← Акыда

Акыда · id 7259

أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (253 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أن الخضر ليس حياً، وادعاء ذلك ليس مبنياً على شيء ثابت في الشرع، بل في الشرع مايرده ويبطله. كما أنا لو سلمنا جدلاً بحياته، فإن كل دعوى يدعيها الصوفية فيه، أو أنها أخذت عنه مما يخالف الشرع مردود على مدعيه، ولو كان الخضر بما يلي: ١ - أن الله تعالى ورسوله ﷺ لم يأمرا بالرجوع إلى الخضر أو غيره سوى كلامه جل وعلا، وسنة نبيه ﵇، وسنة خلفائه الراشدين وإجماع المسلمين. ولانجد في شيء من الشرع الرجوع إلى كلام الخضر والاستفادة منه بشيء مما يخالف الشرع. حتى المسيح ﵇ حين منع الجزية إنما ذكر ذلك النبي ﷺ ، وكأنه إنما حرمها بإباحة الشارع له ذلك. ٢ - أنه لوكان حياً فإنه سيكون فرداً من أفراد أمة محمد ﷺ ، ولايسعه الخروج عن شريعة النبي ﵇، لعموم رسالة النبي ﷺ للجن والإنس. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ ٢٨] .وقوله ﷺ : "لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي". ١ كما أن من ادعى حياته إنما كما روي عنهم أنهم تراءى لهم شخص، فإما قال لهم أنه الخضر، أو وقع في خلدهم أنه الخضر.

стр. 37

وكل ذلك لا يصلح مستنداً لإثبات أنه الخضر. فادعاء شخص أنه الخضر لا يثبت ذلك مع الموانع المذكورة سابقاً، وما وقع في الخلد والظن لا يعدو أن يكون حدساً وظناً، وذلك لا يمكن أن يعارض به الأمور المتيقنة والمعاني الشرعية العامة.١

стр. 38

ثالثاً: الرافضة الرافضة من الشيعة الذين يغلون في حب علي وآل بيته، ويقدمونهم على سائر الصحابة ويعتقدون الإمامة في اثني عشر إماما من أولاد علي،ويطعنون في الصحابة، بل يكفرونهم. والرافضة كما هو معلوم فرقة من شر أهل البدع وأسفههم مقالاً، فلا عقل لهم يعتمدون عليه ولا شرع، حيث يزعمون الإمامة لإثنى عشر رجلا من آل البيت لم يتول منهم الإمامة فعلا إلا علي ﵁ والحسن مدة ستة أشهر، ثم تركها وتنازل عنها، كما يزعمون عصمة أولئك الأئمة، وأنهم مشرعون يوحى إليهم، إلى غير ذلك من ترهاتهم وأكاذيبهم. كما يطعنون في القرآن الكريم ويردون السنة كلها، ويبغضون أصحاب رسول الله ﷺ وزوجاته وسائر أئمة الدين، ولهم بدع ومقالات لا تكاد تلتقي مع المسلمين. وهم في توحيد الألوهية مشركون يعبدون القبور ويدعون أصحابها ويستغيثون بهم ويطوفون بقبورهم. ١ وهم في الصفات والقدر مثل المعتزلة ينفون الصفات وينفون القدر.٢ منهج الرافضة في الاستدلال الرافضة أصحاب هوى فقد ادعوا دعاوى ليس لها أصل في الكتاب أو السنة، وبنوا عليها مذهبهم الذي يعود في أصله إلى دعوى الإمامة وتكفير الصحابة، فاخترعوا لذلك الأكاذيب الطويلة العريضة يدعمون فيها دعواهم. وعمدة مذهبهم على الروايات المكذوبة المنسوبة إلى علي ﵁ وآل

стр. 39

البيت الذين يزعمون إمامتهم، وحتى يحيطوا تلك الروايات بالتعظيم والقبول والإجلال ادعوا عصمة أئمتهم وأوليائهم. قال المفيد من علماء الروافض المتقدمين: "إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء في تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء وأنهم لا يجوز منهم صغيرة – إلا ما قدمت ذكر جوازه على الأنبياء وأنه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين ولا ينسون شيئا من الأحكام"١. وقال محمد المهدي الحسين: "وأقل ما يجب اعتقاده في الإمام وأحواله وصفاته أنه إمام مفترض من الله طاعته وحجيته وأنه جامع لصفات الإمامة وأنه أفضل الخلق إيمانا". ويقول الزنجاني في كتابه "عقائد الإمامية الإثنى عشرية": "ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن من سن الطفولة إلى الموت عمدا وسهوا كما يجب أن يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي ﷺ والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق"٢. نقض دعوى الروافض في عصمة أئمتهم: الروافض يستقون ديانتهم ممن يزعمون عصمتهم من الأئمة الإثنى عشر لديهم، وهذه دعوى منقوضة بأدلة عديدة: ١ - أن الله تعالى ورسوله ﷺ لم يأمرا إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فليس فيه نص صحيح بالرجوع إلى الأئمة الاثنى عشر.

