أدلين بأسمائهن كاملة, وقصصن ما يحدث لهن من تحرشاتٍ بأسلوب مكشوف, حتى أن أحداهن " ... ..." لم تستح أن تصرح أن بائع الأحذية في كل مرة يقيس لها حذاء, أو يخلعه, يتحسس ساقيها, كما أن بائع الملابس يمسك خصرها بكلتا يديه, وتحكي أخرى " ... ..." أن الملابس تكشف كل شيء "لأنها شفافة" وخاصةً عند طلوع الدرج داخل المحل؛ لأن الأضواء توضع على الدرج, فتكشف كل شيء في جمسها, هذا بالإضافة إلى زجاجة العطر التي سكبتها على صدرها, إلى جانب المكياج الصارخ الذي تزين به وجهها، ولا أدري, لماذا تحرص على مداراته بطرف العباءة "الشفافة" بعد كل هذه الزينة التي وضعتها عليه, ولا ندري, ماذا يستفيده القارئ المسلم من مثل هذه التحقيقات إلّا تزيين الانحلال, والتهوين من أمره, وتعليم من يتعلم.
ونختم القول بالتنويه بما أوصى به المؤتمر العالميّ لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة, المنعقد في عام ١٣٩٧هـ-١٩٧٧م, بمدينة رسول الله ﷺ منددًا بحال الإعلام في البلاد الإسلامية:
"ويندد المؤتمر بالهوة السحيقة التي تردى فيها إعلامنا, ولا يزال يتردى، عن علم من القائمين به, أو عليه, أو عن جهل منهم، فبدلًا من أن يكون الإعلام في البلاد الإسلامية منبر دعوة للخير، ومنار إشعاع للحق, صار صوت إفساد وسوط عذاب, وسكت القادة فأقروا بسكوتهم, أو جاوزوا ذلك فشجعوا وحموا, وزلزل الناس في إيمانهم وقيمهم ومثلهم, ولم يعد الأمر يحتمل السكوت من الدعاة إلى الحق".
ثالثًا- العلمانية في القانون:
"حَدٌّ يعمل به في الأرض, خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا" هذا مثل لأهمية الجانب القانونيّ في الإسلام.
وكما تكون طاعة الله في الشعائر, لابد أن تكون كذلك في الشرائع, وكما يكون إشراك بالله في الشعائر, يكون كذلك إشراك بالله في الشرائع, هذه كتلك, لأن كلًّا من عند الله.
والرهب لازم, كالرغب في إقامة شريعة الله, والرهبة تولدها السلطة.
стр. 72
والرغبة تولدها القدوة, والاثنان يتحققان إذا كان الحكم للإسلام، وكان حكامه من المسلمين.
من أجل ذلك كله كان حرص أعداء الإسلام على إبعاده عن مجال السلطة؛ ليحرموا الإسلام الرهبة والرغبة.
ومن ثَمَّ ليبقى مجرد هيكلٍ, أقرب إلى الموت منه إلى الحياة, ولقد وضع ذلك مما فعلوه في العالم الإسلاميّ, ولنأخذ مثلًا تركيا:
حين فكروا في إبعادها عن الإسلام, بذلوا جهودهم "لعملنة" القانون, وتدرجوا, ففي كل عشر سنوات يتم علمنة جانب من جوانب القانون, منذ سنة ١٢٥٦هـ-١٨٤٠م, ثم صارت كل حوالي عشرين سنة, حتى تمت أكبر علمنة بإعلان الغاء الخلافة سنة ١٣٤٣هـ-١٩٢٤م.
وفي مصر:
اقترنت "علمنة" القانون بالاحتلال الأجنبيّ, فكانت أول علمنة سنة ١٣٠١هـ-١٨٨٣م, بعد الاحتلال بسنة واحدة, واقترن إلغاء الامتيازات الأجنبية بشرط الأجانب, الاستمداد من التشريع الغربيّ بعيدًا عن الشريعة الإسلامية, ثم اقترن إلغاء النص على أن دين الدولة هو الإسلام في دستور مصر المؤقت سنة ١٩٥٨, ثم في ميثاق العمل الوطني سنة ١٩٦٢, اقترن بأحداث داخلية يعرف عنها الكثيرُ الكثيرَ.
وأكثر الدول الإسلامية -بكل أسف- تمت فيها علمنة القانون, والدول التي لا تزال فيها بقايا تطبيق الشريعة, تحيط بها المؤامرات من كل جانب لعلمنة القانون، ويجري التمهيد لهذه العلمنة بما يجري من "علمنة التعليم" وعلمنة الإعلام, فيوجد جيل علمانيّ يقدس القانون العلمانيّ, ويولد نتيجة الإعلام رأيٌ علمانيّ يتقبل مثل هذه العلمنة.
وهكذا عملت العلمانية من خلال التعليم، ومن خلال الإعلام, ومن خلال القانون, ولننظر كيف عملت القومية في مواجهة الدين.
стр. 73
ثانيًا: القومية
على عهد رسول الله ﷺ , آخى بين المهاجرين والأنصار, على أساس من آصرة الإسلام, وليس على أساس أيّ آصره أخرى, آخى بين بلال بن رباح وخالد بن رويحه الخثعمي، وبين مولاه زيد وعمه الحمزة بن عبد المطلب، وبين خارجة بن زيد وأبي بكر الصديق، وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان.
ولما أراد أحد المسلمين أن يثيرها عصبيةً ونادى: يا للأنصار, فنادى الآخر: يا للمهاجرين, قال رسول الله ﷺ غاضبًا: "أبدعوى الجاهلية, وأنا بين أظهركم..! " وفي حديثه ﷺ أكد المعنى فقال: "ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية, أو يدعو إلى عصبية, أو ينصر عصبية, فقُتِلَ فقتلته جاهلية".
وكان من آخر وصاياه يوم حجة الوداع: "كلكم لآدم وآدم من تراب, لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض.. إلّا بالتقوى!! ".
وعلى عهد الراشدين -رضوان الله عليهم, ضمت أرض الإسلام أكبر إمبراطوريتين على وجه الأرض: الروم والفرس, فما فُضِّلَ عربيٌّ على عجميّ لعروبته, أو جنسه, أو لونه, إنما كان الفضل بعد التقوى للعمل الصالح, والعمل الصالح وحده, وعرفت علوم الإسلام في فروعها المختلفة فقهاء وعلماء من الأمصار, ليس فيهم من العرب إلّا النزر اليسير١.
стр. 74
وفي الحديث, عرفت أوربا فكرة القومية, ثم صارت متخلفة عن العصر, تشير إلى القرن الثامن عشر, أو التاسع عشر.. وصارت دعواها بذلك دعوى رجعية, لكن الأمة العربية ابتليت بها.
عرفت:
ميشيل عفلق زعيمًا لحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ, وأنطون سعادة, زعيمًا لقوميين السوريين, وجورج حبش, زعيمًا للقوميين العرب, وقسطنطين زريق, أحد الزعماء الآخرين١..!
وهكذا لم تعرف القومية العربية زعيمًا ممن يحمل أسماء المسلمين إلّا واحدًا لا يزال عمله في ذمة التاريخ٢.
وعرض الكاتبون في القوميات لما تقوم عليه القوميات من أسس؛ ليكشفوا عن عدم صلاحيتها, فعرضوا لنظرية العرق التي قامت عليه القومية الألمانية, وما يزعمون عن العرق الآري الممتاز؛ ليكشفوا عن أن الألمان ليسوا شعبًا خالصًا, بل خالط غيره.
وكذلك الشعب العربيّ, خالط الروم والفرس والأتراك, وفي كتاب "كفاحي" لهتلر, جعل الأمة العربية في الدرجة ١٣!
وعلى نفس المنوال عنصر اللغة, فسويسرا تضم ٣ لغات, والقارة الهندية تضم ٣٠٠ لغة, وكذا سائر عناصر القومية من تاريخ وأرض ومصالح مشتركة ليس
стр. 75
فيها عنصر خالص تقوم عليه القومية, هذا كله بالبحث العلميّ الهادئ.
فإذا أضفنا إلى ذلك ما لابس إثارة القوميات من أحداثٍ تاريخيةٍ لبان ما قدمنا له من أن القومية أحد العناصر التي استخدمها أعداء الإسلام لإبعاد الأمة عن دينها.
