← Общие книги

Общие книги · id 7258

أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي

علي جريشة

Полный текст (260 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين ... أما بعد: فهذه الكلمات.. نسطرها في المذاهب الفكرية المعاصرة.. لتكون زادًا لطلاب الشريعة والدعوة.. بل زادًا لكل صاحب دعوة. وليس الحديث عن المذاهب الفكرية المعاصرة سهلًا.. إن العصر يموج بنظريات ومبادئ تتنازع وتتصارع، وإنَّ حروب السلاح إِنْ هدأ أوارها، أو وضعت أوزارها, فلقد حلَّت محلها حروب الأفكار والعقائد.. - فالغرب يرفع راية العلمانية التي حبست الدين بين جدران الكنائس، وأبت عليه أن يكون له خارجها سلطان. يرفع في مجال الاقتصاد مبادئ الرأسمالية. ويرف في مجال السياسة مبادئ الديمقراطية. ويغزو المجتمع الإسلاميّ بقيمه الجديدة؛ ليبتعد به عن قيم الإسلام ومُثُلِه, وفيها عزته وسعادته. - والشرق الشيوعي يرفع راية الاشتراكية "العلمية" أوالشيوعية، يضلل بها الطبقات الساذجة، ويمنيها بأن الحكم "للصعاليك" أوطبقة البروليتاريا -كما يسمونها- ويمارس ضلاله وتضليله في الشرق الإسلاميّ.. ويصطدم بعقيدته.. فيطور أسلوب دعوته, أو "تكتيكها".. ليخدع جماهير المسلمين. - ووسط قيم الغرب الفاسدة، وتضليل الشرق الكافر.. تعيش جماهير المسلمين بعد ما أصابها من تَخَلُّفٍ.. وبعدٍ عن منهج

стр. 2

الله ... تعيش أكثرها بين التمزق والضياع وافتقاد القيادة الراشدة، تتلمس النور وسط السراب, وتتحسس الطريق وسط الظلام، وماهي ببالغته حتى تعرف ما هو النور.. وما هو الطريق فتهتدي وتسلك.. وتسير على الدرب حتى النجاة. وفي بابٍ تمهيديّ: نتحدث -بمشيئة الله- عن الواقع الأليم الذي تعيشه أمة الإسلام بين التخلف والتمزق وأسباب ذلك.. وفي الباب الأول: نتحدث عما يجمع الغرب والشرق، ثم عمّا يمارسه الغرب المسيحيّ في الشرق الإسلاميّ.. قديمه وحديثه. وفي الباب الثاني: نتحدث عن الغزو الماركسيّ لبلاد الإسلام.. أساسه من المبادئ وزيف هذه المبادئ، ثم مايفعلونه بالمسلمين في بلادهم، وما يحاولونه خارجها, كاشفين عن أسلوبهم وتكتيكهم الجديد. وفي الباب الثالث: نتحدث عن الصهيونية أو "اليهودية العالمية" ومخططاتها, وجميعاتها السرية لتخريب العالم.. وفي الباب الرابع: نشير إلى رد الفعل لغزو الشرق والغرب لبلاد المسلمين, والحركات الإسلامية التي قامت مناهضةً لذلك للغزو، وما فيها من قصور، ثم نحاول أن نتبين النور والطريق ... والله المستعان وعليه التكلان. ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليِّ العظيم.

стр. 3

باب تمهيدي: واقعٌ أليم: الواقع أليمٌ ينطق بتخلُّفِ الأمة الإسلامية, ولم تكن كذلك: لقد عاشت أكثر من ألف سنة في مقدمة الأمم, بل لقد عاشت فترةً طويلةً هي الأمة الأولى في العالم كله, يعمل لها ألف حساب، ويطلب ودها، ويسعى أمثال إمبراطور ألمانيا للتقرب من خليفتها؛ فيرسل له الهدايا.. وحملت في خلال هذه الفترة حضارة الإسلام للدنيا كلها, حملتها بالعلم والخلق قبل أن تحمل السيف في وجه أعداء الإسلام، ولم تكره على عقيدتها أحدًا, فإن القرآن علمها أن ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ ١، وإنما دخل الناس في دين الله أفواجًا لمًّا رأوا صفاء العقيدة وسموها، ولما شاهدوا جمال الخلق ورفعته, فأحسوا أن هذا الدين ينشء نشأً جديدًا, يخرجهم من "عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والأخرة". وما عرفه الغرب من تقدمٍ, كان نتيجة احتكاكه بالشرق الإسلاميّ. إن نقطة البدء في ذلك التقدم كانت حركة الإصلاح الدينيّ؛ حيث ثار الناس على ظلم الكنيسة واضطهادها، وثاروا على كثير من مفاهيمها المعقدة, بعدما رأوا صفاء العقيدة الإسلامية ويسرها، وسماحة الإسلام وسمو خلقه.. ثم كانت بذور النهضة الأوروبية العلمية أخذًا عن علماء المسلمين الذين تعلم الغربيون على أيديهم في جزر البحر الأبيض، وفي الأندلس، ومن قبل ذلك احتكوا بهم إبان الحروب الصليبية. وإذا بدأ الغرب في نهضته.. بدأ الشرق الإسلاميّ في كبوته. وكان لذلك أسباب عديدة, بعضها من أنفسنا، وبعضها خارجٌ عن إرادتنا. أسباب من أنفسنا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ٢ تلك

стр. 4

سنة الله في أرضه، وحكمه بين خلقه, لا يخفض قومًا بعد إذ رفعهم إلّا بما كسبت أيديهم، ولا يغيِّرُ بعد ذلك ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وهو ما حدث بالأمة الإسلامية حين داخلها شيء من الغرور أن الله اختارها ولن يستبدل بها, ونسيت أن الاختيار مؤسس على أسبابه. ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١ وتحت هذه الشعب الثلاث يندرج الإسلام كله. أ- إن أول ما أصاب الأمة الإسلامية بُعْدُهَا عن كتاب ربها وسنة رسولها, ومحاولة الأخذ من غير هذين النبعين الصافيين الأصليين، خاصةً بعد ما أوتي الغرب شيئًا من التفوق الحضاريّ على أساس ماديّ. ب- وصحب ذلك انهزام داخليّ, أصاب شعور الأمة أو بعضها, فعدلت ما عند الناس بما عند الله, إن لم يداخلها الوسواس أنه أفضل. ج- وصحب ذلك التقليدُ والمحاكاةُ.. ولم تكن تلك صفة الأمة الإسلامية, بل ليست هذه صفة الأمم الأصيلة. إنها صفة القردة.. أن كانوا حيوانات.. أو كانوا ممن غضب الله عليهم ولعنهم, وجعل منهم القردة وعبدة الطاغوت. د- ولازم ذلك كله الفرقة. تفككت الدولة الواحدة وأصبحت دويلات٢، وتصارع الحكام على الدنيا، وأحلوا قومهم دار البوار.. والفرقة دائمًا فرصة العدو للنفاذ.. إن الصف المتلاحم المتلاصق لا يستطيع عدوٌّ أن يخترقه, أما الصف المضطرب المختلف الممزق فاختراقه سهل ويسير, والحزمة الواحدة قوية قد تستعصي على الكسر, أما العيدان المتفرقة فكسرها سهل يسير. هـ- وأعقب ذلك كله تخلف عن مواكبة العصر فيما وصل إليه من أبحاث علمية تجريبية, وما فرض من إغلاق باب الاجتهاد, فينقلوا الغثَّ مع السمين, بل ينقلون الغثَّ أكثر مما ينقلون السمين، وهكذا رأينا ثمار البعثات الخارجية, أخذًا بقشور المدنية الغربية وفسادها, دون أخذ بلبابها.

стр. 5

أما الأسباب الخارجة عن أنفسنا: فهي التي فرضها أعداء الإسلام على المسلمين, وكانت نتيجةً لتخطيط أثيمٍ بدأ منذ الحروب الصليبية, وانتهى إلى الحرب الضارية التي تمارس الآن على العالم الإسلاميّ، ولكن بأسلوب جديد, وهو موضوع هذه الدراسة بإذن الله. وقبل أن نغادر هذا الباب للحديث عن غزوة المسلمين, نشير إلى أنه رغم الضراوة الشديدة التي يمارسها أعداء الإسلام, فلا يزال الحلُّ بأيدينا..لا يزال بأيدينا النور..ولا يزال أمامنا الطريق..وبعد ذلك, فلقد خص الله هذه الأمة فجعلها قلب العالم كلِّه من كل ناحية. - من ناحية المكان: هي مركز الدائرة بالنسبة للعالم كله، وهو ما يجعل لها مركزًا استراتيجيًّا خطيرًا لا يتوفر لأية أمة أخرى١. - من ناحية الثروات: فلقد جمع الله فيها أنواع الثروات الأرضية بما يحقق اكتفاءً ذاتيًّا، وبما يحقق حاجة العالم كله إليها. وليس الأمر قاصرًا على البترول, وتكفي هذه الإشارة. - من ناحية الخامة البشرية: فإن الدراسة المنصفة للطبيعة البشرية وخصائصها, تجعل لهذه الأمة من الخصائص البشرية ما ليس لأمة أخرى, وبذلك تتحقق الوسطية لهذه الأمة على اختلاف وجوهها. وصدق الله العظيم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ ٢. وقبل ذلك, وبعد ذلك, ما قلناه من نور, ومن طريق, وهو ما نشير إليه -بمشيئة الله- في نهاية البحث كله.

