٢ - وقال قتيبة بن سعيد: "لولا أحمد بن حنبل لأحدثوا في الدين" (١).
٣ - وقال أبو زرعة الرازي: "لم أزل أسمع الناس يذكرون أحمد بن حنبل بخير، ويقدمونه على يحيى بن معين، وأبي خيثمة، غير أنه لم يكن من ذكره ما كان … فلما امتحن ارتفع ذكره في الآفاق" (٢).
٤ - وقيل لبشر بن الحارث حين ضرب الإمام أحمد بن حنبل: لو قمت فتكلمت كما تكلم أحمد بن حنبل، فقال: "لا أقوى عليه، إن أحمد قام مقام الأنبياء" (٣).
وقال عنه أبو عمير بن النحاس الرملي: "﵀، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عرضت له الدينا فأباها، والبدع فنفاها" (٤).
стр. 37
المبحث الخامس: آثاره العلمية .
على الرغم من أن الإمام أحمد كان يكره وضع الكتب وينهى عن كتابة كلامه، فإن دوره واضحاً في إثراء المكتبة الإسلامية وأسهم في الحركة العلمية بمؤلفاته الكثيرة، حفظها لنا تلاميذه من بعده. وقد أسهم كثير ممن أفردوا دراسات حول الإمام أحمد في بيان آثاره العلمية، وكذلك في الدراسات التي رافقت كثيرا من تحقيقات كتبه في الحديث وعلله والجرح والتعديل وغير ذلك، فلذلك سأقتصر هنا في سرد المطبوع من آثاره العلمية المتعلقة بالعلل والجرح والتعديل وهي كالتالي:
١ - العلل ومعرفة الرجال ـ رواية المروذي.
٢ - العلل ومعرفة الرجال ـ رواية الميموني.
٣ - العلل ومعرفة الرجال ـ رواية صالح بن الإمام أحمد.
٤ - العلل ومعرفة الرجال ـ رواية عبد الله بن أحمد.
٥ - المنتخب من العلل للخلال ـ انتخاب موفق الدين ابن قدامة.
٦ - سؤالا أبي داود السجستاني للإمام أحمد بن حنبل في جرح الرواة وتعديلهم.
٧ - مسائل الإمام أحمد ـ رواية ابنه عبد الله.
٨ - مسائل الإمام أحمد ـ رواية ابنه صالح.
٩ - مسائل الإمام أحمد ـ رواية أبي داود السجستاني.
١٠ - مسائل الإمام أحمد ـ رواية ابن هانئ.
стр. 38
المبحث السادس: وفاته .
كانت وفاة الإمام أحمد ﵀ في العاشر من شهر ربيع الآخر، سنة (٢٤١) هـ، وله ثمان وسبعون سنة:
قال ابنه عبد الله ﵀: سمعت أبي يقول: "استكملت سبعا وسبعين، ودخلت في ثمان وسبعين". فحم من ليلته ومات يوم العاشر يوم الجمعة ﵀ (١).
وقال عبد الله أيضا: "مات في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين وهو في ثمان وسبعين سنة" (٢).
وكانت جنازته مشهودة؛ فقد حرز من حضرها من الرجال بثمان مئة ألف، ومن النساء بستين ألف امرأة، ونظروا فيمن صلى العصر يومئذ في مسجد الرصافة فكانوا نيفا وعشرين ألفا (٣)، وهذا مصداق لقوله ﵀: "قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز" (٤).
стр. 39
الفصل الثاني: التعريف ببعض الكتب التي اعتنت بتدوين كلام الإمام أحمد في إعلال الأحاديث
стр. 40
المبحث الأول: كتاب العلل ومعرفة الرجال ـ برواية ابنه عبد الله .
المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته .
هذا الكتاب رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وقد ذكره من ترجم لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال ابن أبي يعلى: "وقع لعبد الله عن أبيه مسائل جياد كثيرة، يغرب منها بأشياء كثيرة في الأحكام، فأما العلل فقد جود عنه، وجاء عنه بما لم يجئ به غيره" (١).
وقال أيضاً: "فأما عبد الله فلم يكن في الدنيا أحد روى عن أبيه أكثر منه، لأنه سمع المسند … وسمع الناسخ والمنسوخ، والتاريخ" (٢).
ويدل على أنه من تأليف الإمام أحمد ما ذكره العقيلي أنه قرأ على عبد الله بن أحمد "كتاب العلل" عن أبيه (٣). فأضاف الكتاب للإمام أحمد وأضاف روايته لعبد الله ابنه.
والكتاب مشتمل على زيادات من عبد الله منها مسائل سألها أباه في العلل ومعرفة الرجال، ووجادات وما أخذه عن بعض مشايخه غير أبيه كتابة ووجادة.
стр. 41
موضوع الكتاب:
أما موضوع الكتاب فيكاد يشمل جميع أبواب علوم الحديث، فأما من حيث علل الحديث، فإنه يذكر الأحاديث من كل باب من أبواب العلم، ويشير إلى نوع العلة، من نكارة، أو غرابة، أو إرسال، أو تدليس، أو تصحيف، أو إدراج، أو قلب، أو بطلان، أو وضع. وأما من حيث الكلام في الرجال فيتكلم عن الثقات، والضعفاء، ومن رمي بالابتداع، والمتروكين، والمتهمين، والوضاعين، يذكر ما يتعلق بجرحهم وتعديلهم، وذكر أسمائهم، وألقابهم وكناهم، وكنى المعروفين بالأسماء، وأسماء المعروفين بالكنى، وأنسابهم، والمؤتلف والمختلف، والمتشابه، والمبهمات، ومواليد الرواة ووفايتهم، ومواطنهم، وإثبات سماع بعضهم من بعض ونفيه حيث لم يثبت. وأما القسم الأكبر من الكتاب فهو في الكلام عن الأسانيد والمتون وما فيها من العلل.
فذكر على سبيل المثال علل أحاديث هشيم فسردها (١) مع ذكر علة كل حديث، وأغلبها مما لم يثبت سماعه فيها من شيخه.
ومن أمثلة مادة الكتاب في هذا الموضوع أحاديث سئل عنها الإمام أحمد مما أخطأ فيها الفريابي على سفيان الثوري، وهي من كتاب ابن زنجويه عن الفريابي، وجُملتها (١٣) حديثاً (٢).