إثارة القومية الطورانية في تركيا اقترنت بتمزيق تركيا, وإبعادها عن الإسلام, وإثارة القومية العربية في البلاد العربية, اقترنت بتمزيق دولة الخلافة, ومؤتمرات لورانس ومكماهون قصدا إلى القضاء على الجسد الإسلاميّ الذي أسموه يومئذ: بالرجل المريض!!
حتى الجامعة العربية, كانت كما يعرف كل مَنْ عاصر أحداث العصر من صناعة وزير خارجية الإنجليز! لتكون بديلًا عن الجامعة الإسلامية, وفي كتاباتٍ حديثة لكتَّابِ غربيين, أشاروا إلى أن القومية العربية التي رفع رايتها في مصر زعيم كبير, كانت بديلًا هامًّا عن الشعار الإسلاميّ الذي كان يهدد بثورة في المنطقة, فكان الانقلاب العسكريّ امتصاصًا لمشاعر الأمة المتوثبة للإسلام١!
نتائج الدعوة القومية:
وهكذا, فإن تيار الفكرة القومية كانت مهمته إقصاء الإسلام, وتفريغ القضية السياسية والاجتماعية بوجه عامٍّ من المحتوى الإسلاميّ، وإحلال فلسفة أخرى, وعقيدة أخرى محل عقيدته، واستبدال رابطة أخرى برابطته؛ لعزل الشعوب الإسلامية بعضها عن بعض عزلًا نهائيًّا؛ بحيث تكون صلة بعضها ببعض كصلتها بأيِّ شعب من الشعوب الأخرى التي تدين بالوثنية أو الماركسية أو غيرها، والتي لم تكن تربطها بها أيّ رابطة، وبذلك تنقطع الصلات بين الشعوب الإسلامية، وتضعف روابط الثقافة المشتركة ولغة القرآن، والقيم الخلقية، ويقضي على الأخوة الإسلامية.
فما دام باب القومية قد فتح على المسلمين, فقد كان طبيعيًّا أن تنتهي إلى ظهور القومية الكردية في العراق, والبنغالية في باكستان، بعد أن أوصد الباب الذي يصل المسلمين بعضهم ببعض وهو الإسلام.
стр. 76
وقد شجَّعت الدول الأوربية الكبرى على ظهور القومية العربية في صورتها العلمانية؛ لتحقيق مطامعها في احتلال الشرق الإسلاميّ, وخاصةً بريطانيا وفرنسا، يقول "لورنس" منفذ سياسة بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى: "وأخذت طول الطريق أفكر في سوريا وفي الحج، وأتساءل: هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية، وهل يغلب الاعتقاد الوطنيّ الاعتقاد الدينيّ؟ وبمعنى أصح: هل تحل المثل العليا السياسية محل الوحي والإلهام، وتستبدل سوريا بمثلها الأعلى الدينيّ مثلها الأعلى الوطنيّ, هذا ما كان يجول في خاطري طول الطريق"١.
ومعلوم أن الثورة العربية على الأتراك قامت بتأييد بريطانيا, ودعمها الأدبيّ والماديّ، ودعم حليفتها فرنسا، وقد ثبت أن عددًا من الزعماء كانوا متصلين بالقنصليات الأجنبية؛ لتلقي هذا الدعم.
وينبه "جب" الأوربيين إلى أن العالم الإسلاميّ المترامي الأطراف, يحيط بأوربا إحاطةً محكمةً, تعزلها عن العالم، ويشير إلى أن وحدة الحضارة الإسلامية تمحو من الأذهان حيثما حلت كل ما يتصل بالتاريخ القوميّ؛ لتحل محله الاعتزاز بالتاريخ الإسلاميّ, والتقاليد الإسلامية..
وحيث يتحدث عن الحركات القومية التي أيدتها دعايات الحلفاء القومية, أثناء الحرب العالمية الأولى, ينبه إلى أن هذا النصر الذي حققته الاتجاهات القومية في الشرق الإسلاميّ, يجب أن لا يصرف الغرب عن الانتباه إلى تيار المعارضة الإسلامية الخفيّ، الذي يعارض في تفتيت الوحدة الإسلامية إلى قوميات علمانية، مبينًا أن هذه المعارضة الإسلامية هي أشد قوة في البلاد العربية.
ويقول "جب" في صراحة تامة: "وقد كان من أهم مظاهر فرنجة العالم الإسلاميّ تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة, التي يشغلها المسلمون الآن, فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا ومصر وإندونسيا والعراق وفارس، وقد تكون أهميته محصورة الآن في تقوية شعور العداء لأوربا، ولكن من الممكن أن يلعب في المستقبل دورًا مهمًّا في تقوية الوطنية الشعوبية, وتدعيم مقوماتها٢.
стр. 77
وهذا يعلل لنا عطف حكومات الاحتلال الغربية على كل مشاريع الحكومات الوطنية, في الشرق الإسلاميّ والعربيّ منه, خاصةً التي من شأنها تقوية الشعوبية فيها، وتعميق الخطوط التي تفرق بين هذه الأوطان الجديدة، مثل الاهتمام بتدريس التاريخ القديم, السابق على الإسلام لتلاميذ المدارس, وأخذهم بتقديسه، والاستعانة على ذلك بالأناشيد، ومثل خلق أعياد محليّة غير الأعياد الدينية التي تلتقي فيها قلوب المسلمين ومشاعرهم على الاحتفال بها، ومثل العناية بتمييز كل بلد من هذه البلاد بزيٍّ خاصٍّ -ولا سيما غطاء الرأس- مما يترتب عليه تمييز كل منها بطابع خاصٍّ، بعد أن كانت تشترك في كثير من مظاهره١.
بين العروبة والإسلام وفضل العرب:
إذا كنا ننكر المبادئ العنصرية والقومية، فإنا نرحب باتحاد العرب وتعاونهم, وتمتين أواصر القربى بينهم على أساس الإسلام, فالعرب هم مادة الإسلام، بلسانهم نزل القرآن الكريم، منهم اصطفى الله الرسول الذي بعثه إلى الناس كافة بالهدى ودين الحقِّ؛ ليظهره على الدين كله, ولهذا فلا يمكن فصل العروبة عن الإسلام، أو فصل الإسلام عن العروبة، وليس عجبًا أن يكون تفكير العربيّ الصادق في عروبته تفكيرًا إسلاميًّا.
ومن هنا كان بغض جنس العرب ومعاداتهم كفرًا أو سببًا للكفر، وهذا معناه أن العرب أفضل الأمم, وأن مجتمعهم سبب قوة الإيمان, كما يقول أبو العباس ابن تيمية ﵀، مستدلًا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ : "حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما من الكفر، وحب العرب من الإيمان, وبغضهم من الكفر" ٢.
كما جاء في حديث آخر ".. فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب, فببغضي أبغضهم".
وقوله ﷺ لسلمان الفارسيّ ﵁: "يا سلمان, لا تبغضني فتفارق دينك, فقال سلمان يا رسول الله،
стр. 78
كيف أبغضك وبك هداني الله، فقال رسول الله ﷺ : "تبغض العرب فتبغضني".
ولكن لا يلزم من الاعتراف بفضل العرب أن يجعلوا عمادًا يتكتل حوله, ويوالى عليه ويعادى عليه, وإنما ذلك من حقِّ الإسلام الذي أعزهم الله به، وأحيا ذكرهم ورفع شأنهم، فهذا لونٌ وهذا لون، ثم هذا الفضل الذي امتازوا به على غيرهم، وما مَنَّ الله به عليهم من فصاحة اللسان, ونزول القرآن الكريم بلغتهم, وإرسال الرسول العام بلسانهم, ليس مما يقدمهم عند الله في الآخرة, ولا يوجب لهم النجاة إذا لم يؤمنوا, كما يقول فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز١.
موقف الإسلام من الدعوة القومية:
إن مبادئ الإسلام ومبادئ الغرب متباينةً كليًّا في باب القومية، فالذي يعتبره الغربيون مصدر القوة هو مصدر الضعف والخذلان عند الأمة الإسلامية، كما يقول شاعر الإسلام محمد إقبال: "لا تقس أمم الغرب على أمتك، فإن أمة الرسول الهاشميّ ﷺ فريدة في تركيبها, أولئك إنما يعتقدون باجتماعهم على الوطن والنسل، ولكن إنما يستحكم اجتماعك أيها المسلم بقوة الدين".
