← Общие книги

Общие книги · id 7258

أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي

علي جريشة

Полный текст (260 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والدولة فيه قسم لا قسيم. فكما ينظم شئون الفرد, وينظم شئون الأسرة, ينظم شئون الدولة وينظم شئون المجتمع الدوليّ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ٢ ذلك فقه الإسلام وفكره, الدولة جزء من الدين قسم له لا قسيم. تاريخ الإسلام لم يعرف هذه الثقافة: وليس في أحداثه ما يبررها. فلئن عرفها الغرب كرد فعلٍ لاضطهاد الكنيسة للعلم والعلماء, وافتئاتها على عقائد الناس وعقولهم, حتى سولت لنفسها أن تصدر صكوك الغفران وقرارات الحرمان عن هوًى, وتحكم إذا كان ذلك, فإن شرقنا الإسلاميّ لم يعرف اضطهاد العلم والعلماء, بل حفظ لهم الإسلام, وحفظت لهم أمته أكرم مكانة وأعز منزلة, وكيف لا؟ وهم ورثة محمد ﷺ على دينه وشرعه وميراثه. ومن ثَمّ فلم يكن هناك محل, لا من الناحية الفكرية, ولا من الناحية التاريخية, لبَثِّ فكرة فصل الدين عن الدولة. لكن الأمر كان يدبر بليل, واعتنق حزب الاتحاد والترقي في تركيا الفكرة, وعمل على ترويحها, ثم عمل عن طريق ضباطه على عزل عبد الحميد, ذلك الخليفة الذي رفض أن يعطي فلسطين وطنًا لليهود, وبصق في وجه زعيمهم قرصو. وصارت الحكومة المدنية في أنقره هي التي تحكم, والخليفة في الأستانة بغير سلطانٍ تطبيقًا لفصل الدين عن الدولة.

стр. 37

ثانيًا: نشر القومية في مواجهة الخلافة كانت اليد الخفية التي تعمل على تقويض الخلافة ببث فكرة فصل الدين عن الدولة, تعمل من ناحية أخرى عن طريق القومية. إثارة القومية الطورانية داخل دولة الخلافة -تركيا. وإثارة القومية العربية داخل الولايات المتحدة التابعة للخلافة. والأولى تعهدها حزب الاتحاد والترقي, وحزب تركيا للفتاة. والثانية انزلق إليها الشريف حسين, ظَنًّا منه أنها الوجه الآخر للإسلام١ واعتقادًا منه في حسن نوايا الجاسوس "لورانس" ومن ورائه ماكماهون, حتى انتهى الأمر إلى أن تحارب جيوش القومية العربية جيوش الخلافة الإسلامية, تعضدها الجيوش الإنجليزية التي سارت تحت راية فيصل بن الشريف الحسين؛ لتخرج سوريا لاستقبالها استقبال الفاتحين.

стр. 38

ثالثًا: إسقاط الخلافة الإسلامية ولم يكن عبثًا, ولم يكن تدبير مصطفى كمال أتاتورك, ولا حزب الاتحاد والترقي, وما كان هؤلاء إلّا "النعل" الذي تلبسه القدم الغليظة الكارهة الكريهة! وإلّا ففيم توقع نيلوس منذ سنة ١٣١٩هـ-١٩٠١م؟ وفيم قول مؤتمر التبشير: "أنا الشجرة لابد أن يقطعها أحد أعضائها؟ " وفيم تهديد الزعيم اليهوديّ قرصو للسلطان عبد الحميد, بعد أن رفض إعطاء فلسطين لليهود..؟ فيم ذلك كله, وفيم قبله فكرة فصل الدين عن الدولة, ومصدرها المباشر الصليبية, ومصدرها الغير مباشر الصهيونية, كما يقرر وليام غاي كار. وفيم قبله نشر القومية العربية على يد لورانس, الجاسوس الإنجليزي, ومن جرهم من أذقانهم وراء قدمه؟ وفيم شروط كيرزون الأربعة لاستقلال تركيا, وتسليمها للكماليين وهي: ١- قطع كل صلة بالإسلام. ٢- إلغاء الخلافة. ٣- إخراج أنصار الخلافة والإسلام من البلاد. ٤- اتخاذ دستور علمانيّ بدلًا من الدستور القديم١. فيم ذلك كله.. وإذا صحّ أن الخلافة كانت أشبه بالرجل المريض - وهم أول من أمرضوا- فهل يصح المريض بالعلاج؟ وماذا فعلوا بعد أن أجهزوا على الرجل المريض بخسةٍ ونذالةٍ, هل استبدلوا نظامًا خيرًا منه؟ وهل صاروا في مصاف الدول العظمى, بعد أن انسلخوا من إسلامهم. إن تركيا وبعد مرور نصف قرن من إلغاء الخلافة فيها, لا توضع في الدرجة

стр. 39

الثانية ولا الثالثة ولا الرابعة بين دول العالم, وكانت قبلها في الدرجة الأولى!. أهذا هو الترقي يا حزب الترقي؟ ولقد سبقت إلغاء الخلافة تمثيلية لا يزال يتكرر مثلها في السنوات القريبة, كان لابد من صنع البطل "الذي يقطع الشجرة"١. وبعد أن تغلغلت قوات اليونان والحلفاء داخل أراضي تركيا. وبينما الخليفة حبيس الأستانة, بل وجيوش انجلترا, وتتبدل الهزيمة نصرًا, وينخدع العالم الإسلاميّ المسكين بالغازي العظيم, ثم يعلن بعدها إلغاء الخلافة الإسلامية. ويعقبها سلسلة من الإجراءات, تنتهي إلى سلخ تركيا من إسلامها، وتحريم الأذان فيها, وتحريم الكتابة بلغة القرآن العظيم! ويقبل العالم الإسلاميّ على المصيبة! ولكن ولات حين مناص!.. فقد فات الأوان..؟ ويندب العالم الإسلاميّ خلافته وإسلامه. يقول الشاعر أحمد شوقي: يا أخت أندلس عليك سلام ... هوت الخلافة عنك والإسلام طوى الهلال عن السماء فليتها ... طويت وعم العالمين ظلام خفت الأذان فما عليك موحد ... يسعى ولا الجمع الحسان تقام ويقول في أبيات من قصيدة أخرى: بكت الصلاة, وتلك فتنة عابث ... بالشرع, عربيد القضاء وقاح أفتى خزعبلة وقال ضلالة ... وأتى بكفر في البلاد بواح ضجت عليك مآذن ومنابر ... وبكت عليك ممالك ونواحي الهند والهة ومصر حزينة ... تبكي عليك بمدمع سحاح والشام تسأل والعراق وفارس ... أمحا من الأرض الخلافة ماحي

стр. 40

حسب أتى طول الليالي دونه ... قد طاح بين عشية وصباح وعلاقة فصمت عرى أسبابها ... كانت أبر علائق الأرواح نظمت صفوف المسلمين وخطوهم ... في كل غدوة جمعة ورواح استغفر الأخلاق لست بجاحد ... من كنت أدفع دونه وألاحي أأقول من أحيا الجماعة ملحد؟ ... وأقول من رد الحقوق أباحي فلتسمعن بكل أرض داعيًا ... يدعو إلى الكذاب أو لسجاح ولتشهدن بكل أرض فتنة ... فيها يباع الدين بيع سماح يفتي على ذهب المعز وسيفه ... وهوى النفوس وحقدها الملحاح

стр. 41

المبحث الثالث: مرحلة ما بعد إسقاط الخلافة الإسلامية بات معلومًا أن العالم الإسلاميّ بعد الإجهاز على الخلافة الإسلامية، وما تبعها, وما سبقها من تقطيع لأوصال العالم الإسلاميّ، وما صاحب ذلك من حملات تبشير واستشراق, إن لم تنجح في تنصير المسلمين بما يكافئ الجهود والأموال المبذولة, فإنها أفلحت في بثِّ الشكوك والوهن في عقائد المسلمين وأفكارهم. بات معلومًا أن العالم الإسلاميّ صار كجسدٍ مثخنٍ بالجراح, استرخى حتى يمنّ الله عليه بالعافية, أو يتحقق أمل بعيد للصهيونية, أن يلفظ أنفاسه الأخيرة, ومن ثم قد كان يكفي ما حدث.. لكن الصليبيين ومن وراءهم وعوا الدرس, وهو ما صرح به "جب": من أن صحوة الإسلام تتم بسرعة.. وخشي أعداء الإسلام هذه الصحوة! فاتخذوا من الوسائل ما يضمن بقاء الجسد الممزق هامدًا مثخنًا بالجراح, وكان لهم في ذلك أكثر من سبيل, أهمها: التغيير السياسيّ، والاجتماعيّ في العالم الإسلاميّ, ولنعط كلًّا كلمة, بما يسمح به المقام.