وأما في الرجال، فأفرد على سبيل المثال من روى عن رسول الله ﷺ من النساء (٣)، فسردهم أحياناً مع الإشارة إلى ما يثبت سماعهن من النبي ﷺ ، خاصة في غير المشهورات منهن.
стр. 42
كما ذكر الرواة عن عمر، من أهل مكة، ثم من أهل المدينة، ثم من أهل البصرة، ثم من روى عن علي من أهل البصرة، ثم من روى عن عثمان من أهل المدينة (١).
وذكر من روى عن شعبة ولم يسمع منهم الثوري، ومن روى عنهم سفيان ولم يحدث عنهم شعبة (٢).
خصائص الكتاب:
من أهم خاصية الكتاب أنه أكثر الكتب الموجودة عن الإمام أحمد جمعاً للأحاديث التي أعلّها الإمام أحمد، وهو من أئمة هذا الشأن بلا نزاع، وكلامه يشكل جزء كبيراً من مادة هذا العلم، كما أنه من الأئمة الذين يعتمد قولهم في الجرح والتعديل.
ويختص هذا الكتاب بأنه من رواية ابنه عبد الله، وهو ممن قد شهد له الإمام أحمد بأنه قد وعى علماً كثيراً (٣)، مما يؤتي قيمة لنوعية الأسئلة التي يسألها الإمام أحمد سواء في علل الأحايث أو في الرجال.
وقد خُصِّص الكتاب بمسائل في علوم الحديث جُرد من غيرها، فلا توجد فيه مسائل فقهية كما هو الحال في بعض كتب مسائله، وهذا مما يزيد من أهمية الكتاب لدى أهل الاختصاص.
قيمة الكتاب عند العلماء:
تظهر قيمة هذا الكتاب عند العلماء من استفادة الفحول الأجلاء منه من لدن عهد عبد الله بن الإمام أحمد، فالعقيلي اعتمد عليه كثيراً في مصنفه "كتاب
стр. 43
الضعفاء" في نقل كلام الإمام أحمد في الرجال وفي علل الأحاديث، وكان العقيلي من تلاميذ عبد الله، وقد تقدم أنه سمع الكتاب منه. وكذلك ابن أبي حاتم اعتمد عليه في نقل كثير من كلام الإمام أحمد في الرجال، وذكر أن عبد الله كتب إليه بمسائل أبيه وبعلل الحديث (١)، وهو كتابنا هذا، وكان ابن أبي حاتم من أقرانه. وهذان الكتابان من أكثر الكتب اعتماداً على كتاب العلل برواية عبد الله.
وتتابع العلماء في الاستفاد من الكتاب، فنقل الخطيب منه في الرجال وفي العلل، فذكر على سبيل المثال في باب علل حديث: "تبنى مدينة بين دجلة ودُجيل" ما رواه عبد الله عن أحمد من علة هذا الحديث (٢). وكذلك له نقولات كثيرة عنه في الرجال.
وكذلك نقل عنه البيهقي رواية حديث من كتاب العلل (٣).
وقال ابن الصلاح: "ومن كتب علل الحديث ومن أجودها كتاب العلل عن أحمد بن حنبل، وكتاب العلل عن الدراقطني" (٤).
ومما يدل على أهمية الكتاب كثرة السماعات الموجودة على النسخة الخطية للكتاب (٥).
روايات الكتاب:
وقع في عنوان الجزء الأول من الكتاب: "الجزء الأول من كتاب العلل ومعرفة الرجال، عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵀، رواية أبي علي محمد
стр. 44
ابن أحمد بن الحسن الصواف، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه أبي عبد الله، سماع عبيد الله بن أحمد" (١). وتوجد منه نسخة كاملة في مكتبة أيا صوفيا تحت رقم (٣٣٨٠)، وتشمل على (١٨٠) ورقة مجزأة في ثمانية أجزاء. وقد قام الدكتور طلعت فوج ييكيت، والدكتور إسماعيل جراح أوغلوا بتحقيق الجزء الأول من الكتاب (٢). ثم قام بتحقيق الكتاب كاملاً الدكتور وصي الله بن محمد عباس، فصدر في ثلاث مجلدات (٣).
ثم صدر الكتاب أيضاً من مطبوعات مؤسسة الكتب الثقافية (٤). وليس فيها خدمة النص، لكن ضبطت الأصل ضبطاً جيداً.
وذكر د. همام عبد الرحيم سعيد أنه وجد في خزانة المكتبة الظاهرية بدمشق الجزء الثاني عشر من العلل ومعرفة الرجال من رواية أبي بكر مكرم بن أحمد ابن مكرم عن عبد الله، وعليه سماع ابن أبي يعلى (٥).
стр. 45
المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب .
في هذا الكتاب أسئلة وسماعات يقول فيها عبد الله: سألت أبي، وسمعت أبي، وحدثني أبي. وكذلك توجد وجادات يقول فيها عبد الله: وجدت في كتاب أبي بخط يده، وأغلبها تواريخ عن الأمم السالفة، والأنبياء وغير ذلك من الأخبار، وهو مما يرجح أنها من كتاب الإمام أحمد "التاريخ".
ومادة الكتاب عرضت غير مرتبة ولا مصنفة على نسق واحد، وما ذلك إلا لأن معظم الكتاب إجابات عن أسئلة معروضة على الإمام أحمد في أوقات ومناسبات مختلفة، بعضها من عبد الله، وبعضها مما سئل الإمام أحمد بحضرة عبد الله.
وكذلك ما يتعلق بمادة التاريخ من الكتاب لم ترتب على ترتيب معين، لا على أسماء الرواة ولا على طبقاتهم أو غير ذلك من الأنواع المختلفة المنقولة عن علماء الحديث في ترتيب مادتهم العلمية عند التصنيف.