стр. 40

٢ - أن دعوى الإمامة وإمامة الإثنى عشر تحتاج إلى أدلة صريحة لإثباتها، وليس في ذلك أدلة في هذا سوى دعاوى لا دليل عليهم، أو روايات مكذوبة على النبي ﷺ أو على أئمتهم. ٣ - أن دعوى عصمتهم منقوضة بروايات عديدة وأحوال كثيرة مما ورد عن علي ﵁ والحسن والحسين، يكفي منها تمني علي ﵁ الموت لما رأى الناس تتقاتل يوم الجمل، وقال لابنه الحسن: "يا ليت أباك مات قبل عشرين عاماً. وقد تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، فلو كان إماماً حقاً فكيف يتنازل، وليس جيشه وقتها بأقل من جيش معاوية، فإما أن يكون تنازله حقاً فتنتقض دعوى الإمامة، وإما أن يكون تنازله باطلاً فتنتقض دعوى العصمة. والحسين بن علي لما أحاطت به جيوش الأمويين طلب منهم أحد أمور ثلاثة: إما أن يترك يعود من حيث خرج، أو يذهب إلى ثغر من ثغور المسلمين يقاتل حتى يقضي الله فيه ما شاء، وإما أن يتركوه يذهب إلى يزيد حتى يضع يده في يده ويرى فيه رأيه، فأبوا عليه ذلك فقاتل حتى قتل ﵁. فكل هذه الأمور ليس فيها ما يشير إلى الإمامة أو الاستمرار في طلبها، فإن كان محقاً في الخروج؟ فطلب الإقالة يكون خطأً يتنافى مع العصمة،وإن كان مخطئاً في الخروج فذلك يتنافى مع دعوى الأحقية بالإمامة. ٤-أن أئمتهم المزعومين لم يتحقق بهم لا خير ولا شر،ولا حاجة لدعوى العصمة فيهم، لإنهم لم يتول منهم سوى علي ﵁ لمدة خمس سنوات،كلها حروب وفتن منذ توليه إلى قتله ﵁. والحسن تولى لمدة ستة شهور فقط، أما البقية فلم يتول أحد منهم شيئاً من الولاية، لا الإمامة العظمى ولا ما دونها ولا حتى الإمامة في الدين، بحيث كان مرجعاً للمسلمين في الفتوى والعلم، بل العديد منهم لا يعرف بشيء من العلم والبروز فيه،فبالتالي دعاوى العصمة التي يدعيها الرافضة لأئمتهم حتى يقيموا للناس الدين والملة دعاوى لا وجود لها في الواقع ولا قيمة لها.

стр. 41

٥- أن ما يدعون من الإمامة والعصمة للأئمة متحقق بالنبي ﷺ وذلك كاف للأمة، وليس للأمة حاجة في عصمة أحد غير الرسول ﷺ وسلامة كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فدعوى العصمة لكل أحد بعد ذلك لا حاجة إليها. وبهذا كله يتبين بطلان دعاوى أهل الباطل بتقديم آرائهم وأهوائهم على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، وأن هذا التقديم مجرد اعتداء وافتراء على الله ورسوله، وهو الذي أورث أصحاب تلك المقالات ذلك الانحراف والبعد عن دين الله جل وعلا.