стр. 42

الفصل الثاني: التغيير السياسيّ والاجتماعيّ في المنطقة الإسلامية المبحث الأول: التغيير السياسيّ منذ أتيح للغرب الصليبيّ أن يتسلط على الشرق الإسلاميّ, أخذ يحدث التغيير السياسيّ اللازم لبقاء سيطرته أولًا, ثم لتحقيق الهدف من هذه السيطرة ثانيًا, فكان: احتلال فرنسا للجزائر سنة ١٢٤٦هـ-١٨٣٠م. وتونس سنة ١٢٩٩هـ-١٨٨١م. ومراكش سنة ١٣٣٠هـ-١٩١٢م. وللشام سنة ١٣٣٨هـ-١٩٢٠م. وكان احتلال بريطانيا سنة ١٢٧٤هـ-١٨٥٧م, للهند إيذانًا بزوال إحدى الدول الإسلامية الكبرى التي قامت في مستهلِّ القرن السادس عشر. واحتلالها لمصر سنة ١٣٠٠هـ-١٨٨٢م. والعراق سنة ١٣٣٢هـ-١٩١٤م. وفلسطين سنة ١٣٣٧هـ-١٨١٩م. ولم يكن ذلك التوزيع وليد الصدفة, فلقد كشف الاتفاق المنعقد بين بريطانيا وفرنسا سنة ١٣٢٢هـ- ١٩٠٤م عن جانب من سياسة تقطيع أوصال العالم الإسلاميّ. وصحب ذلك التقسيم إثارة القوميات المختلفة؛ كالقومية الطورانية في تركيا, والقومية العربية في البلاد العربية, حتى اقتتل المسلمون تحت قيادة النصارى باسم القومية والتحرير!!

стр. 43

وقد صحب ذلك دعوة خبيثة إلى العلمانية, بمعنى: فصل الدين عن الدولة, تبنتها جماعات كثيرة مشبوهة الصلات والأهداف, من أمثال: حزب الاتحاد والترقي في تركيا, الذي كانت من قياداته قيادات يهودية من يهود الدونمة.. وتبع ذلك.. ما رسم له أعداء الإسلام من قبل, حين عقدوا أكثر من مؤتمر للنظر في المسألة الشرقية, وقد كانت في البداية تعني ردَّ الزحف الإسلاميّ الذي كانت تقوده تركيا على أوربا, ثم لمَّا توقف المد, انتقل البحث إلى كيفية تقطيع أوصال الخلافة, ثم القضاء على الخلافة بعد ذلك. ومهما يكن من أمر الأخطاء التي وقع فيها سلاطين تركيا, وفي مقدمتها: أنها جعلت عضلاتها أقوى من عقلها, ومهما يكن من أمر المظالم التي ارتكبها سلاطين تركيا, وفي مقدمتها التفرقة الظالمة بين بني الدين الوحد، وتميز الأتراك على غيرهم من بني الأوطان الأخرى. مهما يكن من هذه وتلك -مما نسجه ونحذر منه- فلقد كانت الخلافة تظل المسلمين وتجمع شملهم، وترهب عدو الله وعدوهم. من أجل ذلك, لم يكتف أعداء الإسلام بتقطيع أوصال دولة الخلافة، بل جاوزوا ذلك إلى القضاء على الخلافة نفسها, ومنع قيامها بعد ذلك في أي قطر أو وطن آخر!! وسواء كان ما ارتكبه مصطفى كمال -الشهير بأتاتورك- كان بحسن نية, كرد فعلٍ لأحداث ذلك الحين التي خطط لها أعداء الإسلام بما يدفع أتاتورك إلى إلغاء الخلافة، أو كان بسوء نيةٍ, استجابةً للتخطيط اليهودي-الصليبي, الذي تبدَّى فيما ذكره كاتب روسي سنة ١٣١٩هـ-١٩٠١م بعدما طالع بروتوكولات حكماء صهيون, من أنه لا بد للأفعى اليهودية من أن تمر بالقسطنطينية لتصل إلى فلسطين١، وما أعقب ذلك من محاولة زعيم يهوديّ رشوة السلطان عبد الحميد لمنح فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود, وبصق الخليفة المسلم فيس وجهه، ثم توعد

стр. 44

اليهودية للخليفة، وخلع الخليفة بعد ذلك بقرارٍ حمله ثلاثة؛ اثنان منهم من اليهود, ثم ما أعقب ذلك من إعلان وعد بلفور سنة ١٣٣٦هـ-١٩١٧م, من جانب وزير الخارجية البريطانية, بمنح فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود, وما تَمَّ من هجرةٍ لليهود في ظل ذلك الانتداب البريطانيّ، وانسحاب بريطانيا سنة ١٣٦٧هـ- ١٩٤٨م من فلسطين؛ ليتمكن منها اليهود بعد ذلك، واتفاق المعسكرين الشيوعيّ والرأسماليّ على الاعتراف بإسرائيل وتدعيها.. الأمر الذي لا يزال حتى اليوم باديًا، فروسيا تمد إسرائيل بالقوة البشرية والقوة العقلية، وأمريكا تمدها بالقوة العسكرية والقوة التكنولوجية. كل ذلك أو بعضه, قد يثير أو يشير إلى أن خطوة أتاتورك بإلغاء الخلافة لم تكن عن حسن نيةٍ, ابتغاء المصلحة الوطنية لتركيا, خاصةً إذا أضيف إليها ما قيل عن شروط كيرزون لمنح تركيا الاستقلال, ومن بينها إلغاء الخلافة الإسلامية. نقول: سواء كانت جريمة أتاتورك بحسن نية أو بسوء نية, فلقد حققت لأعداء الإسلام ما بيغونه بنقص عرى الإسلام؛ أولها: الحكم, وآخرها الصلاة. وكان المفروض أن تقف الحملة الضارية على الإسلام والمسلمين عند حدِّ تقطيع دولة الخلافة, والقضاء عليها, لكن الصليبيين وعوا من الإسلام درسًا هامًّا عن الإسلام والمسلمين, وهو ما صرح به أحدهم من أن صحوة الإسلام تتم بسرعة، وما صرَّح به بعضهم, من أن المسلمين أشد خطورة عليهم من اليهود والبلاشقة والشعوب الصفراء١.

стр. 45

وبغض النظر عن مدى صحة ما قرره أولئك, من خطر الإسلام والمسلمين عليهم, فإن هذا هو الذي شكّل تفكيرهم، وكان الباعث وراء تصرفاتهم بعد ذلك.. الأسلوب الجديد: وفي منتصف القرن العشرين، في الخمسينيات على وجه التحديد، قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن ترث النفوذين: البريطاني والفرنسيّ في المنطقة؛ لتحقيق نفس الأهداف التي كان يحققها هذان النفوذان١. لكن إن اتفقت الولايات المتحدة مع بريطانيا وفرنسا في الاستراتيجية والأهداف, فلقد اختلفت معهما في التكتيك والأسلوب, ومارست الولايات المتحدة في مهارةٍ ما يسمى بلعبة الأمم: تحقيقًا لأهدافها. وكان أهم أساليبها في ذلك الانقلابات العسكرية التي تصنع عن طريقها البطل أو الزعيم الذي تتعلق به آمال الأمة، فيمتص بذلك ما يمور في باطنها، وما كان يمكن أن يؤدي إلى ثورة في غير صالحها وينحرف بهذه القوة، المواردة داخل الشعوب عن أهدافها التي تحقق فيها مصالح الغرب،

стр. 46

القوة العسكرية المحلية تقوم بالدور الجديد: لم تعد الشعوب تحتمل أن ترى السترة الصفراء الأجنبية تحكمها, مهما حاولت أن تدعي الصداقة أو حتى أن ترفع راية الإسلام١. وكان لابد من أن ترحل السترة الصفراء الأجنبية, لكنّ الباطل لا يستغني عن القوة, وإلا تهاوى وسقط! ومن ثَمَّ كان لابد من أن يبحث عن مصدرٍ آخرٍ للقوة حتى يمضي في تنفيذ مخططه الأثيم لابعاد شعوب الإسلام عن الإسلام, وهداه شيطانه إلى ما نجح فيه إلى حد ما. استبدل السترة الصفراء الأجنبية بالسترة الصفراء المحلية, وصرَّح بعض كتابه أن هؤلاء أقدر على التغيير الاجتماعيّ المطلوب٢, وعرفت المنطقة الانقلابات العسكرية٣ بديلًا عن جيوش الاحتلال الأجنبية, ومن أمثلة ذلك كما صرح أحد الكتاب الأمريكيين. سوريا سنة ١٣٦٨هـ-١٩٤٩م. مصر سنة ١٣٧١هـ-١٩٥٢م.