وكذلك يوجد في كثير من الأسئلة نوع من الخفاء في السؤال أو في الجواب أو في كليهما، وذلك لأن السائل إمام يسأل ما أشكل عليه في بعض الأسانيد والعلل الواقعة فيها، أو في حالة بعض الرواة ومنزلتهم، فيجيبه الإمام أحمد بإشارات يلزم من يروم فهمها بحث طويل في طرق الحديث حتى يفهم السؤال والجواب، إلا إذا كان له علم وإلمام بموضوع المسألة. وقد يسأل عن الحديث بذكر كلمة منه، أو بذكر بابه، وهو موضوعه العام، أو يسأل عن الرجل بذكر اسمه دون اسم أبيه، أو بذكر كنيته، أو لقبه، على ما كان في الأسماء والكنى والألقاب من الاشتباه والاشتراك، وقد يكون الجواب كذلك. وكل هذه الأمور كانت معروفة عند السائل والمجيب بخلاف الناظر في ذلك خصوصا في هذا العصر.
وكان عرض السؤال والجواب بلغة النطق والتخاطب ولم يكن بلغة التصنيف، وبينهما فرق قليل تحتاج المواضع التي وقع ذلك فيها إلى نوع من التأمل.
стр. 46
المبحث الثاني: كتاب العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المرُّوذي وغيره .
المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته .
موضوعه:
هذا الكتاب جمع مسائل في علل الحديث ومعرفة الرجال برواية ثلاثة من تلاميذ الإمام أحمد، وهم: أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المرُّوذي ت (٢٧٥) هـ، وأبو الحسن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني ت (٢٧٤) هـ، وأبو الفضل صالح بن أحمد بن حنبل ﵏.
وموضوعه شامل لمعظم أبواب علوم الحديث، كما يشمل أحاديث وحكايات من أمور التاريخ. وليس فيه أحاديث مسندة عن الإمام أحمد.
ومعظم الكتاب برواية المرّوذي (١)، وهو من تلاميذ الإمام أحمد المذكورين برواية مسائل كثيرة عن الإمام أحمد (٢)؛ ثم تأتي رواية الميموني في الدرجة الثانية (٣)، وقد كان كثير السؤال للإمام أحمد، وذكر ابن أبي يعلى أن مسائله عن الإمام أحمد في ستة عشر جزءاً (٤)، مما يدل على أن هذا جزء صغير من مسائله. ومما يدل على ذلك أن الخلال ذكر أن في مسائله شيئاً كثيراً يقول فيها: "قرأت على أبي عبد الله كذا وكذا، فأملى علي كذا، يعني الجواب" (٥) وليس في هذا الكتاب من رواية الميموني شيء مما قرأه على الإمام أحمد.
стр. 47
والجزء الذي رواه صالح هو أقل الأجزاء الثلاثة (١)، والباقي من الكتاب هو ما رواه أبو عوانة الإسفراييني، الراوي عن تلاميذ أحمد الثلاثة، مما رواه عن شيوخه، وهي حكايات والجرح والتعديل.
خصائصه:
اختص الكتاب بإيراد كثير من أقوال الإمام أحمد في جرح الرواة وتعديلهم، وفي علل الحديث.
ويختص هذا الكتاب بأنه من رواية المروذي الذي وصف بأنه المقدم من أصحاب الإمام أحمد (٢)، والميموني الذي اختص برواية مسائل كثيرة عن الإمام أحمد كما تقدم، وصالح بن أحمد، وقد كانت له مسائل كثيرة عن الإمام أحمد أيضاً، وكان الناس يراسلونه من خراسان من مواضع نائية يسأل لهم أباه عن المسائل، فوقعت له مسائل جياد (٣).
قيمته عند العلماء:
اعتمد كثير من العلماء ممن صنف في الجرح والعديل على رواية هؤلاء التلاميذ الثلاثة في نقل كلام الإمام أحمد في جرح الرواة وتعديلهم، منهم ابن أبي حاتم (٤)، والعقيلي (٥)، والمزي (٦)، وكذلك من اعتنى بعلل الحديث، كابن أبي حاتم في
стр. 48
"المراسيل" (١)، وابن دقيق العيد (٢)، وابن رجب، وابن حجر في شرحهما على "صحيح البخاري" (٣). وكذلك من صنف في علوم الحديث كالخطيب (٤).
رواياته:
هذا الكتاب توجد منه نسخة من مخطوطات دار الكتب الظاهرية بدمشق ضمن مجموع رقم (٤٠)، وهو من رواية الحافظ أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الاسفراييني. وطبع بتحقيق الدكتور وصي الله محمد عباس (٥)، وصدر أيضاً في الطبعة التي نشرتها مؤسسة الكتب الثقافية مع كتاب العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله.
стр. 49
المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب .
المادة العلمية في هذا الكتاب لم تكن مرتبة لا على الأبواب، ولا على الرواة، وإنما عرضت على شكل أسئلة يسألها التلميذ الإمام أحمد بدون ترتيب معين، وكذلك لا يوجد تفصيل بين ما سئل عنه في جرح الرواة وتعديلهم وما سئل في علل الحديث. فهو يشبه من هذه الناحية كتاب العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله.
стр. 50
المبحث الثالث: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله .
المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته:
موضوعه:
أغلب مادة هذا الكتاب في المسائل الفقهية، وفي آخره تفسير الأحاديث عن النبي ﷺ ، وباب صغير في طاعة الرسول ﷺ .
خصائصه:
وكتاب المسائل لعبد الله عن أبيه يتميز بعدة خصائص منها (١):
١) اهتمامه بالنقل عن الإمام أحمد لبعض الأحاديث التي استدل بها في المسائل التي سأل عنها.
٢) كثرة زيادة مروياته هو عن غير أبيه، تكميلا للفائدة وبيانا لمستند المسألة.
٣) أن أغلب المسائل المذكورة في كتابه عليها العمل في المذهب، وقدرها محقق الكتاب د. علي المهنا بنسبة التسعين في المائة من مجموع هذا الكتاب.
٤) تتميز هذه المسائل بأنها أيضا عرضت لنا جانبا من أخلاق الإمام أحمد وأفعاله في عباداته ومعاملاته وما يفعله في خاصة نفسه، ويوجد شيء من هذا أيضا في مسائل ابن هانئ.
٥) تجمع مسائل عبد الله عن أبيه مع ما سأله هو بنفسه أو سمعه منه بعض مسائل الآخرين ـ منها بعض مسائل الكوسج ـ ومسائل فاته سماعها عن أبيه فأخذها من مهنّا الشامي، ومسائل أعطاها إياه بعض أصحابه.