стр. 6

توطئة: تقوم الحضارة الغربية الحديثة على أساسٍ من فكر فلسفيٍّ أرسى قواعده أمثال: ديكارت, صاحب منهج البحث الاستنباطي، وفرنسيس بيكون، صاحب المنهج التجريبيّ، وكومت، مؤسس المذهب الوضعي, وهو في جملته فكر ماديّ, نتج عنه بعد ذلك في أمريكا مذهب البراجماتزم أو المذهب العلمي، وهو الذي ساد الفكر الأميريكيّ منذ القرن الماضي. وتقوم الماركسية كذلك على أساسٍ من فكرٍ ماديٍّ يعطي المادة كل شيء, ويفسر التاريخ على أساس منها, وقد أخذ كارل ماركس عن غيره من فلاسفة الغرب -كما سنشير بتفصيل في موضعه بإذن الله. ولئن بقي في الغرب أثارة من دين وسط التيار الماديّ العارم, فإنها "غلالة" رقيقة لا نحسب أنها ستصمد طويلًا, ودليل ذلك إحصائيات كثيرة, ودليلة كذلك لجوء رجال الدين في الولايات المتحدة من أجل ترويج بضاعتهم إلى وسائل لا تتفق أبدًا مع الدين, وهو ما يحدث من دعوتهم الشباب من الجنسين عقب الصلوات إلى حفلات راقصة, تخفت فيها الأنوار, وتتلاصق الأجساد، وتنطلق الأنغام خافتة حالمة, توقظ الرغبة وتشعل الشهوة. وبقايا الحمية الدينية عندهم لم تعد تظهر إزاء الانحرافات الخطيرة الواقعة في مجتمعاتهم, والتي تهدد مجتمعهم نفسه بالتصدع والسقوط, وإنما تظهر فقط إزاء الأديان الأخرى, وبالتحديد إزاء كل تجمع إسلاميٍّ يبغي إعادة مجد الإسلام -كما سنبينه من خلال هذا البحث. وقيام الشرق والغرب رغم اختلافهما الظاهر على أساسٍ فكريٍّ واحد١ أمر يستلفت النظر, ويوحي بالتساؤل, تمامًا كما تشهد في طريقك بناءين مقامين على تصميمٍ هندسيٍّ واحد؛ فتشهد أن المصمم واحد, أو أنهما خريجا مدرسة واحدة, وكما نشهد خلق الله, فنجد من كل زوجين اثنين؛ الإنسان فيه الذكر والأنثى.

стр. 7

الحيوان فيه الذكر والأنثى. النبات فيه الذكر والانثى. الجماد فيه الموجب والسالب, كما في الكهرباء, والمغناطيس, والذرة. فنخرج من هذا, أن الخالق الصانع, واحد . قيام المعسكرين المتنازعين على أساس فكريٍّ واحد, أمر يستلفت نفس النظر, ويوحي نفس التساؤل, وننظر فنجد كارل ماركس من أصل يهوديّ١, ونجد الثورة البلشفية قد مُولَت بأموال يهودية٢. ونجد كثيرًا من القيادات الشيوعية يهودية الأصل٣. ونجد الشعار الشيوعيّ هو الأفعى الرمزية, وهي رمز للأمة اليهودية، وبداخلها النجمة السداسية, وهي شعار اليهود كذلك٤. وننظر إلى الغرب, فنجد فكرة فصل الدين عن الدولة من عمل اليهود٥, ونجد الحروب الصليبية٦ وبعض الحروب العالمية من عملهم كذلك٧. وتجد بصماتهم في وعد بلفور، وفي الإعداد لدولة إسرائيل، وفي الاعتراف بدولة إسرائيل، والتدخل لمساعدتها. كما نجد هذه البصمات في مثل: جون كنيدي، وفي عزل نيكسون -وهما من رؤساء الولايات المتحدة السبابقين، وفي بعض الأحداث في المنطقة الإسلامية والعربية. ونعود إلى الأساس الذي بُنِيَ عليه الفكر الغربيّ والماركسيّ "المادة" فنجد التشابه بينه وبين ما يؤمن به اليهود, وكل إناء بما فيه ينضح, إن القرآن وصفهم ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ ٨ أي: حياة ولوكانت رخيصة؛ لأن للمادة ثقلها في نفوسهم وقلوبهم. وانتشار الأساس الماديّ يؤدي إلى الصراع على المادة، ثم يؤدي إلى الانزلاق في الشهوات, وكلًّا من الأمرين من سياسة اليهود ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٩.

стр. 8

وما نود بعد ذلك أن نخوض في مدى سلامة البروتوكولات التي نشرها سرجي نيلوس لأول مرة في سنة ١٩٠٢, بعد أن وصلت إليه -كما ذكر- في سنة ١٩٠١, فإنها من ناحية السند ضعيفة؛ إذ لم يعرف مصدرها الحقيقيّ حتى الآن١. ولكن الأحداث التي جرت, والتي تجري, قد تؤكد صحتها وسلامة نسبتها, مما يشعر معه الإنسان أنه أمام ما قد يسمى بالحقائق المسلمة. ووقوع الأحداث التي توقعها ناشرها بعد نشرها بفترات, أقلها خمسة عشر عامًا, وأطولها ما يقرب من الخمسين, يلقي ظلالًا على صحة هذه الوثائق, فقد تنبأ نيلوس أن يحاول اليهود الاستيلاء على السلطة في روسيا, وتَمَّ لهم ذلك بعدها بحوالي خمسة عشر عامًا, وتنبأ نيلوس أن تحاول الأفعى اقتحام الأستانة قبل أن تقوم دولة لليهود٢. وألغيت الخلافة الإسلامية في سنة ١٣٤٣هـ, وكانت اليد الخفية تعمل في الظلام على تحطيمها. وقامت دولة إسرائيل سنة١٣٦٧هـ, واعترفت بها أمريكا, وأعقبتها روسيا في يوم واحد. ومع ذلك كله, فيبقى احتمال وجود اليهود وراء الفكرين الغربيّ والشرقيّ من الناحية العلمية, مجرد احتمال, وإن كان احتمالًا راجحًا -لكنا نأخذه بحذر حتى لا نقع في "التهويل" كما لا ينبغي أن نقع في "التهوين" فكلاهما تطرف غير سليم, كلاهما إفراط وتفريط, وتبقى الاحتمالات الأخرى قائمة, وأن كانت مرجوحة, ومن بينها أن يكون الانتكاس قد أصاب الفطرة الإنسانية في الشرق والغرب في وقت واحد, فقامت فلسفتهما وفكرهما على أساس أن: "لا موجود إلّا المادة"٣. وهذا الأساس بغير إغراقٍ في الجانب الفلسفيّ ليس صحيحًا على إطلاقه؛ إذ لا شك بوجود أشياء غير المادة؛ فالفكر والفهم ليس أمرًا ماديًّا, وهو موجود, والمشاعر والعواطف ليست أمرًا ماديًّا, وهي موجودة. والله ليس شيئًا ماديًّا, وهو موجود. ولا يلزم للوجود أن تدركه الحواس بالبصر أو باللمس أو بالشم, كما يذهب أكثرهم, فإن الإدراك بالأثر أقوى وأشد، فأنت لا ترى

стр. 9

الكهرباء, ولكن تدرك أثرها وهو النور, وأنت لا ترى الروح, ولكن تدرك أثرها وهو الحياة, ثم إذا تدرجت مع الماديين وساءلتهم: من الذي أوجد المادة, فيستدرجون معك حتى يتدرج مثل: "دارون" إلى الخلية الأولى, ونقول له: من الذي أوجد الخلية الأولى؟ سيسكت بعضهم, وسيقول آخرون: المصادفة, أو الطبيعة, والساكتون أراحوا واستراحوا. والقائلون بالمصادفة أو الطبيعة ندع فريقًا آخر يرد عليهم. - إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة حادث اتفاقيٍّ شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة١. - لو جلس ستة من القرود على آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها لملايين السنين, فلا يستبعد أن نجد من بعض الأوراق التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير، وكذلك كان الكون الموجود الآن نتيجة عمليات عمياء ظلت تدور في المادة لبلايين السنيين٢. - ولو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه, فإن معنى ذلك أن يتمتع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحالة سنضطر أن نؤمن بأن الكون هو الإله, وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود الإله، ولكن إلهنا هذا سوف يكون عجيبًا, إلهًا غيبيًّا وماديًّا في آنٍ واحد, إنني أفضل أن أؤمن بذلك الإله الذي خلق العالم المادي وهو ليس بجزء من هذا الكون, بل هو حاكمه ومدبره, بدلًا من أن أتبنى هذه الخزعبلات٣. ويعقب القرآن على تلك القضية، ويصفها في تساؤل جميل: - ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ ؟ ٤ وفي مكان آخر تساؤل آخر: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ؟ ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ .

стр. 10

﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ﴿أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.