لهذا كان من غير المعقول ولا من الممكن، كما يقول الأستاذ المودودي, أن توجد في الأمة الإسلامية قوميَّات على أساس الألوان والأجناس واللغات والأوطان، كما لا يمكن أن تُوجَدَ داخل دولة دول كثيرة مختلفة, ومن كان مسلمًا, وأراد أن يبقي على إسلامه, فلابد له أن يبطل في نفسه الشعور بأي أساسٍ غير أساس الإسلام, ويقطع العلاقات والروابط القائمة على أساس اللون والتراب..
وأخوف ما كان يخافه الرسول ﷺ على المسلمين, أن تظهر فيهم العصبيات الجاهلية؛ فتفرق كلمتهم, فكان يقول لأصحابه دائمًا: "لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
ولا يمكن بقاء الرابطة الإسلامية مع نشوء الشعور بالقومية العنصرية، ومن المغالطة الزعم بأن إحداهما تساير الأخرى ولا تضرها،
стр. 79
فعندما بدأ المسملون في هذا الزمان يتغنون بالعنصرية والوطنية في كل قطر من أقطارهم, متأثرين بالأوربيين, صار العربيّ يتغنى بعروبته، والمصريّ ينتسب إلى الفراعنة، والتركيّ يتيه إعجابًا بتركيته, ويحاول أن يصل نسبه بهولاكو وجنكيز، والفارسيّ يقول لشدة انفعاله بنعرته القومية: أنه لم يكن من تأثير "الإمبراطورية العربية" إلّا أن صار عليّ والحسن والحسين ﵃ أبطال, وإلّا لكان رستم واسنفنديار وأنوشروان أحق أن يكونوا أبطاله القومين في حقيقة الأمر, وقد بدأ ينشأ في الهند مسلمون يفخرون بالانتساب إلى القومية الهندية، بل فيهم من يريدون أن ينقطعوا عن ماء زمزم, ويتصلوا بماء نهر جنجا، وفيهم من تبعثهم أهواؤهم على اتخاذ "بهيم" و"أرجن" و"رام ها" أبطال الهندوس القدماء, أبطالهم القومين, وليس هذا كله من هؤلاء السفهاء الراكبين رؤوسهم إلّا لأنهم ما عرفوا ما يملكون من الحضارة, وما يملكه الغرب, وما تبينوا ما بينهما من الفرق الجذريّ؛ لأن عيونهم كليلة عن المبادئ والحقائق, فلا ينظرون إلّا إلى السطح، ويبهر عقولهم ما يجدونه بارزًا عليه من الفقاقيع والألوان الظاهرة, ولا يعلمون أن الشيء الذي هو ماء الحياة للقومية, هو نفسه السم الزعاف للرابطة الإسلامية١.
إن بُطْلَان الدعوةِ إلى القومية العربية, أو غيرها من القوميات, مما هو معلومٌ من دين الإسلام بالضرورة؛ لأنها مُنْكَرٌ ظاهرٌ, وجاهليةٌ نكراء, وكيدٌ سافر للإسلام وأهله، وذلك من وجوه أربعة:
أولًا: لأنها تفرق بين المسلمين, وتفصل المسلم العجميّ عن أخيه العربيّ, بل تفرق بين العرب أنفسهم وتقسمهم أحزابًا، فهي بذلك تخالف مقاصد الإسلام الذي يدعو إلى الاجتماع والوئام, قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ .
ثانيًا: لأنها من أمر الجاهلية, فهي تدعو إلى غير الإسلام، وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسبٍ وبلدٍ, أو جنسٍ, أو مذهبٍ, أو طريقةٍ, فهو من عزاء الجاهلية، كما يقول الشيخ ابن تيمية ﵀ مستشهدًا بقوله ﷺ : "أبدعوى الجاهلية, وأنا بين ظهوركم".. والنصوص في ذلك كثيرة, منها ما رواه مسلم أن النبيّ -صلى
стр. 80
الله عليه وسلم قال: "ليس منا من دعا إلى عصبية, وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من غضب لعصبية" وقوله: "إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا, حتى لا يبغي أحدٌ على أحد، ولا يفخر أحدٌ على أحد".
ولا ريب أن دعاة القومية يدعون إلى عصبية, ويغضبون لعصبية، ويقاتلون على عصبية، ولا ريب أيضًا أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر, وإنما هي فكرةٌ جاهليةٌ تحمل أهلها على الفخر بها, والتعصب لها.
والإسلام بخلاف ذلك, فهو يدعو إلى التواضع والتقوى والتحاب في الله, وأن يكون المسلمون الصادقون من كل أجناس بني آدم جسدًا واحدًا, وبناءً واحدًا يشد بعضه بعضًا, ويألم بعضه لبعض, وفي الحديث الصحيح: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ويشبك بين أصابعه" و "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
وفي حديث الحارث الأشعريّ أن النبيّ ﷺ قال: "وأنا آمركم بخمسٍ, الله أمرني بهن، السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيَْدَ شبرٍ, فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يراجع، ومن دعى بدعوى الجاهلية فهو من جثي ١ جهنم"، قيل: يا رسول الله, وإن صلى وصام, قال: "وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله". وهذا الحديث الصحيح من أوضح الأدلة وأبينها في إبطال الدعوة إلى القومية, واعتبارها دعوةً جاهليةً يستحق دعاتها أن يكونوا من جثى جهنم.
ثالثًا: لأنها تؤدي إلى موالاة الكفار العرب, وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين, واتخاذهم بطانة, والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم, وفي ذلك مخالفة لنص القرآن الكريم، والسنة الدالة على وجوب بعض الكافرين ومعاداتهم وتحريم موالاتهم واتخاذهم بطانة كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى
стр. 81
أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ١ الآيات
والقوميون يدعون إلى التكتل حول القومية العربية، فيوالون لأجل ذلك كلَّ عربيٍّ من يهود ونصارى ومجوس ووثنيين وملاحدة وغيرهم, تحت لواء القومية العربية, ويقولون: إن نظامها لا يفرق بين عربيّ وعربيّ وإن تفرقت أديانهم, والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ٢. ونظام القومية يقول: كلهم أولياء مسلمهم وكافرهم, والله يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ٣.
وشرع دعاة القومية يقول: اقصوا الدين عن القومية، وافصلوا الدين عن الدولة، وتكتلوا حول أنفسكم وقوميتكم, حتى تدركوا مصالحكم, وتستردوا أمجادكم، كأن الإسلام وقف في طريقهم, وحال بينهم وبين أمجادهم، هذا والله هو الجهل والتلبيس وعكس القضية.
وكيف يجوز في عقل عاقل أن يكون أبو جهل, وأبو لهب, وعقبة بن أبي معيط, والنضر بن الحارث, وأضرابهم من صناديد الكفار, في عهد النبيِّ ﷺ , وبعده, إلى يومنا هذا إخوانًا وأولياء لأبي بكر وعثمان وعمر وعلي وسائر الصحابة ومن سلك سبيلهم إلى يومنا هذا.. هذا والله أبطل الباطل وأعظم الجهل, وشرع القومية ونظامها يوجب هذا ويقتضيه.
رابعًا: لأن الدعوة للقومية تفضي بالمجتمع إلى رفض حكم القرآن
стр. 82
الكريم؛ لأن القومين غير المسلمين لن يرضوا بتحكيم القرآن، فيوجب هذا لزعماء القومية أن يتخذوا أحكامًا وضعيةً تخالف القرآن, حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام١.
وأخيرًا, فينبغي ألا ننسى أن القومية قد اقترنت في التاريخ الإسلاميّ الحديث بالعمالة للاستعمار، كما اقترنت بالعداء للإسلام، كما ظهر مما قدمناه من مؤامرة لورنس وأمثاله.
стр. 83
ثالثًا: تحرير المرأة
كما كانت العلمانية شعارًا خادعًا يخفي وراءه الحرب على الدين, وكما كانت القومية شعارًا خادعًا كذلك, يُسْتَعْمَلُ في مواجهة الدين.
فلقد رفع هذا الشعار: "تحرير المرأة" بقصد اجتذاب المرأة المسلمة واستخدامها حربًا على دينها, وأوّل من أوصى به أحد مؤتمرات التبشير, وكان الهدف يومئذٍ تنصير المرأة المسلمة, ثم تبعهم المسشرقون, وتبعهم مَنْ تَلَقَّوْا العلم والمعرفة على أيديهم, وهم في شرقنا الإسلاميّ كثير.