стр. 47

ومن قبل هؤلاء: إيران سنة ١٣٣٨هـ-١٩٢٠م. تركيا سنة ١٣٢٦هـ-١٩٠٨م. وفي كل مرة يستفيدون من تجارب المرة السباقة.. فمثلًا, الخطأ الذي وقع فيه كمال أتاتورك في محاولة فرض التغيير الاجتماعيّ بالقوة, استبدلت القدوة بالقوة, مع وسائل الإعلام المختلفة, وما يصبحها من وسائل أخرى للتبشير, أشرنا إليها. فقد كان أتاتورك غبيًّا حين فرض خلع الطربوش بالقوة, فقد خلعه الناس في مصر لمَّا رأوا رجال الانقلاب الجديد الأبطال لا يلبسونه, بدون حاجةٍ إلى قانون! وهكذا! لكن القوة بقيت لازمة تؤدي أمرين: أولهما: قمع المعارضة والمعارضين, خاصةً إن كانوا من أصحاب العقائد. ثانيهما: مساندة الباطل والمبطلين فيما يمضون فيه من تخطيطٍ أثيمٍ لابعاد الناس عن الإسلام. ولبيان هذين الخطين نقدم وثيقةً جاءت في حيثيات حكمٍ صدر في بلد إسلاميٍّ, نسقط منها أسماء الضحايا, وأسماء المجرمين؛ لنصل بها إلى الموضوعية الكاملة١. تبدأ الوثيقة بالإشارة إلى أسماء أعضاء اللجنة التي قدَّمت معلوماتها واقتراحاتها, وأكثرهم من رجال المخابرات والمباحث والأمن. ثم تلخص معلوماتها بالإشارة إلى أن تدريس التاريخ الإسلاميّ

стр. 48

في المدارس للنشء بحالته القديمة, يربط الدين بالسياسة في لا شعور كثير من التلاميذ منذ الصغر, ثم الإشارة إلى صعوبة التمييز بين معتنقي الأفكار ".." وبين غيرهم من المتدينين.. إلخ. ليصل إلى المطالبة: ١- بمحو فكرة ارتباط السياسة بالدين. ٢- إبادة تدريجية بطيئة؛ مادية ومعنوية وفكرية للجيل القائم بحمل الدعوة الإسلامية، ولا يقتصر الأمر على هذه الفئة، بل يمتد إلى كل المتدنين, باعتبارهم يمثلون الاحتياطيّ الذي يصب في هذه الفئة! ومن وسائل الإبادة: الإعدام, والسجن, والاعتقال, ويبلغ الأمر غاية خسته حين تصرح -بالنسبة لنسائهم, سواء كن زوجات, أو بنات, فسوف يتحررن ويتعرضن مع غياب عائلهن, وحاجتهن المادية إلى انزلاقهن. وهكذا تفقد الأنظمة العسكرية حتى الشرف والكرامة!! بقي السؤال: لماذا يفضلونهاوطنية؟ نسمع إجابتين: إجابة من الكاتب الأمريكيّ: مايلز كوبلاند. فكان الحكام من "طراز.." يعطون الأولوية على غيرهم؛ لأن استيلاءهم على السلطة يوفر أفضل الفرص -أو أقلها سوءًا- لنجاح لعبتنا"١. وفي مكان آخر: "أن نموذجًا " ... ..." كان من الأهمية بمكان بخصوص اللعبة, وأنا كنا ملزمين بالبحث عن مثيلٍ له, فيما لو لم يكن على قيد الحياة"٢. وإجابةً من الكاتب الأمريكيّ: مورو بيرجر. وكان الجيش من بين كل جماعات النخبة الوطنية أكثرها دنوًّا من المشاكل التي تواجهها مصر، دنوا بالمعنى الحسابيّ، والعلمانيّ،

стр. 49

والواقعيّ، وبهذه الصورة كان الجيش أكثر النخبات تغربًا١. والواضح من تقرير " ... " الموجز, أن الضباط كانوا علمانيين, يتوقون إلى بثِّ التعاصر في مصر, متماشين مع الخط الغربيّ التكنولوجيّ. ولم يكن الضابط على ثباتٍ أيديولوجيّ، بل كانوا جماعة علمانية في البناء السياسيّ والاجتماعيّ للحياة المصرية, إلا أن قيادتهم كانت تضع نصب عينيها صورة من مصر العلمانية كما يتصورنها، ويتحركون صوب هذا الهدف على خطٍ مستقيم٤. ويعمم الكاتب.. وعلى ذلك, فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى, تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربيّةً، ويواجه الزعماء العرب طريقتين: فهم يطردون الغرب سياسيًّا, ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيًّا"٣. ونجيب بعد هؤلاء, فنقول بعون الله: ١- إن النخبة الوطنية التي حلَّت محل النخبة الأجنبية, وفرت على الأخيرة أولًا: الدم والمال التي كانت تبذل في الحروب الصليبية, أو في محاولات الاستعمار. ٢- وأنها كذلك منعت إثارة المشاعر الدينية أو الوطنية التي كانت تتحرك حين يرى الشعب الجيوش الأجنبية قادمة تتحدى قيمه الدينية, أو قيمه الوطنية, ومن ثَمَّ, فقد مَيَّعَت المقاومة أو منعتها! ٣- أنها بلباس الوطنية نفذت المطلوب, ليس فقط دون مقاومةٍ, بل أحيانًا مع استحسان الجماهير وحماستها!! ٤.

стр. 50

٤- إنها استطاعت أن تقضي على كل معارضةٍ من أيِّ فئةٍ دون أن يتحرك أحد لنصرة هذه الفئة, بل مع اعتقادهم بما تذيعه النخبة الوطنية, من أن المعارضين.. خوارج, أو خونة!! وأخيرًا سؤالٌ لا ينفك عن السؤال الأخير, لماذا يفضلونها.. "عسكرية"؟ نقول بعون الله: ١- لأنها أسرع في الوصول إلى الحكم، وأكثر شغفًا بالسلطة١. ٢- لأنها أسرع في تلبية الأوامر الخارجية، والالتزام حرفيًّا بها، فهكذا تعلمهم الحياة العسكرية. ٣- لأن قبضتها أقوى, بالنسبة لأية معارضة, أو أية مقاومة. ٤- أن الطبقة العسكرية في أغلبها, أُعِدَّت إعدادًا خاصًّا يجعلها علمانية وغربية, لا تستنكف الانحلال لنفسها, ولا لغيرها, ومن ثَمَّ فهي أنسب الفئات لتنفيذ مخطط الإبعاد من الإسلام. ٥- أنها تزيح بذلك احتمال تقدم عنصر دينية إلى الحكم, عن الطريق الشعبيّ العاديّ٢! وليس معنى اللجوء إلى الانقلاب العسكرية انتهاء الوسائل الأخرى, إن القوى الأجنبية المعادية للإسلام لا تزال محتفظة لبعض الأنظمة بالبقاء, أولًا: لأنها تنفذ ما يطلب منها, وثانيها: لأنها أضعف من أن تقف يومًا في وجهها, وثالثًا: لأنه داخل هذه الأنظمة نفسها يجري التغيير باستعداء الابن على أبيه, والأخ على أخيه, بعدما ما يجري الاتفاق على الصفقة, ماذا يبيع لكي يجلس على العرش؟! ورابعًا: لأنها حين يبدو العصيان يكون الردع سريعًا وعنيفًا, وحوادث

стр. 51

الاغتيال السياسيّ في الماضي القريب شاهدة على ذلك، وقد كانت موضع تحقيق "الكونجرس" في فضائح المخابرات المركزية الأمريكية. وأخيرًا, فإن بقاء هذه الأنظمة -في نظر أعداء الإسلام- رهينٌ بانتهاء العصبيات التي تستند إليها، وفي المواجهة بزيادة قوة وقدرة القوات المسلحة لتولي الأمر, حينئذٍ, سوف تخلعها بيسر وبغير حياء, ولا احترام للود البادي والوفاء الظاهر!! وهكذا نرى اتفاقًا غربيًّا على عملنة التعليم، وعلمنة الإعلام، وعلمنة المجتمع كله عن طريق المرأة, وعن طريق الشباب؛ ليبتعد بذلك عن الإسلام, نجدها في الدول الإسلامية رغم اختلاف نظم الحكم الحاكمة؛ لأن التغيير السياسيّ وإن اختلف أسلوبه, فالهدف لا يختلف, وهو التغيير الاجتماعيّ, أو التغريب, أو بالعبارة الواضحة: الإبعاد عن الإسلام! لكن, هل انتهت تمامًا وسيلة الحروب والاستعمار التي كانت سبيل الغرب من قبل لفرض أهدافه وغاياته؟ لا نستطيع أن نجيب بالنفي؛ لأن الحروب انتهت في أغلب البلاد في صورتها العسكرية، واستبدلت بها الحرب الفكرية والنفسية؛ لتحطيم عقيدة الأمة ومبادئها. ولا نستطيع أن نجيب بالإثبات؛ لأنها لا تزال تستعمل في نطاق محدود, وهو ما اصطلح الغرب على تسميته بالحرب المحدودة, واحتلال الجيوش الأمريكية لشواطئ لبنان سنة ١٣٧٧هـ-١٩٥٨م, مَثَلٌ قريبٌ, وتحركات الأسطول السادس كذلك. لكن في رأينا أن الحرب المحدودة ارتدت كذلك ثوبًا محليًّا, فأصبحت الجيوش العربية أو الإسلامية تسلط لهذا الغرض, وتَدَخُّل سوريا في لبنان مثلٌ قريب, وانفصال بنجلاديش عن باكستان من قبلها مثلٌ قريبٌ كذلك!