стр. 11

الباب الأول: الإتجاه الغربي الفصل الأول: مراحل الغزو الفكري الغربي مدخل ... الباب الأول: الإتجاه الغربي الفصل الأول: مراحل الغزو الفكري الغربي مقدمة: وجود الغرب المسيحي هنا في شرقنا الإسلاميّ لم يكن صدفة؛ بدأ بالوجود الماديّ العسكريّ, وتبعه الاستشراق والتبشير -الوجود المعنويّ, أعقبه مرةً أخرى الوجود العسكريّ -الاستعمار وتقطيع أوصال دول الخلافة الإسلامية, ثم أعقبه بَثٌّ فكريٌّ فصل الدين عن الدولة، وفكرة القومية، ثم الإجهاز على الخلافة الإسلامية، وأخيرًا, حين رحلت جنوده, أبقى له جنودًا آخرين من جلدتنا, ويتحدثون بلساننا, وبهم أجرى التغيير السياسيّ المطلوب، وأجرى التغيير الاجتماعيّ المقصود. ولنحاول أن نقسمها إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية, ونتحدث عنها في مبحث أول. المرحلة الثانية: مرحلة الإجهاز على الخلافة الإسلامية, ونتحدث عنها في مبحثٍ ثانٍ. المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد إسقاط دولة الخلافة, ونتحدث عنها في مبحثٍ ثالث.

стр. 12

المبحث الأول: مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية أولا: الحروب الصليبية ... المبحث الأول: مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية وتبدأ بالحروب الصليبية, ثم الاستشراق، ثم التبشير. أولًا: الحروب الصليبية لسنا نكتب تاريخًا, ولكننا نستخلص عبرًا من الحقائق التاريخية المسلَّم بها, فمن هذه الحقائق أن الغرب جرد حملاتٍ غزت الشرق الإسلاميّ باسم الصليب وتحت رايته، وكان رجال الكنيسة في أوروبا يدفعون الملوك والشعوب إلى هذه الحروب١، فاتخذت بذلك طابعًا دينيًّا شكلًا وموضوعًا، وكان تفرق المسلمين إلى دويلاتٍ, وضعف دولتهم, مشجعًا لهم على ذلك الغزو, وليس صحيحًا ما يحاول بعض الكتاب العرب تصويره, من أنها كانت مجرد حملات استعمارية

стр. 13

باحثةً عن المصالح الاقتصادية, نعم.. قد يكون الاستعمار والاستغلال الاقتصاديّ من أهدافها، لكنه بالتأكيد ليس الهدف الأول الرئيسيّ، أنما كان هذا هدفًا دينيًّا, ولم تكن حماسة رجال الدين المسيحيّ, ولا مشاركتهم في هذه الحملات عفوًا ولا لغوًا، ولكنه كان قصدًا إلى الانتقام من غزو الإسلام لقلب أوربا، حتى صار البحر الأبيض المتوسط بحيرةً إسلامية خالصةً، وحتى بلغ المسلمون جنوب فرنسا, ثم قصدًا بعد الانتقام إلى إدخال المسلمين في المسيحية ذاتها، وهو ما ستفسره المرحلة التالية لهذه الحروب, والأمر أن يفسرهما قول الله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ١ وقوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ ٢ وقد يكون صحيحًا ما أشار إليه كاتب أمريكيّ٣، من أن اليهود كانوا وراء الحروب الصليبية, قصدًا إلى أضعاف العالمين المسيحيّ والإسلاميّ -كما أشار، ثم تحقيقها لمزيد من الكسب والربا أثناء تلك الحروب. لكن لو لم يحركهم اليهود لتحركوا كذلك, فإن ما بدا منهم في تلك الحروب يَنُمُّ عن حقد دفين، وما تخفي صدورهم أكبر. العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام: ولئن كانت الدولة الإسلامية في ذلك الحين مفككة الأوصال, فلقد جعل الله من معجزات دينه بعد القرآن, هذه الأمة, فلقد حوَّلها القرآن بحقٍّ خير أمة أخرجت للناس، حتى صح ماقيل من أن العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام, أخذًا من قول الرسول ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ثم استمدادًا من أحداث التاريخ التي ظلت معها الأمة الإسلامية صامدة شامخة برغم ما وُجِّهَ إلى صدرها وقلبها من سهام وحراب!. انتفضت الأمة لمَّا رأت الصليب فوق رءوس أعدائها, انتفضت تحارب أعداء الله وأعداءها بكل سبيل، واسترخصت الدم والروح في سبيل الله, وتعجلت لقاء الله وجنته, فأعطاها الله الحسنيين: النصر والجنة, وارتدت حملات الصليب على أعقابها خاسرة بعد

стр. 14

معارك طاحنة استمرت قرنين كاملين, وفي قصص التاريخ لبطولات المسلمين في هذه الحروب وتفننهم فيها, ما يحتاج إلى أن يكتب بأحرفٍ من نور. وبرز نور الدين الشهيد محمود بن زنكي التركي, ثم برز صلاح الدين الأيوبي الكرديّ, وغيرهما ممن قادوا جماهير الأمة إلى النصر؛ لتثبت عالميّة هذه الدعوة, فلا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ إلا بالتقوى, وجاهد جماهير من التركستان الحبيبة -التي ترزح تحت الالحاد الشيوعيّ المجرم- وحرروا أرض الإسلام من جحافل الصليبية الحاقدة, بينما لم يجد هؤلاء من يقف إلى جوارهم يوم أعدمت روسيا منهم ثلاثة ملايين !. وأيقن الغرب المسيحيّ أنه مهما ضعفت دولة الإسلام, فإنه لن يستطيع النَّيْلَ منها ومن أمتها حتى ينال أولّا عقيدتها وفكرها. وكانت المرحلة الثانية: مرحلة الاستشراق والتبشير.

стр. 15

ثانيًا: الاستشراق وقبل أن يظهر التبشير كبديل عن الحروب لتحطيم عقيدة المسلمين وفكرهم, نشير إلى أن الحروب الصليبية أنتجت كذلك إنتاجًا فكريًّا, هو الاستشراق؛ إذ نفر قوم من الغربيين يدفعهم التعصب الصليبيّ إلى الكتابة عن الإسلام, فأفقدهم التعصب أمانة العلم، وعمدوا إلى تشويه الإسلام من عدة نواح: - فرددوا أن القرآن من وضع محمد ﵊، وأن سذاجة الصحابة وإيمانهم دفعهم إلى نقله على أنه من عند الله. - وخلطوا في مصادر الأحكام الإسلامية بين المصادر الإلهية: القرآن والسنة, وبين الاجتهاد, ونظروا إلى الجميع على أنها من صنع البشر, فسووا بينها في المنزلة! - ودعوا إلى التصرف الإسلاميّ لما يؤدي إليه في أكثر الأحيان من صرف أصحابه عن الجهاد, وهو أكثر ما يثير الصليبيين ويفزعهم. راجع "الصوفية في الإسلام" للمستشرق نيلكسون ص٧، ٨.

стр. 16

وقد بدأ الاستشراق في الأندلس -أسبانيا- في القرن السابع الهجري، حين اشتدت حملة الصليبيين الأسبان على المسلمين, فدعا "الفونس" ملك قشتالة, ميشيل سكوت؛ ليقوم بالبحث في علوم المسلمين وحضارتهم، فجمع سكوت طائفةً من الرهبان في بعض الأديرة بالقرب من مدينة طليطلة, وشرعوا يترجمون بعض الكتب من اللغة العربية إلى لغات الفرنجة, ثم قدمها سكوت لملك صقيلة الذي أمر باستنساخ نسخ منها, وبعث بها هديةً إلى جامعة باريس. وكذلك قام رئيس أساقفة طليطلة "ريمون لول" بنشاط كبير في الترجمة، ومع الزمن, توسع الأوربيون بالنقل والترجمة في مختلف الفنون والعلوم من الهيات وطب وهندسة وفلك وغيرها، وبعد اختراع الطباعة, أنشئت في أوربا مطابع عربية لطبع عدد من الكتب التي كانت تدرس في المدارس والجامعات الأوروبية. ولم يكن عمل المستشرقين منفصلًا عن عمل المبشرين, بل كانت مهمة كل من الطائفتين تدخل في الأخرى, وكان فشل الصليبيين في حملاتهم المتوالية على الشرق الإسلاميّ دافعًا للمزيد من الاهتمام بالثقافة الإسلامية، وقد ظهرت أخيرًا وثيقةٌ خطيرةٌ تلقي الضوء على تحوّل الصليبيين من الغزو العسكري إلى الغزو الفكريّ، وهذه الوثيقة تتضمن وصية القديس "لويس" ملك فرنسا, وقائد الحملة الصليبية الثامنة, التي انتهت بالفشل والهزيمة ووقوع "لويس" في أسر المصريين في مدينة المنصورة، وقد بذل الملك لويس فدية عظيمة للخلاص من الأسر، وبعد أن عاد إلى فرنسا, أيقن أنه لا سبيل إلى النصر والتغلب على المسلمين عن طريق القوة الحربية؛ لأن تدينهم بالإسلام يدفعهم للمقاومة والجهاد وبذل النفس في سبيل الله؛ لحماية ديار الإسلام وصون الحرمات والأعراض به, والمسلمون قادرون دومًا للانطلاق من عقيدتهم إلى الجهاد ودحر الغزاة، وأنه لابد من سبيلٍ آخر، وهو تحويل التفكير الإسلاميّ وترويض المسلمين عن طريق الغزو الفكريّ, بأن يقوم العلماء الأوربيون بدراسة الحضارة الإسلامية، وهكذا تحولت المعركة من ميدان السلاح إلى معركة في ميدان العقيدة والفكر, بهدف تزييف عقيدة المسلمين الراسخة التي تحمل طابع الجهاد, وتدفع المؤمنين إلى الاستشهاد. وقد سار الأوربيون في طريق تنفيذ وصية القديس "لويس" في