стр. 51
١) كما تتميز هذه المسائل أيضا بأنها أكثر وضوحا من كتب المسائل الأخرى التي وصلت إلينا.
٢) ترتيبها ووضع النصوص في أبوابها أدق من كتب المسائل الأخرى.
٣) امتازت بذكر احتجاج الإمام بالأحاديث في مسائل فقهية ـ وإن لم تكن كثيرة ـ فيستفاد من ذلك تصحيحه أو تحسينه للأحاديث والآثار، وربما ورد ذكر مراجعة بعض التلاميذ له فيذكر وجه حكمه على الحديث، وهذه فائدة جليلة يتسفيد الباحث من هذا الكتاب في مثل موضوع هذه الرسالة.
قيمته العلمية:
هذا الكتاب شأنه شأنه غيره من كتب المسائل التي تمت إلى الإمام أحمد بصلة علمية وثيقة فقد اهتم العلماء بروايته؛ لأن مكانة كتب كهذا إنما تبرز من مكانة هذا الإمام نفسه، والمنزلة العلمية التي يتبوأها بين أئمة الحديث والفقه والتفسير. ولذلك نجد اهتمام العلماء قديما بسماع هذه المسائل، ومن ذلك:
أن ابن أبي حاتم يقول في ترجمة عبد الله بن الإمام أحمد: "كتب إلى بمسائل أبيه وبعلل الحديث" (١).
ورواها عنه أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي كما في "تاريخ بغداد" (٢)، ووصفها الخلال بأنها مسائل جياد، فقال: "وقع لعبد الله عن أبيه مسائل جياد كثيرة يغرب منها بأشياء كثيرة في الأحكام" (٣).
стр. 52
كما يصور لنا قيمتها العلمية كذلك مدى اهتمام كتب المذهب الحنبلي بالنقل منها والتعويل عليها في مواضع كثيرة لا تكاد تحصى، يلاحظها القارئ في هوامش تحقيق الكتاب؛ حيث يشير المحقق إلى أن المسألة المذكورة نقلها فلان في كتابه، أو أشار إليها فلان.
كل هذا وغيره يؤكد لنا المنزلة الرفيعة والقيمة العلمية العلية التي يتصف بها هذا السفر القيم، والمكانة التي بتبوأها بين كتب التراث الأصيلة.
رواياته:
يذكر محقق الكتاب د. علي سليمان بأن النسخ الثلاث للكتاب التي وقف عليها لم يذكر من هو الراوي للكتاب، ولم يجد بعد البحث في عديد الكتب ذات الصلة ما يرشده إلى ذلك.
وصرح ابن أبي يعلى في كتابه "طبقات الحنابلة" عن أناس أنهم رووا المسائل عن عبد الله، ورجح د. علي بن سليمان أن الذي يمكن أن يكون راوي هذه النسخة المطبوعة هو أبو بكر القطيعي؛ وأن من رواة المسائل عنه أبو بكر الخلال، ومن المعروف أنه سمع منه المسائل، ثم فرقها في الأبواب المناسبة، لكتابه العظيم "الجامع لمسائل ـ أو علوم ـ الإمام أحمد ﵀" ونراها الآن متفرقة في الأبواب المختلفة لهذا الكتاب … لكن لم يجد الباحث أن أحدا صرح بأنه روى مسائل عبد الله عن أبيه بشكل كتاب مستقل.
ومن رواة المسائل عن عبد الله غلام الخلال عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، لكن الراوي لهذا الكتاب عن عبد الله قد صرح في مواضع عديدة في الكتاب أنه سمع منه سنة خمس وثمانين ومائتين في شهر رجب (١)، بينما غلام الخلال قد ولد
стр. 53
سنة اثنتين أو خمس وثمانين ومائتين (١)، فلا يمكن أن يقال إنه روى هذا الكتاب عنه ولم ينقل عن أحد غيرهما ـ حسب ما توصل إليه الباحث ـ أنه روى المسائل عنه إلا القطيعي، وهو رواية لعبد الله بن أحمد، فقد روى عنه المسند، والزهد، وفضائل الصحابة. وعليه فقد رجح الباحث د. علي سليمان بأنه هو راوي هذه النسخة المحققة من قبله، ثم ذكر مؤيدات أخرى لترجيحه واختياره (٢).
стр. 54
المطلب الثاني: منهجه في عرض المادة العلمية في الكتاب:
يمكن تلخيص طريقة عرض عبد الله بن الإمام أحمد لمادة كتابه في النقاط التالية:
١) رتب المسائل ترتيبا فقهيا دقيقا يسهل للباحث فيه عملية الاستفادة والمراجعة.
٢) استعمل عبارات السؤال والتحمل، مثل: سألت أبي، وسمعت أبي وسئل أبي وأنا أسمع (١)، وقرأت على أبي (٢)، والعبارتان الأوليان أكثر استعمالا من غيرهما. وأحيانا يستعمل أسلوب الحوار مثل قال ـ قلت (٣).
٣) يحرص على رواية ما فاته من مسائل أبيه، بواسطة غيره، كروايته عن أبي عبد الله مهنا السلمي (٤)، وغيره (٥).
٤) يزيد أحاديث من رواياته عن غير أبيه، لبيان مستند أبيه في المسالة المسؤولة عنها.
стр. 55
المبحث الرابع: مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني .
المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته .
موضوعه:
هذا الكتاب يحتوي على أسئلة من الإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني مما سألها الإمام أحمد في جميع أبواب العلم، في الفقه، والآداب، ومسائل الاعتقاد، والإمامة، وفي الحديث، من تفسير لغريبه، وتأويل لمختلفه، وفي علل الحديث وجرح الرواة وتعديلهم، وأصول علم الرواية.
وكذلك يورد جملة من الأحاديث المرفوعة والآثار عن الصحابة والتابعين في المسائل من أبواب الفقه، كلها مما رواها عن الإمام أحمد.
خصائصه:
هذا الكتاب يختص بكونه جامعاً لأسئلة سألها الإمام أبو داود للإمام أحمد في جميع أبواب العلم، فمنزلته ومنزلة الإمام أحمد تعطي الكتاب ميزة عالية، فالإمام أبو داود إضافة إلى إمامته في الحديث، كان من كبار الفقهاء، يشهد له على ذلك كتابه السنن، حيث ذكر أصول الأحاديث التي يُستدل بها في مسائل الفقه.