ماذا يقصدون بالتحرير؟
التحرير لا يكون إلّا من عبودية؟ فهل كانت المرأة المسلمة كذلك؟
إن المسلم لا يعطي العبودية لمخلوق, بل يعطيها للخالق, وللخالق وحده، ومن ثَمَّ, فإن أكثر الناس تحررًا من عبودية المخاليق, سواءً كانت آدمية، أو كانت مالًا، أو جاهًا، أو سلطانًا, أو غير ذلك من متاع الحياة الدنيا.
والمرأة المسلمة لها ما للرجل ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ ١ هذه الدرجة ليست درجة العبودية أبدًا, ولن
стр. 84
تكون، لكنه أمر اقتضاه التنظيم، أن يكون للسفينة ربان واحد لا ربانان، وإلّا لغرقت السفينة بمن فيها.
ولقد سبقت المسلمة غيرها من النساء, فعرفت واجبها، وعرفت حقها, وكانت لها الشخصية القانونية المستقلة؛ تتعامل باسمها دون حاجةٍ إلى اعتماد تصرفها من أحد، بينما ظلت المرأة الفرنسية لا تتعامل باسمها وحدَه, بل لابد من إجازة الزوج لتصرفها, وذلك إلى عهد قريب.
فماذا يعني التحرر أو التحرير, بعدما أعطاها الإسلام ما لم يعطها نظام آخر.
قالوا: إنه يعني تحريرها من بيتها, وتحريرها من زيها.
قلنا: وبماذا يخدمهم تحريرها من بيتها، وتحريرها من زيها, وبعبارة أخرى, كيف يمكن من خلال هذا وذاك إبعاد الأمة عن الإسلام؟
المرأة بلا شكٍّ نصف المجتمع, وهي نصف خطير؛ لأنه يؤدي رسالةً خطيرةً, وإن غفل عنها الكثيرون.
إن الذين يتخرجون من المدارس والجامعات يمكن تعدادهم, ويمكن أن يوجد غيرهم لم يتخرجوا من هذه أو تلك, أما الجامعة التي لابدّ أن يتخرج منها كل مسلم, بل كل إنسان, فهي الأم؛ فإن صلحت, صلح خريجوها, وإن فسدت, فسد خريجوها, وتحرير المرأة من بيتها, يعني: إغلاق هذه الجامعة.
وإذا كانت هذه هي الجامعة الأولى التي خرجت من قبل تلك الأجيال العظيمة التي حملت إلينا الإسلام، بل حملته للدنيا كلها, فإن إغلاق هذه الجامعة يعني: إنعدام الخريجين من ذلك الطراز, ويعني: غلبة الخريجين من طراز آخر.
стр. 85
ولقد رأينا في عصرنا بداية الثمار؛ رأينا ممن تسلطوا على فكرة هذه الأمة, بل وعلى سلطانها, مَنْ كانت أمه راقصةً في نادٍ ليليّ, وأخرى تعمل في الغناء, وليس بين الاثنين كبير اختلاف.
أما ماذا يعني تحريرها من زيها؟
فإنه يعني: كشف ما أمر الله أن يستر، وهتك ما أمر الله أن يصان.
يعني: عرضًا رخيصًا لسلعةٍ غاليةٍ, صانها ربها, وصانها الإسلام..
يعني: إثارة اللحم والدم, وهو أمر لا يستطيع أن ينكره إلّا غبيّ أو متغابٍ.
فإذا أضفنا إلى تحرير المرأة من بيتها تحريرَها من زيِّهَا, كانت النتيجة, نتيجة الاثنين غير نتيجة الواحد.
أن التحرر من البيت وحده, قد يكون له النتيجة السلبية الخطيرة السابقة, وهي الإغراء بالفاحشة والدعوة إليها, لكن التحريرين, قد يعنيان فوق النتيجتين السابقتين مجتمعتين.
نتائج أخرى أخطر وأشد: إن أولها بلا شكٍّ انحلال المجتمع وسقوطه, بسقوط قيمه وأخلاقه ومثله.
إن فرنسا -غير الإسلامية, وصاحبة الإمبراطورية الكبيرة, سقطت تحت أقدام ألمانيا- على مدى أسبوع واحدٍ, وهي كما صرح رئيس وزرائها، أن فرنسا هزمها الانحلال قبل أن يهزمها الاحتلال.
فما بالنا بأمه إسلاميةٍ, أساس نظامها عقيدة وأخلاق, وما بالنا بأمة إسلاميةٍ لم تصل بعد من ناحية القوة المادية إلى ما وصلت إليه فرنسا أو أمريكا.
стр. 86
إن إشاعة الانحلال -في الأمة الإسلامية- عن طريق تحرير المرأة من بيتها وزيها, يعني: أن الأمة الإسلامية وهي بعد لم تقف على قدميها, تمامًا كما يصاب الطفل بمرض خطير لا يستطيع أن يقاومه الرجل الكبير؛ أنها جريمة كبرى, وخيانة عظمى, يقارفها كل من يدعو إلى هذا السبيل بالكلمة أو الصورة أو القدوة السيئة.
وفي عام ١٣٩٥هـ-١٩٧٥, طالب "جوزيف ريد" المدير العام لهيئة رعاية الأطفال, بعقوبات شديدة ضد الأشخاص الذين يتاجرون ببيع الأطفال في السوق السوداء؛ حيث يباع سنويًّا خمسين ألف طفل, وكلهم -بكل أسف- جاءوا من سفاح, ويجري الاتفاق مع الفتيات اللائي حملن بهن من غير زواج, مقابل مبلغ من المال, إلى جانب التكاليف الصحية والسكنية١..
أيُّ جيلٍ يكون, ذلك الذي لا يعرف له أبًا, ولا يعرف له أمًّا كذلك..؟
أيّ ارتداد إلى عصر الرق؟ ذلك الذي يباع فيه الأطفال ويشترون؟
ترى, هل يخرج لنا تحرر المرأة في شرقنا الإسلاميّ, ما أخرجه في ذلك العرب الصليبيّ؟
وهل نقم منا الغرب أن كانت لنا روابط أسرية متينة, يقوم عليها -بإذن الله- مجتمع متين؟
أم نقم منا أن لنا دينًا, هو سر ابتعاثنا بين الحين والحين, فخشي هذه الابتعاثة, ورغب لنا في رقدةٍ لا نهوض بعدها ولا قيام؟
أما المرأة الريفية:
فلم يشأ المخططون لتغريب المسلمين أن يتركوها في حالها وحيائها, أصروا على أن يغزوها في عقر دارها؛ ليذهبوا بما بقي من حيائها؛ لتشارك أختها في المدينة ما وصلت إليه من مدنية, تحت ستار الأمم المتحدة انطلقت أمريكا تغزو الريف المسلم باسم
стр. 87
التربية الأساسية.
أما ما هي التربية الأساسية؟
فهي كما عرفها أحد سدنتها, الدكتور حامد عمار, في بحثٍ ألقاه في مؤتمر أمريكيّ: منهج من مناهج الإصلاح الاجتماعي لرفع مستوى المعيشة, يؤكد قيمة العملية التربوية , وتغيير الأفكار والنزعات.
وفي مكان آخر: تسعى التربية الأساسية إلى محاولة تغيير الأفكار والنزعات والاتجاهات١.
وفي سرس الليان مصر, مركز للأمم المتحدة.
وفي قرى سوريا مراكز٢, وقد تكون وصلت إلي غيرها.
أما قضايا المرأة:
التي يتعمدون إثارتها بين الحين والحين؛ ليظهروا بمظهر المدافعين عن المرأة المحبين لمصلحتها, فزوبعة في فنجان, فنسبة الطلاق في البلاد الإسلامية ضئيلة, ونسبة التعدد أشد ضآلة, بما لا يصح أن يرتفع الصوت معها كأنها مشكلة أو قضية٣.
ولئن كانت هناك قضية أو مشكلة, فهم سببها, حين تسببوا بوسائل إعلامهم في تصديع البيوت, وفي إثارة المشاكل, وحين تسببوا بدعاوي المساواة العريضة في أن لا يكون للبيت قوامة, وأن يكون فيه رئيسان الرجل والمرأة, ورئيسان في مركب واحد يغرقانه -كما هو المثل.
стр. 88
ثم حين ساندوا وساعدوا انحلال الأخلاق, وانفلتت من قيود الدين, فلم يعد الرجل يخشى الله في المرأة, ولم تعد المرأة تخشى الله في الرجل؛ فدَّبَ الخلاف والشقاق..