стр. 17

تزييف العقيدة الإسلامية, وامتصاص ما فيها من قوة وجهاد وإيمان عن طريق التفرقة بين العقيدة والشريعة، وتصوير الإسلام بصورة الدين الذي يبذل غاية همه في العبادة كالمسيحية، إلى أن وصلوا إلى الفصل بين الدين والدولة، وفقد المسلمون ذلك السر الخطير الكامن في أصالة عقديتهم وجوهر دينهم١. ويرى كثير من الباحثين أن الاستشراق تولد من الاستعمار والتبشير. فالاستعمال: يرى في المفهوم الإسلاميّ السليم ما يعطي المجتمع الإسلاميّ قوةً تحول بينه وبين سيطرة الاستعمار، فعمل المستشرقون على تقويض العقيدة الإسلامية، وإحلال مفاهيم تحل الصداقة بين الدولة الغالبة والمغلوبة محلها، تحت اسم: الحضارة، أو العالمية، أو وحدة الثقافة والفكر البشريّ. وأما التبشير: فإنه يستهدف الحيلولة دون توسيع الإسلام وانتشاره، وعدم منافسته للمسيحية في البلاد التي تحاول القيام بالتبشير ونشر المسيحية فيها. والخطر الأكبر في نظر المبشرين هو في وصول مفاهيم الإسلام الصحيحة إلى عالم الغرب نفسه، ومما يذكر: أن المسلمين لما فتحوا مدينة القسطنطينية -عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، وفيها مركز البابوية للكنائس الشرقية- هبَّ رجال الكنيسة, وقد هالهم الخطب العظيم، فأخذوا في الافتراء والتشنيع على الإسلام, وتشويه أحكامه الإلهية العادلة، وكان الدافع لهم في هذه الحملة الحيلولة بين رعاياهم الذين أقبلوا على الدخول في دين الله أفواجًا؛ ليصدوهم عن الإسلام الذي يبيح تعدد الزوجات والطلاق. وجاءت الصهيونية فدخلت ميدان الاستشراق؛ لتحول دون اجتماع المسلمين في وحدة تقاوم اليهودية العالمية، وتواجه دولة اليهود الباغية -اسرائيل، والمستشرقون اليهود يعملون في هذا المجال.

стр. 18

تطور الاستشراق: وفي مطلع القرن الثالث عشر الهجري -أواخر القرن الثامن عشر الميلادي- عمد المستشرقون إلى تغيير أساليبهم, وأرادوا أن يظهروا بمظهر جديد, هوما زعموا من تحرير الاستشراق من الأغراض التبشيرية، والاتجاه به وجهة البحث العلميّ البحت, فأنشئت كليات لتدريس اللغات الشرقية في عواصم أوربا؛ مثل: لندن وباريس وليدن وبرلين وبطرسبرج وغيرها، وظهرت فيها أقسام خاصة لدراسة اللغة العربية, وبعض اللغات الإسلامية؛ كالفارسية والتركية والأردية, وكان الغرض منها تزويد السلطات الاستعمارية بخبراء في الشئون الإسلامية، ثم أخذ الطلاب المسلمون يؤمون هذه الكليات الأوربية للدراسة فيها، وبذلك تأثر الفكر الإسلاميّ بما يلقيه المستشرقون في أذهان هؤلاء المبعوثين من أبناء المسلمين, ثم تسلل المستشرقون إلى الدوائر العلمية, والجامعات في الدول الإسلامية، بل إلى المجامع العلمية في القاهرة ودمشق وبغداد، وقامت المؤسسات الدينية والسياسية والاقتصادية في الغرب بما كان يقوم به الملوك في الماضي؛ من الأغداق على المستشرقين، وتقديم المنح والمعونات لهم. وقد أنشأت الدول الاستعمارية عدة مؤسسات في البلاد الإسلامية التي خضعت لنفوذها, لخدمة الاستشراق ظاهريًّا، وكان هدفها الحقيقيّ خدمة الاستعمار والتبشير الكاثوليكيّ والبورتستانتي، من هذه المؤسسات في مصر: المعهد الشرقي بدير الدومينيكان، والمعهد الفرنسي، وندوة الكتاب، ودار السلام، والجامعة الأمريكية، وفي لبنان: جامعة القديس يوسف -وهي جامعة بابوية كاثوليكية, وتعرف الآن بالجامعة اليسوعية, والجامعة الأمريكية ببيروت، وكانت تسمى من قبل: الكلية السورية الإنجيلية, وهي بروتستنتية، وفي سورية: مدارس اللاييك، والفرير، ودار السلام، وغيرها, وهكذا في كل الأقطار الإسلامية.. أهداف المستشرقين: أولًا: الحيلولة بين الشعوب النصرانية وبين الإسلام، فقد عمل المستشرقون على تشويه الإسلام وحجب محاسنه؛ لاقناع قومهم بعدم صلاحيته لهم نظام حياة، ولعل هذا هو أخطر الجوانب التي قام لأجلها

стр. 19

الاستشراق والتبشير, وذلك في أعقاب الحروب الصليبية, وعودة المحاربين إلى أوربا، يحملون صورة مشرقة لمعاملات المسلمين لهم, وسماحة الإسلام، وقد عمد رجال الكنيسة إلى إخراس الألسنة المنصفة، وحاولوا ترجمة القرآن لتزييف مفاهيمه وانتقاصها. وقد استغل الاستشراق كراهية الأوربيين للإسلام بعد التوسع العثمانيّ في أوربا, وما صحبه من تعصب وحروب استمرت عدة قرون، فعمل المستشرقون على تعميق الكراهية والأحقاد في نفوس الأوربيين, وتغذيتها بالشبهات والأباطيل, بهدف حجب الإسلام عن أوربا, والحيلولة دون نفاذه إليها. ثانيًا: تأييد الغزو الاستعماريّ لبلاد المسلمين, والعمل لتحطيم المقاومة الإسلامية، بتأويل الجهاد, وصرف أنظار المسلمين إلى الدعة, والقعود عن الجهاد في سبيل الله, ومدافعة الغزاة بالاشتغال بالعبادة والزهد, وتسميتها بالجهاد الأكبر, وتحطيم وحدة المسلمين, وتمزيق الدول الإسلامية، وعزل الشريعة الإسلامية عن التطبيق في المجتمع الإسلاميّ, وإحلال الأنظمة القانونية والاقتصادية والسياسية والتربوية لتحلَّ محلَّ الإسلام بالقوة. ثالثًا: فصل المسلمين عن جذورهم الثابتة الأصيلة، بتشويه تلك الأصول، وعزلها عن مصادرها، وهدم المقوّمات الأساسية للكيان الفرديّ والاجتماعيّ والنفسيّ, أمام الاستعمار وثقافته وفكره، والتأثير في نفوس المسلمين, وزحزحة عقائدهم بما يفتح للتبشير المسيحيّ طريقًا إلى تحويل بعض ضعاف العقيدة إلى ملاحدة وأتباع١. والخلاصة: فقد كان المستشرقون طلائع للمبشرين, يمهدون السبيل أمامهم؛ لتشكيك المسلمين في عقائدهم، ويفتحون أمام دعاة النصرانية السبيل للطعن في الإسلام ونبيه ﷺ بأنواعٍ شتَّى من الشعوذة العلمية, باسم البحث والاستنتاج التحليليّ. تلاميذ المستشرقين: وتبدو خطورة الاستشراق في آثاره الخطيرة التي يفرضها المستشرقون على مناهج التعليم والثقافة والفكر في العالم الإسلاميّ،