стр. 52

المبحث الثاني: التغيير الاجتماعيّ ما يبغي الغرب منَّا..؟ في البداية كان الهدف واضحًا؛ إخراج المسلمين من دينهم, وإدخالهم إلى دين آخر-كما وضح ذلك من كلام المبشرين. ثم لما صارت عملية التنصير بلغة الأرقام صعبة, إن لم تكن مستحيلة بين الشعوب التي تدين بالإسلام, اقتصرت العملية على الجزء الأول منها: إخراج المسلمين من دينهم, وكانت الوسائل إلى ذلك هي نفس الوسائل -وسائل التبشير- الأولى, التي كانت تقوم بالشقين للإخراج من الإسلام، والإدخال في الدين الآخر. ونجحت الخطة الثانية, ولا تزال تعمل في كثير من البقاع الإسلامية. ثم كانت الخطة الثالثة التي لا تذهب إلى عملية الإخراج من الدين تمامًا, ولكنها تكتفي بالإبعاد -الأبعاد عن الدين, من غير استعمال لفظ الإبعاد, حتى لا يستثير حفيظة المسلمين, أو تنبيههم إلى حقيقة الهدف، وكانت وسائل التبشير الأولى هي التي تستعمل لتحقيق الهدف الجديد, مع تطوير فيها يجعلها أكثر نعومةً، وأكثر فاعلية. إذًا, فالهدف هو إبعاد المسلمين عن الإسلام, باعتباره الخطر الكامن, كما يتصور الغرب أو يتوهم, وقد كانت الإشارة إلى هذا الهدف تحت اصطلاحاتٍ أكثر تهذيبًا, مثل: التغريب, أو التغيير الاجتماعيّ١.

стр. 53

معنى التغيير الاجتماعيّ, وصلته بالتغيير السياسيّ: إن النخبة العسكرية في الشرق الأدنى؛ في مصر والسودان، والعراق وتركيا, وإيران وباكستان, كانت عوامل هامة في جلب التغيير الاجتماعيّ. وتشترك النخبات العسكرية العربية عميقًا في الاعتقاد بضرورة التغيير الاجتماعيّ السريع. أما الآن, فقد قبلت التأثيرات الغربية في الشرق الأدنى إلى درجةٍ تجعل من الصعب التحقيق من أن امرءًا ما قد ذهبت, أو لم يذهب إلى أوربا أصلًا، فقد أصبح العرب متغربين, بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوربا. فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى، تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربيةً، ويواجه الزعماء العرب طريقتين: فهم يطردون الغرب سياسيًّا، ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيًّا١. التغيير الاجتماعي إذن, يعني: تغيير قيم الأمة ومثلها؛ تغيير ثقافتها, وأخلاقها, وعقيدتها, وبعبارة واضحة: إبعاد المسلمين عن دينهم. والتغيير الاجتماعيّ قد يسمى التغريب, وقد يسمونه المدنية, أو التطوير, أو التقدم, وأيًّا ما كانت الحال, فلن يكن هناك سبيلٌ إلى التراجع, إن العمل يسير بجدٍّ ونشاط في إدخال المدنية الغربية إلى مصر. وهو يأخذ طريقه بتقدم ونجاح حسب خطة مرسومة وضعت خطوطها بعد دراسة الموقف, تقوم على التطور والتدرج٢. وواضح أن التغريب، أو التغيير الاجتماعيّ الذي كان يجري على أيدي المحتلين والمستعمرين، صار يجري اليوم -في أكثر الأحوال-

стр. 54

على أيدي النخبات الوطنية التي هي في أكثر الأحيان عسكرية١. هذا هو الهدف: التغيير الاجتماعيّ الذي يعني في الحقيقة: إبعاد الأمة عن دينها في شتى نواحي الدين التي تشمل شتى نواحي الدنيا. ولكن لهذا الهدف وسيلة, أو وسائل, وأساليب, هي التي تمثل "التكتيك" الجديد لغزو الغرب الفكري, ويحسن أن نعرض لها في مبحث مستقل.

стр. 55

المبحث الثالث: أساليب التغيير الإجتماعي "أو التغريب " مدخل ... المبحث الثالث: أساليب التغيير الاجتماعيّ, أو التغريب يتخذ الترتيب لإحداث التغيير الاجتماعيّ الذي يبعد الأمة الإسلامية عن إسلامها, يتخذ خطة استراتيجيةً طويلةَ المدى, حتى لا تحس الأمة الإسلامية بالهدف البعيد, بل قد لا تحس بالأسلوب الذي يجري به التغيير, وكأن هذا التغيير يَتِمُّ تلقائيًّا. - وأهم ما في هذه الاستراتيجية من تخطيط, أن يتخذوا لهدفهم رسولًا منا -من أنفسهم، وأن يقطع الشجرة أحد أعضائنا, الأمر الذي يجرى في التغيير السياسيّ, سواء عن طريق الانقلاب العسكريّ، أو الاغتيال السياسيّ بالأساليب التي أشرنا إليها. - يلي ذلك أنهم يخاطبون بهؤلاء الأعضاء, يخاطبون بهم فكر الأمة وعقيدتها، ومن ثَمَّ يجري التغيير أول ما يجري داخل العقول والقلوب, ثم ينتقل بعد ذلك إلى مجال الأخلاق والتقاليد والعادات, ويبلغ الاهتمام بإحداث التغيير أدنى مظاهره؛ كأكل الطعام باليد اليسرى، وإلقاء التحية بغير تحية الإسلام. - ولولا كتاباتٌ كتبها مفكروهم؛ لتوجيههم إلى أحسن الوسائل لبلوغ أسوأ الأهداف وأخبثها, ما استطعنا أن نعرف شيئًا عن استراتيجة الغرب أو تكتيكه نحو هذه الأمة المسلمة, وقبل ذلك, لولا فضل الله ورحمته, لانتهت هذه الأمة نتيجة ذلك التخطيط العميق, والتنفيذ الدقيق؛ لأبعاد الأمة عن دينها. - وإذا كانت أساليب التغيير الاجتماعيّ تتجه إلى فكر الأمة وعقلها, ثم إلى عقيدتها وقلبها, فإنها تعتمد على وسائل الإقناع المختلفة, وتخطط لها تخطيطًا علميًّا يقوم عليه علماء النفس وعلماء الاجتماع, فوق أجهزة التخابر والإحصاء المختلفة.

стр. 56

ويسير التخطيط على جعل وسائل الإقناع المختلفة في أيدي غير المستمسكين بالدين, فإذا أفلت متدين إلى هذه الوسائل لحاطته بوسائل الإغراء والاحتواء المختلفة, حتى تتحرف به عن السبيل القويم. وتحت شعارات: العلمانية، والقومية، وتحرير المرأة, تجري وسائل الإقناع المختلفة؛ لتحقيق إبعاد الأمة عن دينها. ونحاول بمشيئة الله بحث هذه الثلاثة؛ لنتبين كيف يجري بها إبعاد الأمة عن دينها.

стр. 57

أولًا: العلمانية معنى العلمانية: قد تشعر الكلمة في اشتقاقها أنها تعني: رفع شعار العلم, ومن ثَمَّ فلا تعارض بيينها وبين الإسلام, بل إنها إحدى وسائل الإسلام وبعض أهدافه! وهو ما نحسب أنهم قصدوا إليه حين ترجموا معنى الكلمة في لغتها الأصلية؛ ليقع المسملون في هذا الوهم!! إن العلمانية ترجمة للكلمة الإنجليزية Secularity وهذا اشتقاق من Secular وهي مرادفة للكلمة الإنجليزية Unreligous أي: لا ديني, أو غير عقيدي, ومن ثَمَّ كانت العلمانية تعني: اللادينية!! ومن هنا نفهم إعلان البعض عن قيام دولة علمانية, أو عن رغبة البعض الآخر في ذلك! ونفهم سر اختيار الكلمة أنها تعبر عن المقصود, دون صدم للمشاعر والأحاسيس! ولنا أن نتصور الفارق بين الإعلان عن دولة علمانية, أو الإعلان عن دولة لا دينية! ١ من هنا نحس خبث ترجمة الكلمة إلى لفظ العلمانية، ونحس خبث الذين يستعملون هذا اللفظ دون اللفظ الكاشف عن المعنى المقصود, ونحس مع هذا كله بواجبنا لتعرية هذا اللفظ الخبيث على حقيقته!

стр. 58

العلمانية.. بين الغرب والشرق: لم يكن غريبًا في الغرب أن تجد العلمانية مكانها, فقد فرضت ذلك لظروف الغرب, نتيجة تسلط الكنيسة وتحالفها مع الظالمين على شعوب الغرب المختلفة, ووقوفها في وجه كل تفتحٍ فكريٍّ, أو كشف علميٍّ, وتجاوزها ذلك الحجر على العقول, إلى حجر أخطر على القلوب, حين فرضت صكوك الغفران وقرارات الحرمان, وراحت تتاجر بها, وتتخذها وسيلةً للكسب الحرام!! وغرقت أوربا في دماء ضحايا الكنيسة, حيث سقط المئات, بل الآلاف, تحت مقاصل محاكم التفتيش ومشانقها, غير من غيبوا في غياهب السجون.. وإذا كانت سنة الله في الكون أن لكلِّ فعل رد فعل, مساويًا له في القوة, ومضادًّا له في الاتجاه, فلقد وقع الصراع, صراع العلم مع الكنيسة, وانتهى بإعلان العلمانية التي تعني: فصل الدين عن الدولة، وتقلص سلطان الكنيسة داخل جدرانها!! وفضلًا عن أن ظروف أوربا التاريخية كانت تبرر انتشار العلمانية, وفصل الدين عن الدولة, فلقد كانت ظروف الديانة المسيحية بعدما أدخل عليها من تحريف كان اليهود وراء أكثره, كانت ظروف الديانة المسيحية تسمح كذلك بوجود علمانية إلى جانب الدين. وليس غريبًا بعد ذلك أن يكون اليهود وراء فصل الدين عن الدولة, كما صرح بذلك كاتب أمريكيّ١ بغية القضاء على بقايا الدين الذي حرفوه؛ بتعطيله وحبسه عن المجتمع داخل جدران الكنيسة. وليس غريبًا بعد ذلك أن نسمع عن أن الدين الذي حبس داخل جدران الكنيسة قد جرى فيه التطوير حتى صارت الصلاة تؤدى على أنغام الموسيقى, ثم تعقبها حفلات الرقص بين الجنسين تحت الأضواء الخافتة الحالمة, وبين الألحان الدافئة والساخنة, تحت سمع وبصر رجال الدين, بل تحت رعايتهم وتوجيههم السديد.