والحلّ ليس تحررًا من الدين, أو مزيدًا من التحرر, وإنما عودةٌ إلى الدين, والتزامٌ بضوابطه وأخلاقه, تصير المشكلة محلولة ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١, ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٢.
هذه شعارات الغرب ووسائله لإحداث التغير الاجتماعي فينا..
علمانية:
في التعليم.
في الإعلام.
في القانون.
قوميات:
تمزق الأمة الواحدة.
وتمزق الدولة الواحدة.
تحرير المرأة:
ليسقط المجتمع في حمأة الرذيلة.
ويقضي بنفسه على نفسه.
стр. 89
ولو نجحت هذه الدعوات, فماذا يبقى لنا من الإسلام؟
وإذا نجحت, فماذا يبقى في مجتمعٍ لم يقف بعد على قدميه؟
لقد استجاب لها الطامعون في السطلة, واستجاب لها الراغبون في السقوط؛ لأنهم لا يقدرون على الارتفاع.
واستجاب لها السذج الجاهلون الذين حسبوها علاجًا لهذا الشرق الإسلاميّ, من تخلفه وعدم نهوضه.
وبقي أن ينهض العالمون الصادقون؛ ليقوموا بما قام به من قبل نبيهم ورسولهم محمد ﵊, فهم خلفاؤه على ميراثه, وهم الأمناء على رسالته, وهم أمل الأمة الباقي, بعد أن تردى غيرهم وسقط في الشراك..
ولنكمل الصورة, أو نقترب بها من الكمال, نقدم لأمتنا بعضًا مما فعل ويفعل الصليبيون؟
стр. 90
المبحث الرابع: ما يفعل بنا الصليبيون
مدخل
...
المبحث الرابع: ما يفعل بنا الصليبيون
لسنا نثير أحقادًا..
فنحن على استعداد أن نعاملهم بما أمرنا به القرآن إن كفوا عن قتالنا، وتشريدنا وإخراجنا من ديارنا ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ ١ فإن لم يكفوا عن قتالنا وقتلنا، وعن إخراجنا وتشريدنا.. فهم الذين يثيرون الأحقاد، وهم الذين يظلمون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ٢.
ولن نأتي من القديم لنذكر قومنا بما فعلوه يوم دخلوا بيت المقدس؛ فذبحوا فيه سبعين ألفًا من المسلمين, حتى غاصت الخيل إلى صدورها في دماء المسلمين٣.
ولا بما فعلوه في الجزائر, حين قتلوا مليون شهيد..
ولا بما يثيرون من أحقادٍ حين يحفظون جندهم: "أنا ذاهب إلى طرابلس فرحًا مسرورًا؛ لأبذل دمي لسحق الأمة المعلونة، لأحارب الدولة الإسلامية التي تجيز البنات الأبكار للسطان!! سأقاتل بكل قوتي لأمحو القرآن"٤.
стр. 91
ولا بما يخططون له حين يقول أحد قادة فكرهم: "أن جزيرة العرب التي هي مهد الإسلام لم تزل نذير خطر للمسيحية" وحين يكمل آخر:
"متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب, يمكننا حينئذٍ أن نرى العربيّ يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلّا -محمد- وكتابه".
وحين يضع لهم أحد فلاسفتهم الحل النهائيّ؛ فيقترح أن يباد ثلثا المسلمين, وينفى الثلث الثالث، وتهدم الكعبة, وينقل قبر الرسول ﷺ إلى متحف اللوفر١.
سنترك هذا وغيره جانبًا.
لنذكِّرَ قومنا بما يجري الآن, حيث يدعون أنهم تخلوا عن عصبيتهم, أو صليبيتهم, ولنضرب لذلك بعض الأمثلة:
١- في الفلبين:
يتعرض المسلمون في الفلبين لحرب إبادةٍ لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلًا؛ فهم يجلون من قبل الصليبيين عن أراضيهم التي خصها الله بالخصب والنماء، فإن رفضوا تعرضوا للإبادة من قوات الجيش الفلبينيّ التي لا تكتفي بمجرد الحرب الشريفة, بل تستعمل كل وسائل الإبادة الممنوعة؛ مثل: الغازات والنبالم، ثم هي بعد ذلك تمثِّلُ بالجثث, وتنتقم من الجرحى والأطفال والنساء.
وفي بيانٍ للأخ عبد الباقي أبو بكر, الأمين العام للعلاقات الخارجية لجبهة تحرير مورو, مؤرخ ٢٩ مارس سنة ١٩٧٦, ينقل عن عمدة بانكوك: محمد صالح عثمان, قائد المجاهدين الذي لا يزال يقاوم الحصار منذ ١٦ شهرًا: "والآن -يعزز الجيش الحصار بـ ٨ كتائب جديدة, غير قوات الطيران التي تقصف المنطقة ليلًا ونهارًا, والبواخر التي توجه ضرباتها المركزة من المدافع الفتاكة بدون انقطاع" وفي مرارة يختم
стр. 92
كلامه: "يبدو لي أن المسلمين في العالم لم يعرفوا حقيقة الوضع الذي نعيشه, أو أنهم يتجاهلوننا" ثم يقول أمين عام الجبهة, وكنتيجة لهذه المعارك التي لا تزال دائرة للآن, قتل ما لا يقل عن ٥٠.٠٠٠ مسلم, ثم يقول: "وماركوس يعلم أنه لا يستطيع أن ينال من المسلمين, ولكنه يريد أن يسرق المسلمين, ويسرق أنظار العالم"١.
٢- في أثيوبيا:
كان أسد الحبشة يضطهد المسلمين اضطحادًا شديدًا، فرغم أنهم في حقيقة الأمر يمثلون أغلبية البلاد، فإن أحدًا منهم لا يشترك في الوزارة ولا في الحكم، بل ولا يسمح له بارتقاء منصب قياديّ من أي لون، ولقد صارت سجون أثيوبيا مقابر للمسلمين الذين يجأرون مما هم فيه، ولأسد الحبشة هواية في تعذيب المسلمين, إنه يأمر بربط أيديهم إلى أرجلهم, ويبقون على هذا الحال سنين, حتى تتقوس ظهورهم, وتأخذ شكل المنحنى، فإذا أفرج عنهم, لم يستطيعوا المشي إلّا على أربع..
وكنا ننتظر بعدما أسقط الإمبراطور بانقلاب عسكريّ, أن النظام سوف يتغير, لكن الحقيقة أن القبضة العسكرية الحاكمة اشتدت على المسلمين, حتى أن تقريرًا عرض على المجلس العسكريّ, وتَمَّ إقراره يصرح:
"لقد حان الوقت أن نعرف جيدًا من هم أعداؤنا، لقد اختار العرب وعملاؤهم أن يكونوا أعداءنا, وعلينا أن نعاملهم على هذا الأساس٢".
إن المجازر التي يتعرض لها الثوار المسلمون في إرتيريا, أمر يحرك كل ذي ضمير أو مروءة, لكن أين المروءة؟ لقد خفت حتى اخفت.
٣- المسلمون في تايلاند:
نشرت مجلة الاعتصام القاهرية أنه:
أ- في ١٦ نوفمبر سنة ١٩٧٦ قامت السلطات التايلاندية
стр. 93
بهدم المسجد الكبير في ولاية "بنارا" في إطار مخطط يستهدف إزالة الآثار الإسلامية، ومنع المسلمين من إقامة شعائرهم الدينية, وتشجيع ممارسة البوذيين لطقوسهم أمام المساجد, وبناء الأصنام في كل المدن بالولايات الإسلامية الأربع في فطاني.
ب- قام خمسة أشخاص من المنشأة البحرية التايلاندية بذبح خمسة من القرويين المسلمين الأحياء، ومثَّلوا بجثتهم, ثم قذفوا بها إلى البحر, في محافظة تلويه في ولاية فطاني.
انطلقت مظاهرة احتجاج, تعرضت لها القوات التايلاندية, سقط فيها عشرون شهيدًا, وجرح فيها المئات.
ج- قامت العصابات التايلاندية في الفترة الأخيرة بحرق إحدى قرى المسلمين في محافظة "جاها" بولاية "جالا" وتسعى العصابات البوذية إلى تشجيع هجرة البوذيين, من شمال البلاد إلى الجنوب الإسلاميّ, وإقامة مستعمرات فيها.
