← Акыда

Акыда · id 7259

أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (253 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول سمات وقواعد منهج السلف في العقيدة مدخل ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد: فإن عقيدة السلف تتميز عن غيرها من العقائد المخالفة لها بانتمائها في دقيق المسائل وجليلها إلى الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتتميز بأنها تجمع المسلمين ولا تفرقهم كما أنها لا تختلف فيها الأهواء ولا يتنازعها أصحاب الآراء لأنه لا مجال للعقل ولا للهوى لمخالفتها لتميزها بالتسليم لمدلول النصوص والوقوف عند حدودها، فما أدركه وفهمه المسلم حمد الله عليه وما لم يدركه يكل علمه إلى عالمه ويقول ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ . سمات وقواعد منهج السلف في العقيدة:- قبل الشروع في بيان السمات والقواعد لمنهج السلف في العقيدة نبين المراد بمفردات العنوان: السمات: جمع سمة وهي العلامة المميزة، والمراد هنا علامات ومميزات. والقواعد: جمع قاعدة وهي من البناء أساسه، وهي أيضا الضابط أو الأمر الكلي ينطبق على جزئيات١.

стр. 2

والمنهج: هو الطريق الواضح١. والسلف: جمع سالف وهو كل من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك في السن أو الفضل٢. والمراد هنا بالسلف أصحاب النبي ﷺ ثم التابعين لهم بإحسان ومن تبعهم من أئمة الدين وأعلام الهدى بخلاف من رمي ببدعة من الخوارج والروافض أو الجهمية أو المعتزلة ونحوهم٣. والعقيدة: من عقد قلبه على الشيء ولزمه٤. والمراد بالعقيدة في الاصطلاح: هي الأمور التي يجب على المسلم اعتقادها بقلبه مما يتعلق بالله وأركان الإيمان الأخرى ومسائل تلحق بذلك مثل مسائل الإيمان والخلافة ونحوها. أما قواعد السلف وسمات منهجهم في تقرير مسائل العقيدة فيمكن استخلاصها من كلام الأئمة المتقدمين. قال الأجري ﵀ في كتابه الشريعة: "باب الحث على التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وسنة أصحابه ﵃ وترك البدع وترك النظر والجدال فيما يخالف فيه الكتاب والسنة وقول الصحابة ﵃"٥ ونحوه قال ابن بطة في الإبانة٦.

стр. 3

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار الرسول ﷺ باطنا وظاهرا واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" ١ ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد"٢. فهذه الأصول ظاهرة واضحة في كل كتاب من كتب عقيدة السلف، وبعضهم ينص عليها ثم يفصل في مفردات مسائل عقيدة السلف والبعض يبدأ يذكر مفردات العقيدة لكن وفق القواعد المتفق عليها بينهم وهي: ١ الاعتماد على الكتاب والسنة في أصول المسائل وتفريعاتها. ٢ اتباع سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. ٣ عدم عرض شيء من ذلك على الآراء والأهواء. الحذر من البدع وأهلها. وسنذكر هذه القواعد بأدلتها حتى يتبين أن السلف ﵏ إنما يعتمدون في سائر الأمور الدينية على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وهو الحق الذي لا تشوبه شائبة،وهو ما يجب على كل مسلم التزامه وطرح ما سواه.

стр. 4

القاعدة الأولى: الاعتماد على الكتاب والسنة في أصول المسائل وتفريعاتها . هذه القاعدة تعني أنه يجب على المسلم أن يربط عقيدته وسائر أمور دينه بكلام الله وكلام رسوله ﷺ . فيكون مصدره في كل ذلك القرآن والسنة لأنهما مصدر الدين، فما كان فيهما فهو الدين وما ليس فيهما فهو ليس من الدين عظم شأنه أو حقر، كما أن العقيدة جلها أمور غيبية لا يستقل العقل بمعرفتها وإدراكها، فوجب الرجوع في ذلك إلى خبر العليم الحكيم وإلى خبر من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والوقوف عند ذلك وعدم تجاوزه إلى غيره. وقد أمر الله بالتزام كتابه فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة ٤, ٥] . وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام١٩] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء٩] وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف٣] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [الأحزاب ١-٢] وغيرها كثير. أما الأدلة الموجبة للالتزام بالسنة فكثيرة، منها قول الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران٣١] ، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور٦٣] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ

стр. 5

وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال٢٤] ، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء٦٥، وقال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر٧] ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب٢١] . أما الأحاديث عن النبي ﷺ فكثيرة منها: حديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" ١. وحديث العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا "وفي رواية: فما تعهد إلينا" قال: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " وفي رواية: "أوصيكم بتقوى الله والطاعة والسمع وإن كان عبدا حبشيّا، فإنه من يعش منكم بعدي سيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ٢. وحديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان يقول في خطبته: "نحمد الله بما هو أهله"، ثم يقول: "من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر

стр. 6

الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ١. وهنا يحسن التنبيه على أمرين: أحدهما: أن الكتاب والسنة حويا أصول الدين وفروعه. من المعلوم أن علماء الأمة يلتزمون في مسائل الفقه كلها بالنصوص الشرعية ويجعلون أدلة الأحكام الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس. ولكن الذين وقعوا في الكلام المذموم أو البدع والأهواء إذا أتوا على باب الاعتقاد أعرضوا عن الكتاب والسنة، مع أن مسائل الاعتقاد من الغيب الذي لا يمكن أن تستقل العقول بمعرفتها، كما أننا نجد أن الله قد علمنا فيه بأخبار الأولين بل ذكر لنا فيه ما يتعلق ببعض الحشرات كالنحل في قوله : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل٦٨, ٦٩] . كما ذكر النمل والطير والدواب، بل ذكر جل وعلا دقائق مما يتعلق بالإنسان من ناحية خلقه في بطن أمه وتكوينه. فكيف يمكن مع هذا أن لا يعرف القرآن به جل وعلا من ناحية صفاته وأسمائه ومن ناحية أفعاله، هذا لا يمكن أن يكون مع قوله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٣٨] . مع أن الوحي لم ينزل والرسل لم ترسل إلا لتعريف الخلق بربهم جل وعلا وحقوقه وجزائه للمطيعين والعاصين قال عزمن قائل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق١٢] ،بل أول أية من القرآن نزلت تضمنت التعريف بالله قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ

стр. 7

خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق١-٥] . وكذلك رسوله ﷺ لايمكن أن يكون علمنا آداب قضاء الحاجة وآداب الأكل والشرب والجماع وعلاقة الإنسان بوالديه وإخوانه وأهله ثم يغفل المعلومات المعرفة لنا بربنا جل وعلا من ناحية صفاته وأسمائه وأفعاله. إن من يدعي هذا أو يظنه فقد طعن في الرسول ﷺ ونسبه إلى التقصير في أهم واجباته التي لا يمكن أن تعرف إلا عن طريقه ﵊ وحاشاه من ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور،وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة ... فمحال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله، والعلم به ملتبسا مشتبها، ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا وما يجوز عليه وما يمتنع عليه، فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس وأدركته العقول. فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا وقولا ... ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين – وإن دقت – أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين الذي معرفته غاية المعارف،وعبادته أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام "١.

