماء أقصى الجُهد في وضع علم هو من مبتكرات هذه الأمة وخاصيتها التي خصها الله بها، ألا وهو علم الحديث رواية ودراية، فرد الله بهؤلاء الفرسان وبسهام هذا العلم الذي ابتكروه أعنف غارة عرفها تاريخ البشرية، فردوا كيد الكائدين وحُفظتْ سنةُ سيد المرسلين. والغاية القُصوى من هذا العلم هي معرفة صحة الحديث وسقمه، وجميع فنونه ومباحثه مسخرة لتحصيل هذه الغاية، واستمداده من نقد العلماء الجهابذة للمرويات ولنقلة الأخبار بما خصهم الله به من فضيلة المعرفة والعدالة والورع، وهؤلاء العلماء لم يزالوا في كل دهر وزمان، من لدن عهد الصحابة إلى أن دونت السنن وتم وضع معالم علم السنة رواية ودراية. فصحابة رسول الله ﷺ كان لهم قصب السبق في نقد المرويات والرواة، ومواقف أم المؤمنين عائشة ﵂ في نقدها

стр. 3

لمنقول أقرانها من الصحابة معروفة، وكذلك طلبها لعرض مرويات الراوي عليه من حين إلى آخر لاختبار حفظه وضبطه وسلامة مرويه من زيادة أو نقصان (١)، وهذا ابن عباس ﵁ لما فطن لوقوع الكذب على رسول الله يدع رواية أهل التهمة والريبة، وكذلك نقده للمروي عن علي بن أبي طالب ﵁ من القضاء والعلم ورده للأباطيل المروية عنه في ذلك أيضاً معروف ومشهور (٢). وقد درج على هذا النهج أئمة التابعين، فتابعيهم، فتبع أتباعهم إلى أن شب هذا العلم وترعرع. ومن أهم مباحث هذا العلم وأشدها تعلقاً بتحصيل الغاية المنشودة من علم الحديث معرفة علل الأحاديث، وهو فن دقيق إذ به ينكشف مداخل الوهم والخطأ في مرويات الثقات الغالب على منقولهم السلامة والاستقامة، ولدقته لم يتحقق إلا لزمرة يسيرة من العلماء صاروا بذلك أئمة يقتدى بهم، وحجة يرجع إليهم. وإن استمداد هذا العلم الشريف من كلام هؤلاء الأئمة ومناهجهم، وبمطالعة ذلك وتدبّره يحصل لطالب علم الحديث أهلية الكلام في هذا الفن الدقيق. قال الحافظ ابن رجب ﵀: "ولا بدّ في هذا العلم من طول ممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدمت المذاكرة به فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين، كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد، وعلي بن المديني وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك وفهمه، وفقُهتْ نفسُه فيه، وصارت له قوةُ نفسٍ وملَكةٌ، صلُح له أن يتكلّم فيه" (٣). وإن من جهابذة هذا العلم بلا نزاع ومحققيه بلا مِراء الإمام أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وكلامه في الإعلال ومسالك العلة مبثوث فيما نقل عنه في كتب شتى ككتابه العلل ومعرفة الرجال، وبعض كتب مسائله،

стр. 4

وكتب تلاميذه في العلل، ككتاب العلل عن الإمام أحمد للحافظ أبي بكر الخلال وغير ذلك من الكتب الكثيرة. ولما رأيت شخصية هذا الإمام العَلم في هذا العِلم، وموقع كلامه في باب إعلال الأحاديث، وما لمعرفة منهجه في هذا العلم من أهمية، اخترت أن يكون موضوع بحثي في أطروحة الدكتوراه دراسة الأحاديث التي تكلم عليها هذا الإمام بالإعلال، ودراسة كلامه في مسالك الإعلال لاستخلاص منهجه في العلل، وبالله تعالى أستعين وعليه التكلان. وجعلت عنوان البحث: منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث. أهمية الموضوع والسبب في اختياره: فأهمية هذا الموضوع والسبب في اختياري له يرجع إلى أمور هي: ١ - شخصية الإمام أحمد في علم الحديث عموماً وفي علم علل الحديث خصوصاً، فقد كان من أكثر الأئمة كلاماً في إعلال الأحايث. ٢ - أهمية معرفة مناهج الأئمة في باب العلل، ولقلة معرفة بعض المعاصرين لمنهاجهم اضطربوا في باب التصحيح والتضعيف، فيصححون ما قد أجمع الأئمة على إعلاله، أو يضعفون بعلة قد اطلع الأئمة عليها ولم يروها قادحة. ٣ - كون هذا الإمام الكبير مع شهرته وتقدمه في هذا العلم لم يفرد منهجه في باب إعلال الأحاديث بالدراسة حسب علمي. ٤ - إيجاد خدمة علمية بإبراز الأحاديث المعلّة عند هذا الإمام. ٥ - إن دراسة منهج هذا الإمام تبرز دقة هذا العلم وما يحتاج إليه دارسه من سعة المعرفة، فيكون في ذلك إسهام في تنبيه الباحثين المشتغلين بهذا العلم على أهمية التروي وطول النظر قبل إصدار الحكم على الأحاديث.

стр. 5

٦ - إن تتبع كلام الأئمة في علم العلل ودراسة مناهجهم هو أفضل طريق إلى اكتساب المعرفة بهذا العلم كما تقدم قول الحافظ ابن رجب ﵀ في ذلك. خطة البحث: جعلت البحث في مقدمة، وأربعة أبواب، وخاتمة. المقدمة: وفيها بيان أهمية الموضوع، والسبب في اختياره، وذكر خطة البحث ومنهجه. الباب الأول: التعريف الموجز بالإمام أحمد وببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلامه في علل الحديث، وفيه فصلان: الفصل الأول: التعريف الموجز بالإمام أحمد، وفيه خمسة مباحث. المبحث الأول: اسمه، ونسبه، وأسرته، ومولده، ونشأته. المبحث الثاني: حياته العلمية ـ طلبه للعلم، أشهر شيوخه، وأشهر تلاميذه. المبحث الثالث: إمامته ومكانته عند علماء الحديث. المبحث الرابع: آثاره العلمية. المبحث الخامس: وفاته. الفصل الثاني: التعريف ببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلام الإمام أحمد في العلل، وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: كتاب العلل ومعرفة الرجال ـ رواية عبد الله. المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته. المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب. المبحث الثاني: كتاب العلل ومعرفة الرجال ـ رواية المروذي وغيره. المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته.