وبعد.. فهل نجح الغرب في حربه الفكرية لنا؟
стр. 94
أولًا: بالنسبة للأسلوب
حين نجح انقلاب "كمال أتاتورك" العسكريّ, واستطاع أن يحقق ما كان الغرب يبغيه, سلم الحلفاء في اتفاقية لوزان باستقلال تركيا.
ذلك أنه بإلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا سنة ١٩٢٤, تحقيق أمل بعيد للصليبية, ومن وراءها حاربت من أجله دهرًا طويلًا.
وحاول كمال أتاتورك بعد ذلك سلخ تركيا من إسلامها, بما فرضه من علمانية التعليم وعلمانية القانون، وتحرير المرأة المسلمة التركية, واختلاط بينها وبين الرجال في كل المجالات، ثم بما فرضه من إلغاء الحروف العربية, واستبدالها باللاتينية, ومن محاولته تغيير الزيّ بالقوة.
стр. 95
وعُدَّ ذلك كله نجاحًا, شجع الغرب بعد ذلك على مزيدٍ من الانقلابات العسكرية في المنطقة الإسلامية, بهدف إبقاء السيطرة أو القوة تابعةً له؛ لتنفذ البرنامج, أو المخطط الموضوع لإبعاد المسلمين عن دينهم, وتحقق التغيير الاجتماعي, أو ما يطلق عليه التغريب.
لكن المراقبين لمجريات الحوادث أحسوا بقصور التجربة الكمالية في تركيزها على جانب القوة, فنصحوا إلى جوارها بمحاولة تثبيت النتائج التي تصل إليها الانقلابات العسكرية, وتعميقها في الشعوب١ وحسبنا ذلك انتقادًا لانقلاب أتاتورك.
فإذا أضفنا إليه أن ما بلغه كمال أتاتورك لم يغير شيئًا من الشعب التركي, بل إنه على العكس من ذلك, زاده استمساكًا وتصميمًا, وأنه لولا ظروف تركيا الدولية, وإحاطة الأعداء بها من كل جانب, لكان للشعب من أتاتورك وغيره من الأتاتوركيين شأن آخر.
وهناك أمر لا يزال غائبًا عن أولئك الذين يجرون التغيير, إنهم يحاولون تبديل بناء ببناء, يحاولون هدم البناء القديم, وإقامة بناء جديد.
إن الانقلابات العسكرية تلجأ في وسيلتها للتغيير إلى العنف والقوة, والقانون الطبيعيّ أن كل فعل له رد فعل, مساوٍ له في القوة, ومضاد له في الاتجاه..
والقانون الطبيعيّ كذلك, أن زيادة الضغط تولد الانفجار.
ولعلهم يتغلبون على ذلك بالتغيير من حينٍ لآخر, امتصاصًا للبخار الحبيس أن يؤدي إلى الانفجار, لكن التوقيت قد يخطئهم؛ فيحدث الانفجار قبل التوقيت الذي ضربوه، وعلى نحوٍ لا يستطيعون السيطرة عليه, ولا على نتائجه.
وأخيرًا.. لقد انكشف هذا الأسلوب وتعرّى, وأساء العسكريون إلى أنفسهم, وإلى الذين يعملون لحسابهم, أساءوا أكثر مما أحسنوا.
وإذا كان الغرب بحصافته, قد أدرك فضل الأسلوب القديم, أسلوب احتلال الشعوب بالقوة العسكرية، فعليه -بحصافته- أن يدرك قبل فوات الأوان, فشل الأسلوب الجديد, أسلوب تغيير الشعوب بالقوة العسكرية عن طريق الانقلابات العسكرية.
هذا عن الأسلوب الجديد, فماذا عن الهدف الجديد..؟
стр. 96
ثانيًا: بالنسبة للهدف
كان الغرب ذكيًّا حين أدرك في وقت مناسب أو متأخر أن التنصير كهدف لحملته الفكرية المؤيدة بالقوة العسكرية خارجيةً أو داخليةً, أن ذلك الهدف فشل, وأنه برغم الجهود الضخمة البشرية والمالية والإعلامية والتعليمية فإن النسبة التي تَمَّ تنصيرها من المسلمين نسبة تافهة, يمكن أن تلحق بالعدم لتكون النتيجة سلبية تمامًا!
لذا كان البديل عن التنصير وإخراج المسلمين عن دينهم, هو التغيير والاكتفاء بإبعاد المسلمين عن دينهم,
وهو ما تبذل له الجهود اليوم؛ من تعليم علمانيّ، وإعلام علمانيّ، وقانونٍ علمانيّ، وتحرير للمرأة من زيها ومن بيتها, ثم ما يبذل من حَطٍّ لقيمة الدين وقيمة علمائه ودعاته.
فهل يا ترى, نجح الهدف الجديد؟
نجاح أمر يتعلق بالأمم والشعوب لا يحكم عليه في سنين, ولا في جيل, فقد لا تظهر نتيجة إلّا بعد أجيال, وقد تكون النتيجة الواضحة أن التغريب نجح في إبعاد المسلمين عن دينهم بما فيه من قيم إيمانية, وقيم أخلاقية، وقيم قانونية, وأن المسلمين استبدلوا به من قيم الغرب, حتّى في عاداتهم, وفي لبسهم, وفي طريقة أكلهم وشرابهم, وفي تعاملهم, و"أتيكيتهم"!
لكن هذه النتيجة مشكوك في صحتها.
стр. 97
إنه على قدر عمق التغيير الاجتماعيّ الذي حدث استبدالًا بقيم الإسلام قيم الغرب وتقاليده, فلقد حدث على نفس العمق أكبر استمساك وإصرار على النظام الإسلاميّ؛ عقيدةً وأخلاقًا وعبادةً وقانونًا, وماج العالم الإسلاميّ بحركاتٍ كثيرةٍ عميقةٍ, وأحيانًا عنيفةٍ تدعو إلى الإسلام كمنهجٍ متكامل للفرد والأسرة والمجتمع والدولة, وبدا أن الجمر يتقد تحت الرماد, فهل يتركونه حتى يكون نارًا تحرق؟ وفي نفس الوقت نور يضيء؟
أم يحاولون أن يأخذوا نوره, وأن يتقوا ناره؟
على الذين يمارسون التغيير أن يحذروا, فقد تصيبهم النار قبل أن يغشى عيونهم النور, وعليهم أن يغيروا من هدفهم, فلقد انكشف للناس, وخير للغرب أن يبتعد عن فتنة المؤمنين عن دينهم, فإن السهم قد يرتد أول ما يرتد إلى صدره، وقد تصيبه النار قبل أن يرى النور, خير أن يحتفظ بصداقة الشرق الإسلاميّ، ويحافظ على مصالحه الاقتصادية والتجارية فيه, من أن يُصِرَّ على التغيير؛ فيفقد هذه المصالح, ويجني العداء إلى الأبد.
إن المسلمين لا يعادون الذي لا يقاتلونهم في الدين ولا يخرجونهم من ديارهم, بل إنهم على العكس يسالمونهم، ويبرونهم، ويقسطون إليهم, فذلك أمر دينهم ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١.
لكنهم في نفس الوقت ينقلبون مع الزمن، طال أو قصر، إلى أسود غضاب إزاء من يقاتلهم في دينهم, ويفتنهم فيه, وإزاء من يخرجهم من ديارهم ويسلبهم أوطانهم؛ ذاك أمر ربهم ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢.
стр. 98
خير للغرب أن يدرك أنه يمكن لحضارته أن تعيش إذا تركت حضارة الإسلام كذلك لتيعش, وأنه يمكن للحضارتين أن يتعايشا ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين﴾ ١ وأنه خيرٌ أن تتعايش الحضارتان من أن تصر حضارتهم على العيش وحدها؛ فتفنى بإذن الله وحدها؛ لأننا نؤمن أن الله حافظ دينه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِه﴾ ٣، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٤, فأي الطريقين تختارون؟
ولا يخشى الغرب أن يغزوه الإسلام مرةً أخرى؛ فحسبنا اليوم وسائل الإعلام, وحسبنا اليوم وعي الناس, وحسبنا اليوم أن نترك لهم الخيار, فإنه ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ٥.
وحسبنا درس الامتداد العضويّ الذي مارسته تركيا من غير بسطٍ فكريٍّ ولا عقائديِّ؛ فارتد المد جزرًا أصاب الأمة في كبدها وفي قلبها..