стр. 42

منهج السلف في الإيمان منهج السلف ... منهج السلف في الإيمان سبق بيان أن السلف ينطلقون في عقيدتهم من الشرع يؤصلون ويفرعون عليه، فليس لهم التفات إلى غيره. ومن المسائل التي ستكون ضمن البيان في هذه الدروس مسائل في الإيمان منها مسألة تعريف الإيمان وحقيقته، وزيادته ونقصانه وتفاوت أهله فيه: أولا: تعريف الإيمان وحقيقته: الإيمان هو مسمى ديني شرعي ورد تكراره كثيرا في القرآن سواء من ناحية اسم المصدر مما يحدد حقيقته أو من ناحية أهله الذين يطلق عليهم فيحدد حكمهم ومآلهم. والسلف نظروا هذا اسم الإيمان فوجدوا أن اسم الإيمان أطلق على أمور عديدة في الشرع،بل إنهم رأوا من خلال استخدام الشارع لهذا الاسم أنه أدخل ضمنه جميع أعمال الدين التعبدية سواء ما كان منها متعلق بالقلب أو اللسان أو الجوارح لا فرق في ذلك، فلهذا قالوا إن اسم الإيمان يشمل جميع الطاعات الباطنة والظاهرة الواجبة والمندوبة،وأن كل طاعة مما أمر الله به فهي إيمان. قال ابن عبد البر في "التمهيد": "أجمع أهل الحديث والفقه على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان، إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانا".١

стр. 43

وقال القاضي أبو يعلى: "وأما حده في الشرع فهو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة".١ وهذا هو ما عبر عنه السلف في تعريفهم للإيمان بقولهم: الإيمان قول واعتقاد وعمل. فالمراد بالقول قول اللسان وأعمال اللسان وما يقوم به من الطاعات من ذكر الله تعالى وقراءة القرآن والدعوة إلى الله ونحوه. والمراد بالاعتقاد ما يقوم بالقلب من تصديق الله ورسوله فيما أخبر واليقين بذلك ويدخل فيه أعمال القلوب من الحب والخوف والرجاء وسائر أنواع الطاعات المتعلقة بالقلب. والعمل يراد به أعمال الجوارح التي يتعلق بها الأعمال الدينية كالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك. وقد يراد بالعمل عمل القلب فيشمل جميع الطاعات المتعلقة بالقلب، وعمل الجوارح والمقصود بها الأعمال المتعلقة بالجوارح. والأدلة على ما قرره السلف كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة١٤٣] والمراد بالإيمان هنا هو الصلاة إلى بيت المقدس، لأن سبب نزول الآية أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة كان هناك أناس من الصحابة ماتوا قبل تحويلها فلم يدروا ما يقولوا فيهم فأنزل الله هذه الآية.٢ ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [.الحجرات١٥]

стр. 44

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [.الأنفال٢, ٣] . وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون١ - ٤] أما الأدلة من السنة فهي كثيرة جدا منها: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان".١ وحديث وفد عبد القيس وجاء فيه قوله ﷺ : "آمركم بالإيمان بالله وحده، قال: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم".٢ وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا".٣ وقال عمار بن ياسر ﵁: "ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان، الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار".٤

стр. 45

ثانيا: زيادة الإيمان ونقصانه أجمع السلف على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية واستدلوا لذلك بأدلة كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [.الأنفال٢] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [.التوبة١٢٤] وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً﴾ [.الفتح٤ وقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ [.المدثر٣١] ومن السنة حديث معاذ بن أنس الجهني عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله وأنكح لله فقد استكمل إيمانه".١ وحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال عن النساء: "وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن"، قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلى، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين".٢

стр. 46

وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﵊ قال: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".١ ومن الآثار عن الصحابة في هذا شيء كثير منها: ما روي عن عمير بن حبيب الخطمي ﵁ قال: "الإيمان يزيد وينقص، قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه".٢ وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: "قم بنا نزداد إيمانا". وروى نحوه عن معاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة.٣ وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يقول في دعائه: "اللهم زدني إيمانا ويقينا وفقها". وعن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: "إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم يننتقص، وأن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه". والروايات في هذا كثيرة عن سائر الأئمة من كل طبقة، قال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله تعالى: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ... "٤