стр. 6

المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب. المبحث الثالث: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله. المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته. المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب. المبحث الرابع: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني. المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته. المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب. المبحث الخامس: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح. المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته. المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب. المبحث السادس: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ. المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته. المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب. المبحث السابع: سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل في جرح الرواة وتعديلهم. المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته. المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب. المبحث الثامن: المنتخب من العلل للخلال. المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته. المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب.

стр. 7

الباب الثاني: إعلال الأحاديث بالطعن في رواتها، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: الإعلال بالطعن في الراوي بالجهالة، وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: ضابط الجهالة عند الإمام أحمد. المبحث الثاني: جهالة الصحابي لا تضر. المبحث الثالث: رواية الراوي المجهول حديثاً مخالفاً للثابت المعروف. المبحث الرابع: نماذج من إعلال الإمام أحمد للأحاديث بجهالة بعض رواتها. المبحث الخامس: إعلال حديث الراوي المكثر من الرواية عن المجهولين. الفصل الثاني: الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بعدالته، وفيه مبحثان: المبحث الأول: الإعلال بالطعن في الراوي بالكذب أو التهمة به، وفيه سبعة مطالب: المطلب الثاني: إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال المروي. المطلب الثالث: لا منافاة بين ثقة الراوي والحكم على حديثه بالوضع. المطلب الرابع: تعدد طرق الحديث المعل بكذب راويه. المطلب الخامس: بعض مصطلحات الإمام أحمد في الحكم على حديث الراوي المطعون بالكذب. المطلب السادس: موقف الإمام أحمد من الرواية عن الكذّابين والمتهمين بالكذب. المطلب السابع: مخالفة حكمِه حكمَ غيره في آحاد المسائل في هذا الباب. المبحث الثاني: الإعلال بالطعن في الراوي ببدعة فيه، وفيه مطلبان. المطلب الأول: التمييز بين البدعة التي ترد معها رواية الراوي المتصف بها من غيرها.

стр. 8

المطلب الثاني: موقف الإمام أحمد من الرواية عمن أجاب في محنة خلق القرآن. الفصل الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بضبطه، وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: الإعلال بسوء الحفظ الملازم للراوي، وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: سوء الحفظ المطلق والإعلال به عند الإمام أحمد. المطلب الثاني: الحالات التي لا يعلّ بها حديث الراوي المتصف بسوء الحفظ. المطلب الثالث: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي عن بعض شيوخه والإعلال به عند الإمام أحمد. المطلب الرابع: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي عن أهل بعض البلدان والإعلال به عند الإمام أحمد. المطلب الخامس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي إذا جمع الشيوخ في الإسناد والإعلال به عند الإمام أحمد. المطلب السادس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي حين يروي بالمعنى. المبحث الثاني: الإعلال بسوء الحفظ الطارئ على الراوي، وفيه ثلاثة مطالب. المطلب الأول: الإعلال باختلاط الراوي لكبر سنه، فرعان لهذا المطلب: الفرع الأول: من كان صحيح السماع عن المختلط يحمل خطأ روايته على أمر آخر غير الاختلاط. الفرع الثاني: ما حدث به المختلط من كتاب لا يدخله الإعلال بالاختلاط. المطلب الثاني: الإعلال بما يلحق بالاختلاط بسبب ذهاب بصر الراوي. المطلب الثالث: الإعلال بما يلحق بالاختلاط بسب ذهاب كتب الراوي بسبب من الأسباب.

стр. 9

المبحث الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بشدة الغفلة وعدم التيقظ. المبحث الرابع: ما يخل بضبط الراوي بسبب طريقة التحمل. المبحث الخامس: الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بضبطه لكتابه، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أهمية حفظ الكتاب وتقديمه على حفظ الصدر عند الإمام أحمد: المطلب الثاني: من كانت كتبه غير منقوطة ولا مشكولة: المطلب الثالث: من وقف على لَحَقٍ في كتابه: المبحث السادس: من لا يحدّث من كتابه فيهِم في حديثه: المبحث السابع: من حدّث في مكان لم تكن معه كتبه فوهِم، وحدّث في مكان آخر كانت معه كتبه فضبط: المبحث الثامن: من لم يضبط أهل إقليم حديثه: الباب الثالث: إعلال الأحاديث بما يخل باتصال أسانيدها، وفيه فصلان الفصل الأول: ما يثبت به الاتصال، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: اشتراط ثبوت السماع بين الرواة عند الإمام أحمد لثبوت الاتصال، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الأدلة على أن الإمام أحمد يشترط ثبوت السماع للحكم باتصال الإسناد المعنعن. المطلب الثاني: ما يدل على اكتفاء الإمام أحمد بالمعاصرة وإمكان السماع والجواب عنه.

стр. 10

المبحث الثاني: وسيلة إثبات السماع وذكر شروطها وموانعها عند الإمام أحمد، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: طريق إثبات السماع بالتصريح به في السند. المطلب الثاني: شروط قبول التصريح بالسماع في السند. المطلب الثالث: قرائن تمنع من الحكم بثبوت السماع. المبحث الثالث: صيغ الأداء وعلاقتها بإثبات الاتصال. الفصل الثاني: الإعلال بما يخل باتصال الأسانيد، وفيه مبحثان: المبحث الأول: الإرسال والإعلال به، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: معنى الإرسال عند الإمام أحمد. المطلب الثاني: الإعلال بإسقاط الصحابي، وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: الصحبة وما تثبت به عند الإمام أحمد. المسألة الثانية: ما يقدح في ثبوت الصحبة. المسألة الثالثة: التفريق بين الصحبة المقترنة بالرواية عن النبي ﷺ والمجردة منها. المسألة الرابعة: ما أعله بعدم ثبوت صحبة راويه عن النبي ﷺ . المطلب الثالث: الإرسال الخفي والإعلال به عند الإمام أحمد. المطلب الرابع: المزيد في متصل الأسانيد والإعلال به عند الإمام أحمد. المبحث الثاني: التدليس والإعلال به عند الإمام أحمد، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: التعريف بالتدليس والمدلسين عند الإمام أحمد. المطلب الثاني: وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد. الوجه الأول: عدم تصريح المدلس بالسماع في السند.