стр. 8

ثانيهما: عدم معارضة القرآن والسنة بعضها ببعض. القرآن الكريم وحي الله وكلامه جل وعلا، وهو أنزل على نبينا محمد ﷺ هداية للناس ونورا فلا يمكن أن يكون فيه ما هو متعارض أو متناقض، فهو تنزيل الحكيم العليم، قال : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء٨٢. فمن أدرك ما فيه من المعاني حمد الله على ذلك ومن لم يستطع فهم شيء منه فليتهم نظره وليقف حيث فهم وعلم ولا يتكلف ما لا علم له به. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء٣٦] . وإذا كان القرآن وحيا من عند الله فكذلك السنة من وحي الله ، قال جل وعلا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم٣, ٤] . فلا تعارض بينهما ولا تناقض فإن السنة تفسر القرآن وتشرحه كما قال جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل٤٤] . ومن زعم أن بين السنة والقرآن تعارضاً فقد ضل وأخطأ، من زعم أنه يأخذ بالقرآن دون السنة فقد ضل ضلالا مبينا. وقد روى الإمام أحمد عن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه" ١. وروى الآجري عن عمران بن الحصين ﵁ أنه قال لرجل: "إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله تعالى الظهر أربعا لا تجهر بها في القراءة"، ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ثم قال: "أتجد هذا في كتاب الله تعالى مفسرا؟ إن كتاب الله أحكم

стр. 9

ذلك وإن السنة تفسر ذلك"١. وروي عن سعيد بن جبير ﵀ أنه حدث عن النبي ﷺ حديثاً فقال رجل: إن الله تعالى قال في كتابه كذا وكذا فقال: "ألا أراك تعارض حديث رسول الله ﷺ بكتاب الله تعالى، رسول الله ﷺ أعلم بكتاب الله تعالى" ٢.

стр. 10

القاعدة الثانية: اتباع سلف الأمة من الصحابة والتابعين والذين اتبعوهم بإحسان . والمراد بهم العلماء والأئمة الذين سلكوا نهج الصحابة ولم يبتدعوا في دينهم. فقد دلت الأدلة أيضا على وجوب التزام طريقتهم ونهجهم. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة١٠٠] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء١١٥] . فهذه الآيات فيها الدلالة الواضحة على اقتفاء أثر الصحابة إذ هم أعدل هذه الأمة وأفضلها وأعلمها بدين الله، ثم من سلك نهجهم من أئمة الإسلام وأعلام الهدى. أما الأحاديث الدالة على سلوك منهجهم فكثيرة، فمن ذلك حديث العرباض السابق وجاء فيه: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". فقد أخبر رسول الله ﷺ في هذا الحديث بوقوع الاختلاف، وأمر عند الاختلاف بلزوم منهج خلفائه الراشدين. ولا شك أن الخلفاء الراشدين هم أفضل الأمة بعد نبيها ﵇. ثم يدخل فيهم غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم لورود الإشارة على لزوم منهجهم وطريقتهم عموما في الآيات السابقة ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء١١٥] ، ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة١٠٠] . وكذلك حديث افتراق الأمة، وجاء فيه من رواية عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل: تفرق بنو إسرائيل على اثنين

стр. 11

وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين تزيد عليهم كلها في النار إلا ملة واحدة"، فقالوا: من هذه الملة الواحدة؟ قال: "ما أنا عليها وأصحابي"، وفي رواية "ما أنا عليه اليوم وأصحابي" وفي رواية" الجماعة "وفي رواية "إلا السواد الأعظم" ١. فهذا النص يدل على أن المخرج عند الاختلاف هو في لزوم منهج الصحابة أو الجماعة ولا شك أن الصحابة هم رأس الجماعة. وهذا بحمد الله ظاهر، إذ أن القرآن والسنة قد تعرضا في آخر زمن الصحابة ﵃ بعدهم لفهوم كثيرة وبعض تلك الفهوم كان نابعا من الهوى، أو التأثر بالأفكار الواردة من اليهود والنصارى والوثنيين من الفلاسفة ونحوهم. فالقرآن موجود والسنة موجودة، لكن الإشكال عند كثير من الناس أتى من فهم مدلول النصوص فمثلا: آيات الصفات وأحاديثها موجودة، فدخلت على المسلمين فهوم خارجية وهو اعتقاد أن الله لا يوصف بصفة ثبوتية، أو أن التنزيه يعني نفي جميع الصفات عن الله . فهنا آيات فهمت بفهوم مختلفة متباينة، فنظرنا في فهم الصحابة فوجدنا أن الصحابة ﵃ لم يختلفوا في إثبات شيء من الصفات الواردة في القرآن والسنة، فالتزم ذلك التابعون لهم بإحسان، وصرحوا عنه وأبانوه ودانوا الله به في مقابل الذين جاءوا بكلام في هذا الباب خارج عن منهج الصحابة وطريقتهم وإنما هو على منهج الفلاسفة واليهود والنصارى وغيرهم. وهكذا سائر المسائل العقدية التي ابتدعها أهل البدع، وخالفوا فيها منهج الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فخالفوا بذلك أمر الله وأمر رسوله ﷺ في لزوم منهج الصحابة وطريقتهم عند الاختلاف. كما قد جاء الحض على التزام منهج الصحابة رضوان الله عليهم عن العديد من العلماء والأئمة ومن ذلك:

стр. 12

ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "من كان مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وفضلهم فقد كانوا على الهدى المستقيم".١ وقال ﵁ هو أو حذيفة أيضا: "يا معشر القراء اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم".٢ وقال عمر بن عبد العزيز كما روى مالك عنه بأنه إذا ذكر عنده الزائغون في الدين قال، قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله تعالى وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو المهتدي، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا ". وقال أبو العالية: "عليكم بالصراط المستقيم ولا تحرفوا الصراط يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنة نبيكم ﷺ والذي عليها أصحابه ... " ثم قال: "وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة". قال الحسن البصري لما بلغه: "صدق ونصح"٣.