والكتاب يمتاز بذكر آراء الإمام أحمد في شتى مسائل العلم، أما في باب علل الحديث وعلم الجرح والتعديل، فكلامه في إعلال الأحاديث كثير، لا يفوقه في الكثرة إلا ما حواه كتاب العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله.
ومن خصائص الكتاب أيضاً أنه أفرد باباً سأل الإمام أحمد فيه عن مسائل في علم رواية الحديث وضبطه.
стр. 56
وكذلك يزيد من أهمية الكتاب كون النسخة الموجودة من الكتاب سمعت وكتبت في عصر المؤلف، وقد سمع النسخة المحفوظة من الكتاب في "الظاهرية" سنة (٢٦٦) هـ، ووفاة أبي داود سنة (٢٧٥) هـ.
وقد أفرد المادة المتعلقة بعلل الحديث وشيء من الكلام في الجرح والتعديل في آخر الكتاب، مما يسهل من الاستفادة من الكتاب للمتخصص في علم الحديث.
قيمته عند العلماء:
قال الذهبي: "كان أبو داود من نُجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدة، وسأله عن دِقاق المسائل في الفروع والأصول" (١). وهذه المسائل هي المروية في هذا الكتاب.
ومن قيمة الكتاب عند العلماء أن بعض العلماء قد قام باختصاره كما ذكره ابن رجب (٢).
وكذلك استفاد من الكتاب الخطيب البغدادي فنقل عنه جملة من كلامه في جرح الرواة وتعديلهم (٣).
رواياته:
النسخة العتيقة من الكتاب محفوظة في المكتبة الظاهرية، وهناك نسختان أخريان، منها نسخة محفوظة في مكتبة "اسكوريال"، وأخرى من مخطوطات المكتبة "المحمودية" بالمدينة.
стр. 57
وروى الكتاب عن أبي داود أبو بكر ابن داسة راوية كتابه "السنن"، وهو محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق التمار البصري (٣٤٠) هـ. وقد اعتنى به الشيخ رشيد رضا، فطبع بتحقيق الشيخ محمد بهجة البيطار (١) عن نسخة "المحمودية"، وقوبل على نسخة "الظاهرية".
ثم صدَر الكتاب بتحقيق أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد عن النسخ الثلاث (٢).
стр. 58
المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب .
هذا الكتاب مرتب على أبواب الفقه في المسائل الفقهية، وخصص أبواباً أخرى للآداب، والإيمان، والسير، وعلم رواية الحديث، وتفسير الأحاديث، والجمع بين مختلف الأحاديث، وذكر المختلطين، وباباً للأحاديث أورد فيه أسئلته التي سألها الإمام أحمد في إعلال الأحاديث، وأردفه بباب آخر في الموضوع نفسه بعنوان: "بيان أحاديث فيها ضعف وخطأ ونكارة"، ثم بيان أحاديث يختلف فيها، وكلها أحاديث معلّة، ثم ذكر باباً في الأحاديث المرسلة، ويعني بها التي أعلت بالإرسال وبه ختم الكتاب. وقد يسأل عن علل بعض الأحاديث أثناء أسئلته في المسائل الفقهية، كأن يذكر الإمام أحمد مسئلة ويكون فيها حديث مخالف لما قاله فيسأله عن ذلك الحديث كما فعل معه في مسئلة الرمل في الطواف من الحَجر إلى الحجر، فذكر له رواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه مشى ما بين الركن والحجر فأجابه (١).
والعرض للمادة في الكتاب على شكل أسئلة سألها الإمام أحمد أو سئل بحضرته. وقد يورد بعض مسموعاته عن الإمام أحمد من الأحاديث والآثار.
وقد تقدمت الإشارة إلى أن لغة المسائل والأجوبة في هذا الكتاب هي لغة النطق وليست لغة التصنيف، فوقع فيها عدم التزام حركات الإعراب في مواضع، كأن ذلك جاري على لغة ربيعة في بعضها من الوقوف على المنصوب بالسكون (٢).
стр. 59
المبحث الخامس: كتاب مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح .
المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته .
موضوعه:
تمتاز مسائل صالح بن الإمام أحمد ﵀ بكونها شاملة لمختلف أنواع العلوم من عقيدة، وفقه، وحديث، وأثر، وتفسير، وتاريخ، وعلل، وبيان لأحوال الرواة جرحا وتعديلا، بل تتناول أيضاً شرحاً لبعض غرائب النّصوص ومصطلحات، فهي باختصار ديوان شامل لشتى العلوم والمباحث يلقي الضوء على موسوعية هذا الإمام وسعة معارفه وتنوع علومه رحمه الله تعالى.
خصائصه:
يتميز هذا الكتاب عن غيره من كتب المسائل عن الإمام الأحمد بما يلي:
١) من أهم أهذه الخصائص كونه كتاباً مشتملاً على عدة موضوعات متنوعة ومعارف متعددة يفوق بذلك مسائل إسحاق بن منصور الكوسج، ومسائل ابن هانئ ومسائل أبي داود؛ فمعظم موضوعات هذه المسائل دائرة في المسائل الفقهية، وقليل منها تطرق إلى شيء من باقي العلوم الإسلامية.
٢) ومما تختص به مسائل صالح ﵀ أنها غير مرتبة على الأبواب الفقهية، بخلاف باقي كتب المسائل التي وضعت عليها أبواب وعناوين تسهل عملية الاستفادة منها، وتقرب مادتها العلمية للباحثين.
٣) ومن ناحية عدد المسائل المتضمنة فيها نجد أن مسائل الإمام صالح ﵀ تحتل الدرجة الثانية ـ حسب تقدير الباحث د. فضل الرحمن المحقق للكتاب ـ
стр. 60
حيث حرز مسائلها وقدرها بحوالي ثلاثة آلاف مسألة، أي أنها تأتي بعد مسائل الكوسج في كثرة المسائل المطروقة (١).