стр. 11

الوجه الثاني: رواية الحديث عن الراوي المدلس من وجه آخر بالتصريح بالواسطة بينه وبين شيخه. الوجه الثالث: أن يذكر الراوي أنه لم يسمع الحديث من شيخه الذي روى عنه. الوجه الرابع: تنصيص الإمام على عدم سماع الراوي لحديث معين من شيخه. الوجه الخامس: تنصيص الإمام على عدم سماع المدلس من شيخه إلا أحاديث معينة. الوجه السادس: الإعلال بالنكارة التي سببها التدليس. المطلب الثالث: كشف من كان يدلس الأسماء تدليس الشيوخ. الباب الرابع: إعلال الأحاديث بالشذوذ وبالعلل الخفية، وفيه فصلان الفصل الأول: الإعلال بالتفرد والمخالفة، وفيه مبحثان: المبحث الأول: التفرد والإعلال به عند الإمام أحمد، وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: معنى التفرد والغرابة عند الإمام أحمد. المطلب الثاني: حد المنكر عند الإمام أحمد، وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: حد المنكر لغة. المسألة الثانية: إطلاقات المنكر عند الإمام أحمد. المسألة الثالثة: تفسير بعض أهل العلم لمعنى المنكر عند الإمام أحمد. المسألة الرابعة: التعريف الإصطلاحي للمنكر عند الإمام أحمد. المطلب الثالث: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الثقة. المطلب الرابع: موقف الإمام أحمد من زيادات الثقات.

стр. 12

المطلب الخامس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الصدوق الذي خف ضبطه. المطلب السادس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الموصوف بسوء الحفظ. المطلب السابع: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي المجهول. المبحث الثاني: الإعلال بالمخالفة عند الإمام أحمد، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: مخالفة الراوي لرواية الأحفظ. المطلب الثاني: مخالفة الراوي لرواية الأكثر عدداً. المطلب الثالث: إعلال حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه. المطلب الرابع: نماذج من نقد الإمام أحمد للمتون لمخالفتها للثابت المعروف. الفصل الثاني: الإعلال بالعلل الخفية، وفيه مبحثان: المبحث الأول: نماذج من الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات، وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: أخطاء الحفاظ في الأسماء. المطلب الثاني: أخطاء الثقات في الألفاظ. المطلب الثالث: التصحيف. المطلب الرابع: القلب. المطلب الخامس: رفع الموقف ووصل المرسل. المطلب السادس: الإدراج. المطلب السابع: ذكر بعض القرائن يتوصل بها إلى معرفة أخطاء الثقات في الأحايث كما وردت عن الإمام أحمد. المبحث الثاني: طبقات الرواة عن الأعلام والترجيح بينهم عند الاختلاف.

стр. 13

الخاتمة: وفيها ذكر أبرز سمات منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث والأصول التي بنى عليها كلامه في الإعلال، وهي خلاصة البحث. الفهارس العلمية، وتتضمن ما يلي: ١ - فهرس الآيات القرآنية. ٢ - فهرس الأحاديث المرفوعة. ٣ - فهرس الآثار الموقوفة والمقطوعة. ٤ - فهرس الرجال المترجم لهم. ٥ - قائمة المصادر والمراجع. ٦ - فهرس الموضوعات.

стр. 14

منهج البحث: ويتلخص منهجي في هذا البحث في النقاط التالية: ١. جمع الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد، وأقواله في الرجال مما لها صلة بالإعلال ووجوهه من خلال كتاب "العلل ومعرفة الرجال" ـ رواية عبد الله، ورواية المروذي وغيره ـ وكتب مسائله المطبوعة، وهي: رواية عبد الله، وأبي داود، وصالح، وابن هانئ، ومن كتاب "سؤالات أبي داود للإمام أحمد في جرح الرواة وتعديلهم"، وكتاب "المنتخب من العلل للخلال" ـ انتخاب ابن قدامة المقدسي ـ. وهذه المصادر هي التي اعتمدتها بالأصالة لجمع المادة العلمية للموضوع، وإنما اعتمدتها بالأصالة لكون موضوع كل واحد من هذه الكتب أقوال الإمام أحمد مجردة عن أقوال غيره من أئمة الحديث، وقد حوت على جملة كثيرة من كلام هذا الإمام في العلل وفي جرح الرواة وتعديلهم. ٢. تتبعت كلام الإمام أحمد في الإعلال من مصادر ثانوية نقلت كلام الإمام أحمد مع كلام غيره، أو نقلت كلامه من مصادر أصلية هي الآن في حكم المفقود مثل مسائل الأثرم في العلل والجرح والتعديل، وكتاب العلل للخلال، ومن هذه المصادر الثانوية: "التاريخ" لأبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، فقد سمع من أحمد مسائل في الحديث وعلم الرجال وذكر بعضها في هذا الكتاب. ومنها ما رواه أبو بكر الأثرم عن الإمام أحمد، ومسائله في حكم المفقود إلا الجزء الصغير في مسائله للإمام أحمد في الفقه. وقد نقلت مما رواه عن الإمام أحمد في العلل وعلم الرجال من كتاب "تاريخ بغداد"، وكتاب "التمهيد" لابن عبد البر، ومن "تهذيب الكمال". ونقلت من كتاب "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي ما رواه أبو طالب أحمد بن حميد عن أحمد، ومن كتاب "المعرفة والتاريخ" للفسوي ما رواه الفضل بن زياد عن أحمد. ومن

стр. 15

المصادر الثانوية التي استفدت منها وأخذت منها مادة الموضوع: كتاب "تنقيح التحقيق" للحافظ ابن عبد الهادي، وكتاب "فتح الباري شرح صحيح البخاري" للحافظ ابن رجب ـ رحمة الله عليهم أجمعين، فقد تتبعت ما في الكتابين من كلام الإمام أحمد في الأحاديث. وأما مسند الإمام أحمد فلم أجد فيه إلا بضعة وعشرين نصاً يتعلق بموضوع الإعلال، ولم أقف على الرسالة التي ذكرها د. علي بن عبد الله الصباح في "الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد في مسنده" في مقاله المنشور في مجلة "البيان" عدد ١٧٦ ربيع الآخر ١٤٢٣ هـ. ١. تخريج الأحاديث ودراستها بما يفي بمقصود البحث. ٢. الاستعانة بأقوال الإمام أحمد في الرجال ذات الصلة بموضوع الإعلال. ٣. مقارنة كلامه بكلام غيره من خلال دراسة الأحايث والأقوال. ٤. استخلاص منهج الإمام أحمد من خلال دراسة الأحاديث التي أعلها وأقواله في الرجال. واستخلاص المنهج يتطلب الاستقراء التام لأقوال الإمام، وهو أمر لست أدّعيه، بل يقصر عن بلوغه من كان مثلي في قلة البضاعة وقصر الباع في هذا المجال بالرغم من المحاولة التي بذلتها في الاستقصاء في الجمع والدراسة لما جمعت، ولكن هذا لا يشكل خللاً في العمل الذي قمت به، فقد اعتمدت على كلام أهل الاستقراء التام في رسم أبرز معالم منهج الإمام أحمد، وعلى مقدمة هؤلاء العلماء الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي رحمة الله عليه، فقد كان من أهل الاستقراء التام حقاً لكلام الإمام أحمد في علم العلل وعلم الجرح والتعديل، ويشهد لذلك كتاباه "شرح علل الترمذي"، و"فتح الباري شرح صحيح البخاري". وقد أفدت من الكتابين كثيراً، كما أفدت من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في "المسودة في أصول الفقة" في كثير من مسائل أصول الحديث وتحرير موقف الإمام أحمد منها،