стр. 13

القاعدة الثالثة: عدم عرض شيء من ذلك على الآراء والأهواء ما جاء عن الله أو عن رسوله ﷺ فهو حق لا شك فيه، والواجب فيه الإيمان والتسليم وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله ﷺ . فلا يقوم الإيمان الصحيح الصادق إلا بالتسليم للشارع والانقياد له في الأمور العقائدية العلمية والأمور العملية، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء٦٥] ، وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام١٥٣] . وروى الآجري وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فخط خطا فقال: "هذا الصراط"، ثم خط حوله خططا فقال: "وهذه السبل فما منها من سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه" ١. وحديث العرباض بن سارية السابق وهو قوله ﷺ : "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ٢. وكذلك حديث جابر وفيه "وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".٣ وروى الآجري عن عمر ﵁ قال: "القرآن كلام الله فلا تصرفوه

стр. 14

على آرائكم" ١. وفي رواية أخرى قال: "إن هذا القرآن كلام الله فلا أعرفن ما عطفتموه على أهوائكم" ٢. وقال محققه: إنه حسن. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: "إنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ " ٣. وقال رجل لإبراهيم بن يزيد النخعي: "يا أبا عمران أي هذه الأهواء أعجب إليك؟ فإني أحب أن آخذ برأيك وأقتدي بك"، قال: "ما جعل الله في شيء منها مثقال ذرة من خير وما هي إلا زينة الشيطان، وما الأمر إلا الأمر الأول" ٤. وقال الأوزاعي ﵀: "عليك بأثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول" ٥. فهذه النصوص وغيرها كثير فيه دلالة واضحة على عدم عرض القرآن أو السنة على شيء من الأهواء والآراء، وإنما الواجب التسليم والإيمان. على هذا درج الأئمة، فأنت لا ترى مسألة في العقائد إلا ويرجعونها إلى أصولها من الكتاب والسنة وكلام الصحابة والأئمة. والواقع أن جمهور المسلمين يرجعون إلى ذلك في الفقه، ويتميز السلف برجوعهم إلى ذلك في العقائد والأحكام لا يفرقون بين ذلك، ولكن أهل البدع يفرقون بينهما وذلك لدخول الأهواء عليهم في باب العقائد.

стр. 15

القاعدة الرابعة: الحذر من البدع وأهلها البدعة في اللغة: هي الشيء المخترع على غير مثال سابق. وهي في الشرع كما عرفها بعض العلماء: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى ١. والبدع قد حذرنا الله منها وحذرنا منهارسوله ﷺ ، فمن الآيات في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام١٥٩] . وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ... إلى قوله – ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران١٠٣ - ١٠٦] . وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام١٥٣] . ومن الأحاديث الدالة على تحريم البدع الحديث المشهور حديث عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٢، وكذلك حديث عبد الله بن مسعود في تفسير النبي ﷺ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ ٣ وحديث العرباض بن سارية، وحديث جابر بن عبد

стр. 16

الله وفيه: "وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة". ١ كما كثر عن الأئمة من علماء السلف التحذير من البدع، فمن ذلك: ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال لما رأى جماعة في المسجد متحلقين وبين أيديهم حصى ورجل يقول: هللوا مائة فيهللون، ويقول: سبحوا مائة فيسبحون، فقال لهم ﵁: "والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحوا باب ضلالة".٢ وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: "أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور.٣ وروي عن حذيفة أنه قال: "اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم، فلعمري لئن اتبعتموه فقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن تركتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً".٤ وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: "أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه ﷺ وترك ما أحدث المحدثون بعدما جرت به سنته"٥ ومن نظر في البدع علم أنها من أقبح الأعمال وأفسدها وأشدها خطراً على دين المرء، لما تتضمن من المعاني الفاسدة التي منها: ١ - أن الله تعالى قد أكمل الدين وأتم النعمة، فمن ابتدع بدعة فقد زعم أن الله تعالى لم يكمل الدين وانه ناقص وأنه يحتاج إلى بدعة المبتدع لتكميله قال الإمام مالك ﵀: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ

стр. 17

وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة٣] ١. ٢ - أن المبتدع مستدرك على الشارع ببدعته، فكأنه يرى أن ثمة طرق أخرى موصلة للحق لم يذكرها الشارع. قال ابن مسعود ﵁ لمن كانوا متحلقين يسبحون: "والذي نفسي بيده إنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحوا باب ضلالة".٢ قال عمر بن عبد العزيز: "فعليك بلزوم السنة فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق".٣ ٣ - أن التشريع حق الله تعالى وحده، والمبتدع قد أنزل نفسه منزلة المشرع، وذلك بتشريعه شريعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ﷺ ، وفي هذا تشبه بالمشركين قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى ٢١] . كما أن من منهج السلف البعد عن أهل البدع والحذر منهم وعدم مجالستهم ومجادلتهم. يدل على ذلك ما روى الآجري بسنده عن ابن عباس ﵁ قال: "لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلوب"٤. وعن أبي قلابة ٥ ﵀ قال: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإنني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم بعض ما لبس عليهم"٦. فتجنب أهل البدع والحذر منهم منهج سلفي لما لهم من الخطورة على أغلى ما

стр. 18

يملكه المسلم وهو دينه، كما أن فيه تصغيرا لشأنهم وتحقيرا لهم وهذا فيه مصالح منها: ١ - لعلهم يرتدعون عما هم فيه من غواية وضلالة. ٢ - يعرفهم الناس الذين يجهلون حالهم فيحذرونهم ويتجنبونهم. ٣ - في الحذر منهم وعدم مجادلتهم تحجيم لبدعتهم وعدم إظهارها وانتشارها.

стр. 19

منهج المبتدعة في العقيدة أولا: المتكلمون ... منهج المبتدعة في العقيدة المبتدعة خالفوا السلف وانحرفوا عنهم في العقيدة وما ذلك إلا لمخالفتهم لهم في المنهج الذي اعتمدوه في تقرير العقيدة. ويمكن تلخيص منهج المبتدعة عموما في أصل واحد وهو: تقديم الآراء والأهواء والكشف ونحو ذلك على النقل والشرع في تقرير مسائل العقيدة. بيان ذلك: أن المبتدعة بسبب اختلاف مشاربهم ومقاصدهم ولما لم يأتلفوا على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ صاروا أقوالا شتى متفرقة قد يجمعها بعض الأصول كما يجمع المتكلمين بعض الأصول ولكنهم يتفرقون كثيرا عند التفريعات. وهكذا سائر المبتدعة من الخوارج والرافضة والصوفية لأن الأصول التي يلتقون عليها تصطدم دائما بالمقاصد والأهواء، فيتفرقون وينقسمون بسبب ذلك انقسامات داخلية وانشطارات متعددة تجعل الفرقة الواحدة لها مسمى واحد كبير لكنه يضم تحت مسماه فرقاً كثيرة متناحرة مختلفة. وسنذكر منهج بعض المخالفين ونبين بطلانه. أولا: المتكلمون المتكلمون هم الذين يقررون مسائل العقيدة أو بعضها عن طريق الأدلة العقلية ومنهجهم في ذلك هو: تقديم العقل على النقل. فتقديم العقل على النقل سمة ومنهج واضح ظاهر لدى الفلاسفة والمتكلمين، سواء كانوا جهمية أو معتزلة أو أشعرية أو ماتريدية، فكل هؤلاء في أبواب ضلالهم وانحرافهم عن الحق قدموا العقل على النقل بل كثير منهم لا يعتبر إمكانية الوصول إلى الحق إلا عن طريق العقل.