стр. 20

وقد حرص المستشرقون على كسب الأنصار, واستخدام الأتباع؛ لترديد مفترياتهم على الإسلام، وافتعال معارك حول عقائده وآدابه ومختلف أحكامه؛ لتعميق المفاهيم التي يريدون فرضها وترسيخها في الأذهان، وتوسيع دائرة الانتقال بها. ولقد كان طه حسين في مقدمة الذين أعلنوا الاعجاب والتقدير لمناهج المستشرقين، ويعتبر حامل لواء الدفاع عنهم وعن أهوائهم, وكثيرًا ما يقول: "أن هذه الحقيقة, أو تلك في تاريخ المسلمين, أو فكرهم, مما لا يرضى بها الاستشراق" وهذا أسلوب لا يقوم عليه إلّا واحدٌ من أهل التبعية، حتى قال بعضهم: أن طه حسين ليس إلّا مستشرقًا من أصل عربيٍّ, وقد كانت أمانته للفكر الغربيّ ولمذاهب الاستشراق تفوق أمانة المستشرقين أنفسهم، وهكذا كان متابعًا لهم، مقتنعًا بها يقولون إلى أبعد حدود الاقتناع، حتى في تلك المسائل الخطيرة، كقولهم ببشرية الرسول، وبشرية القرآن، وكانت كتاباته توحي بذلك, وإن لم يعلنه جهارًا، بعد أن صودر كتابه "في الشعر الجاهلي". وأعجب ما في طه حسين ولاؤه الشديد لانطواء المسلمين تحت لواء الغرب، وانصهار الإسلام في بوتقة الأممية، والمسيحية واليهودية والغرب جميعًا, فهو لا يرى للعرب والمسلمين سبيلًا للنهضة إلّا في هذا الأنصهار, وهذا الاحتواء والذوبان، وقد صرّح بذلك في كتبه, وخاصَّةً ما أورده في كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" فهو يرى أن العرب قومٌ مستعمرين؛ كالرومان والفرس. ويظهر اتجاه طه حسين في حرصه على نشر الكتب التي تثير الشبهات, وفي مقدمتها "رسائل إخوان الصفاء" وتجديد طبع "ألف ليلة وليلة"، وعنايته بدراسة سير المجان من الشعراء في كتابه "حديث الأربعاء" وهو ثلاثة مجلدات, وقد خرج من دراستهم بشبهة مسمومة هي قوله: "إن القرن الثاني للهجرة كان عصر شكٍّ ومجون"، وقد اعتمد في بحثه على مصادر أساتذته من المستشرقين اليهود، وعلى "أنساب الأشراف" الذي طبع في الجامعة العبرية في القدس -التي تحتلها إسرائيل- وجارى مستشرقي اليهود في إنكار شخصية عبد الله بن سبأ -ابن السوداء، وفي الشك بوجود

стр. 21

إبراهيم وإسماعيل, وأعلن أنه يشك في وجودهما بالرغم من الإشارة إليهما في التوراة والقرآن١. ومثل طه حسين في هذه التبعية للمستشرقين: سلامه موسى، وحسين فوزي، وزكي نجيب محمود، ومحمود عزمي، وعلى عبد الرازق, وغيرهم. وقد لقحت مناهج المستشرقين في البحث والنقد العلميِّ قرائح كثير من تلاميذ المستشرقين؛ فنهجوا نهجهم, وأخذوا طريقهم فيما حاولوا من دراسات، وخاصةً في مجال الجامعة والثقافة والصحافة، وحملوا نفس الروح التي يحملها أساتذتهم في خصومة الإسلام، وكانوا أشد قسوةً على أهليهم من الغربيين٢. آثار الاستشراق: ١- كان الاستشراق وراء كل شبهة أو دعوة خطيرة أحدثت تحولًا في المجتمع الإسلاميّ في العصر الحديث، فقد كان المستشرقون يلقون الشبهة أو الدعوة, ثم يتبعهم الكتاب والمفكرون الذين يكتبون باللغة العربية من أهل التبعية والتغريب والشعوبية, هذا واضح في الدعوة إلى العامية التي بدأها ولكوكس وويلمور وغيرهما, ثم تابعهما سلامة موسى, وأحمد لطفي السيد، في الدعوة إلى الإقليميات والقوميات الضيقة؛ كالفينيقية والفرعونية، بدأها فمبري وكرومر, وتابعهما طه حيسن ولطفي السيد وغيرهما. ٢- يعمل المستشرقون على إخضاع النصوص للفكرة التي يفرضونها حسب أهوائهم، والتحكم فيما يرفضونه أو يقبلونه من النصوص، وكثيرًا ما يحرفون النَّصَّ تحريفًا مقصودًا، ويقعون في سوء الفهم -وعن عمدٍ أحيانًا- في معنى النَّصِّ, حين لا يجدون مجالًا للتحريف. ٣- يتحكم المستشرقون في المصادر التي يختارونها، فهم ينقلون من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ الحديث النبويّ, ومن كتب

стр. 22

التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه، ويصححون ما ينقهل الدميري في كتابه "الحيوان" ويكذبون ما يرويه الإمام مالك في "الموطأ".. ٤- يجمع المستشرقون الشبهات المختلفة, ويؤلفون بينها؛ لاعطائها صورةً كاملة، مثال ذلك: ما قام به المستشرق الألمانيّ ولهلم هور نباخ -الأستاذ في جامعة بون بألمانيا- من جمع قطع ونتف وشذرات من كتاب "الإصابة" للحافظ ابن حجر، ثم ينشرها على أنها كتاب "الردة" لابن حجر, الذي ألفه أبو زيد بن الفرات, المتوفى عام ٢٣٧هـ, وهو فارسيّ الأصل، وقد ضاع هذا الكتاب، فأشار ابن حجر إليه في بعض المواضع، فما كان من المستشرق ولهلم إلّا أن جمع هذه القطع على أنها تراجم لأشخاصٍ ارتدوا عن الإسلام، ولا يقوم بمثل هذا العمل إلّا مغرضٌ صاحب هوًى؛ لأنه يخالف البحث العلميّ السليم. وشبيه بهذا ما أورده المستشرقون من الزعم بأن العرب كانوا قبل البعثة النبوية على حضارة ونهضة، وأن دور النبيّ ﷺ لم يزد على أنه نهض بهم فنهضوا, مع أن الحقيقة الواضحة أن العرب في جاهليتهم كانوا قبائل متفرقة متصارعة، وأن الإسلام هو الذي وحَّدَهم في أمة واحدة، ودفعهم إلى آفاق النهوض والتوسع: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُم﴾ ١، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ ٢. ٥- وقد حرص المستشرقون على التنويه بشأن "القرامطة" وإظهارهم بمظهر طلاب العدل والإصلاح، وهم الذين عجزوا عن أن يحققوا أيّ منهج يمكن أن يوصفوا به على أنهم دعاة حقٍّ حين أمتلكوا زمام الحكم في القرن الرابع الهجري، بل انكشف باطلهم وزيفهم، وظهرت حقيقتهم, صنائع لليهود انقضوا على الدولة الإسلامية بالتآمر والتعاون مع أعداء المسلمين وخصومهم. ٦- وعمل المستشرقون على إحياء التراث الباطنيّ المجوسيّ

стр. 23

والغنوص القديم, مستهدفين تحطيم أصالة الفكر الإسلاميّ، ويبدو هذا واضحًا في تركيزهم على إحياء كل المخطوطات التي تحمل هذه السموم، وخاصةً ما يتصل بالإلحاد والإباحية، وما يتصل بوحدة الوجود, والحلول والاتحاد، والمجون, أمثال: شعر بشار بن برد، وأبي نواس، وكتب الحلّاج وابن عربي، وابن سبعين، وكتب غلاة الرافضة والإسماعلية والفاطميين. ٧- ولا ريب أن أخطر آثار الاستشراق هو اعتبار كتب المستشرقين وبحوثهم مراجع أساسية في التاريخ واللغة والسيرة والفقه والعقائد وغير ذلك، وخاصةً في الجامعات والمعاهد العالية, أو في دراسات المبعوثين إلى الجامعات الغربية في أوربا وأمريكا، الذين يقعون دائمًا تحت سيطرة الاستشراق والأساتذة اليهود والنصارى المتعصبين، ثم يعودون إلى بلادهم فيحتلون مناصب التوجيه الثقافيّ والتعليميّ، ويفرضون ما تلقوه من الغرب من سموم باسم التجديد وحرية البحث. وقد عملوا على نشر الموسوعات -دوائر المعارف- والقواميس؛ لتكون مراجع سهلة للباحثين، وملؤوها بالسموم والشبهات مثل: دائرة المعارف الإسلامية. المنجد في اللغة والعلوم والآداب. الموسوعة العربية الميسرة. لهذا ينبغي على من يود الرجوع إلى هذه المصادر, أن يكون على حذرٍ تامٍّ، وأن يتنبه لما بين سطورها من مغالطات, أو تشويه, أو تحريف في النقل، على أن روح مؤلفيها في الحقد على الإسلام لا يخفى على المطالع الحصيف.