стр. 16

وقد كان ﵀ أيضاً من أهل الاستقراء التام لمنهج الإمام أحمد. وقد أفدت أيضاً من بعض الدراسات التي سبقت في بعض الجزئيات المتعلقة بهذا الموضوع، ومن أهمها رسالة: "موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين"، للشيخ خالد منصور عبد الله الدريس، ورسالة: "منهج المتقدمين في التدليس" للشيخ ناصر بن حمد الفهد. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 17

كلمة شكر وتقدير: الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة، وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد الذي أنقذنا به من الضلالة وأبصرنا به سبل النجاة والسعادة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. وبعد، فأحمد الله وأشكره على ما منّ عليّ من إتمام كتابة هذه الرسالة، وما كان ذلك ليتم لولا التيسير والتوفيق من المولى ، فله الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده وكما يحب ربُّنا ويرضا. ثم انطلاقاً من قول الرسول ﷺ : "لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناسَ"، يحق لي في هذا الموضع أن أتوجه بالشكر الجزيل والثناء الجميل لمن جعله الله سبباً في إنجاز عملي هذا، وذلك ابتداء بالجامعة الإسلامية على ما أتاحت لي من فرصة الدراسة فيها، والاستفادة من جهودها المبذولة في بث علوم الكتاب والسنة على نهج سلف الأمة، فجزى الله القائمين عليها خير الجزاء، وأجزل لهم المثوبة والعطاء. كما أتوجه بالشكر وخالص الامتنان إلى فضيلة شيخي ومشرفي على هذه الرسالة الأستاذ الدكتور محمد بن مطر الزهراني، الذي قد تتلمذت عليه من أول قدومي إلى هذا الصرخ العلمي، وأشرف علي في رسالة الماجستير. وقد تجشَّم عناءَ المتابعة الدؤوبة حتى تم عملي هذا في هذه المرحلة العلمية، ولم يأل جهداً في إرشادي وتوجيهي ومتابعتي في جميع خطوات عملي، ولقد استفدت من توجيهاته وآرائه القيمة مما كان له أثر كبير في مباحث هذه الرسالة، وتعلمت من أدبه وخلقه وكرمه قبل علمه وفهمه، وعاملني بصدر رحب وخُلُق كريم عال، ولم يقيدني بوقت ولا زمن، فأسأل الله العلي القدير أن يجزيه عني خير الخزاء وأن يبارك له في علمه وعمره وعقبه، وأن ينفع به المسلمين وينصر به الدين، إنه قريب مجيب.

стр. 18

كما أتوجه بالشكر إلى سائر المشايخ الذين تعلمت منهم، وبخاصة أساتذتي في كلية الحديث التي كانت هي المَورِد الذي عَللتُ منه عللاً بعد نهلٍ، وأشكرهم وجميع القائمين عليها وأسأل الله العظيم أن يجزيهم خير الجزاء ويجعل عملهم في ميزان حسناتهم. ولا يفوتني في هذا الموضع أن أتوجه إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتغمد برحمته الواسعة شيخنا الدكتور عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل عبد اللطيف ﵀، وأن يغفر له ويرفع في المهديين منزلته وأن يفسح له في قبره وينور له فيه، فقد استفدت منه في وضع أولى لبنات هذا العمل قبل أن ينزل به ما كتب الله عليه من عناء المرض ثم حالت المنية بيننا وبينه، فرحمة الله عليه رحمة واسعة. ثم أتوجّه بالشكر إلى صاحبي الفضيلة: شيخنا الدكتور وصي الله بن محمد عباس، وشيخنا الدكتور مرزوق بن هياس الزهراني حفظهما الله على ما حظيَت به رسالتي منهما من آراء قيمة وملحوظات علمية مسددة أثْرَت مادة البحث وقوّمت اعواجاجَه، فأسأل الله ﵎ أن يجزيهما عني خير الجزاء، وأن يُبارك لهما في حياتهما وذرياتهما، وأن يجعل عملهما في ميزان حسانتهما. وختاماً أسأل الله العظيم أن يكتب القبول لعملي هذا، وأن ينفعني به وينفع به المسلمين، وقد بذلت فيه قصارى جهدي ـ وإن كان جُهدَ المُقلّ ـ وأتيت فيه بمبلغ علمي، فما أصبت فيه فبمحض الفضل والتوفيق من الله، وما أخطأت فيه، فأسأل الله أن يتجاوز عني ويغفر لي زلتي وهو أهل التقوى وأهل المغفرة. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 19

الباب الأول: التعريف الموجز بالإمام أحمد وببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلامه في إعلال الأحاديث وفيه فصلان: الفصل الأول: التعريف الموجز بالإمام أحمد. الفصل الثاني: التعريف الموجز ببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلام الإمام أحمد في العلل.

стр. 20

الفصل الأول: التعريف الموجز بالإمام أحمد .

стр. 21

المبحث الأول: اسمه ونسبه وأسرته ومولده ونشأته . هو الإمام حقاًّ وشيخ الإسلام صدقاً (١) أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل ابن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله ابن يروي بن عوف ابن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر وائل الذهلي الشيباني المروزي، ثم البغدادي، أحد الأئمة الأعلام. هكذا ساق نسبه ولده عبد الله، واعتمده أبو بكر الخطيب في تاريخه (٢) وغيره. ولادته: كانت ولادة الإمام أحمد ﵀ على الصحيح المشهور في ربيع الأول سنة (١٦٤) هـ، قدمت أمه بغداد وهي حامل، وولد بها (٣). قال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: "ولدت في سنة أربع وستين ومائة، في أولها، في ربيع الأول، وجي به حمل من مرو" (٤). وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: "ولدت في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة … " (٥). كان أبوه من أجناد مرو، مات شابا له ثلاثون سنة، ونشأ الإمام أحمد تحت رعاية والدته وتربيتها (٦).