стр. 59

وكانت أوربا قد بلغت في التقدم العلميّ -التكنولوجيّ- درجةً جعلتها ولو إلى حين, تستطيع أن تقيم نهضة ماديةً بهرت الناس في أكثر الأحيان. وحين أريد نقل العلمانية إلى الشرق الإسلاميّ, غفل المسخرون -عن علم أو عن جهل- غفلوا عن هذه الظروف جميعًا, غفلوا عن أنه ليس في ظروف الشرق الإسلاميّ التاريخيّ ما يبرر فصل الدين عن الدولة، فلم يكن ثمة اضطهاد من رجال الدين الإسلاميّ -إذا صح التعبير للمقابلة مع رجال الكنيسة-لم يقع اضطهادٌ من علماء المسلمين للعلم أو للعلماء. ولم يكن في تاريخنا الإسلاميّ محاكم تفتيش, ولا صحكوك غفران وقرارات حرمان. والذين انحرفوا من العلماء عن جادة السبيل إلى ممالأة الحاكم لفظتهم الأمة, وجعلتهم وراء ظهورها, والذين كانوا لسان صدق, حملتهم في حنايا صدورها, وقدمتهم في أول صفوفها. كذلك لم تكن الديانة الإسلامية لتسمح بالفصل بين الدين والدولة؛ لأن الدولة في فقه الإسلام قسم الدين لا قسيم, فلا دين بغير دولة, ولا دولة بغير دين.. كذلك لم تكن الديانة الإسلامية لتسمح بقيام العلمانية إلى جوار الإسلام, بمقولة أن الإسلام يبقى داخل دائرة العقيدة والشعيرة, وتعمل العلمانية في دائرة الشريعة؛ لأن الإسلام عقيدة وشعيرة وشريعة, وهو في هذا لا يقبل التجزئة ولا التفرقة, ولا يرضى أن يكون مع الله أرباب آخرون, أو قياصرة آخرون يدين لهم الناس في مجال الشريعة, كما يدينون لله في مجال العقيدة والشعيرة.. كذلك مع التسليم جدلًا بصحة نظرة الغرب التي اعتنقها الحاقدون, أو الجاهلون في الشرق الإسلاميّ, فلم يكن الشرق الإسلاميّ قد وقف على قدميه, وبلغ التطور العلميّ والتكنولوجيّ الذي بلغه الغرب؛ ليطرح الدين جانبًا ويرفع شعار العلمانية. ومن ثَمَّ حرم الشرق الدين, كما حرم الدنيا, وارتضى

стр. 60

بقشور تورثه الترف والدعة, وتبعده كثيرًا عن الجد والجهاد والعمل. وسائل نشر العلمانية: حرص الغرب منذ وطئت أقدامه التراب الإسلاميّ على نشر العلمانية بأكثر من سبيل، وحين ورَّثَت النخباتُ الأجنبيةُ النخباتِ الوطنيةَ مكان السلطة, وبوأتها كراسيها, حرصت على زيادة نشر العلمانية بكل الوسائل, وضعت خبراتها العلمية والتكنولوجية لتحقيق هذه الغاية. ومن ثَمَّ, فلم يكن غريبًا أن نسمع عن بلاد إسلامية متخلفة من الدرجة الثالثة أو الرابعة تدخل فيها التليفزيون, قبل أن تمحو من أبنائها الأمية التي تربو على الثمانين أو التسعين في المائة, بل إننا نسمع عن إدخال التليفزيون الملون في بلاد متخلفة جدًّا, وأحيانًا فقيرة جدًّا. أما مجالات نشر العلمانية ووسائلها, فقد كانت: أولًا: في التعليم، ثانيًا: في الإعلام؛ صحافة, وإذاعة، وتليفزيون، وسينما، ومؤلفات، ثالثًا: في القانون, ويحسن أن نعرض لكلٍّ بكلمة: أولًا- التعليم: إن التعليم الوطنيّ عندما قدم الإنجليز إلى مصر, كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين، والتي كانت أساليبها الجافة القديمة!! تقف حاجزًا في طريق أيِّ إصلاح تعليميّ، وكان الطلبة الذين يتخرجون في هذه الجامعة يحملون معهم قدرًا عظيمًا من غرور التعصب الدينيّ!! ولا يصيبون إلّا قدرًا ضئيلًا من مرونة التفكير والتقدير, فلو أمكن تطوير الأزهر عن طريق حركةٍ تنبعث من داخله؛ لكانت هذه خطوة جليلة الخطر. ولكن, إذا بدا أن مثل هذا الأمل غير متيسرٍ تحقيقه, فحينئذ يصبح الأمل محصورًا في إصلاح التعليم اللادينيّ الذي ينافس الأزهر, حتى يتاح له الانتشار والنجاح، وعندئذ فسوف يجد الأزهر نفسه أمام

стр. 61

أحد أمرين: فإما أن يتطور, وإما أن يموت ويختفي١. - هذه كلمات اللورد كرومر, الذي حكم مصر المسلمة ممثلًا للاحتلال الإنجليزي, يساعده دنلوب وهو أحد خريجي كلية اللاهوت في لندن. - تكملها كلمات للمستشرق جب: "وفي أثناء الجزء الأخير من القرن التاسع عشر, نفذت هذه الخطة لأبعد - وأخيرًا تكمل هذا كلمات زعيم المبشرين النصارى "زويمر" يقول على جبل الزيتون في القدس, إبَّان احتلال الإنجليز لفلسطين سنة ١٣٥٤هـ-١٩٣٥م: "لقد قبضنا أيها الأخوان في هذه الحقبة من الدهر؛ من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا, على جميع برامج التعليم في المماليك في الملك الإسلامية, وإنكم أعددتم نشئًا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها! وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية, وبالتالي جاء النشء الإسلاميّ طبقًا لما أراده له الاستعمار المسيحيّ, لا يهتم بالعظائم, ويحب الراحة والكسل, ولا يعرف همه في دنياه إلّا في الشهوات, فإذا تَعَلَّمَ فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات, وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء". كانت تلك هي النصوص.. ومفادها.. أنه لم كانت البلاد الإسلامية في سابق عهدها إسلامية التعليم، فقد كبر على الاستعمار الغازي أن يترك للمسلمين دينهم، بعد أن أبى عليهم أن يترك لهم أرضهم. وكان لابد له أن يحقق لهم جهالتهم بالدين؛ ليتحقق فيهم من بعد, أنَّ مَنْ جَهِلَ شيئًا عاداه. وكان له في ذلك أكثر من سبيل.

стр. 62

أما السبيل الأول: فهو ما لجأ إليه من حصر التعليم الديني, وحصاره ماديًّا ومعنويًّا؛ فأما الحصر والحصار الماديّ: فقد كان يفتح التعليم اللاديني في مواجهته, وتشجيعه, وهو ما أشار إليه المستشرق جب "بإنماء التعليم العلمانيّ تحت الإشراف الإنجليزي في مصر والهند". وتَمَّ مع ذلك تضييق الموارد المادية على التعليم الدينيّ, وإغداقها على التعليم اللادينيّ. وأما الحصر والحصار المعنويّ: فهو ما لجأ إليه من تنفيرٍ وسخريةٍ بطالب العلم الدينيّ وبأستاذه, وبالتفرقة بين أساتذيّ الدين والمواد الأخرى في كل شيء, تفرقة مرسومة مقصودة, ثم بالتفرقة بين خريج المعاهد والكليات الدينية, وبين زملائه في الكليات الأخرى, فمناصب المعاهد والكليات الدينية محدودة, متواضعة في المظهر وفي الجر, ومناصب المعاهد والكليات الأخرى عديدة كثيرة, فارهة المظهر، والأجر. وفي اللاشعور يرسب ذلك كله, نفورًا من الدين, وإقبالًا على غير الدين؛ من حيث لا يدري الطالب الصغير, أو الكبير, ومن حيث لا يشعر. وأما السبيل الثاني: فكان الابتعاث إلى الخارج, إلى الدول غير الإسلامية, وحقق ذلك الابتعاث نتائجه الباهرة المقصودة.. فهو أولًا يزيد طالب التعليم العام جهالة بدينه وقيمه ومثله, ويزيده تعلقًا بقيم الغرب أو الشرق ومثله, وهو من ناحيةٍ أخرى, يبدأ بتطبيعه بطباع غير إسلامية, ثم يصير التطبع مع الزمن طبعًا, وينسلخ الطالب من حيث لا يشعر حتى من تقاليده في الملبس والمأكل والمشرب وطريقة التعامل, ويغدو غربيًّا أو شرقيًّا, ربما أكثر من الغربيّ أو من الشرقيّ. وحول هذا المعنى يقول أحد الكتاب الغربيين: "فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى, تتحول هذه المنطقة؛ فتصبح أكثر غربيةً, ويواجه الزعماء العرب طريقين.