стр. 24

نماذج من أبحاث المستشرقين: ١- يتابع يوسف شاخت أستاذه جولد تسيهر -وهما مستشرقان يهوديان- في الغض من شأن الشريعة الإسلامية، ويحاول الادعاء بأن الشريعة الإسلامية لا تختلف عن أعراف الجاهلية، وهو ادعاءٌ باطلٌ تصدى له كثيرٌ من الباحثين. ومن أكاذيب شخت وأضاليله: الادعاء بأن للفكر الإغريقيّ فضلًا على الفكر الإسلاميّ، وقد أثبت علماء الغرب أنفسهم مثل: سيديو، درابر، وسارطون, وغيرهم, أن الإسلام هو الذي أدخل إلى الغرب المنهج العلميّ التجريبيّ، وأن الحضارة العالمية المعاصرة مدينةٌ للمسلمين بهذا النهج الذي هو أساس الحضارة الإسلامية. ٢- أنكر برتلو أن تكون الكتب الكيمالية اللاتينية التي تحمل اسم جابر بن حيان, هي كتب عربية الأصل, كتبها عالم مسلم؛ لمجرد أن أصولها العربية فقدت، وقد تصدّى لبرتلو علماء راسخون ردوا عليه خطأه، بل اتهمه بعضهعم بالجهل والتحيز، وقال سارطون: إن أي شخص يعرف العربية لا يخطئ مطلقًا في اكتشاف أن هذه الكتب اللاتينية ترجمات لكتب عربية؛ إذ تبدو الأساليب العربية واضحةً من الترجمة اللاتينية، سواءً كانت لجابر أو لغيره. ٣- ويزعم سدرسكي أن جانبًا مما ورد في القرآن أو التفاسير, والسير من الأخبار, يرجع إلى الإجادة اليهودية والتوراة والأناجيل, وقد بيّن الدكتور بشر فارس, فساد هذا الرأي, وقال: إن بين النصوص الاسلامية والنصوص اليهودية والمسيحية مسافات، وإن اتفق بعضها أو تقارب. ٤- وحاول نلينو أن ينفي حقيقة أن قريشًا كانت أفصح العرب, وله في ذلك مغالطات واسعةٌ ترمي إلى التشكيك في هذه الحقيقة، ويقول: إن تفضيل لغة قريش لم يكن مصدره سوى حب العرب للرسول. ٥- وزعم لويس شيخو اليسوعي, أن معظم شعراء الجاهلية وصدر الإسلام, كانوا نصارى، وأن الغسانيين كانوا نصارى، وهو قولٌ لا يُسَلِّمُ به المطلعون على أخبار العرب في عهد الجاهلية؛ لأن من الغساسنة مَنْ كان على الوثنية, ومنهم من دان باليهودية، وطائفة كانت

стр. 25

تدين بالنصرانية، وممن عدّهم نصارى من الشعراء, الأخنس بن شهاب, وامرؤ القيس، وأمية بن أبي الصلت, والسموأل. وهكذا جرت بحوث المستشرقين وراء بثِّ الشبهات حول القرآن الكريم ولغته, والحديث الشريف والتشريع الإسلاميّ, ولا يتسع المقام للتوسع في ضرب الإمثال١. المستشرقون المعتدلون: لا نكران أن طائفةً من المستشرقين اتسموا بالاعتدال والإنصاف، على تفاوتٍ فيما بينهم، فمنهم من أخطأ وأصاب, ومنهم من انتهى به البحث الحرِّ النزيه إلى الإيمان والإسلام، ويعتبر من الفريق الأول: "رينان" الذي انتهى به بحثه عن المسيح ﵇ إلى إثبات أنه لم يكن إلهًا, ولا ابن إله، وإنما هو إنسانٌ يمتاز بالخلق السامي والروح الكريمة، وأن السير العربية للنبيّ محمد ﷺ كسيرة ابن هشام, لها ميزةٌ تاريخيةٌ أكبر من الأناجيل المتداولة بين النصارى. ومنهم: "كارلايل" الذي عَدَّ محمدًا ﷺ في الأبطال, وخَصَّهُ بصفحات كثيرة من كتابه "الأبطال" يقول فيه: "من العار أن يصغي أيّ إنسان متمدين من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين: أن دين الإسلام كذب، وأن محمدًا لم يكن على حقٍّ، فالرسالة التي دعا إليها هذا النبيّ ظلت سراجًا منيرًا أربعة عشر قرنًا من الزمان, لملايين كثيرة من الناس، وما الرسالة التي أداها محمد ﷺ إلّا الصدق والحق، وما كلمته إلّا صوت حقٍّ صادقٍ صادرٍ من العالم المجهول، وما هو إلّا شبهات أضاء العالم أجمع، ذلك أمر الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ومنهم: "تولستون" أكبر كتاب روسيا، فإنه لما رأى الحملة الظالمة على الإسلام ورسوله, كتب رأيه معربًا عن الإعجاب بالإسلام، وتحدَّث عن المسيحية، فأنكر على المسيحيين اعتقادهم بألوهية المسيح، وخلص إلى أن بولس لم يفهم تعليم المسيح, بل طمسها، والكنيسة زادت تعاليم المسيح في العقيدة غموضًا, ويقول: أن المسيحيين

стр. 26

واليهودية والمسلمين يعتقد جميعهم بالوحي الإلهيّ، فالمسلمون يعتقدون نبوة موسى وعيسى, ولكنهم يعتقدون كما اعتقد بأنه دخل التحريف والتشويه على كتب الديانتين، وهم يعتقدون بأن محمدًا خاتم الأنبياء، وأنه أوضح في القرآن تعاليم موسى وعيسى, كما قالاها دون زيادة ولا نقص, وينتهي بالحديث عن رسول الله ﷺ حديث الإكبار والتعظيم، وكان مما قاله تولستوي: "لا ريب أن هذا النبيّ من كبار الرجال المصلحين, الذين خدموا الهيئة الاجتماعية خدمةً جليلةً، ويكفيه فخرًا أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسلام، وتكف عن سفك الدماء، وتقديم الضحايا، ويكفيه فخرًا أنه فتح طريق الرقيّ والتقدم، وهذا عملٌ عظيمٌ لا يفوز به إلّا شخص أولي قوة وحكمة وعلمًا، ورجل مثله جدير بالاحترام والإجلال"، وقد كان جزاؤه على كلمة الحق التي قالها أن حرمه البابا من الرحمة١. ومن المستشرقين الذين انتهى بهم البحث عن الحقِّ إلى الإسلام: اللورد هيدلي، واتيين دينيه -ناصر الدين- والشاعر الألماني الكبير: جوتيه، والدكتور جرينييه, الذي كان عضوًا في مجلس النواب الفرنسيّ، وقد سئل عن سبب إسلامه فقال: "إني تتبعت كل الآيات القرآنية التي لها ارتباط بالعلوم الطبية والصحية والطبيعية, والتي درستها من صغري، وأعلمها جيدًا، فوجدت هذه الآيات منطبقة كل الانطباق على معارفنا الحديثة، فأسلمت لأني تيقنت أن محمدًا ﷺ أتى بالحق الصراح, من قبل ألف سنة، من قبل أن يكون له معلم, أو مدرس من البشر، ولو أن كل صاحب فن من الفنون، أو علم من العلوم قارن كل الآيات القرآنية المرتبطة بما تعلم جيدًا, كما قارنت أيضًا، لأسلم بلا شكٍّ, إن كان عاقلًا خاليًا من الأغراض"٢. وصدق الله العظيم ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق﴾ ٣.

стр. 27

ثالثًا: التبشير أيقن أعداء الإسلام أنه لا سبيل إليه وعقيدته حيَّةً في قلوب المسلمين, فكان بداية التبشير مع نهاية الحروب الصليبية فشلًا في مهمتها, وهو ما يصرح به "ملخص تاريخ التبشير"١. ويقول القسيس المبشر زويمر: "أن جزيرة العرب التي هي مهد الإسلام, لم تزل نذير خطر للمسيحية٢" ويكمل وليم جيفورد بالكراف المعنى فيقول: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربيّ يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلّا محمد وكتابه٣. واتخذ التبشير لدعوة المسلمين أساليب عديدة, أظهرها لنا: أ- المدارس المختلفة فتحت في أرجاء العالم الإسلاميّ، ولم تنج منها حتى عاصمة الخلافة الإسلامية نفسها٤ وباشرت تلك المدارس التأثير على الطفولة البريئة والشبيبة الغضة من أبناء المسلمين, وكانت لها نتائج إيجابية محدودة, لكنها أن لم تمح في

стр. 28

المجموع عقائد التلاميذ, فيكفي أنها بذرت فيها بذور الشك أو الانحراف١ ولا تزال من آثار تلك المدارس الجامعة الأمريكية في مصر، والجامعة الأمريكية في بيروت, الأمر الذ ي لا ينكره رجالات الغرب أنفسهم. ويلحق بهذه الوسيلة تغريب التعليم, أو علمانيته, وهو ما فعلته انجلترا في مصر والهند, وما سوف نعرض له -بمشيئة الله- عند الكلام عن وسائل التبشير الحديثة. ب- ومن أخطر هذه الوسائل البعثات إلى الدول المسيحية الغربية, وأول مثل لأثر البعثات ما حدث لرفاعة الطهطاوي الذي أقام في باريس من سنة ١٢٤٢هـ -١٨٢٦م, إلى سنة ١٢٤٧هـ- ١٨٣١م, فقد عاد ذلك الشيخ بغير العقل الذي ذهب به. - اختلت موازين الشيخ, فعاد يتحدث عن الرقص الذي رآه في باريس, بأنه نوع من العياقة والشلبنة, أي: الأناقة والفتوة, لا الفسق, الرقص وتلاصق الأجساد ليس فسقًا. ورسول الله ﷺ يقول: "لكل بني آدم حظٌّ من الزنا: فالعينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان, وزناهما البطش, والرجلان تزنيان، وزناهما المشي، والفم يزني وزناه القبل، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" ٢.. صدق رسول الله ﵊ وكذب الشيخ الطهطاوي. - وتحدَّث عن المشاعر الوطنية ليحلها محل المشاعر الدينية, وراح يثير الجاهلية القديمة؛ فيتحدث عن مصر الفرعونية, وينسى مصر الإسلامية, وأعجب الطهطاوي بالحرية, لكنه لم يفهمها الفهم الإسلاميّ الذي تحقق به عبودية المسلم لله وحده، ويتحقق تحرره من كل عبودية لسوى الله, لكنه فهمها الفهم الغربيّ الذي قد يؤدي إلى التحرر من الأخلاق ومن الدين نفسه..!