стр. 22

المبحث الثاني: حياته العلمية . بداية طلبه للعلم: بَكَّر الإمام أحمد ﵀ في الطّلب، وقد بدأ بالاختلاف إلى الكُتّاب، ثم إلى الدّيوان وهو لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره، وطلب الحديث وأكثر منه. قال المرّوذي: قال لي أبو عبد الله: "اختلفت إلى الكتّاب ثم اختلفت إلى الديوان، وأنا ابن أربع عشرة سنة" (١). قال عبد الله بن أحمد ﵀: "وأول شيء طلب الحديث في سنة تسع وسبعين، في السنة التي مات فيها مالك وحماد بن زيد" (٢). وقال المرّوذي: "طلبت الحديث سنة تسع وسبعين، فسمعت بموت حماد بن زيد وأنا في مجلس هشيم، وقال: سمعت من علي بن هاشم بن البريد (٣) سنة تسع وتسعين (٤) في أول سنة طلبت الحديث". وكذلك كتب في هذه السنة عن علي بن ثابت الجزري (٥)، فقد قال عبد الله ابنه: سمعت أبي يقول في سنة تسع وعشرين ومائتين: "كتب عن علي بن ثابت منذ خمسين سنة" (٦).

стр. 23

رحلاته العلمية: لقد كان من نشاط الإمام أحمد في طلب العلم رحلاتٌ علميةٌ إلى عديد من البلدان الإسلامية آنذاك، والتي عرفت بأنها ملتقى لكبار المحدثين وفطاحل الفقهاء، وأول رحلاته كانت داخل بلاده العراق؛ فقد رحل إلى الكوفة سنة ثلاث وثمانين، وعمره تسع عشرة سنة، بعد موت شيخه هشيم بن بشير الواسطي؛ وكان هدفه السماع من عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، لكنه لم يظفر ببغيته؛ إذ كان عيسى حاجاً في تلك السنة، وأصيب الإمام أحمد بمرض ألجأه للعودة إلى بغداد، قال ﵀: "حج عيسى بن يونس سنة ثلاث وثمانين في السنة التي مات فيها هشيم، … وخرجت إلى الكوفة في تلك السنة، فمرضت ورجعت، وقدم عيسى الكوفة بعد ذلك بأيام ولم أسمع منه، ولم يحج عيسى بعد تلك السنة، وعاش بعد ذلك سنين" (١). كما كانت أولى رحلاته إلى البصرة في رجب سنة ست وثمانين ومائتين، وهو في الثانية والعشرين من عمره، ثم خرج منها في رمضان من تلك السنة، وسمع من سهل بن يوسف الأنماطي بها (٢)، ثم عاد إليها في ذي القعدة سنة أربع وتسعين ومائتين، وهو في الثلاثين من عمره، فأقام عند يحيى بن سعيد القطان ستة أشهر، وخرج منها سنة خمس وتسعين، ثم رجع إليها أيضا وهو في السادسة والثلاثين من عمره في سنة مائتين، وحضر عدة مجالس للحديث، سمع من كبار علمائها، وهي آخر مرة يدخل فيها البصرة، وفي هذا السياق يقول: "دخلت البصرة في أول رجب سنة ست وثمانين ومائة، ومات المعتمر في سنة سبع وثمانين في أولها، ودخلت الثانية سنة تسعين، ودخلت الثالثة في سنة

стр. 24

أربع وتسعين وخرجت في سنة خمس وتسعين، أقمت على يحيى بن سعيد ستة أشهر، ودخلت سنة مائتين ولم أدخلها بعد ذلك وقدمت البصرة سنة أربع وتسعين وقد مات غندر بلغني أن غندر مات سنة ثلاث وتسعين والثقفي عبد الوهاب وابن أبي عدي سنة أربع وتسعين" (١). وكان يقول أيضا: "قدمت في السنة الثالثة في سنة أربع وتسعين في ذي القعدة فأقمت على يحيى بن سعيد إلى سنة خمس فأقمت بقية ذي القعدة وذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر وخرجت في جمادى الأولى في آخرها … وقد مات محمد بن جعفر غندر وابن أبي عدي والثقفي قبل أن أقدم، فأخبرت أن محمد بن جعفر مات سنة ثلاث وتسعين، ومات ابن أبي عدي وعبد الوهاب الثقفي سنة أربع وتسعين قبل أن أقدم … وقدمت في السنة الرابعة سنة مائتين، فأقمنا على أبي داود (٢) وكان يحدث مجالس، ثم تحولنا إلى عبد الصمد، وكنا نختلف أيضا إلي البرساني، وقد سمعت منه قبل ذلك في سنة أربع وتسعين، ما أردت من حديث ابن جريج، وكنت أختلف إلى عبد الرحمن وبهز وأنا مقيم على يحيى بن سعيد وكنت أختلف إلى عثمان بن عمر سنة مائتين … " (٣). وأمّا رحلاته خارج العراق فقد كان منها: - رحلته إلى مكة شرفها الله تعالى لأداء شعائر حجته الأولى ولقاء العلماء بها، ثم توالت حججه بعدها، فحج خمس مرات ثلاث منها ماشيا على رجليه (٤)،