قيمته العلمية:
تبرز قيمة هذا الكتاب العلمية عند العلماء من المكانة التي يحتلها الإمام أحمد ﵀ بين الأئمة؛ فقد كان أحد الأئمة الأربعة المتبوعين، وشهرته بينهم بكثرة الروايات، ومعرفته الواسعة بالآثار، والوقوف عند السنن والأخبار، وصبره على نشر السنة وتمسكه بها كل أولئك جعل لكلامه موقعاً كبيرا في نفوس العلماء المعاصرين له والذين جاءوا من بعده، واحتفلوا بسماع ما روي عنه، وهذا أبو الحسن علي بن محمد بن بشار العالم الزاهد يسمع هذه المسائل من صالح، ويحدث بها جماعة من العلماء، قال القاضي محمد بن أبي يعلى في ترجمته: "وكان قد سمع جميع مسائل صالح لأبيه من صالح، وحدث بها فسمعها منه جماعة، منهم: أبو حفص بن بدر المغازلي وأحمد البرمكي"، ثم نقل قول أحمد البرمكي: "كنت يوماً واقفاً بين يديه ـ يعني ابن بشار ـ بعد العصر، وكان يوم الثلاثاء، وبيدي جزء من مسائل صالح لأقرأه عليه … " وذكر واقعة حصلت له (٢).
وقال في ترجمة أبي بكر غلام الخلال: "وحدث عنه بمسائل الأثرم وصالح، وعبد الله وغير ذلك" (٣).
كما أن لابنه صالح نفسه مكانة بارزة عند العلماء، فهو الذي يكتب عنه اابن أبي حاتم الإمام المشهور في الجرح والتعديل ويوثقه قائلا: "وهو صدوق ثقة" (٤).
стр. 61
وهذه الثقة هي التي جعلت العلماء يعتمدون عليه في علم أبيه حتى صاروا "يكتبون إليه من خراسان ومن مواضع أخرى؛ ليسأل لهم أباه عن المسائل ويرسل إليهم بالأجوبة التي يتلقاها عنه" (١).
واعتبروه أحد النقلة عن الإمام في المذهب: قال ابن أبي يعلي الحنبلي ﵀: "أما نقلة الفقه عن إمامنا فهم أعيان البلدان، وأئمة الزمان، منهم ابناه: صالح وعبد الله" (٢).
وكل هذا وغيره مما حظي به هذا الابن العالم من الثناء الجميل والمدح الجليل جعل الاهتمام بمسائله والنقل منها والتعويل عليها موفورا في كتب علماء الحنابلة (٣).
رواياته:
طبع كتاب "مسائل الإمام أحمد ـ رواية ابنه أبي الفضل صالح" في طبعتين، الأولى: ط. الدار العلمية ـ بالهند، بتحقيق د. فضل الرحمن دين محمد، والثانية ط. دار الوطن، بإشراف طارق بن عوض الله بن محمد. وفي كلتا الطبعتين لم يظهر راوي الكتاب، ويعلق على هذا د. فضل الرحمن قائلا:
"لم يرد إسناد الكتاب في بدايته، ولا في الصفحة الأولى حيث كتب عنوان الكتاب بخط جلي، لكن ذكر ابن أبي يعلى والشيرازي في ترجمة ابن بشار … أنه كان سمع جميع مسائل صالح لأبيه من صالح، وحدث بها، فسمعها منه جماعة. ولم أجد عن أحد غيره أنه كان يروي مسائل صالح عنه، مع العلم أن ابن أبي حاتم
стр. 62
والخرائطي وغيرهما من تلامذته سمعوا منه المسائل، ونقلوا منها في كتبهم، لكن لم أجد صراحة أنهم كانوا يروون مسائل صالح، فأغلب الظن أن راوي هذا الكتاب عن صالح هو أبو الحسن علي بن محمد بن بشار الزاهد العارف (١). والله أعلم … " (٢).
стр. 63
المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب .
يمكن للناظر في كتاب مسائل صالح بن الإمام أحمد رحمهما الله أن يلخص منهجه فيما يلي (١):
١) لم يعتن صالح بترتيب مسائله ترتيباً مبوباً، ولعل هذا عائد إلى كونه يحضر مجلس الإمام أحمد ويسمع منه مسائل متفرقة ـ سواء كان هو السائل أو غيره ـ ويسجلها كما سمعها.
٢) المادة العلمية في الكتاب معروضة على شكل أسئلة سألها صالح أباه، وروايات رواها عن أبيه، فأحيانا يقول: سألت أبي عن كذا (٢) أو يقول: سألت: إلى أي شيء تذهب؟ فقال: كذا .. (٣) أو: سألته عن كذا؟ (٤) وأحيانا يقول: قال كذا وكذا دون صيغة السؤال (٥). وأحيانا يقول: كتب رجل إلى أبي يسأله عن كذا فأملى علي جوابه بكذا … (٦)، وتارة: قرأت على أبي كذا وكذا (٧)، وعبارات أمثال ذلك.
٣) وأحيانا يذكر أقوال الإمام أحمد من غير ذكر شيء من ألفاظ التحمل والرواية، كأنه سجلها في مجلس الإمام أحمد على عجلة، فلخصها كيلا يفوته بعض النكات (٨).
стр. 64
١) أما الرواي عن صالح، فإنه عند رواية الأحاديث والآثار يقول: حدثنا صالح ملتزما بذلك. أما عند رواية المسائل الفقهية والمسائل المتعلقة بالرجال ونحوها أحيانا يقول: حدثنا صالح، وغالبا لا يذكر صيغة التحديث.
стр. 65
المبحث السادس: مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن إبراهيم ابن هانئ .
المطلب الأول: موضوع الكتاب، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته .
موضوعه:
موضوع الكتاب هو أسئلة سألها الإمامَ أحمد تلميذُه إسحاق بن إبراهيم ابن هانئ النيسابوري ت (٢٧٥) هـ، وأجاب عنها. وتشمل الأسئلة جميع أبواب الفقه، وأضاف إلى ذلك أسئلة في باب الآداب، وباب السنة والرد على أهل الأهواء، وباب الإيمان، وباب الرأي والعلم، وباب التفضيل، وباب الأمر والنهي، وباب تفسير الأحاديث، وكتاب التاريخ، وكتاب العلل، وباب قراءة الحديث.