стр. 29

وقس على الشيخ رفاعة١ مَنْ ذهبوا بعده. ج- ثم تأتي سائر وسائل التبشير؛ فتح المستشفيات, وبعث الإرساليات الطبية التي يقرر كثير من المبشرين في مؤتمراتهم وكتاباتهم أنها أدت إلى نتائج أسرع وأفضل من عمل القسس التبشيرية٢. د- ثم المحاضرات والندوات, والكتب والمجلات, والصحف والنشرات.. إلخ. مؤتمرات التبشير: أما مؤتمرات التبشير فقد تعددت.. نذكر منها: ١- مؤتمر القاهرة سنة ١٣٢٤هـ-١٩٠٦م, المنعقد في منزل زعيم الثورة العرابية المسلم, في باب اللوق, تحت سمع الحكومة وبصرها! ٢- مؤتمر ادنبرج سنة ١٣٢٨هـ-١٩١٠م, في انجلترا. ٣- مؤتمر لكنؤ سنة ١٣٢٩هـ-١٩١١م, بالهند. ٤- مؤتمر القدس سنة ١٣٤٣هـ-١٩٢٤م. ٥- مؤتمر القدس سنة ١٣٥٤هـ-١٩٣٥م. ٦- مؤتمر القدس سنة ١٣٨٠هـ-١٩٦١م. وما بلغنا عنها إلّا القليل, واشهره ما نشرته مجلة "العالم الإسلاميّ".

стр. 30

ولا نعتقد أن ما ينشر هو كل ما قيل وحدث.. ومع ذلك, فإننا نشير إلى نماذج من المؤتمرين الأول والثالث, تبعًا لما بلغنا عنهما. في مؤتمر القاهرة, المنعقد في بيت الزعيم المصريّ المسلم: أحمد عرابي: تناول المؤتمر وسائل تبشير المسلمين بالنصرانية في كتاب خاصٍّ, كُتِبَ عليه نشرة خاصة؛ ليكون قاصرًا على فئة من المبشرين, وهومن إعداد القسيس الأمريكي: فليمنج. ثم تعرض المؤتمر للأزهر, فنعى أن باب التعليم مفتوح للجميع، خصوصًا وأن أوقاف الأزهر الكثيرة تساعد على التعليم فيه مجانًا١. وطالب سكرتير المؤتمر في مواجهة ذلك بإنشاء معهدٍ مسيحيٍّ لتنصير الممالك الإسلامية٢ -قيل: إن أساس تكوين الجامعة الأمريكية في مصركان تنفيذًا لتلك الوصية. ثم عرض المؤتمر لخريطة تنصير العالم الإسلاميّ في هذا العصر, وقدم القسيس زويمر -رئيس المؤتمر- بمعاونة بعض زملائه كتابًا تحت عنوان: "العالم الإسلاميّ اليوم" أشار إلى صلابة عقيدة المسلمين -وهو ما يقتضي الاشتداد في حربها- وقال ما نصه: "لم يسبق وجود عقيدة مبنية على التوحيد أعظم من عقيدة الدين الإسلاميّ الذي اقتحم قارتي آسيا وأفريقيا, وبث في مائتي مليون من البشر العقائد وشرائعه وتقاليده، وأحكم عروة ارتباطهم باللغة العربية". ثم قدَّم القسيس زويمر بعض النصائح من بينها: أ- وجوب اقناع المسلمين أن النصارى ليسوا أعداءهم. ب- وأخطرها يجب تبشير المسلمين بواسطة رسل من أنفسهم

стр. 31

ومن بين صفوفهم؛ لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها. وأخيرًا بَشَّرَ المبشرين ألَّا يقنطوا؛ إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوربيين, وإلى تحرير النساء١. وفي مؤتمر لكنؤ في الهند سنة ١٣٢٩هـ "١٩١١م": كانت مواده كثيرةً, أخطرها: - النظر في حركة الجامعة الإسلامية, ومقاصدها, وطرقها, والتأليف بينها وبين تنصير المسلمين. - الارتقاء الاجتماعيّ والنفسيّ بين النساء المسلمات -يلاحظ اختيار الألفاظ المهذبة لتغطية المعنى المقصود, فإن المبشرين المسيحيين لا يهمهم في شيءٍ ارتقاء النساء المسلمات. وكان أخطرها حديث زويمر, أشار إلى أن عبد الحميد -خليفة المسلمين- سجين في سلانيك, أشار إلى أنه لم يبق غير ٨٠٠ و٢٧.١٢٨ مسلمًا تحت سلطة الحكومات الإسلامية, وانتقلت السلطة على الباقين من الخلافة الإسلامية إلى أيدي كلٍّ من انجلترا وفرنسا وروسيا وهولندا, أشار إل أن عدد المسلمين الذي تحت سلطة الدول النصرانية سيزداد كثيرًا عقب انقلابات قريبة الحصول؟؟ وكان من بين قرارات المؤتمر: "من الضروريّ العاجل, تأسيس مدرسة في مصر خاصة بالتبشير". "دخول النساء في أعمال التبشير؛ لتنصير النساء المسلمات وأولادهن"٢. وهم الآن لا يدعون المسلمين إلى المسيحية, بل يحاولون تشويه الإسلام, وإضعاف قيمه٣.

стр. 32

رابعًا: تقطيع أوصال دولة الخلافة بغرم كل ما أحدثه التبشير من تخريب, لم يتخلَّ الغرب المسيحيّ عن العنف تأييدًا لهذا التخريب العقلي والقلبي, بالسند العسكريّ والسياسيّ، وإسهامًا بهذه الوسيلة في تحقيق نفس الغاية. واتفقت الدولتان العظيمتان في ذلك الحين على تقطيع أوصال دولة الخلافة وتوزيع الأسلاب بينهما.. ففي منتصف القرن التاسع عشر سنة ١٢٧٤هـ-١٨٥٧م, تم استيلاء انجلترا على الهند, وانتقلت السلطة من شركة الهند الشرقية إلى التاج البريطاني، وزالت بذلك إحدى الدول الإسلامية الكبرى التي قامت في مستهلِّ القرن السادس عشر -دولة المغول في الهند, أو الدولة التيمورية نسبة إلى مؤسسها تيمورلنك. وفي نفس السنة, كانت جيوش فرنسا تستكمل احتلال صحراء الإسلام الغربية التي بدأت باحتلال الجزائر سنة ١٢٤٦هـ-١٨٣٠م. وبعد ذلك بقليل كان اقتطاع انجلترا لدرةٍ من دور الخلافة, كان احتلال مصر المسلمة سنة ١٣٠٠هـ -١٨٨٢م. ثم كان اقتطاع سورية ولبنان, واحتلال فرنسا لهما بعد الحرب العالمية الأولى, سنة ١٣٢٨هـ -١٩٢٠م, ومع بوارج القتال كانت بارجة تحمل "مومسات" ولما سُئِلَ القائد في دهشة, أجاب إجابة العالم ببواطن الأمور: إن تلك البوارج قد يزول أثرها, أما هذه البارجة, فإن أثرها لن يزول. وقبل ذلك كانت جيوش إيطاليا تخترق البحر تجاه أراضي ليبيا, ترفع نشيدًا فاشستيا مجرمًا, يندد بالقرآن, ويهزأ بالإسلام, ويتوعد أمته بالسحق والفناء, جاء فيه: يا أماه! أتمي صلاتك ولا تبكي, بل اضحكى وتأملي, ألا تعلمين أن إيطاليا تدعوني وأنا ذاهب إلى طرابلس فرحًا مسرورًا لأبذل دمي لسحق الأمة الملعونة, ولأحارب الديانة الإسلامية التي تجيز البنات الأبكار للسلطان, سأقاتل بكل

стр. 33

قوتي لأمحو القرآن١. وهكذا انتقل تصور المسألة الشرقية من كيف يؤقف الغرب زحف دولة الإسلام إلى داخله, إلى كيف يقطع الغرب أوصال دولة الخلافة الإسلامية, يوزعها فيما بينه, ثم يجهز على الرجل المريض. ويأتي بعد ذلك, واستكمالًا للمخطط الأثيم, القضاء على الخلافة نفسها, وقد نفذوا فيها توصية أحد مؤتمراتهم, ألَّا يقطع الشجرة إلّا أحد أعضائها, لكن القضاء على الخلافة سبقته بعض الخطوات؛ أهمها: فصل الدين عن الدولة, وهو موضوع المبحث الثاني من هذا الفصل.