стр. 25

يلتقي بسفيان بن عيينة في أربعة مواسم منها، وقد أقام عنده سنة في أول حجّته وكان ذلك في سنة (١٨٧) هـ وعمره لم يتجاوز ثلاثا وعشرين سنة؛ وفاته السماع من فضيل بن عياض؛ إذ مات فضيل قبل وصوله مكة؛ قال عبد الله ابنه: سمعته يقول: "وافيت سفيان أربعة مواسم، كل ذلك أسمع منه، وأقمت بمكة سنة، وأول سنة حججت سنة سبع وثمانين سنة مات فضيل، قدمنا وقد مات فضيل، والثانية سنة إحدى وتسعين ومائة" (١). وكان في أمنيته أن يدخل المدينة في أول عام يحج فيه، ويسمع من علمائها، وقد جاء ومعه أطراف أحاديث أبي علقمة الفروي لعرضها عليه، وسماعها منه لكن لم يكتب الله له ذلك؛ وكان يقول: "أول سنة حججت سنة سبع وثمانين، كنت أمشي ولم يقدر لي دخول المدينة يعني تلك السنة، وكانت معي أطراف لأبي علقمة الفروي (٢)، فلم يقدر أن أسمع منه شيئا" (٣). كما رحل أيضا إلى اليمن للقاء عبد الرزاق بن همام الصنعاني سنة تسع وتسعين، وجاءهم نعي القطان وابن مهدي وهم عند عبد الرزاق الصنعاني، قال ﵀: " … وجاءنا موت سفيان بن عيينة ونحن عند عبد الرزاق في سنة ثمان وتسعين ومات يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ونحن عند عبد الرزاق سنة ثمان وتسعين" (٤). كما كانت له الرحلة إلى عديد من بلاد الشام سمع خلالها من محدثيها الكبار، قال ابن عساكر: "كان قد خرج إلى الشام قاصدا لمحمد بن يوسف

стр. 26

الفريابي، إلى قيسارية، فبلغته وفاته في الطريق، فعدل إلى حمص، فسمع بها أبا اليمان الحكم بن نافع، ويزيد بن عبد ربه، وبشر بن شعيب بن حمزة … واجتاز بدمشق، وسمع من أهل دمشق؛ من الوليد بن مسلم، وزيد بن يحيى بن عبيد" (١). وقال الإمام أحمد: "كتبت عن مبشر الحلبي، خمسة أحاديث بمسجد حلب، كنا خرجنا إلى طَرسوس، على أرجلنا" (٢). وكان خروجه إلى طَرَسوس (٣) ماشياً (٤) للرباط بثغورها، بصحبة خَلَف المخرّمي (٥)؛ قال عبد الله بن محمود بن الفرج: سمعت عبد الله بن أحمد يقول: "خرج أبي إلى طَرَسُوس، ورابط بها وغزا، ثم قال أبي: رأيت العلم بها يموت" (٦). شيوخه وتلاميذه: كتب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عن خلق كثير من الشيوخ، وتخرج على أيدي كبار المحدثين وأئمة أعلام، اعتنى غير واحد ممن ترجم له بذكرهم كابن الجوزي، والخطيب البغدادي، وقال هذا الأخير بعد ذكر جملة كبيرة منهم: "وخلق سواهم يطول ذكرهم ويشق إحصاء أسمائهم" (٧)، كما عدّ له المزي في "تهذيب الكمال" سبعة وعشرين ومائة شيخٍ (٨).

стр. 27

قال الحافظ الذهبي ﵀: "فعدة شيوخه الذين روى عنهم في "المسند" مائتان وثمانون ونيف" (١). وقد كان الإمام أحمد ملازما لبعض شيوخه أكثر من غيرهم، وحافظاً لأحاديث بعضهم أكثر من حفظه لأحاديث غيره، كما أن له اختصاصا في كثرة الرواية عن بعضهم، فمن هؤلاء: ١) هشيم بن بشير الواسطي ت (١٨٣) هـ كان من شيوخه الأوائل الذين أخذ عنهم الحديث (٢)، وقد لازمه نحوا من أربع سنين؛ وأكثر عنه وجوّد (٣). قال صالح بن أحمد، عن أبيه: "أول سماعي من هشيم، سنة تسع وسبعين … إلا أني لم أعتمد بعض سماعي، ولزمناه سنة ثمانين، وإحدى وثمانين، وثنتين، وثلاث، ومات في سنة ثلاث ثمانين، فكتبنا عنه كتاب الحج، نحو من ألف حديث، وبعض التفسير، والقضاء، وكتباً صغاراً. قلت: يكون ثلاثة آلاف؟ قال: أكثر" (٤). ٢) عبد الرحمن بن مهدي ت (١٩٨) هـ، فقد أخذ عنه وأكثر، حتى قال هو بنفسه: "يكون ما كتبنا عن عبد الرحمن مع ما عرضت عليه من حديث مالك عشرة آلاف أو أكثر" (٥). ٣) وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ت (١٩٧) هـ، فقد كتب عنه وأكثر، بل كان يقول: "ما كتبت عن أحد أكثر من وكيع" (٦).

стр. 28

وقال عبد الله بن أحمد: قال لي أبي: "خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع من المصنف، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك أنا بالكلام" (١). ١) إسماعيل بن إبراهيم بن علية البصريّ ت (١٩٣) هـ، كتب عنه الإمام أحمد في حياة هشيم ثم لزمه بعد موت هشيم عشر سنين؛ وكان يقول: "لزمنا ابن علية بعد موت هشيم عشر سنين، إلا أن تغيب إلى موضع، ومات هشيم سنة ثلاث وثمانين، ومات إسماعيل سنة ثلاث وتسعين، وكتبنا عنه أيضا في حياة هشيم" (٢). ٢) عفان بن مسلم الصفّار البصريّ ت (٢٢٠) هـ، وقد لزمه أيضا عشر سنين؛ قال عبد الله: سمعت أبي يقول: "لزمنا عفان عشر سنين ـ يعني ببغداد" (٣). ٣) يحيى بن سعيد القطان البصري ت (١٩٨) هـ قال الحافظ الذهبي معدداً مَن سمع منهم من شيوخه: " … ويحيى القطان، فبالغ" (٤). وقد حزن يحيى القطان يوم خرج الإمام أحمد من البصرة، وتوجه إلى واسط للسماع من يزيد بن هارون، قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: "شق على يحيى ابن سعيد يوم خرجت من البصرة ـ يعني اغتم بخروجه من عنده ـ قال: وسأل يحيى بن سعيد عني وأنا بواسط مقيم على يزيد بن هارون، فقالوا: هو بواسط، فقال: أَيْشٍ يصنع بواسط؟ فقالوا: عند يزيد بن هارون، فقال: وَأَيْشٍ يصنع عند يزيد بن هارون؟ " أو كما قال أبي (٥).