خصائصه:
امتاز هذا الكتاب بكون راوي المسائل كان مرافقاً للإمام أحمد خادماً له (١)، فاستفاد القرب منه والاطلاع على أمور قلّ أن يطلع عليها تلميذ.
وقد أفرد المادة المتعلقة بعلل الحديث وشيء من الكلام في الجرح والتعديل في آخر الكتاب، مما يسهل للمتخصص في الحديث الاستفادة من الكتاب.
كما امتاز الكتاب بذكر أحاديث احتج بها في مسائل الفقه، أو ترك القول بها في بعض المسائل فروجع فيها فذكر عللها (٢).
ويمتاز الكتاب أيضاً بذكر مادة غريزة في جرح الرواة وتعديلهم.
стр. 66
قيمته عند العلماء:
اعتمده العلماء مصدراً لنقل أقوال الإمام أحمد في الرواة جرحاً وتعديلاً، منهم الخطيب (١)، والحافظ المزي (٢).
رواياته:
طبع الكتاب بتحقيق زهير الشاويش، عن نسخة فريدة (٣).
стр. 67
المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب .
الكتاب مرتب على الكتب والأبواب ابتداء بكتاب الطهارة، وشمل جميع أبواب الفقه. وهو كله مسائل سألها ابن هانئ الإمام أحمد أو سئل الإمام عنها بحضرته. وقد يذكر أثناء كلامه في المسائل الفقهية بعض الأحايث بالإعلال، كما قال في التسمية في الوضوء: لا يثبت حديث النبي ﷺ فيه، وقال أيضاً: ليس إسناده بقوي (١).
وأما المادة الحديثيه وكلامه في الجرح والتعديل فخصص ذلك ابتداء بباب تفسير الأحايث، وأتبعه بكتاب التاريخ، ثم كتاب العلل، وأورد في الكتابين جل الكلام الذي رواه عن الإمام أحمد في الجرح والتعديل وإعلال الأحاديث.
стр. 68
المبحث السابع: سؤالات الإمام أبي داود السجستاني للإمام أحمد في جرح الرواة وتعدليهم .
المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته .
موضوعه:
حوى هذا الكتاب مادة غنية في جرح الرواة وتعديلهم، لا يكاد يخرج بمضمونه عن هذا الجانب النقدي من علم الرجال (١).
خصائصه:
١) يعتبر هذا الكتاب من أقدم المؤلفات التي وصلت إلينا في نقد الرجال، وحوت ألفاظا في بيان حال الرواة جرحا وتعديلا.
٢) كون مادة الكتاب مما اجتمع على صياغتها إمامان جليلان في النقد والرواية، وهما الإمام أبو داود وشيخه الإمام أحمد، وخاصية الجلالة مثل هذه قل أن تتوافر في كتاب مطبوع.
٣) غزارة المادة النقدية التي انفرد بها عن غيره من كتب الجرح والتعديل، حيث لم تتناقل تلك الكتب سوى أربعة وأربعين ومائة نص من نصوصه، وهي تمثل أقل من ربع الكتاب، ويعد الباقي من إضافاته إلى كتب الفن (٢).
٤) ما يمتاز به من فوائد أخرى ندرت في غيره بل لا تكاد توجد في كتب متخصصة دونه (٣).
стр. 69
١) استقل هذا الكتاب بمادة نقدية من أقوال الإمام أحمد متمثلة في ٢٦٢ قول في نقد الرجال، وهي على ضربين: الضرب الأول منها ١٦٧ لم تنقل من هذا المصدر، وإن جاءت نحوها في غيره. والضرب الثاني: أقوال له في بعض الرواة لم يُرو عنه في أولئك الرواة غيرها، ثم أقوال له في بعض الرواة لم تنقل في كتب التراجم الأخرى، وإنما انفرد بذكرها هذا السفر العظيم وتمثل ٩٤ قولا.
قيمته العلمية:
يستمد هذا السفر العظيم قيمته العلمية من عظيم مكانة الإمامين: أبي داود التلميذ وأحمد بن حنبل الشيخ وتضلعهما في هذا الشأن، وتقدمها في معرفة الجرح والتعديل والسبر لأحوال رواة الأخبار ما يجعل المادة العلمية التي يعرضها هذا الكتاب غاية في الدقة والإتقان.
كما تتضح هذه القيمة من اعتماد عديد من الأئمة النقاد على هذا الكتاب في مصنفاتهم في هذا الشأن، من هولاء:
١) الإمام أبو جعفر محمد بن عمر بن موسى العقيلي ت ٣٢٢ هـ في كتابه "الضعفاء".
٢) الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ت ٤٦٣ هـ في كتابه "تاريخ بغداد".
٣) الحافظ عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني ت ٥٦٢ هـ في كتابه "الأنساب".
وكذا اعتمده كثير من النقاد المتأخرين كأمثال أبي الحجاج المزي ت ٧٤٢ هـ في كتابه "تهذيب الكمال"، والحافظ شمس الذهبي ت ٧٤٨ هـ في كتبه العديدة
стр. 70
كـ "سير أعلام النبلاء" و"ميزان الاعتدال" و"الكاشف" وغيرها، وغير هؤلاء، مما يدل بجلاء مدى قيمة هذا الكتاب عندهم ـ رحمهم الله تعالى (١).
رواياته:
النسخة الخطية المطبوعة منها هذا السفر العظيم لم تحمل إسنادا في أولها؛ وذلك لحصول سقط من بدايتها، لكن ما وقف عليه محقق الكتاب د. زياد محمد منصور من نقولات في تاريخ بغداد للخطيب توافق معظمها ما في هذه النسخة من طريق الحسين بن إدريس بن المبارك بن الهيثم الهروي (٢)، عن سليمان بن الأشعث أبي داود، عن الإمام أحمد ـ يرويها كلها الخطيب بإسناد واحد وهو: عن شيخه أبي بكر البرقاني (٣)، عن أحمد بن محمد بن حسنويه (٤)، عن الحسين به، كل ذلك جعله يقطع "بأنه إن لم تكن هذه النسخة برواية البرقاني إلى أحمد، من طريق الحسين؛ فإنها برواية أحمد بن محمد بن حسنويه عن الحسين به" (٥).