стр. 20

ومن الأمثلة على ذلك قول القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه "شرح الأصول الخمسة" ص ٨٨: "الدلالة أربعة: حجة العقل والكتاب والسنة والإجماع، ومعرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل". وقال الآيجي في المواقف وهو من الأشاعرة: "ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع ونبوة النبي محمد ﷺ فهذا لا يثبت إلا بالعقل ... ثم قال: الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟ قيل لا. ثم قال بعد أن ذكر أن الدليل النقلي أي الشرعي يفيد الظن قال: لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وجد لقدم على الدليل النقلي قطعا"١. وقال الجويني الأشعري: "إنه إذا ورد الدليل السمعي مخالفا لقضية العقل فهو مردود قطعا: "٢. وقال الرازي وهو أشعري: "اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك ... يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال إنها غير صحيحة أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها" ٣. فهذا شأن أهل البدع من المتكلمين والفلاسفة تقديم العقل على النقل واعتبار العقل الأصل والشرع فرع له، لهذا عند التعارض لا يقيمون للنقل والشرع وزنا. دليلهم: المتكلمون عموماً قدموا العقل على النقل بدون أن يكون لهم أدنى دليل شرعي أو حتى دليل عقلي إنما قعدوا قاعدة فقالوا: إن العقل هو أصل الشرع

стр. 21

فلهذا لا يستدل بالفرع على الأصل. وفي هذا يقول عبد الجبار المعتزلي في تعليله الاستدلال بالعقل دون الشرع في معرفة الله: "إن معرفة الله تعالى لا تنال إلا بحجة العقل فلأن ما عداها فرع على معرفة الله تعالى بتوحيده وعدله، فلو استدللنا بشيء منها على الله والحال هذه، كنا مستدلين بفرع الشيء على أصله وذلك لا يجوز". ١ وكذلك قال الرازي بعد أن أوهم نفسه أنه يوجد تعارض بين العقل والنقل فجعل للخروج من هذا الإشكال أن يعتقد أن النص الشرعي غير صحيح أو يعتقد أن معناه غير صحيح وعلل ذلك بأن العقل هو الذي دلنا على صحة الشرع فبالتالي لا يمكن أن نقدم الشرع على العقل، لأن الشرع عنده صار بذلك فرعاً والعقل أصلاً".٢ الرد عليهم: لا شك أن المتكلمين قد اضطربت أفهامهم وفسد حسهم الديني، حتى زعموا أن العقل ٣ مقدم على الشرع بدون أن يكون لهم أدنى دليل شرعي أو عقلي صحيح سوى الدعوى بأن العقل أصل والشرع فرع. وفساد هذه الدعاوي وبطلانها ظاهر من أوجه عدة: أولاً – الرد عليهم في دعواهم أن العقل أصل والشرع فرع: ١ - نسأل المتكلمين: ما هو العقل الذي يجعلونه مقدماً على الشرع؛ هل هو عقل الفلاسفة اليونانيين الوثنيين أم عقول الجهمية، أم عقول المعتزلة أم عقول

стр. 22

الأشاعرة؟ فهؤلاء جميعا يدعون العقل وهم مختلفون.فأي عقل من تلك العقول يزعم هؤلاء المتكلمون أنه مقدم على الشرع. والواقع أنهم يقدمون عقل اليونانيين الوثنيين المشركين على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ . فأي فساد في الدين أعظم من هذا وأي انحراف أكبر من هذا نعوذ بالله من الخذلان. ٢ - إن معرفة الله تعالى والإيمان به ليس منوطاً بالأدلة العقلية كما يتوهم المتكلمون، لأن معرفة الله والإقرار به قد جعله الله في فطر بني آدم، كما أن جل الذين آمنوا من بني آدم إن لم يكن كلهم قد اهتدوا إلى الإيمان بدون أن يعرفوا تلك الأدلة، كما أن الهداية هي من الله تعالى فليست منوطة بالعقل أو بالأدلة العقلية، بل هي نور من الله يقذفه في قلب من شاء من عباده. فعلى هذا تكون دعوى المتكلمين إن الأدلة العقلية هي التي استدلوا بها على الله تعالى كاذبة خاطئة. ٣ - إذا كان العقل دل المتكلمين على صحة الشرع وصدق الرسول ﷺ ، فإن الواجب عليهم هنا أن يسلموا للشارع وينقادوا لكلامه، لأنه أمرهم بذلك، وهم قد أقروا لله بالألوهية وللرسول ﵊ بالرسالة. فيلزمهم بناء على ذلك أن لا يقدموا على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ رأياً ولا هوى ولا قول أحد من الناس، لأن الله أمرهم بذلك. وهذا مثل ما لو أن إنساناً كان في صحراء فتاه عن الطريق وهو يريد الذهاب إلى منطقة معينة، فلم يهتد للطريق فوجد رجلاً عرف من حاله وكلامه أنه خبير بالطريق الموصلة إلى البلدة التي يريد الذهاب إليها، فطلب منه أن يرشده الطريق. فهل يليق بعد ذلك أن يعترض عليه ويأبى أن ينقاد إليه؟ إنه إن فعل ذلك فهذا دليل على أنه لم يقر للرجل بأنه خبير بالطريق، وفي ذلك طعن في حكمه على الشخص من قبل بأنه خبير بالطريق. فكذلك من لم

стр. 23

يسلم لله ولرسوله بعد أن استدل على صحة وصدق الشارع، فإن ذلك قدح في دلالة العقل وقدح في إيمانه ويقينه بأن الشارع صادق ناصح. ثانياً – الرد عليهم بادعاء التعارض بين العقل والنقل: المتكلمون يزعمون وجود تعارض بين العقل والنقل في المسائل التي خالفوا فيها الحق، وهذه دعوى غير صحيحة بنفسها، ولا وجود لها إلا في عقولهم المريضة، أما الواقع فإن العقل الصحيح لا يعارض النقل الصحيح. والدليل على ذلك أمور: أ - أن الذي خلق العقل هو الذي أنزل الشرع فكيف يمكن أن يكون بينهما تعارض. ب - أن الله تعالى في القرآن الكريم قد دعا في مواطن عديدة إلى استخدام العقل والنظر من خلاله إلى آياته وبيناته ليصل الإنسان إلى الإيمان بالله ورسله قال جل وعلا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد٢٤] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ٤٦] . ج - أن الله قد أبان في مواطن عدة من كتابه أن سبب هلاك من هلك من أهل النار أنهم لم يستخدموا عقولهم الاستخدام الصحيح قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك١٠] وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف١٧٩] . فلهذا لا يمكن أن يكون بين العقل الصحيح والنقل الصحيح تعارض بحال من الأحوال.