стр. 29

١) سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي المكي ثم الكوفي ت (١٩٨) هـ، وافاه الإمام أحمد مكة في أربعة مواسم للسماع منه والأخذ عنه (١). ٢) محمد بن جعفر غندر البصري ت (١٩٣) هـ فقد كتب الكثير عنه على الوجه ونسخ عدة من نسخ كتبه (٢). وأما تلاميذه ، فمن البَدهي في حق إمام مثل أحمد بن حنبل الذي سمع وأكثر وجوّد أن يتاكثر عليه القاصدون، وأن يسعى للسماع منه الداني والقاصي، فقد كتب وسمع عنه عدد لا يكاد يأتي عليه إحصاء أو يحويهم استقصاء، بل ذُكر أنه يجتمع في مجلس من مجالسه العلمية زهاء خمسة آلاف أو يزيدون، خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت (٣). وقد جمع الخلال جزءًا في تسمية الرواة عنه قال الحافظ الذهبي: "سمعناه من الحسن بن علي، عن جعفر، عن السلفي، عن السراج، عنه، فعد فيهم: وكيعَ ابن الجراح، ويحيى بن آدم" (٤). وهذان من شيوخه، وقد سمع منه أيضا من شيوخه: عبد الرزاق والحسن بن موسى الأشيب، وأبو عبد الله الشافعي لكنه لم يسمه بل قال: حدثني الثقة (٥). كما سمع منه من أقرانه: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وغيرهما.

стр. 30

ومن أصحاب الستة: حدّث عنه البخاريّ بحديث واحدٍ (١)، وعن أحمد ابن الحسن، عنه حديثاً آخر في المغازي (٢)، وحدث عنه مسلم (٣)، وأبو داود (٤) بجملة وافرة، وروى أبو داود (٥)، والنسائي (٦)، والترمذي (٧)، وابن ماجة (٨) عنه بواسطة. وحدث عنه ولداه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل بن إسحاق (٩). وممن روى عنه غير من تقدم، واشتهر نقل كلامه في العلل والرجال من طريقه، وكذا مسائله الفقهية: أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الأثرم الإسكافي (١٠)، وأبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المرُّوذي (١١)، وأبو طالب أحمد بن حميد (١٢)، وإسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري (١٣)،

стр. 31

وعبد الملك بن عبد المجيد أبو بكر الميموني (١)، والفضل بن زياد البغدادي (٢)، ومهنّا بن يحيى السلمي الشامي (٣)، وخلق سواهم.

стр. 32

المبحث الثالث: إمامته ومكانته عند علماء الحديث كان الإمام إمام الدنيا ـ كما نعته عبد الله بن محمد بن عبد العزيز (١)، وكان رحمه الله تعالى "عظيم الشأن، رأساً في الحديث، وفي الفقه، وفي التألُّه، أثنى عليه خلق من خصومه، فما الظن بإخوانه وأقرانه" (٢). وثناء الأئمة النقاد عليه كثير موفور استفاضت كتب التراجم بنقله وروايته، بما يغني عن تكراره في هذا التعريف (٣)، وفيما يلي نماذج دالة على حفظه ومعرفته بالعلل وصحيح الآثار من سقيمها واعتماد الحفاظ على قوله ورجوعه إلى رأيه: ١ - صالح بن أحمد بن حنبل قال سمعت أبى يقول: "مات هشيم وأنا ابن عشرين سنة، وأنا أحفظ ما سمعت منه، ولقد جاء إنسان إلى باب ابن علية ومعه كتب هشيم، فجعل يلقيها عليّ وأنا أقول: إسناد هذا كذا … فجاء المعيطي، وكان يحفظ، فقال له: أجبه فبقي، ولقد عرفت من حديثه ما لم أسمعه" (٤). ٢ - قال ابن أبي حاتم: سمعت محمد بن مسلم بن وارة، وسئل عن على ابن المديني ويحيى بن معين أيهما كان أحفظ؟ قال: "على كان أسرد وأتقن،

стр. 33

١ - ويحيى أفهم بصحيح الحديث وسقيمه، وأجمعهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل، كان صاحب فقه، وصاحب حفظ، وصاحب معرفة" (١). ٢ - وقال أبو حاتم: "كان أحمد بن حنبل بارع الفهم لمعرفة الحديث بصحيحه وسقيمه، وتعلم الشافعي أشياء من معرفة الحديث منه، وكان الشافعي يقول لأحمد: حديث كذا وكذا قوي الإسناد محفوظ؟ فإذا قال أحمد: نعم، جعله أصلا وبنى عليه" (٢). ٣ - وقد كان الإمام أحمد أحد أولئك الأفذاذ الذين تكلموا في الرجال جرحا وتعديلا صيانة لسنة المصطفى ﷺ وأداء لواجب أمانة العلم في إنصاف واعتدال وورع، قال عنه الحافظ الذهبي: "وكذلك أحمد بن حنبل، سأله جماعة من تلامذته عن الرجال، وجوابه بإنصاف واعتدال، وورع في المقال" (٣). ومباحث هذه الرسالة شاهدة على تبحره في معرفة علل الحديث، وناطقة بتضلعه من دراية صحيح الحديث وسقيمه، وتنبهه إلى مواضع الخلل من طرقه، ووجوه اتصاله وانقطاعه، وتبحره في معرفة طرق الحديث.

стр. 34

المبحث الرابع: محنته . للحافظ الذهبي ﵀ استعراض بديع موجز لتاريخ الفتن التي نزلت بهذه الأمة وتفرقت بسببها كلمتُها وتمّ لأعداء الدين ما يريدون من تشويه عقول بعض المسلمين، يقول ﵀: "كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائما في خلافة أبي بكر وعمر. فلما استشهد قفل باب الفتنة عمر ﵁ وانكسر الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذبح صبرا. وتفرقت الكلمة وتمت وقعة الجمل، ثم وقعة صفين، فظهرت الخوارج، وكفرت سادة الصحابة ثم ظهرت الروافض والنواصب. وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة والجهمية والمجسمة بخراسان في اثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المائتين، فظهر المأمون الخليفة ـ وكان ذكيا متكلما، له نظر في المعقول ـ فاستجلب كتب الأوائل وعرّب حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخبّ ووضع، ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها، بل والشيعة فإنه كان كذلك. وآل به الحال أن حمل الأمة على القول بخلق القران، وامتحن العلماء، فلم يمهل، وهلك لعامه وخلى بعده شرا وبلاء في الدين. فإن الأمة ما زالت على أن القران العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله، لا يعرفون غير ذلك، حتى نبغ لهم القول بأنه كلام الله مخلوق مجعول، وأنه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله. فأنكر ذلك العلماء ولم تكن الجمهية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأمين فلما ولي المأمون، كان منهم، وأظهر المقالة" (١).