حسبنا الدرس التاريخيّ أن نكرره مرةً أخرى, وحسبنا أن ننظم بيتنا, ونضمد جروحنا, ونستعيد أنفسنا, فأمامنا لذلك سنين, إن لم يكن قرون!
ولا نترك هذا التعقيب حتى نقول لأبنائنا وإخوتنا ممن لا يزالون منخدعين -وإن كانوا قلة, فإنهم أعزاء علينا أن يفارقونا، ويفارقوا قومهم, نقول لهم:
стр. 99
إن في الغرب بضاعتين؛ بضاعة يزجيها إليكم, وبضاعة يَضِنُّ بها عليكم؛ فأما التي يزجي, فإنها تسلبكم أخلاقكم، وقيمكم، وتاريخكم، وشخصيتكم.
وأما التي يَضِنُّ, فهي سر تفوقه الماديّ عليكم؛ هي علمه وفنون صناعته "تكنولوجيته".
فما بالكم أقبلتم على التي يزجي, وتركتم التي بها يَضِنُّ, فما حصلتم غير القشور؛ غير الزبد, وتركتم ما ينفع الناس!
إن في خزائننا الجواهر, وإن علاها التراب من طول الزمن وكثرة الكيد١, وإن ما عندهم سرابٌ خادعٌ, أو معدنٌ برَّاق, لكنه غير أصيل, فلا ينبغي أن نترك الجواهر في خزائننا؛ لنمد أيدينا للمعادن غير الأصيلة.
ما ينبغي أن تكون اليد المتوضئة هي السفلى, واليد الأخرى هي العليا.
فكيف إذا كانت اليد المتوضئة تملك الجواهر, كيف ترضى أن تمتد, وأن تكون هي السفلى, وذلك لا يمنع من أن نستفيد بعلم الغرب وتجربته, من غير أن نهجر قيمنا، ومبادئا، وأخلاقنا، وعقيدتنا, من غير أن نترك ديننا, فلا نبيع ديننا ولو كان بالدنيا كلها!
стр. 100
الباب الثاني: الإتجاه الماركسي
تمهيد
...
تمهيد:
لم تتغلغل الشيوعية في الشرق الإسلاميِّ كما تغلغل الغرب, ربما لأن الأخير أسبق زمنًا وأرسخ قدمًا, وربما لأن الأخير أدرك في الوقت المناسب طبيعة هذا الشرق, فَكَفَّ عن الحرب السافرة له في عقيدته, وتلوَّنَ باسم الحضارة أو المدنية أو التغريب أو التغيير الاجتماعيّ؛ لينشر العلمانية، وتحرير المرأة، وإضعاف الدين, دون أن يشعر أكثر المسلمين.
لكن الماركسية أخطر على الشرق الإسلاميّ من الغرب, بما تحمل في أسلوبها من خداعٍ ينطلي على عامة الناس, خاصَّةً من يخاطبون أول ما يخاطبون ممن يسمونهم طبقة الصعاليك, أو "البروليتاريا", أي: طبقة العمال الكادحة, وبما تحمل من تخديرٍ لهذه الطبقة أنها إليها سيئول الحكم، وأن لها المكاسب من دون سائر الطبقات١.
ثم بما تحمل في غايتها من تحطيمٍ لعقيدة هذه الأمة, وقضاءٍ على دينها, باعتبارها في البداية وفي النهاية قائمةً على الكفر بالله, والإلحاد في أسمائه, ورفض كل الأديان، وإن اتخذت تخطيطًا مرحليًّا بعدم الهجوم على الأديان, أو الزعم بأنها تسمح لها بالوجود أو البقاء, أو التواء بهذه الأديان؛ للقول بأنها هي الأخرى اشتراكية ويسارية".. إلخ.
وهي في سبيل هذه الغاية حين يلوح لها النصر أو التمكين, تدوس كل شيء, وتهلك الحرث والنسل, وتغرق البلاد في حمامات الدم؛ لتقضي على كل خصومها؛ وليظل الردع ماثلًا لكل مَنْ تُحَدِّثُهُ نفسُه بالخروج عليها.
وقد عاشت الماركسية منذ صارت لها دولةٌ, تبذل الكثير لنشر مبادئها, ورسمت لنفسها خطة الزحف عن طريق الشعوب, أو الطبقات الكادحة؛ ليتم التغيير من القاعدة, لكنها منذ سنين قليلة
стр. 101
راحت تجرِّبُ لعبةَ الولايات المتحدة الأمريكية لتجري التغيير من القمة, بدلًا من القاعدة, عن طريق الانقلابات العسكرية, ونجحت انقلاباتها في بعض البلاد في الاستيلاء على السلطة, لكن هل تنجح في تغيير القاعدة؟
والماركسية تستعد لترث حضارة العرب, وهو أمر واردٌ.
أولًا: لأنها اليوم تعيش شبابها, وحضارة الغرب تعيش كهولتها.
ثانيًا: لأن لها من السحر والخداع لعامة الناس, وخاصة الطبقة العاملة, ما ليس لغيرها من مبادئ الغرب.
ثالثًا: لما يعيشه الغرب الآن من تفسخٍ, وانسلاخ من دينه, بما لا يحميه من ذلك الكفر الصراح.
وأخيرًا: لما أشرنا إليه, وسوف نشير إليه بإذن الله, من أن أساس الحضارتين واحد, فلا غرو أن ترث الأخت أختها, ومن ثَمَّ, فكلماتنا رغم موضوعيتها وأساسها العلميّ تحمل النذير لأمتنا.
إِنَّ البساط يسحب من تحت أقدامها, وإِنَّ الدمار والفناء ينتظرانها, إِنْ هِيَ غفلت بعد اليوم, ولو لحظة, أو إِنْ هي فرطت بعد اليوم ولو ذرة.
ونحسب أن نقطة البداية الطبيعية لمثل هذه المبادئ الخادعة أن نتعرف وعاءها, فكل وعاء بما فيه ينضح, البيئة التي نشأت فيها, ثم الرجل الذي نادى بها, ثم نعرض بعد ذلك للمبدأ في أصله, وفي محاولة تطويره لتلافي عيوبه.
وأخيرًا, لما فعلته الماركسية بالمسلمين.
стр. 102
ابتداءً من أرض القرم والقوقاز, وانتهاءً إلى أرض اليمن والصومال.
والله المستعان, وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليِّ العظيم..
وإن الحكام أول المسئولين, ليس فقط أولئك الذين سمحوا لها -عن علم- بالوجود على أرض المسلمين؛ ليحملوا أوزارهم كاملةً يوم القيامة, ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم, بل كذلك أولئك الذين يمهدون لها -عن جهل- الطريق، ونعني ذلك الفريق الغارق في شهواته, المبذر في أمواله وأموال المسلمين من غير إقامة لعدالة الإسلام الاجتماعية بين الفقراء والمحرومين.
стр. 103
الفصل الأول: الوعاء
مدخل
...
الفصل الأول: الوعاء
دراسة المبدأ بغير وعائه دراسة قاصرة, ذلك أن الفصل بينه وبين ذلك الوعاء فصل تحكميّ..
... وإلا
فإن نافخ الكير يمكن أن يخرج مسكًا, وحامل المسك يمكن أن يخرج شرارًا, وصدق الله العظيم: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ ١.
والحديث عن وعاء الماركسية يشمل:
البيئة التي ظهرت فيها, ثم الرجل الذي نادى بها, وحسبنا ذلك..
وإن كان في كثير من النماذج الأخرى الداعية إليها الكثير من سمات أصحابها الأولين.
стр. 104
المبحث الأول: البيئة
ظهرت الماركسية أول ما ظهرت في أوربا, وكان كل شيء هناك يمهد لها.
الدين..الاقتصاد..الفلسفة..ولنعط كلًّا كلمة:
أولًا: الدين في القرن التاسع عشر١
قاست أوربا الكثير مما آل إليه أمر دينها, هذه حقيقة لابد من الاعتراف بها, ففي الوقت الذي بدأت تتفتح فيه على العلم وتأخذ بأسبابه, وفي الوقت الذي اتصلت فيه بالشرق الإسلاميّ -بأكثر من طريق- وعرفت عقيدته السهلة وشريعته السمحة, تفتحت آذانها وعيونها على دينٍ معقَّدٍ يصادم العقل ويرهقه, فمن قائلٍ بأقانيم ثلاثة: "الأب والابن والروح والقدس", ومن قائلٍ: "المسح ابن الله", ومن قائلٍ: "إن الله هو المسيح بن مريم".