стр. 63

فهم يطردون الغرب سياسيًّا, ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيًّا١". ولقد بدأ هذا السبيل مبكرًا.. ربما ليساعدوا إلى تخريج الأساتذة التي تجري "تفريخ" مبادئهم بعد ذلك في بلادهم بغير حاجة إلى ابتعاث الجدد، وبغير حاجة إلى جهد غير وطنيّ, وهو يصرح به نفس الكاتب السابق حين يقول: "أما الآن, فقد قبلت التأثيرات الغربية في الشرق الأدنى إلى درجةٍ تجعل من الصعب التحقق من أن امرءًا ما, قد ذهب, أولم يذهب إلى أوربا أصلًا، فقد أصبح العرب متغربين بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوربا". ومثل ذلك هو الشيخ: رفاعة الطهطاوي, الذي بعث إلى باريس خمس سنوات "١٨٢٦-١٨٣١" ليعود بعدها يصرح بأن الرقص الغربيّ -الذي تتلاصق فيه أجساد, وتختلط الأنفاس, وتتلاقى النظرات- بأن هذا الرقص لونٌ من العياقة والشلبنة -أي: الفتوة- ثم ينادي بالفرعونية -وهي في ميزان الإسلام جاهلية وعصبية منتنة- ينادي بها بديلًا عن الإسلام. ومن بعد رافع, كان طه حسين وكتاباته في مستقبل الثقافة في مصر, وفي مرآة الإسلام, ومن قبلها في الشعر الجاهليّ, لا تحتاج إلى تعليق لكل ذي بصر إسلاميّ. ومع طه حسين, قاسم أمين الذي نادى في مصر بتحرير المرأة, وإن نسب البعض كتابته إلى الشيخ محمد عبده, والزعيم سعد زغلول, وقد خشي الزعيمان على شعبيتهما فحملا قاسم العبء, وحمله أنه كان ظلومًا جهولًا.. كل هؤلاءلم تكن ثقافتهم ولا ترتيبتهم محلية, ومن ثَمّ فلم يكن غريبًا ما صرحوا به أو أذاعوه, بل كان ذلك جزءًا من مخطط رهيبٍ أثيمٍ؛ لهدم قيم الإسلام ومثله, ولا يزال الابتعاث رغم ما خرج من أساتذة يقومون بنفس

стр. 64

الدور, لا يزال له دوره, وبخاصة في البلاد التي تسمى: "نامية" والتي يخشى أن تتجه بصدق إلى الإسلام, لا يزال الابتعاث يولي أهمية كبيرة لهذه البلاد باعتبارها بكرًا, ويصل الاهتمام إلى حد نزول الابتعاث من مرحلة ما بعد الجامعة, إلى مرحلة ما بعد الثانوية العامة؛ حيث سن المراهقة الخطير, ينتقل فيه الشباب من المجتمع المغلق إلى المجتمع المفتوح، والمفتوح جدًّا, فتنقلب موازين عقله بعد موازين قلبه، كما حدث في درس رفاعة رافع الطهطاوي -الصعيدي. كما يصل الاهتمام حد الحرص على إيفاد المبعوث سنةً كاملةً كل خمس سنوات, بعد عودته من بعثته المباركة, وتوليه أهم المناصب, وهكذا يتولد ضمان استمرار "الولاء" و"الوفاء", أو ما هو أشد من الولاء والوفاء. وأما السبيل الثالث: فهو انتشار المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية, وقد كان في البداية سبيلًا لتنصير المسلمين, وعلى هذا نصت بعض مؤتمرات التبشير, وعلى هذا نفهم إنشاء الكلية الإنجيلية في بيروت, وإنشاء الجامعة الأمريكية في مصر١. لكن استفادة من نصائح زويمر, لم يعد مطلوبًا إدخال المسلمين إلى المسيحية, إنه يكفي إخراجهم من الإسلام. وعلى هذا تعمل المدارس الأجنبية حاليًا في البلاد الإسلامية. وأقل ضرر لها, هو الازدراء باللغة العربية، وتمجيد اللغة الأجنبية, بما يترتب على الأمرين من آثار خطيرة في اللاشعور. وأقل ضرر لها, هو الازدراء بالدين, بعد أن تعمد إلى تقديم مدرسه متهدمًا في مظهر ومخبره، مثيرًا للسخرية والاشمئزاز من صغار الطلاب وكبارهم على السواء، بينما يظهر رجل الدين عندهم على نحو مخالفٍ, يولد الرهبة والاحترام, وقد يولد الحب والود والألفة.

стр. 65

وأما السبيل الرابع: فقد كان تمييع المناهج الإسلامية باسم التطوير, وقد رأينا أن كرومر قد دعا إلى تطوير الأزهر, ورأينا خلفاء "كرومر" يقومون بالتطوير بعد خمسين سنة أو يزيد, ومع كرومر أو قبل كرومر, نادت بذلك مؤتمرات التبشير. ولم يكن الأمر قاصرًا على مناهج المعاهد والكليات الدينية, إن الأمر امتد إلى مناهج "الدين" في التعليم العام؛ فاقتصرت على القشور, واحتوت على التعقيد, وصاحَبَها سوء اختيار معلم الدين الذي كثيرًا ما يكون متعمدًا؛ ليورث في اللاشعور كراهية الدين, والسخرية منه.. وأما السبيل الخامس والأخير: فقد كان نشر الاختلاط بين الجنسين في مراحل التعليم, وقد بدأوا بها في الجامعات, في أكثر البلاد الإسلامية, تحت دعوى التقدم والتمدين، ونشر الروح الجامعية، وكأن التمدن والتقدم ونشر الروح الجامعية لا يتم إلّا بإشعال نار الغرائز, وتأجيج سعار الشهوة في سن الشباب الملتهب. وقالوا في تبرير الاختلاط الكثير مما هو غير صحيح, حتى في علمهم هم, فقد قالوا: إن الاختلاط يشذب الغريزة ويهذبها, وأثبت العلم أن الاختلاط لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يشيع "البرود الجنسي بين الجنسين" وهذا مرض تشكو منه بعض البلاد, وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. وإما أن يؤجج سعار الجنس ويزيد لهيبه, وهو ما تؤكده تجربة القط والفأر اللذين اتيا بهما وهما رضيعان, ثم وضعا في قفص صغير واحد، وظلا يأكلان سويًّا من طبق واحد، حتى إذا جاء موعد ظهور الغريزة، ولكل غريزة موعد, انقض القط على الفأر فأكله, ولم تشفع له عشرة طالت, ولا اختلاط دام.. وتوسعوا في أمر الاختلاط, فجعلوه في المرحلة الابتدائية, وهي عند البعض قد تضم بعض سنوات المراهقة, وجعلوه في المرحلة الثانوية, وهو أخطر ما يكون.. وتزداد المهزلة, حين يجعلون على هؤلاء المراهقين مدرسات؛ لتمتد النيران ما بين التلاميذ والمدرسات؛ فتنهدم قيمة احترام

стр. 66

المدرس, مع ما ينهدم من قيم بالاختلاط أو مع الاختلاط. وتأكيدًا لهذا السبيل الآثم, تحرص كثير من المؤلفات على التهوين من مقدمات الزنى التي لابد أن تفضي إليه, إلّا من عصم ربي, وقليل ما هم. ففي أحد كتب مؤسسة فرانكلين الأمريكية, التي تنشر في أحد البلاد الإسلامية يقول: "فبدلًا من فصل البنين عن البنات, يجب أن نعمل على إشراكهم معًا في الأعمال الممتعة, ومواقف اللعب, وإذا حدث استلطاف بين بعض البنين والبنات, فينبغي النظر إليه على أنه نوع من الصداقة, وليس غرامًا أوعشقًا, وعبثًا تحاول المؤسسة الأمريكية أن تخلع عن الحرام اسم الحرام، وأن تخلع عليه ثوب "البراءة" الكاذب. وفي مكان آخر, ولنفس المؤسسة: "إن خروج الفتيات في صحبة الفتيان من الأمور الطبيعية التي يستطيع معظم الآباء تقبلها في الوقت المناسب, على أي حالٍ, باعتبارها جانبًا من جوانب النمو الجسمي للمراهق" وفي مكان آخر: "وفي كل علاقةٍ بين فتًى وفتاةٍ, يشعر كل منهما في بعض الأحيان بدافع يحفزه على التعبير عن حبه, وتقديره للآخر بلمسه, أو ضغطه على اليد, أو قبلة، والكشف عن المشاعر بهذه الطريقة, والاستجابة لها أمر طبيعيّ". وأخيرًا.. فالشوق إلى القبلة, أو بعض الغزل الرقيق, أو الإنصات إلى قصةٍ فيها تلميحات جنسية, هذه ليست أمور شائنة١". وقد سبق خطوةَ الاختلاط في الدول الإسلامية المتقدمة خطوةٌ تمر بها الآن الدول الإسلامية -غير المتقدمة- وهو التوسع في تعليم البنات. وتعليم البنت في حَدِّ ذاته, قد لا يكون هو مصدر قلق, لكن التوسع في هذا التعليم من غير تخطيط إسلاميّ, بل ولا حتى فطريّ, هو مصدرالقلق كله.