стр. 71
المطلب الثاني: منهج عرض المادة العلمية في الكتاب .
يتلخص منهج المؤلف في عرض مادة كتابه فيما يلي (١):
١) صنف المؤلف مادة كتابه وجعل المعلومات ذات الموضوع الواحد تحت باب متسقل، فجاء الكتاب ـ عدا القسم المفقود من أوله ـ مقسما إلى سبعة وعشرين باباً.
٢) يوجد تكرار لبعض الرواة في أكثر من موضع من الكتاب؛ وهذا راجع إلى الأسلوب الذي بني عليه الكتاب، وهو أسلوب الأسئلة في تدوين المعلومات، وهو نهج يؤدي إلى اتساع المادة العلمية وتنوعها، كما أدت بعض الأسباب أيضا إلى وقوع التكرار في الكتاب مثل الاهتمام بذكر بعض شيوخ الراوي، أو العناية بنفي تحديث بعض الناس عنه، أو غير ذلك.
٣) ليس كل ما دونه أبو داود في هذا الكتاب ورد على صيغة السؤال، بل أورد أكثره على غير ذلك؛ حيث كان يسأله تارة، ويصغي إلى سؤال غيره تارة أخرى، وكثيرا ما كان يجلس إليه، ويتلقى عنه من غير مسألة، وربما كتب عنه ذلك كله، وأغلب نصوصه بلفظ: سمعت أحمد.
٤) قد يعلق الإمام أبو داود على بعض النصوص التي يرويها عن الإمام أحمد، وبعض التعليقات إنما هي من راوي الكتاب الحسين بن إدريس، لكن معظم مادة الكتاب فهي من إفادة الإمام أبي داود عن شيخه الإمام أحمد ﵀.
стр. 72
المبحث الثامن: المنتخب من العلل للخلال ـ لموفق الدين ابن قدامة .
المطلب الأول: موضوعه، وخصائصه، وقيمته عند العلماء، ورواياته .
موضوعه:
تتضمن مادة هذا المنتخب أحاديث تكلم عليها الإمام أحمد بالتعليل والتضعيف، وتضمن شيئا من كلامه على الجرح والتعديل، كما أن في آخره ملحقاً عرج فيه على طبقات أصحاب سفيان الثوري (١)، والأعمش (٢) وإبراهيم النخعي (٣).
والكتاب المطبوع جزء من انتخاب الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي لعلل الخلال الكبير، وهو يشتمل على الجزءين العاشر والحادي عشر منه. وقد ذكر الحافظ الذهبي وأيضاً الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمة الله عليهما أن من مصنفات ابن قدامة "مختصر العلل للخلال" (٤). وزاد ابن رجب أنه مجلد ضخم.
خصائصه:
يمتاز الكتاب بما يلي:
١) أن أصل الكتاب قد اشتمل على مجموعة روايات عن الإمام أحمد نقلها تلاميذه عنه، وجمعها أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال في كتابه: "العلل"،
стр. 73
وهو في ثلاث مجلدات (١)، وقد سرد ابن أبي يعلى أسماء أولئك التلاميذ ممن سمع منهم الخلال مسائلهم للإمام أحمد فبلغ عددهم ثلاثة وعشرين (٢)، وذكر أنه رحل إلى أقصى البلاد في جمع مسائل أحمد. وذكر الخطيب البغدادي أنه لم يكن ممن ينتحل مذهب الإمام أحمد أحد أجمع لعلوم أحمد منه (٣). فهذه ميزة عظيمة لهذا السفر.
١) أن الكتاب يشتمل على أحاديث معللة تكلم إمام من أئمة العلل وناقد من نقاد الحديث وهو الإمام أحمد عليها بالتعليل مع بيان وجوه التعليل.
٢) تنوع موضوعات الكتاب، فهي أشبه ما تكون بموضوعات ما يوسم بالكتاب الجامع، فإنه لم يتقصر على أبواب معينة أو موضوعات محددة، بل تناول جوانب علمية كثيرة، ففيه ما يتعلق بالزهد وذم الدنيا (٤)، وما يتعلق بالشبع (٥) وفي البنات والأخوات (٦)، وفي السباحة والمغزل (٧)، وفي عدن والزنج والبربر (٨)، وحول أحاديث الخلافة وفضائل الصحابة (٩)، وغير ذلك من موضوعات شتى.
قيمته العلمية:
يستمد هذا المنتخب قيمته العلمية من قيمة أصله الذي هو العلل للخلال، والذي صنفه في ثلاث مجلدات (١٠)، وهو عمل جبار لم يدانيه فيه
стр. 74
أحد، حتى قال الحافظ الخطيب: "وكان ممن صرف عناية إلى الجمع لعلوم أحمد ابن حنبل، وطلبها وسافر لأجلها، وكتبها عالية ونازلة، وصنفها كتبا، ولم يكن فيمن ينتحل مذهب أحمد أجمع منه لذلك" (١).
كما تظهر قيمة المنتخب العلمية من اهتمام العلماء بسماعه، كما يظهر من السماعات الموجودة على النسخة الخطية للكتاب، حيث اعتنى بعض العلماء بسماعه، ومنهم الحافظ يوسف بن عبد الهادي تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢).
روايته:
يظهر من طرة الجزء العاشر لهذا المنتخب ـ وهو الجزء المطبوع منه ـ أن راوي هذا الكتاب هو الفخر بن علي بن أحمد بن البخاري المقدسي، عن موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي (٣).
стр. 75
المطلب الثاني: منهج عرض مادة العلمية للكتاب .
يتلخص منهج المنتخِب فيما يلي:
١) لم يصنف المنتخِب كتابه على ترتيب معين، وإنما اختار من الأصل أحاديث مختلفة المواضيع، وأثبتها في الكتاب، دون أي تنظيم أو ترتيب محدد.
٢) يوجد على كل حديث أو مجموعة أحاديث عنوانا يناسب فحواها، ولا يمكننا أن نعرف إن كانت هذه العناوين من وضع صاحب الأصل، أو من المنتخِب، وذلك لغياب الأصل عنا.
٣) ينقل مادة الكتاب مسندة ـ ابتداء من شيخ الخلال إلى نهاية السند ـ محافظا على طريق الأصل في العرض.