وكل ذلك تحريف لدين المسيح ﵇ وخروج عليه, فكيف لأبناء عصر النهضة أن يسيغوا ذلك الخلط والخبط؟
وكيف بمن سمعوا شيئًا عن عقيدة الإسلام: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٢.
стр. 105
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ١ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٢.
كيف بمن سمع بهذه البساطة أن يسيغ ذلك التعقيد؟ ثم كيف مع ذلك التعقيد بما انحدر إليه رجال الدين..
كرسي الاعتراف.. صكوك الغفران.. قرارات الحرمان.. وأخيرًا تلك الوصمة التي لا تنسى..
اضطهاد العلم والعلماء وتكفيرهم, وسوقهم إلى محاكم التفتيش؛ لترتفع أعظم الرؤوس على أعواد المشانق.
لم يكن بعد ذلك غريبًا أن ترتفع الصيحة: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس".
ثم بأن تكون الردة عن ذلك الدين إلى دين ماركس.
ثانيًا: الاقتصاد في القرن التاسع عشر ٣:
كانت الرأسمالية في عنفوانها, أصحاب المصانع -بعد الثورة الصناعية- يمارسون إقطاعًا من نوع آخر..
قلة تملك وتكدس الثروات وتعيش حياة الترف الداعر, وملايين محرومة, تعيش حياة البؤس والشقاء, وتشهد من قريب من يرفلون في عرق جبينهم.
والتطرف يفضي إلى تطرفٍ, ذاك قانون الطبيعية, فليس غريبًا أن تستمع الطبقة الكادحة لذلك النداء الخادع..
стр. 106
يا صعاليك العالم اتحدوا, فأمامكم عالم تعنونه, وليس عندكم من شيء تفقدونه غير القيود والأغلال١.
وليس غريبًا أن يصدقوا نظرية "فائض القيمة, وإلغاء الملكية الفردية" وشيوعية المال, وأسطورة: من كل حسب طاقته, ولكل حسب حاجته.
ثالثًا: الفلسفة في القرن التاسع عشر
كانت الفلسفة السائدة في ذلك القرن هي ما يمكن أن يسمى بالفلسفة المثالية, والتي كانت ميراثًا كبيرًا منذ أفلاطون إلى فيورباخ.
وقد أغرقت في التحليق في الخيال, وأغرقت كذلك في الخوض فيما ليس لها فيه علم؛ مثل كثير من "الإلهيات" فكانت الفلسفة المادية القائمة على الحسِّ, رد فعل لتلك الفلسفة المثالية المغرقة في الخيال٢.
وهكذا كان الدين في أوربا يمهد للماركسية, وكانت الرأسمالية في أوربا تمهد للماركسية, وكانت الفلسفة المثالية في أوربا تمهد للفلسفة المادية, وكان على البشرية كلها أن تكفر عن خطيئة أوربا بخطيئةٍ أخرى, هي الماركسية.
وقبل أن نعرض لها نلقي بعض الضوء على صاحبها ومؤسس أول دولة لها؛ ليكتمل الحديث عن الوعاء..
стр. 107
المبحث الثاني: مؤسس للفكرة
...
المبحث الثاني: مؤسس الفكرة
أولًا: اليهود والفكرة
مؤسس الفكرة: ماركس, ومؤسس الدولة: لينين, وكلاهما من أصل يهوديّ.
وحتى لا نفرق في الحديث عن صناعة اليهود للفكرة وصناعتهم للدولة, وما قيل عن تخطيط اليهود للثورة البلشفية١, وتمويلهم لها٢, واشتراكهم بأعضاء منهم في مجلس الحزب والثورة٣, ثم في مجلس السوفييت الأعلى الحاكم٤, ورفعهم شعارهم شعارًا للثورة البشفية نفسها٥.
стр. 108
كل ذلك, وإن كان أكثره صحيحًا, إن لم يكن كله, فإنه في الوقت نفسه يتضمن لونًا من الدعاية اليهودية بقصد إلقاء الرعب في قلوب أعداء اليهود, وحمل الآخرين على تقبل مطالب اليهود.
نقول: لا نغرق في ذلك؛ لنعرض لماركس صانع الفكرة, ونترك صناع الدولة "اكتفاءً بالإشارة السابقة".
ثانيًا: ماركس:
وندع أنه من أصل يهوديّ, وإن كان لذلك الأصل تأثيره بما عرف عن الطبيعة اليهودية من حقدٍ والتواءٍ, وبما عرف منها من تقديس للمادة ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة﴾ ١ أية حياة, ولا شك أن للوراثة أثرها. نعرض عن ذلك حتى لا نحاج بأننا نحمل الرجل أوزار أجداده وآبائه, والله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٢.
لكننا نشير إلى أشياء ثابتة في حياة كارل ماركس:
١- ما وصفه به أبوه من طبيعةٍ تميل إلى الهدم والتدمير والأنانية.
٢- ما قَبِلَهُ على نفسه أن يعيش بعد وفاة أبيه عالةً على أمه وأخواته, يأكل من نصيبهن في الإرث, بعد أن أكل نصيبه, وذلك بدلًا من أن يعولهن وهن الإناث الضعاف.
٣- ما قَبِلَهُ على نفسه أن يعيش عالة على صديقه "فردريك انجلز".
٤- ما ارتكبه من غشٍّ واحتيالٍ على بعض دور النشر؛ إذ باعها حق نشر بعض كتبه في الوقت الذي كان يبيعها إلى دور أخرى.
٥- موت ابنتيه منتحرتين, واحدة "الينورا" بعد أن عاشت "في الحرام" مع عشيق لها, ثم
стр. 109
اكتشفت سبق زواجه، والثانية "لورا" خوفًا أن تدركها الشيخوخة، ونحن وإن كنا لم نأخذ كارل بذنب آبائه, فإننا لا نأخذه بذنب بناته كذلك, ولكننا نتساءل: كيف لم يستطع ذلك العبقريّ أن يربيَ بناته, بل لم يستطع أن يعرفهن طريق الحياة الصحيح١.
ولنحاول بعد ذلك أن نتعرف على الماركسية مبدأ, بعد أن عرفناها وعاء, فيما عرضنا له من: البيئة التي نشأ فيها, ثم من الشخص الذي نشأت عنه.
стр. 110
الفصل الثاني: المبدأ
مدخل
...
الفصل الثاني: المبدأ
من مادية "فيورباخ" وجدلية "هيجل", أقام كارل ماركس فلسفته على المادية الجدلية١, وربطها بأربعة قوانين, وبهذه المادية فسر التاريخ تفسيرًا ماديًّا، وبهذه النظرية المادية أرجع كل شيء في الاقتصاد إلى أدوات الإنتاج, وقال بفائض القيمة.
وبذا تبدو الماركسية أشبه بالدين, نظرةً إلى الحياة, وتفسيرًا للكون، ونظامًا للمجتمع، ولا يتسع المقام للعرض لجوانب الماركسيةكمذهب, وكنظام اجتماعيّ, واقتصاديّ, وسياسيّ, لكنا نكتفي منها بالأساس؛ فإذا انقض الأساس فبقية البناء محكوم عليه بالسقوط والانهدام, وتبدو الرابطة واضحةً بين أساس الماركسية الفكريّ، وأساس الغرب الفكريّ, بل إن الماركسية مدينةٌ للغرب في فكرها, فإن ماركس لم يأت بجديدٍ, وإنما من التلفيق بين ما قاله هيجل, وما قاله فيورباخ, أقام فلسفته التي كانت -كما أشرنا- رد فعل للفلسفة المثالية التي أغرقت في الخيال٢, أو كما قال بحقٍّ أحد الكتاب: كانت تعبيرًا عن أزمة الفلسفة المثالية في القرن التاسع عشر.
وفلسفة ماركس مضى عليها أكثر من قرن, ومن ثَمَّ فهي كفكرٍ بشريٍّ محكوم عليه بالرجعية، وإن ادعت، أو ادعى أنصارها لها عكس ذلك, ويبدو ذلك واضحًا في محاولاتٍ كثيرةٍ, جرت لترقيعها؛ ومنها ما قال به لينين حين واجهت النظرية العمل والتطبيق, وبدأ امتحانها الحقيقيّ؛ ومنها ما أدخله عليها ستالين وخروشوف, والمؤتمر الذي انعقد سنة ١٩٦٣, في موسكو من ٢٩ عالم سوفيتي ليضع