стр. 67

ذلك أن إنكار اختلاف فطرة المرأة عن الرجل غباء أو تغاب, فلا شك في هذا الاختلاف, ومن ثَمَّ وجب اختلاف المناهج وفقًا لهذا الاختلاف، ووجب اختلاف مجالات العمل كذلك تبعًا لهذا الاختلاف. ذلك لو كان الذين يخططون لتعليم البنات يصدرون عن فهم إسلاميّ, أو حتى عن فهمٍ ذاتيّ, مبرأ من التدخل الأجنبيّ. أما أن يصير الأمر مجرد مزاحمةٍ للبنت مع الولد بحجة التمدين والتحضر, حتى لو صادم ذلك فطرتها وطبيعتها؛ بحيث ترى البنت مهندسة وصانعة وعاملة في الأفران, فذلك لا يقره عاقل. كذلك يسبق خطوة الاختلاف خطوة أخرى, هو تعرية المرأة المسلمة, أو كشف الحجاب عنها, كذلك تحت دعاوي التحرر والتمدين, وماحدث في الكويت الشقيقة منذ سنوات أقرب مثل. لقد كانت الكويت, وهي جزء من الجزيرة العربية, تفرض عادتها الإسلامية الحجاب على المرأة, وبغضِّ النظر عن الخلاف الفقهيّ في صدد كشف وجه المرأة, فإن الأمر لم يقتصر على كشف الوجه, بل كشف المحارم التي لا خلاف على حرمتها. وكان آخر ما قدمته الكويت المسلمة إحراجًا لضيف كبير مسلم, أن رقصت فتياتها المراهقات بملابس قصيرة, تكشف عن أفخاذهن, وبأداء متكسر مثير, أمام الضيوف الكبار الذين امتدت بهم الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل. وهكذا يسبق التحرر الاختلاط؛ ليزول الحياء قبل الاختلاط, فيسقط آخر مانع يحول دون اشتعال النار, وهكذا ينزوي التعليم الديني, مع ذلك الضجيج الهائل من حوله, ومع ذلك التخريب الهائل من داخله, وهكذا مثلت "الازدواجية" في التعليم تكتيكًا مرحليًّا, مارسه أعداء الإسلام في الشرق الإسلاميّ المسكين".

стр. 68

وترتب على هذا الازدواج بالوضع الذي أشرنا إليه نتائج خطيرة: ١- فهي أولًا: أدت إلى تمزيق المجتمع الإسلاميّ بين طائفة العلمانيين الواردين من الخارج, أو المتخرجين في الداخل. ٢- وهي ثانيًا: أدت إلى إبعاد العلمانيين عن الإسلام. ٣- وهي ثالثًا: جعلت الأمر إلى أيدي هؤلاء العلمانيين. ٤- وهي رابعًا: أدت إلى الازدراء من شأن الدين, والازدراء بطلابه ومعلميه.. ثانيًا- العلمانية في الإعلام: العلمانية في التعليم أقدم وأخطر, والعلمانية في الإعلام أعمّ وأشمل, ومن هنا تكمن خطورتها، إن التعليم قد يخاطب الآلاف بمناهجه, لكن الإعلام يخاطب الملايين ببرامجه, وأكثر هذه الملايين ساذجة تؤثر فيها الكلمة, مقروءة, أو مسموعةً, أو منظورةً. فإن كانت طيبةً, كانت كشجرة طيبةٍ, أصلها ثابت وفرعها في السماء, تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وإن كانت خبيثةً, كانت شجرة خبيثة, اجتثت من فوق الأرض, مالها من قرار. من هنا كان اهتمام الإسلام بالكلمة وأمانتها, فإما أن ترتفع بالمؤمن إلى معية سيد الشهداء, وأما أن تهوي بقائلها في النار سبعين خريفًا.

стр. 69

وللأسف, فإننا نستطيع باطمئنان أن نقرر أن وسائل الإعلام المختلفة من صحافةٍ، وإذاعةٍ، وتليفزيونٍ وسينما, مسخرة اليوم لإشاعة الفاحشة، والإغراء بالجريمة، والسعي بالفساد في الرض, بما يترتب على ذلك من خلخلة للعقيدة, وتحطيمٍ للأخلاق والقيم والمثل.. وهما: "العقيدة والأخلاق" أساس لبناء الإسلام, فإذا انهدم الأساس, فيكف يقوم البناء؟؟. وتتفاوت درجات الفساد في وسائل الإعلام تبعًا لهذه الوسائل, فهي في السينما أشد, يليهاالتليفزيون, والإذاعة, والصحافة. كذلك تتفاوت درجات الفساد بين أقطار الإسلام المختلفة. قد يقول قائل: ولربما كان الفساد في بلادٍ لا تجاهر به أشد من بلادٍ أخرى تجاهر به، ففيها الزنى واللواط, وأكل الربا وشرب الخمر, وغير ذلك من المنكرات. ونقول: ولقد يكون هذا صحيحًا لا يماري فيه عالم, ولقد يكون علاجه واجبًا, ليس عن طريق الحدود وحدها، وإنما عن طريق التربية الصحيحة والعلاج الاجتماعيّ بوسائله المختلفة؛ بالقدوة, والأخذ على يد المفسدين, مهما كان مركزهم, حتى لا تصير الحدود قصرًا على الضعيف دون الشريف. ومع ذلك, فلا يبرر ذلك أن تجهر بلاد بالفاحشة, فإن في ذلك إشاعة لها أيما إشاعة، أو تتعالن بلاد بالمعصية, فإن في ذلك إغراء بها أيما إغراء, وهذا يساعد على سرعة الانتشار، ويهون الجريمة على من يتردد في اقترافها, ولذا كانت الحدود ردعًا لهذا الشر أن يسري أو يستشري.

стр. 70

وليعلم الناس ما تفعله الصحافة في بلاد المسلمين, نختار أربعة أمثلة من تواريخ مختلفة: أ- مقال نشر بجريدة السياسة الأسبوعية بالقاهرة, سنة ١٩٢٦, ذكر فيه كاتب المقال أن بعض الفتيات التركيات يشبهن فتيات أوربا, وقد تلقى بعضهن العلم في الكلية الأميريكية بالقسطنطينية, وذكرت واحدة منهن: "أن المرأة التركية اليوم حرة، فلن تسير في الطرقات في ظلام، وأننا نعيش اليوم مثل نسائكم الإنجليزيات, نلبس أحدث الأزياء الأوربية والأمريكية، ونرقص، وندخن، ونسافر, وننتقل بغير أزواجنا" ويعلق كاتب الجريدة: ولا يسع كل محبٍّ لتركيا إلّا أن يغبطها على هذه الخطوات. ب- في سنة ١٣٨٦هـ-١٩٦٦م, استضافت أسرة تحرير الأهرام فيلسوف الوجودية "سارتر" وعشيقته التي تعيش معه في الحرام "سيمون دي بوفوار" ويجهر بهذا الفجور والفساد, ويدعى الرجال ويدعى النساء؛ ليروا هذه القدوة القبيحة السيئة, وليسمعوا عنها السم الزعاف. ج- ويبلغ الفجور في السبعينات أقصى مداه, حين تنشر جريدة الأهرام عن ضبط بيوتٍ للدعارة, فيها نساء من بيوتاتٍ لم يكن يسمع عنها من قبل سوء, وتنشر عن ضبط تلميذاتٍ صغيراتٍ في هذه البيوت, ثم تهوّن هذه الجريمة الفظيعة تحت عناوين مثيرة. تلميذة في شقة مفروشة، افتحوا أبواب الاختلاط في كل مراحل التعليم, وأطلقوا الحرية للشباب تحت رقابة الأسرة والمدرسة, ولا تهمنا البنت التي تنحرف من أجل فستان١. د- وفي أحد أعداد مجلة النهضة الكويتية سنة ١٩٧٦, تحقيق صحفيّ في سبع صفحات كبيرة مطرزة بصور مثيرة لفتيات شبه عاريات, وتحت عناوين بارزة كتب بالخط العريض: حصاد المعاكسات في أسواق الكويت: مغازلات.. معاكسات.. همسات.. نظرات.. إشارات.. أرقام تليفونات.. سألت أحدى الصحفيات بعض فتيات الكويت اللائي