стр. 24

ثالثاً – الرد عليهم في تقديم العقل على النقل في حال التعارض: إن تقديم العقل على النقل في حال التعارض انحراف عن دين الله وفساد وهو باطل من عدة وجوه: ١ - أن الله تعالى أمرنا باتباع كتابه وسنة نبيه ولم يأمرنا باتباع العقل كما لم يجعل اتباع الكتاب والسنة مشروطا بموافقة العقل وقبوله للأمر، فمن قدم العقل على الشرع أو قيد قبوله للشرع بموافقة العقل فقد افترى على الله وقيد كلام الله وأمره بقيد من عند نفسه. ٢ - أن تقديم العقل على النقل يؤدي إلى إبطال الشرع، وذلك أن العقول متفاوتة متباينة، وأصحابها أكثر الناس اختلافا، فيؤدي ذلك إلى أن كل صاحب مذهب منحرف وهدف سيئ يدعي أن الشرع مخالف لعقله فيبطل الشرع وتندرس معالمه. ٣ - أن من زعم أنه لا يقبل الشرع إلا إذا وافقه العقل فيه شبه من إبليس حيث رد الأمر بما يرى أنه حجة عقلية، فقد أمره الله تعالى بالسجود، فاحتج على ذلك بأنه خير من المسجود له لأنه خلق من نار وآدم خلق من طين فعارض الأمر بعقله فاستحق اللعن والإبعاد من رحمة الله. ٤ – إن الإيمان لا يثبت في القلب إلا بالتسليم والاستسلام للشرع، أما معارضته بالشبه العقلية وعرضه عليها فإن ذلك مورث للشك والحيرة، وهذا أمر معلوم مجرب، وقد صرح به كبار أئمة الكلام، حيث أكدوا أنهم قد أوقعوا أنفسهم في الحيرة والشك، الذي نسأل الله العافية لا مخرج منه، وذلك لأنهم قد هدموا يقينهم، وخلخلوا عقيدتهم بالشبه العقلية والمناهج الفلسفية.

стр. 25

وفي هذا يقول محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي صنفه: "أقسام اللذات": نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعى العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وقال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ . ثم قال: "ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"١. وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه "نهاية الأقدام في علم الكلام" لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر على ... ذقن أو قارعا سن نادم "٢ وقال شمس الدين الخسر وشاهي وقد دخل عليه بعض الفضلاء يوما فقال: "ما تعتقد؟ قال: "ما يعتقده المسلمون" فقال شمس الدين: "وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ فقال الرجل: نعم. فقال شمس الدين: "اشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى اخضل لحيته".٣ فهذا فيه كفاية ومقنع لمن أراد الله هدايته.

стр. 26

ثانياً – الصوفية . الصوفية من الفرق البدعية التي تتفاوت بدع منتحليها، فمنهم من بدعته في الأوراد والأذكار، وقد يتعدون ذلك إلى الغلو في المشايخ ومن يسمون الأولياء، وقد يرفعونهم إلى مقام الربوبية والألوهية والعياذ بالله، وقد يزيدون على ذلك بما هو أشد كفراً من ادعاء الحلول أو وحدة الوجود. وقد اختلف أرباب هذه النحلة في تعريفها اختلافات كثيرة متفاوتة. والذي يظهر لي أن الصوفية جمعت أوضاعاً وأحوالاً متباينة يصعب معها إدراجها كلها تحت تعريف واحد بصفات متقاربة، لأنها نحلة تضم في أتباعها من لهم إنتماء صحيح إلى الإسلام مع البدعة، وفيهم من هو أشد كفراً من اليهود والنصارى، وكلهم تحت هذا المسمى وهو التصوف. لهذا أرى أن يذكر تعريفاً يشمل ذلك كله بأن نقول: إن التصوف "مذهب أوله البدعة في الزهد والرياضات النفسية والأوراد والأذكار، ثم غلا المنتسبون إليه فيه حتى صار غايته لديهم المكاشفات ودعاوى الحلول ووحدة الوجود. منهج الصوفية في الاستدلال لمسائل العقيدة: الصوفية على الضد من المتكلمين، أولئك قدموا العقل، وهؤلاء لا يقيمون للعقل وزناً، وإنما مصدرهم فيما ابتدعوه تقديمهم لما يسمونه الكشف ونحوه على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ . ومرادهم بالكشف: الإطلاع على مايغيب عن علمهم أو مايحتاجون إليه من الأمور الدينية أو حتى الدنيوية عياناً أو سماعاً من قبل النبي ﷺ أو الخضر أو الهواتف أو الملائكة ونحو ذلك.١

стр. 27

فهذه الدعاوى التي يدعونها نأت وشطت بهم عن الكتاب والسنة، حيث لا يقيمون لا للكتاب ولا للسنة وزناً في مقابل تلك الدعاوى الفارغة. قال داود الكبير بن ماخلا: "لا تقنع قط بسمعت ورويت بل شهدت ورأيت". وقال أبو الحسن الشاذلي: "علوم النظر أوهام إذا قرنت بعلوم الإلهام". وقال إبراهيم الدسوقي: "ومقصودي لجميع أولادي أن يكونوا ذائقين لا واصفين، وأن يأخذوا العلوم من معادنها الربانية، لا من الصدور والطروس، فإن القوم إنما تكلموا عما ذاقوا"١ ومن هذا الجنس كلام الغزالي في الإحياء عن علوم الأنبياء والأولياء فيقول:"فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر وفاض على صدورهم النور لا بالتعلم والدراسة والكتابة للكتب، بل بالزهد في الدنيا والتبري من علائقها وتفريغ القلب من شواغلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى ".٢ الرد على الصوفية الصوفية يستدلون على دعاويهم المخالفة للشرع بما يسمونه بالكشف. وقد سبق أن بينا أن مرادهم بالكشف هو دعواهم أنهم يستندون على ما يؤيدون به دعاويهم المخالفة للشرع بما يبلغهم عن النبي ﷺ شفاها يقظة أو مناما أو الخضر ونحو ذلك. وسنبين بطلان دعواهم فيما يزعمون في النقاط التالية:

стр. 28

أولا: دعواهم رؤية النبي ﷺ يقظة. دعوى رؤية النبي ﷺ يقظة دعوى مشتهرة عند الصوفية حيث يزعم كثير منهم الاجتماع به ﷺ يقظة، فمن ذلك قول الغزالي عن أرباب الأحوال: "حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا يقبسون منها فوائد". وقال محمد العربي التجاني: "رؤيته ﷺ بعين الرأس في عالم الحس وما يتبعها من الأخذ عنه وسؤاله عما يعرض ومشاورته في الأمر ونحو ذلك كل ذلك ممكن عقلا ثابت نقلا....." وقال الشعراني: "سمعت عليا الخواص يقول: لا يكمل العبد في مقام العرفان حتى يجتمع برسول الله ﷺ .." وقال الدباغ: "الذي هو أفضل وأعز من دخول الجنة فهو رؤية سيد الوجود ﷺ في اليقظة فهي أفضل من الجنة"١. ومن ذلك أيضا ما ذكره علي حرازم عن شيخه أحمد التجاني أنه قال: "أخبرني سيد الوجود ﷺ يقظة لا مناما، قال لي: أنت من الآمنين وكل من رآك من الآمنين إن مات على الإيمان وكل من أحسن إليك بخدمة أو غيرها وكل من أطعمك يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب" ثم أجاز له ورده وضمن له أن من أخذ ذلك الورد التزمه وأحب التجاني ولم يسبه ولم يبغضه أنه في عليين. ٢.وغير ذلك. ويدل على بطلان دعواهم رؤية النبي ﷺ يقظة بعد موته ما يلي:

стр. 29

١ - أن ذلك يتعارض مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر٣٠] وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران١٤٤] ، كما يتعارض مع إجماع الصحابة على موته ﵊ وخاصة بعد خطبة أبي بكر ﵁ المشهورة: "من كان يعبد محمدا فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"١. ٢ - أنها تتعارض مع الأحاديث التي تثبت بعثه ﵊ يوم القيامة وهي قوله: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع".٢ فمن ادعى أنه يراه يقظة فقد ادعى أنه بعث قبل يوم القيامة. ٣ - أن ذلك يؤدي إلى أنه ﵊ يحيا ويبعث من قبره مرات عديدة. أما الاحتجاج بحديث "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" ٣، فهو احتجاج باطل لعدة أوجه: أ- أن هذه حياة برزخية لا يعرف كنهها ولا كيفيتها فدعوى أنهم يلقونه ويجتمعون به يجعل ذلك من جنس الحياة العادية وذلك باطل. ب - أن الوارد في الحديث أنه قال: في قبورهم فقيدها بذلك، فالحياة البرزخية تتقيد بذلك فدعوى أنهم أحياء بأجسادهم خارج قبورهم خلاف ما دل عليه الدليل.

стр. 30

ج - أن هذه الحياة من جنس الحياة التي ذكرها الله للشهداء ولا أحد يقول أن الشهيد يلقاه الناس بجسده خارجا عن قبره بناءاً على الحياة التي خص بها. د - أنه لم يؤثر عن أحد من الصحابة ﵁ الالتقاء بالنبي ﷺ بعد موته مع شدة حاجتهم لذلك بسبب ما وقع بين بعضهم من الاختلاف وهم أصحابه وأنصاره وأصهاره ﵊. ٤ - استدلال الصوفية بأحاديث غير صحيحة في هذا مردود غير مقبول، وذلك مثل: "أنا أكرم على ربي أن يتركني في قبري بعد ثلاث" حديث غير صحيح قال عنه ابن حجر: "لا أصل له".١ أو رواية "إن الله لا يترك نبيا في قبره أكثر من نصف يوم" قال ابن عبد الهادي: "حديث منكر غير صحيح"٢ وكذلك سائر الروايات من هذا الجنس كلها أحاديث غير صحيحة كما صرح بذلك العديد من الأئمة فلا تقوم بها حجة. ثانيا: رؤية النبي ﷺ مناما. رؤية النبي ﷺ مناما أمر مشتهر عند الصوفية وهو مما يلصقون به كثيرا من دعاويهم وافتراءاتهم، ومن ذلك دعوى ابن عربي في مقدمة كتابه "فصوص الحكم" الذي ضمنه وحدة الوجود بأوضح صورها قال: "فإني رأيت رسول الله ﷺ في مبشرة أريتها في العشر الآخر من محرم سنة سبع وعشرون ٣ وستمائة بمحروسة دمشق وبيده ﷺ كتاب فقال لي: هذا كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت السمع والطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمرمنا، فحققت

стр. 31

الأمنية وأخلصت النية وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي رسول الله ﷺ من غير زيادة ولا نقصان"١. وكثيرا ما يعجز الصوفية عن إقامة الدليل على صحة دعوى من الدعاوى فيصححونها بالرؤى المنامية وهذا كثير جدا لديهم، فمن ذلك ما ذكر الصيادي أحد كبار الرفاعية في الاستدلال على صحة المولد أنه قال: "رأى أحد الصالحين النبي ﷺ فسأله عن قراءة المولد الذي يصنع من أجله فقال له: "من فرح بنا فرحنا به"٢. وكذلك إذا أرادوا تعظيم أحد أو بقعة زعموا ذلك أيضا فمن ذلك ما ورد عن الشيخ محمد البجلي أنه قال: "رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: "وقوفك بين يدي ولي الله كحلب شاة أو استواء بيضة خير لك من أن تعبد الله حتى تتقطع إربا إربا" ٣. ومن ذلك أن أحد مشايخ الرفاعية رأى في المنام خياما عظيمة على الطريق فسأل لمن هذه الخيام فقالوا: هذه لرسول الله ﷺ فدخل إليه وسلم عليه وقال: يا رسول الله إلى أين هذه الرحلة المباركة. فقال: "إلى قرية أم عبيدة ٤ لزيارة أحمد بن أبي الحسن الرفاعي"، ثم ذكر أيضا أن الكعبة أيضا جاءت تزور قبر الرفاعي فقام الرجل من نومه وهب ينادي في الناس ويحثهم على المبادرة إلى المسير إلى قرية الرفاعي حيث الرسول ﷺ والكعبة زائرون" ٥. فهذه الدعاوى وغيرها كثير مما هو ديدن الصوفية يدل على أنهم اتخذوا دعاوى المنامات وسيلة للتشريع أو إباحة ما حرم الله .