стр. 34

المبحث الثاني: مرحلة إسقاط الخلافة الإسلامية أولا: فصل الدين عن الدولة ... المبحث الثاني: مرحلة إسقاط الخلافة الإسلامية لابد أن تسقط الخلافة الإسلامية قبل أن تقوم دولة إسرائيل. ذلك ما تنبأ به نيلوس بعد أن اطلع على بروتوكولات حكماء صهيون, وذلك منذ سنة ١٣١٩هـ -١٩٠١م١ وذلك يؤكده طلب "قرصو" زعيم اليهود في سالونيك, إلى السلطان عبد الحميد, إعطاء فلسطين لهم ليتخذوها وطنًا قوميًّا، فلما رفض الخليفة توعده الزعيم اليهوديّ٢ وكان من بين من سلمه قرار العزل بعد ذلك اثنان من زعماء اليهود٣. ولابد أن يقطع الشجرة أحد أعضائها كما أوصى بذلك أحد مؤتمرات التبشير, لكن قبل أن تقطع الشجرة التي أظلت بلاد الإسلام منذ عهد النبوة, وقبل أن يقضى على البطل الإسلاميّ السلطان عبد الحميد, كان ثمة تمهيد, كان بث فكرة فصل الدين عن الدولة. أولًا: فصل الدين عن الدولة أشار الكاتب الأمريكي "وليام غاي كار"٤ إلى أن فكرة فصل الدين عن الدولة, كانت من عمل اليهود، وبصرف النظر عما قاله "وليام غاي كار" فإن الواضح في الشرق الإسلاميّ أن الفكرة كانت غريبة عنه, ومن ثَمَّ, فإن الأيدي الأجنبية كانت وراءها, سواء كانت أيدي الصليبية المتعصبة, أو اليهودية الحاقدة. ذلك أن فقهنا الإسلاميّ, ومن بعده فكرنا الإسلاميّ, لم يعرف مثل هذه الفكرة ولم يتصورها, بل إنه على العكس

стр. 35

من ذلك يعرف أن قرآنه يحرم تجزئة الكتاب, ويعتبر ذلك كفرًا وفتنة وجاهلية. ويعرف أن الوظيفة الأولى لهذا القرآن أن يحكم, لا أن يوضع على الأرفف والمناضد, أو تحشى به الجيوب والتمائم, أو تتغنى به وتتسلى بعض العمائم. ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ١. ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ ٢. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ ٣. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٤. ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ٥. ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٦. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٧. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٨. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٩. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١٠.

стр. 36

والدولة فيه قسم لا قسيم. فكما ينظم شئون الفرد, وينظم شئون الأسرة, ينظم شئون الدولة وينظم شئون المجتمع الدوليّ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ٢ ذلك فقه الإسلام وفكره, الدولة جزء من الدين قسم له لا قسيم. تاريخ الإسلام لم يعرف هذه الثقافة: وليس في أحداثه ما يبررها. فلئن عرفها الغرب كرد فعلٍ لاضطهاد الكنيسة للعلم والعلماء, وافتئاتها على عقائد الناس وعقولهم, حتى سولت لنفسها أن تصدر صكوك الغفران وقرارات الحرمان عن هوًى, وتحكم إذا كان ذلك, فإن شرقنا الإسلاميّ لم يعرف اضطهاد العلم والعلماء, بل حفظ لهم الإسلام, وحفظت لهم أمته أكرم مكانة وأعز منزلة, وكيف لا؟ وهم ورثة محمد ﷺ على دينه وشرعه وميراثه. ومن ثَمّ فلم يكن هناك محل, لا من الناحية الفكرية, ولا من الناحية التاريخية, لبَثِّ فكرة فصل الدين عن الدولة. لكن الأمر كان يدبر بليل, واعتنق حزب الاتحاد والترقي في تركيا الفكرة, وعمل على ترويحها, ثم عمل عن طريق ضباطه على عزل عبد الحميد, ذلك الخليفة الذي رفض أن يعطي فلسطين وطنًا لليهود, وبصق في وجه زعيمهم قرصو. وصارت الحكومة المدنية في أنقره هي التي تحكم, والخليفة في الأستانة بغير سلطانٍ تطبيقًا لفصل الدين عن الدولة.

стр. 37

ثانيًا: نشر القومية في مواجهة الخلافة كانت اليد الخفية التي تعمل على تقويض الخلافة ببث فكرة فصل الدين عن الدولة, تعمل من ناحية أخرى عن طريق القومية. إثارة القومية الطورانية داخل دولة الخلافة -تركيا. وإثارة القومية العربية داخل الولايات المتحدة التابعة للخلافة. والأولى تعهدها حزب الاتحاد والترقي, وحزب تركيا للفتاة. والثانية انزلق إليها الشريف حسين, ظَنًّا منه أنها الوجه الآخر للإسلام١ واعتقادًا منه في حسن نوايا الجاسوس "لورانس" ومن ورائه ماكماهون, حتى انتهى الأمر إلى أن تحارب جيوش القومية العربية جيوش الخلافة الإسلامية, تعضدها الجيوش الإنجليزية التي سارت تحت راية فيصل بن الشريف الحسين؛ لتخرج سوريا لاستقبالها استقبال الفاتحين.

стр. 38

ثالثًا: إسقاط الخلافة الإسلامية ولم يكن عبثًا, ولم يكن تدبير مصطفى كمال أتاتورك, ولا حزب الاتحاد والترقي, وما كان هؤلاء إلّا "النعل" الذي تلبسه القدم الغليظة الكارهة الكريهة! وإلّا ففيم توقع نيلوس منذ سنة ١٣١٩هـ-١٩٠١م؟ وفيم قول مؤتمر التبشير: "أنا الشجرة لابد أن يقطعها أحد أعضائها؟ " وفيم تهديد الزعيم اليهوديّ قرصو للسلطان عبد الحميد, بعد أن رفض إعطاء فلسطين لليهود..؟ فيم ذلك كله, وفيم قبله فكرة فصل الدين عن الدولة, ومصدرها المباشر الصليبية, ومصدرها الغير مباشر الصهيونية, كما يقرر وليام غاي كار. وفيم قبله نشر القومية العربية على يد لورانس, الجاسوس الإنجليزي, ومن جرهم من أذقانهم وراء قدمه؟ وفيم شروط كيرزون الأربعة لاستقلال تركيا, وتسليمها للكماليين وهي: ١- قطع كل صلة بالإسلام. ٢- إلغاء الخلافة. ٣- إخراج أنصار الخلافة والإسلام من البلاد. ٤- اتخاذ دستور علمانيّ بدلًا من الدستور القديم١. فيم ذلك كله.. وإذا صحّ أن الخلافة كانت أشبه بالرجل المريض - وهم أول من أمرضوا- فهل يصح المريض بالعلاج؟ وماذا فعلوا بعد أن أجهزوا على الرجل المريض بخسةٍ ونذالةٍ, هل استبدلوا نظامًا خيرًا منه؟ وهل صاروا في مصاف الدول العظمى, بعد أن انسلخوا من إسلامهم. إن تركيا وبعد مرور نصف قرن من إلغاء الخلافة فيها, لا توضع في الدرجة

стр. 39

الثانية ولا الثالثة ولا الرابعة بين دول العالم, وكانت قبلها في الدرجة الأولى!. أهذا هو الترقي يا حزب الترقي؟ ولقد سبقت إلغاء الخلافة تمثيلية لا يزال يتكرر مثلها في السنوات القريبة, كان لابد من صنع البطل "الذي يقطع الشجرة"١. وبعد أن تغلغلت قوات اليونان والحلفاء داخل أراضي تركيا. وبينما الخليفة حبيس الأستانة, بل وجيوش انجلترا, وتتبدل الهزيمة نصرًا, وينخدع العالم الإسلاميّ المسكين بالغازي العظيم, ثم يعلن بعدها إلغاء الخلافة الإسلامية. ويعقبها سلسلة من الإجراءات, تنتهي إلى سلخ تركيا من إسلامها، وتحريم الأذان فيها, وتحريم الكتابة بلغة القرآن العظيم! ويقبل العالم الإسلاميّ على المصيبة! ولكن ولات حين مناص!.. فقد فات الأوان..؟ ويندب العالم الإسلاميّ خلافته وإسلامه. يقول الشاعر أحمد شوقي: يا أخت أندلس عليك سلام ... هوت الخلافة عنك والإسلام طوى الهلال عن السماء فليتها ... طويت وعم العالمين ظلام خفت الأذان فما عليك موحد ... يسعى ولا الجمع الحسان تقام ويقول في أبيات من قصيدة أخرى: بكت الصلاة, وتلك فتنة عابث ... بالشرع, عربيد القضاء وقاح أفتى خزعبلة وقال ضلالة ... وأتى بكفر في البلاد بواح ضجت عليك مآذن ومنابر ... وبكت عليك ممالك ونواحي الهند والهة ومصر حزينة ... تبكي عليك بمدمع سحاح والشام تسأل والعراق وفارس ... أمحا من الأرض الخلافة ماحي

стр. 40

حسب أتى طول الليالي دونه ... قد طاح بين عشية وصباح وعلاقة فصمت عرى أسبابها ... كانت أبر علائق الأرواح نظمت صفوف المسلمين وخطوهم ... في كل غدوة جمعة ورواح استغفر الأخلاق لست بجاحد ... من كنت أدفع دونه وألاحي أأقول من أحيا الجماعة ملحد؟ ... وأقول من رد الحقوق أباحي فلتسمعن بكل أرض داعيًا ... يدعو إلى الكذاب أو لسجاح ولتشهدن بكل أرض فتنة ... فيها يباع الدين بيع سماح يفتي على ذهب المعز وسيفه ... وهوى النفوس وحقدها الملحاح
следующие страницы →