стр. 35

لقد صمد الإمام أحمد أمام رياح هذه الفتنة العاتية ـ فتنة خلق القرآن ـ و"صار مثلاً سائراً، يضرب به المثل في المحنة والصبر على الحق، فإنه لم يكن تأخذه في الله لومة لائم، حتى صارت الإمامة مقرونه باسمه في لسان كل أحد، فيقال: قال الإمام أحمد، وهذا مذهب الإمام أحمد … لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فإنه أعطي من الصبر واليقين ما نال به الإمامة في الدين، وقد تداوله ثلاثة خلفاء يسلطون عليه من شرق الأرض إلى غربها، ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والأمراء والولاة ما لا يحصيه إلا الله، فبعضهم تسلط عليه بالحبس، وبعضهم بالتهديد الشديد، وبعضهم يعده بالقتل وبغيره من الرعب، وبعضهم بالترغيب في الرياسة والمال، وبعضهم بالنفي والتشريد من وطنه، وقد خذله في ذلك أهل الأرض حتى أصحابه العلماء والصالحون، وهو مع ذلك لا يجيبهم إلى كلمة واحدة مما طلبوا منه، وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة، ولا كتم العلم، ولا استعمل التقية، بل قد أظهر من سنة رسول الله ﷺ وآثاره ما دفع به البدع المخالفة لذلك ما لم يتأت مثله لعالم من نظرائه" (١). وقد ارتفع قدر الإمام أحمد ﵀، وعلت منزلته وصار كالنجم بسبب صموده أمام تلك العاصفة، وصبره على الفتنة والمحنة، فعرف العالم له ذلك كله، وأثنى عليه أئمة عصره ومن بعدهم من ذلك: ١ - قال علي بن المديني: "إن الله أعز هذا الدين برجلين، ليس لهما ثالث، أبو بكر الصديق، يوم الردة، وأحمد بن حنبل، يوم المحنة" (٢).

стр. 36

٢ - وقال قتيبة بن سعيد: "لولا أحمد بن حنبل لأحدثوا في الدين" (١). ٣ - وقال أبو زرعة الرازي: "لم أزل أسمع الناس يذكرون أحمد بن حنبل بخير، ويقدمونه على يحيى بن معين، وأبي خيثمة، غير أنه لم يكن من ذكره ما كان … فلما امتحن ارتفع ذكره في الآفاق" (٢). ٤ - وقيل لبشر بن الحارث حين ضرب الإمام أحمد بن حنبل: لو قمت فتكلمت كما تكلم أحمد بن حنبل، فقال: "لا أقوى عليه، إن أحمد قام مقام الأنبياء" (٣). وقال عنه أبو عمير بن النحاس الرملي: "﵀، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عرضت له الدينا فأباها، والبدع فنفاها" (٤).

стр. 37

المبحث الخامس: آثاره العلمية . على الرغم من أن الإمام أحمد كان يكره وضع الكتب وينهى عن كتابة كلامه، فإن دوره واضحاً في إثراء المكتبة الإسلامية وأسهم في الحركة العلمية بمؤلفاته الكثيرة، حفظها لنا تلاميذه من بعده. وقد أسهم كثير ممن أفردوا دراسات حول الإمام أحمد في بيان آثاره العلمية، وكذلك في الدراسات التي رافقت كثيرا من تحقيقات كتبه في الحديث وعلله والجرح والتعديل وغير ذلك، فلذلك سأقتصر هنا في سرد المطبوع من آثاره العلمية المتعلقة بالعلل والجرح والتعديل وهي كالتالي: ١ - العلل ومعرفة الرجال ـ رواية المروذي. ٢ - العلل ومعرفة الرجال ـ رواية الميموني. ٣ - العلل ومعرفة الرجال ـ رواية صالح بن الإمام أحمد. ٤ - العلل ومعرفة الرجال ـ رواية عبد الله بن أحمد. ٥ - المنتخب من العلل للخلال ـ انتخاب موفق الدين ابن قدامة. ٦ - سؤالا أبي داود السجستاني للإمام أحمد بن حنبل في جرح الرواة وتعديلهم. ٧ - مسائل الإمام أحمد ـ رواية ابنه عبد الله. ٨ - مسائل الإمام أحمد ـ رواية ابنه صالح. ٩ - مسائل الإمام أحمد ـ رواية أبي داود السجستاني. ١٠ - مسائل الإمام أحمد ـ رواية ابن هانئ.

стр. 38

المبحث السادس: وفاته . كانت وفاة الإمام أحمد ﵀ في العاشر من شهر ربيع الآخر، سنة (٢٤١) هـ، وله ثمان وسبعون سنة: قال ابنه عبد الله ﵀: سمعت أبي يقول: "استكملت سبعا وسبعين، ودخلت في ثمان وسبعين". فحم من ليلته ومات يوم العاشر يوم الجمعة ﵀ (١). وقال عبد الله أيضا: "مات في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين وهو في ثمان وسبعين سنة" (٢). وكانت جنازته مشهودة؛ فقد حرز من حضرها من الرجال بثمان مئة ألف، ومن النساء بستين ألف امرأة، ونظروا فيمن صلى العصر يومئذ في مسجد الرصافة فكانوا نيفا وعشرين ألفا (٣)، وهذا مصداق لقوله ﵀: "قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز" (٤).

стр. 39

الفصل الثاني: التعريف ببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلام الإمام أحمد في إعلال الأحاديث

стр. 40

المبحث الأول: كتاب العلل ومعرفة الرجال ـ برواية ابنه عبد الله . المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته . هذا الكتاب رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وقد ذكره من ترجم لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال ابن أبي يعلى: "وقع لعبد الله عن أبيه مسائل جياد كثيرة، يغرب منها بأشياء كثيرة في الأحكام، فأما العلل فقد جود عنه، وجاء عنه بما لم يجئ به غيره" (١). وقال أيضاً: "فأما عبد الله فلم يكن في الدنيا أحد روى عن أبيه أكثر منه، لأنه سمع المسند … وسمع الناسخ والمنسوخ، والتاريخ" (٢). ويدل على أنه من تأليف الإمام أحمد ما ذكره العقيلي أنه قرأ على عبد الله بن أحمد "كتاب العلل" عن أبيه (٣). فأضاف الكتاب للإمام أحمد وأضاف روايته لعبد الله ابنه. والكتاب مشتمل على زيادات من عبد الله منها مسائل سألها أباه في العلل ومعرفة الرجال، ووجادات وما أخذه عن بعض مشايخه غير أبيه كتابة ووجادة.
следующие страницы →