стр. 32

بيان بطلان دعاوى الصوفية في المنامات رؤية النبي ﷺ قد ورد فيها أحاديث صحيحة منها ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي" قال ابن سيرين: "إذ رآه في صورته". وعند مسلم زيادة: "أو فكأنما رآني في اليقظة". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكونني" ١. فرؤية النبي ﷺ هي من ضمن المبشرات التي ذكر الرسول ﷺ كما في البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة" ٢. فرؤيته ﷺ على حالة تسر المسلم أو يأمره بخير مما شرعه أو ينهاه عن شر مما نهى عنه فهذا حق يجب اتباعه اتباعا للشرع. ويكون الرؤيا المنامية دعوة خاصة أو بشارة خاصة. أما دعاوى الصوفية في الرؤيا والمنامات المخالفة للشرع فإنها باطلة مردودة على أصحابها لعدة أمور: ١ أن الرؤى والمنامات ليست حجة شرعية يمكن أن يثبت بها أمر شرعي فلم يرد في الكتاب ولا في السنة اعتبارها حجة وإنما هي تبشير وتنبيه، قال المعلمي في "التنكيل": "اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة وإنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية" ٣. ٢ لا يمكن أن يأمر النبي ﷺ بخلاف شرعه الذي شرع، فمن ادعى أنه رأى رؤيا فيها خلاف شرع النبي ﷺ إما أن يكون كاذبا أو مخطئا في دعواه أن

стр. 33

من رآه هو النبي ﵊. ٣ أن النائم ليس في حالة من يمكن تثبته من القول الذي يقال له فبا لتالي لا يمكن أن يعتبر قوله في مقابل الشرع الثابت ومساوي له، قال النووي ﵀: "حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون مستيقظا لا مغفلا ولا سيئ الحفظ ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه" ١. ٤ إثبات أذكار وأوراد وأمور متعلقة بالشرع بالمنامات والرؤى فيه طعن في الشرع بوصفه بالنقص وأنه احتاج إلى التكميل بتلك الدعاوى المرتبطة بالرؤى. ٥ أن جل الرؤى والمنامات المتضمنة لدعاوى مخالفة للشرع هي من باب تفصيل أوراد الطرق أو مشايخهم، وهذا كله يظهر أن للنفوس من وراء ذلك حظوظا ومقاصد خاصة برفعة الرائي لنفسه أو رفعة شيخه أو طريقته أو ما إلى ذلك، وهذا كاف في إبطال وردّ الدعاوى المتضمنة لذلك. رؤية الخضر عند الصوفية ودعاويهم في ذلك: يدعي كثير من الصوفية وغيرهم أن الخضر حي، وأنه يلقى بعض الناس من مشايخهم فيستفيدون منه فوائد شرعية جلها فيما يزعمون من جنس ما يعزونه إلى قول النبي ﷺ لهم يقظة بعد موته أو مناماً. ومن تلك الدعاوي ما ذكر عبد الخالق الغجدواني النقشبندي: أن الخضر لقنه الوقوف العددي، وعلمه الذكر الخفي، وهو أنه أمره أن ينغمس في الماء ويذكر

стр. 34

الله بقلبه لا إله إلا الله محمد رسول الله ففعل كما أمر وداوم عليه فحصل له من الفتح القويم والجذبة القيومية". وذكر أبو العباس المرسي: بأنه اكتسب من الخضر معرفة أرواح المؤمنين بالغيب هل هي معذبة أو منعمة؟! . ومنهم من يروي عن الخضر عن النبي ﷺ ، فمن ذلك ماروى الأيوبي المتوفى سنة١٣٦٤هـ بسنده عن الخضر قال، قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيت الرجل لجوجاً معجباً برأيه فقد تمت خسارته". وهذا كله مبني على ثلاثة أشياء: أن الخضر حي، وأنه يتصل بالناس، وأن من اتصل بهم هو الخضر. أما أن الخضر حي فلم يدل دليل صحيح على حياته عن النبي ﷺ . هكذا قال ابن حجر وابن كثير وغيرهم ١. كما أن مايروى من الأخبار والآثار في لقائه لبعض الصحابة أو الأخيار فهي آثار ضعيفة وواهية ولا يسلم واحد منها من الطعن. قال ابن المنادي: "وجميع الأخبار في ذكر الخضر واهية الصدور والأعجاز، ثم قال: وأكثر المغفلين مغرور بأن الخضر باق والتخليد لا يكون لبشر. قال : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ .٢ ودعوى حياة الخضر منقوضة بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء٣٤] . وكذلك قوله ﷺ كما في حديث ابن عمر وجابر رضي الله

стр. 35

عنهما: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد".١، وقوله ﵇: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض".٢ ولو احتج محتج بأن هذا العموم مخصوص بإبليس والدجال وكذلك عيسى بن مريم، فإن الرد عليه بأن يقال هؤلاء خصصهم النص الصحيح، أما الخضر فلم يرد فيه نص صحيح عن المعصوم ﵊. ٢ - أن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمرن٨١] .قال ابن عباس ﵁: "مابعث الله نبياً إلا أخذ الله عليه الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه". أخرجه البخاري.ولم يثبت أنه لقي النبي ﷺ ولا جاء إليه كما سبق ذكره عن العديد من علماء الحديث. ٣ - إن الخضر اختلف في اسمه إلى ما يقرب من ثلاثة عشر قولا، وفي اسم أبيه كذلك، واختلفوا هل هو ملك أم إنسان وهل هو نبي أم ولي وهل هو حي مخلد أم أنه مات، كما اختلف الصوفية فيه هل هو شخص حقيقي أم مثال يتمثل لهم أم أنه مقام، بمعنى أن أحد الناس يرتقي في الولاية حتى يبلغ هذا المقام فيصبح يظهر للناس على أنه الخضر. ٤ - إن رؤية الخضر ليست متحققة لكل أحد، وإنما يظهر للبعض ولا يظهر للبعض، فلو كان إنساناً فما الذي حجبه عن الناس، وجعل رؤيته خاصة بمن ادعى ذلك أو ادعي له ذلك؟! فهذا يدل على أن مايتراءى للناس في هذا إنما هو شيطان كذب عليهم في هذا وادعى ما ادعى تلاعباً واحتيالاً. وهذا كله يدل على

стр. 36

أن الخضر ليس حياً، وادعاء ذلك ليس مبنياً على شيء ثابت في الشرع، بل في الشرع مايرده ويبطله. كما أنا لو سلمنا جدلاً بحياته، فإن كل دعوى يدعيها الصوفية فيه، أو أنها أخذت عنه مما يخالف الشرع مردود على مدعيه، ولو كان الخضر بما يلي: ١ - أن الله تعالى ورسوله ﷺ لم يأمرا بالرجوع إلى الخضر أو غيره سوى كلامه جل وعلا، وسنة نبيه ﵇، وسنة خلفائه الراشدين وإجماع المسلمين. ولانجد في شيء من الشرع الرجوع إلى كلام الخضر والاستفادة منه بشيء مما يخالف الشرع. حتى المسيح ﵇ حين منع الجزية إنما ذكر ذلك النبي ﷺ ، وكأنه إنما حرمها بإباحة الشارع له ذلك. ٢ - أنه لوكان حياً فإنه سيكون فرداً من أفراد أمة محمد ﷺ ، ولايسعه الخروج عن شريعة النبي ﵇، لعموم رسالة النبي ﷺ للجن والإنس. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ ٢٨] .وقوله ﷺ : "لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي". ١ كما أن من ادعى حياته إنما كما روي عنهم أنهم تراءى لهم شخص، فإما قال لهم أنه الخضر، أو وقع في خلدهم أنه الخضر.