стр. 71

أدلين بأسمائهن كاملة, وقصصن ما يحدث لهن من تحرشاتٍ بأسلوب مكشوف, حتى أن أحداهن " ... ..." لم تستح أن تصرح أن بائع الأحذية في كل مرة يقيس لها حذاء, أو يخلعه, يتحسس ساقيها, كما أن بائع الملابس يمسك خصرها بكلتا يديه, وتحكي أخرى " ... ..." أن الملابس تكشف كل شيء "لأنها شفافة" وخاصةً عند طلوع الدرج داخل المحل؛ لأن الأضواء توضع على الدرج, فتكشف كل شيء في جمسها, هذا بالإضافة إلى زجاجة العطر التي سكبتها على صدرها, إلى جانب المكياج الصارخ الذي تزين به وجهها، ولا أدري, لماذا تحرص على مداراته بطرف العباءة "الشفافة" بعد كل هذه الزينة التي وضعتها عليه, ولا ندري, ماذا يستفيده القارئ المسلم من مثل هذه التحقيقات إلّا تزيين الانحلال, والتهوين من أمره, وتعليم من يتعلم. ونختم القول بالتنويه بما أوصى به المؤتمر العالميّ لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة, المنعقد في عام ١٣٩٧هـ-١٩٧٧م, بمدينة رسول الله ﷺ منددًا بحال الإعلام في البلاد الإسلامية: "ويندد المؤتمر بالهوة السحيقة التي تردى فيها إعلامنا, ولا يزال يتردى، عن علم من القائمين به, أو عليه, أو عن جهل منهم، فبدلًا من أن يكون الإعلام في البلاد الإسلامية منبر دعوة للخير، ومنار إشعاع للحق, صار صوت إفساد وسوط عذاب, وسكت القادة فأقروا بسكوتهم, أو جاوزوا ذلك فشجعوا وحموا, وزلزل الناس في إيمانهم وقيمهم ومثلهم, ولم يعد الأمر يحتمل السكوت من الدعاة إلى الحق". ثالثًا- العلمانية في القانون: "حَدٌّ يعمل به في الأرض, خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا" هذا مثل لأهمية الجانب القانونيّ في الإسلام. وكما تكون طاعة الله في الشعائر, لابد أن تكون كذلك في الشرائع, وكما يكون إشراك بالله في الشعائر, يكون كذلك إشراك بالله في الشرائع, هذه كتلك, لأن كلًّا من عند الله. والرهب لازم, كالرغب في إقامة شريعة الله, والرهبة تولدها السلطة.

стр. 72

والرغبة تولدها القدوة, والاثنان يتحققان إذا كان الحكم للإسلام، وكان حكامه من المسلمين. من أجل ذلك كله كان حرص أعداء الإسلام على إبعاده عن مجال السلطة؛ ليحرموا الإسلام الرهبة والرغبة. ومن ثَمَّ ليبقى مجرد هيكلٍ, أقرب إلى الموت منه إلى الحياة, ولقد وضع ذلك مما فعلوه في العالم الإسلاميّ, ولنأخذ مثلًا تركيا: حين فكروا في إبعادها عن الإسلام, بذلوا جهودهم "لعملنة" القانون, وتدرجوا, ففي كل عشر سنوات يتم علمنة جانب من جوانب القانون, منذ سنة ١٢٥٦هـ-١٨٤٠م, ثم صارت كل حوالي عشرين سنة, حتى تمت أكبر علمنة بإعلان الغاء الخلافة سنة ١٣٤٣هـ-١٩٢٤م. وفي مصر: اقترنت "علمنة" القانون بالاحتلال الأجنبيّ, فكانت أول علمنة سنة ١٣٠١هـ-١٨٨٣م, بعد الاحتلال بسنة واحدة, واقترن إلغاء الامتيازات الأجنبية بشرط الأجانب, الاستمداد من التشريع الغربيّ بعيدًا عن الشريعة الإسلامية, ثم اقترن إلغاء النص على أن دين الدولة هو الإسلام في دستور مصر المؤقت سنة ١٩٥٨, ثم في ميثاق العمل الوطني سنة ١٩٦٢, اقترن بأحداث داخلية يعرف عنها الكثيرُ الكثيرَ. وأكثر الدول الإسلامية -بكل أسف- تمت فيها علمنة القانون, والدول التي لا تزال فيها بقايا تطبيق الشريعة, تحيط بها المؤامرات من كل جانب لعلمنة القانون، ويجري التمهيد لهذه العلمنة بما يجري من "علمنة التعليم" وعلمنة الإعلام, فيوجد جيل علمانيّ يقدس القانون العلمانيّ, ويولد نتيجة الإعلام رأيٌ علمانيّ يتقبل مثل هذه العلمنة. وهكذا عملت العلمانية من خلال التعليم، ومن خلال الإعلام, ومن خلال القانون, ولننظر كيف عملت القومية في مواجهة الدين.

стр. 73

ثانيًا: القومية على عهد رسول الله ﷺ , آخى بين المهاجرين والأنصار, على أساس من آصرة الإسلام, وليس على أساس أيّ آصره أخرى, آخى بين بلال بن رباح وخالد بن رويحه الخثعمي، وبين مولاه زيد وعمه الحمزة بن عبد المطلب، وبين خارجة بن زيد وأبي بكر الصديق، وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان. ولما أراد أحد المسلمين أن يثيرها عصبيةً ونادى: يا للأنصار, فنادى الآخر: يا للمهاجرين, قال رسول الله ﷺ غاضبًا: "أبدعوى الجاهلية, وأنا بين أظهركم..! " وفي حديثه ﷺ أكد المعنى فقال: "ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية, أو يدعو إلى عصبية, أو ينصر عصبية, فقُتِلَ فقتلته جاهلية". وكان من آخر وصاياه يوم حجة الوداع: "كلكم لآدم وآدم من تراب, لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض.. إلّا بالتقوى!! ". وعلى عهد الراشدين -رضوان الله عليهم, ضمت أرض الإسلام أكبر إمبراطوريتين على وجه الأرض: الروم والفرس, فما فُضِّلَ عربيٌّ على عجميّ لعروبته, أو جنسه, أو لونه, إنما كان الفضل بعد التقوى للعمل الصالح, والعمل الصالح وحده, وعرفت علوم الإسلام في فروعها المختلفة فقهاء وعلماء من الأمصار, ليس فيهم من العرب إلّا النزر اليسير١.

стр. 74

وفي الحديث, عرفت أوربا فكرة القومية, ثم صارت متخلفة عن العصر, تشير إلى القرن الثامن عشر, أو التاسع عشر.. وصارت دعواها بذلك دعوى رجعية, لكن الأمة العربية ابتليت بها. عرفت: ميشيل عفلق زعيمًا لحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ, وأنطون سعادة, زعيمًا لقوميين السوريين, وجورج حبش, زعيمًا للقوميين العرب, وقسطنطين زريق, أحد الزعماء الآخرين١..! وهكذا لم تعرف القومية العربية زعيمًا ممن يحمل أسماء المسلمين إلّا واحدًا لا يزال عمله في ذمة التاريخ٢. وعرض الكاتبون في القوميات لما تقوم عليه القوميات من أسس؛ ليكشفوا عن عدم صلاحيتها, فعرضوا لنظرية العرق التي قامت عليه القومية الألمانية, وما يزعمون عن العرق الآري الممتاز؛ ليكشفوا عن أن الألمان ليسوا شعبًا خالصًا, بل خالط غيره. وكذلك الشعب العربيّ, خالط الروم والفرس والأتراك, وفي كتاب "كفاحي" لهتلر, جعل الأمة العربية في الدرجة ١٣! وعلى نفس المنوال عنصر اللغة, فسويسرا تضم ٣ لغات, والقارة الهندية تضم ٣٠٠ لغة, وكذا سائر عناصر القومية من تاريخ وأرض ومصالح مشتركة ليس

стр. 75

فيها عنصر خالص تقوم عليه القومية, هذا كله بالبحث العلميّ الهادئ. فإذا أضفنا إلى ذلك ما لابس إثارة القوميات من أحداثٍ تاريخيةٍ لبان ما قدمنا له من أن القومية أحد العناصر التي استخدمها أعداء الإسلام لإبعاد الأمة عن دينها. إثارة القومية الطورانية في تركيا اقترنت بتمزيق تركيا, وإبعادها عن الإسلام, وإثارة القومية العربية في البلاد العربية, اقترنت بتمزيق دولة الخلافة, ومؤتمرات لورانس ومكماهون قصدا إلى القضاء على الجسد الإسلاميّ الذي أسموه يومئذ: بالرجل المريض!! حتى الجامعة العربية, كانت كما يعرف كل مَنْ عاصر أحداث العصر من صناعة وزير خارجية الإنجليز! لتكون بديلًا عن الجامعة الإسلامية, وفي كتاباتٍ حديثة لكتَّابِ غربيين, أشاروا إلى أن القومية العربية التي رفع رايتها في مصر زعيم كبير, كانت بديلًا هامًّا عن الشعار الإسلاميّ الذي كان يهدد بثورة في المنطقة, فكان الانقلاب العسكريّ امتصاصًا لمشاعر الأمة المتوثبة للإسلام١! نتائج الدعوة القومية: وهكذا, فإن تيار الفكرة القومية كانت مهمته إقصاء الإسلام, وتفريغ القضية السياسية والاجتماعية بوجه عامٍّ من المحتوى الإسلاميّ، وإحلال فلسفة أخرى, وعقيدة أخرى محل عقيدته، واستبدال رابطة أخرى برابطته؛ لعزل الشعوب الإسلامية بعضها عن بعض عزلًا نهائيًّا؛ بحيث تكون صلة بعضها ببعض كصلتها بأيِّ شعب من الشعوب الأخرى التي تدين بالوثنية أو الماركسية أو غيرها، والتي لم تكن تربطها بها أيّ رابطة، وبذلك تنقطع الصلات بين الشعوب الإسلامية، وتضعف روابط الثقافة المشتركة ولغة القرآن، والقيم الخلقية، ويقضي على الأخوة الإسلامية. فما دام باب القومية قد فتح على المسلمين, فقد كان طبيعيًّا أن تنتهي إلى ظهور القومية الكردية في العراق, والبنغالية في باكستان، بعد أن أوصد الباب الذي يصل المسلمين بعضهم ببعض وهو الإسلام.
следующие страницы →