стр. 37

وكل ذلك لا يصلح مستنداً لإثبات أنه الخضر. فادعاء شخص أنه الخضر لا يثبت ذلك مع الموانع المذكورة سابقاً، وما وقع في الخلد والظن لا يعدو أن يكون حدساً وظناً، وذلك لا يمكن أن يعارض به الأمور المتيقنة والمعاني الشرعية العامة.١

стр. 38

ثالثاً: الرافضة الرافضة من الشيعة الذين يغلون في حب علي وآل بيته، ويقدمونهم على سائر الصحابة ويعتقدون الإمامة في اثني عشر إماما من أولاد علي،ويطعنون في الصحابة، بل يكفرونهم. والرافضة كما هو معلوم فرقة من شر أهل البدع وأسفههم مقالاً، فلا عقل لهم يعتمدون عليه ولا شرع، حيث يزعمون الإمامة لإثنى عشر رجلا من آل البيت لم يتول منهم الإمامة فعلا إلا علي ﵁ والحسن مدة ستة أشهر، ثم تركها وتنازل عنها، كما يزعمون عصمة أولئك الأئمة، وأنهم مشرعون يوحى إليهم، إلى غير ذلك من ترهاتهم وأكاذيبهم. كما يطعنون في القرآن الكريم ويردون السنة كلها، ويبغضون أصحاب رسول الله ﷺ وزوجاته وسائر أئمة الدين، ولهم بدع ومقالات لا تكاد تلتقي مع المسلمين. وهم في توحيد الألوهية مشركون يعبدون القبور ويدعون أصحابها ويستغيثون بهم ويطوفون بقبورهم. ١ وهم في الصفات والقدر مثل المعتزلة ينفون الصفات وينفون القدر.٢ منهج الرافضة في الاستدلال الرافضة أصحاب هوى فقد ادعوا دعاوى ليس لها أصل في الكتاب أو السنة، وبنوا عليها مذهبهم الذي يعود في أصله إلى دعوى الإمامة وتكفير الصحابة، فاخترعوا لذلك الأكاذيب الطويلة العريضة يدعمون فيها دعواهم. وعمدة مذهبهم على الروايات المكذوبة المنسوبة إلى علي ﵁ وآل

стр. 39

البيت الذين يزعمون إمامتهم، وحتى يحيطوا تلك الروايات بالتعظيم والقبول والإجلال ادعوا عصمة أئمتهم وأوليائهم. قال المفيد من علماء الروافض المتقدمين: "إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء وأنهم لا يجوز منهم صغيرة – إلا ما قدمت ذكر جوازه على الأنبياء وأنه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين ولا ينسون شيئا من الأحكام"١. وقال محمد المهدي الحسين: "وأقل ما يجب اعتقاده في الإمام وأحواله وصفاته أنه إمام مفترض من الله طاعته وحجيته وأنه جامع لصفات الإمامة وأنه أفضل الخلق إيمانا". ويقول الزنجاني في كتابه "عقائد الإمامية الإثنى عشرية": "ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن من سن الطفولة إلى الموت عمدا وسهوا كما يجب أن يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي ﷺ والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق"٢. نقض دعوى الروافض في عصمة أئمتهم: الروافض يستقون ديانتهم ممن يزعمون عصمتهم من الأئمة الإثنى عشر لديهم، وهذه دعوى منقوضة بأدلة عديدة: ١ - أن الله تعالى ورسوله ﷺ لم يأمرا إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فليس فيه نص صحيح بالرجوع إلى الأئمة الاثنى عشر.

стр. 40

٢ - أن دعوى الإمامة وإمامة الإثنى عشر تحتاج إلى أدلة صريحة لإثباتها، وليس في ذلك أدلة في هذا سوى دعاوى لا دليل عليهم، أو روايات مكذوبة على النبي ﷺ أو على أئمتهم. ٣ - أن دعوى عصمتهم منقوضة بروايات عديدة وأحوال كثيرة مما ورد عن علي ﵁ والحسن والحسين، يكفي منها تمني علي ﵁ الموت لما رأى الناس تتقاتل يوم الجمل، وقال لابنه الحسن: "يا ليت أباك مات قبل عشرين عاماً. وقد تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، فلو كان إماماً حقاً فكيف يتنازل، وليس جيشه وقتها بأقل من جيش معاوية، فإما أن يكون تنازله حقاً فتنتقض دعوى الإمامة، وإما أن يكون تنازله باطلاً فتنتقض دعوى العصمة. والحسين بن علي لما أحاطت به جيوش الأمويين طلب منهم أحد أمور ثلاثة: إما أن يترك يعود من حيث خرج، أو يذهب إلى ثغر من ثغور المسلمين يقاتل حتى يقضي الله فيه ما شاء، وإما أن يتركوه يذهب إلى يزيد حتى يضع يده في يده ويرى فيه رأيه، فأبوا عليه ذلك فقاتل حتى قتل ﵁. فكل هذه الأمور ليس فيها ما يشير إلى الإمامة أو الاستمرار في طلبها، فإن كان محقاً في الخروج؟ فطلب الإقالة يكون خطأً يتنافى مع العصمة،وإن كان مخطئاً في الخروج فذلك يتنافى مع دعوى الأحقية بالإمامة. ٤-أن أئمتهم المزعومين لم يتحقق بهم لا خير ولا شر،ولا حاجة لدعوى العصمة فيهم، لإنهم لم يتول منهم سوى علي ﵁ لمدة خمس سنوات،كلها حروب وفتن منذ توليه إلى قتله ﵁. والحسن تولى لمدة ستة شهور فقط، أما البقية فلم يتول أحد منهم شيئاً من الولاية، لا الإمامة العظمى ولا ما دونها ولا حتى الإمامة في الدين، بحيث كان مرجعاً للمسلمين في الفتوى والعلم، بل العديد منهم لا يعرف بشيء من العلم والبروز فيه،فبالتالي دعاوى العصمة التي يدعيها الرافضة لأئمتهم حتى يقيموا للناس الدين والملة دعاوى لا وجود لها في الواقع ولا قيمة لها.
следующие страницы →