стр. 47

فهذه النصوص وغيرها كثير تدل على أن الإيمان يزيد وينقص وأن زيادته بالطاعة ونقصه بالمعصية وتقع الزيادة والنقصان على ما في القلب والجوارح. فالإيمان المتعلق بالقلب من اليقين والحب والتعظيم والخوف من الله وكذلك سائر الأعمال القلبية تزداد وتنقص. وكذلك الإيمان المتعلق بالجوارح من الصلاة والزكاة والحج وسائر الأعمال كلما زادت زاد الإيمان وإن نقصت نقص الإيمان. وإن ارتكب المسلم شيئا من المحرمات نقص إيمانه الذي في قلبه من حب الله واليقين بلقائه وتعظيمه والخوف منه كما أنه نقص إيمانه بارتكابه ما حرم الله عليه، والنقص للإيمان القلبي وكذلك الزيادة شيء طردي بمعنى أن الطاعة تزيد في إيمان القلب، وإيمان القلب يبعث الجوارح على العمل. وكذلك المعصية تضعف إيمان القلب والقلب يضعف عمل الجوارح، وهذا شيء يدركه الإنسان المسلم المنتبه لآثار أعماله، فإنه إذا أطاع الله تعالى فإنه يشعر بقوة الرغبة فيما عند الله والحب له وانشراح الصدر للازدياد من الطاعات وكذلك إذا أخل بواجب أو عصى الله فإنه يشعر بضعف إيمانه ويقينه وضعف رغبته فيما عند الله تعالى، كما يؤثر ذلك أيضا على انبعاثه للطاعات فلا يجد نفسه مقبلا عليها راغبا فيها بسبب معصيته، كما أنه سيشعر بضعف في مقاومة المفاسد والمعاصي وقد يقع فيها مرة بعد مرة إذا لم يتداركه الله برحمته وهدايته. وهذا مصداق ما روي عن عبد الله مسعود ﵁ قال: "إن الرجل ليذنب الذنب فينكت في قلبه نكتة سوداء ثم يذنب الذنب فتنكت أخرى حتى يصير لون قلبه لون الشاة الربداء".١،وما روي عن عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى قال: "ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله".٢

стр. 48

ثالثاً: أن إيمان المؤمنين متفاوت. بما سبق ذكره من الأدلة يتبين أن الإيمان شعب وأجزاء وأنه يزداد بالطاعة وينقص بالمعصية فبالتالي أهله فيه متفاوتون، منهم من هو في أعلى المقامات تصديقا ويقينا وعملا وهؤلاء هم الأنبياء ﵈، هم أعلى بني أدم إيمانا وخشية وتقى وعملا، قال ﷺ : "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا".١ ثم من بعد النبيين ﵈ يأتي الصديقون ثم الأمثل فالأمثل من الأمة. ومن الأدلة الدالة على تفاوت المؤمنين في الإيمان ما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين".٢ وعن عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا".٣ وعن عمرو بن شرحبيل عن النبي ﷺ قال: "إن عمار ملئ إيمانا إلى مشاشه".٤ وقال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب الرسول ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل".٥

стр. 49

وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال: "إن الإيمان فرائض وشرائع وحدود وسنن فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أنا مت قبل ذلك فما أنا على صحبتكم بحريص".١ فهذه النصوص تبين أن أهل الإيمان والتقوى متفاوتون في إيمانهم، سواء فيما وقر في قلوبهم أو بما يقومون به من أعمال الإيمان. كما أن الإيمان ينقص لدى أهل المعاصي، حتى ما يبقى منه إلا مثل حبة خردل كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحياة أو الحياء – شك مالك- فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية".٢ وروى ابن أبي عاصم عن ميمون بن مهران أنه رأى جارية تغني فقال: "من زعم أن هذه على إيمان مريم بنت عمران فقد كذب".٣ وقال سفيان بن عيينة عن الإيمان: "قول وعمل وقال: يزيد ما شاء الله وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار بيده ثم قال بعد أن ذكر خصال الإيمان والدين: فمن ترك خلة من خلل الإيمان جاحدا كان بها عندنا كافرا ومن تركها كسلا وتهاونا أدبناه، وكان بها عندنا ناقصا، هكذا السنة أبلغها عني من سألك من الناس".٤

стр. 50

الآثار المترتبة على منهج السلف في الإيمان وثمراته إن التزام الكتاب والسنة يوصل المسلم إلى بر السلامة وشاطئ الأمان في جميع شؤونه،لأن الخير منوط بهما والشر بالإعراض عنهما وابتغاء الهدى في غيرهما. وإن لالتزام السلف بالكتاب والسنة ثمرات وأثار عظيمة دنيوية وأخروية وسنشير في عجالة مختصرة إلى أثار وثمرات منهج السلف في الإيمان وهي: ١ - الالتزام بالتحديدات الشرعية في المسألة. من آثار منهج السلف في الإيمان هو الارتباط بكلام الله وكلام رسوله ﷺ في هذه المسألة العظيمة. وهذا له أهمية كبرى من ناحية تعظيم كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وابتغاء الهدى منهما، كما أن في الوقوف على مراد الشارع في المسألة عصمة من الوقوع في مناقضة كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ في الأمور المترتبة على المسميات الشرعية في العقائد والأحكام. وأيضا فإن الوقوف على مراد الشارع في ذلك فيه أجر عظيم لأن ذلك من تدبر كلام الله والتفقه في دين الله الذي أُمر به المسلم. ٢ - فتح باب التنافس في ارتقاء درجات الإيمان للوصول إلى أعلى الجنان. إن اعتقاد السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية يفتح الباب واسعا للتنافس المحمود بين أهل الإيمان لأنه كلما ازداد طاعة كلما ازداد إيمانا وكلما ازداد إيمانا ازداد إقبالا على الخير والطاعة وبالتالي ازداد رفعة وقربا من خالقه جل وعلا وهذا ما وصف الله به عباده الصالحين، قال جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء٥٧] وقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا

стр. 51

فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر٢٢] . ٣ - تنزيل الناس منازلهم وعدم التسوية بين المؤمنين والفجار. إن من الآثار المترتبة على قول السلف في الإيمان عدم المساواة بين الناس في الإيمان، فلا يساوى العبد الصالح التقي بالعبد الفاجر الفاسق. فعدم المساواة بينهما من العدل الذي يحبه الله ، أما المساواة بينهما فهو من الظلم الذي نفاه الله تعالى عن نفسه، قال جل وعلا: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية٢١] وقال جل وعلا: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص٢٨] ٤ - عدم فتح باب التمني والرجاء الكاذب للعصاة بظنهم أنهم أهل الإيمان الداخلون فيما وُعد به المؤمنون. إن العصاة لا يصح أن يقال عنهم بإطلاق إنهم مؤمنون، لأن وصف الإيمان اسم مدح رتب الله عليه دخول الجنة.قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة٧٢] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد١٢] والعصاة ليسوا من أهل هذا الوعد بل هم تحت المشيئة. والسلف يمنعون أن يوصف العصاة بالإيمان المطلق فلا يقال عنهم مؤمنون بإطلاق وإنما يقال عن العاصي مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته أومؤمن عاص. وذلك حتى لا يظن في نفسه أو يغرر به الشيطان أنه من أهل الوعد مع أن حقيقته أقرب إلى الوعيد بسبب عصيانه وانحرافه، وهذا له دور كبير في تنبيه العاصي وتخويفه لعله يقلع عن ذنبه ويثوب إلى رشده ويستقيم على أمر ربه.

стр. 52

٥ - إثبات أصل الإيمان للعصاة وتصحيح إسلامهم وعدم تكفيرهم. العصاة لهم إيمان وهم مسلمون، وفسقهم لا ينافي إسلامهم، وقول السلف في الإيمان يثبت لهم ذلك، وذلك أمر مهم جدا حتى يندرجوا في عداد المسلمين وتصح أيضا عباداتهم وقرباتهم التي أتوا بها على وجه صحيح لأن فسقهم بناء على قول السلف لم يخرجهم من الإيمان ولا يصح أن يحكم عليهم بالكفر بسببه. ٦ - فتح باب الرجاء للعصاة وعدم تقنيطهم من رحمة الله لوجود أصل الإيمان معهم. من آثار مذهب السلف أنه يفتح باب الرجاء في رحمة الله تعالى للعصاة،وأنه لا يقنطهم من رحمة الله ، وهذا له دور كبير في أن الفاسق يشعر بأنه غير مطرود وأن حباله ممدودة وأن سبل نجاته متيسرة وما عليه إلا أن يحطم أغلال هواه وينتشل نفسه من أسر شيطانه فيسلك سبيل الصالحين، ويدرج على خطى المؤمنين ليكون من عباد الله المتقين الفالحين.

стр. 53

مناهج المخالفين في الإيمان اولاً: المرجئة ... مناهج المخالفين في الإيمان خالف السلف في الإيمان فرقتان: المرجئة والوعيدية. وسنبين ما يتعلق بكل فرقة منها: أولا: المرجئة المرجئة: وصف أطلق على كل من آخر العمل عن الإيمان ولم يدخله في مسماه. وكلمة المرجئة مشتقة من الإرجاء وهو على معنيين: المعنى الأول: الإرجاء بمعنى التأخير. المعنى الثاني: الإرجاء بمعنى إعطاء الرجاء. ويصدق هذا الوصف على المرجئة بكلا المعنيين، لأنهم أخروا العمل عن الإيمان، كما أنهم يعطون الرجاء للفاسق، وفي هذا الأخير يتفق من لم يكن غاليا منهم مع السلف الذين يقولون إن الفاسق تحت المشيئة كما سنبين. والمرجئة فرق عديدة ينقسم قولهم في الإيمان إلى قسمين: القسم الأول: قولهم في مسمى الإيمان وتعريفه وهل العمل داخل في مسماه أم لا؟ القسم الثاني: قولهم في وجوب العمل. وسنذكر موقفهم من كل قسم فيما يلي:

стр. 54

أولا: قول المرجئة في مسمى الإيمان وتعريفه: المرجئة عموما أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان ولهم في تعريف الإيمان أقوال هي: ١ - الجهمية: أتباع الجهم بن صفوان الذي كان يزعم أن الإيمان هو معرفة القلب، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فيه أهله.١ ٢ - الأشاعرة والماتريدية: قالوا إن الإيمان هو التصديق القلبي،ومنهم من قال إنه لا يزيد ولا ينقص كالباقلاني والجويني والرازي وعليه أكثر الماتريدية.٢ ومنهم من قال: إن التصديق القلبي يقبل الزيادة والنقصان من حيث القوة والضعف لوضوح الأدلة والبراهين عليه وقال بهذا الأيجي والغزالي.٣ ٣ - أبو حنيفة وأصحابه: قالوا الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان وهو لايزيد ولا ينقص. ووافقهم في هذا بعض الماتريدية.٤ ٤ - الكرامية: قالوا إن الإيمان هو الإقرار باللسان دون القلب. ٥ فهذه الأقوال المشهورة في الإيمان وزيادته ونقصانه. فجميع هذه الطوائف أخرجت العمل من مسمى الإيمان،فبالتالي أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه، ومن قال بالزيادة والنقصان فإنما نظر إلى أن تصديق القلب يقوى ويضعف بقوة الأدلة ووضوح البراهين،وهذا وإن كان وجها في الزيادة

стр. 55

والنقصان في الإيمان إلا أنه ليس هو المقصود فقط في كلام السلف بل الزيادة والنقصان في كلامهم تقع على ما في القلب والجوارح. أدلة المرجئة على إخراج العمل عن مسمى الإيمان. يجمع المرجئة القول بعدم دخول الأعمال في الإيمان، لهذا أدلتهم منصبة على ما يدل على أن الإيمان في القلب دون الجوارح ومن أهم أدلتهم: ١ - أن الإيمان في اللغة هو التصديق، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف١٩] أي بمصدق لنا، وما دام الإيمان في اللغة التصديق فهو كذلك في الشرع. وهذا أهم أدلتهم، وهو عمدتهم في عدم دخول العمل في الإيمان.١ ٢ - أن الله فرق بين الإيمان والعمل الصالح في آيات كثيرة مثل: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر١, ٢] وقالوا: العطف يقتضي المغايرة.٢ ٣ - أن الله خاطب المؤمنين باسم الإيمان قبل أن يوجب عليهم الإعمال في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة١٨٣] . الرد على استدلالات المرجئة: ١ - الرد على استدلال المرجئة باللغة: إن الاستدلال باللغة غير صحيح لعدة أسباب: أ - أن لفظ التصديق ليس مرادفا للفظ الإيمان لما يلي:

стр. 56

١ - أن لفظ الإيمان يتعدى باللام مثل "بمؤمن لنا" و"آمن له لوط" ويتعدى بالباء مثل "آمنا بالله"، أما لفظ التصديق فلا يتعدى باللام إلا نادرا وإنما يتعدى بنفسه مثل "صدقه" أو بالباء مثل "صدق به". ٢ - أن لفظ الإيمان يقابله لفظ الكفر فيقال "أمن به وكفر به" بخلاف لفظ التصديق فإنه يقابله لفظ التكذيب فيقال "صدقه وكذبه". ٣ - أن لفظ الإيمان لا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، فيقال "آمن بالله وآمن بالملائكة"، وذلك لما في لفظ الإيمان من الائتمان. أما التصديق فيستعمل في الخبر عن الغائب والمشاهد فيقال لمن قال: الله موجود أو السماء فوقنا: صدق. ب - أن لفظ التصديق ليس خاصا بالقلب وإنما ورد أيضا في العمل وذلك في قول النبي ﷺ : "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة: فزنا العين النظر وزنا اللسان المنطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه" ١. وقال الحسن البصري ﵀: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال".٢ فقد أطلق لفظ التصديق على العمل في كلا الروايتين.

стр. 57

ج - إن الاستدلال باللغة هنا غير صحيح، لأن الخلاف بين المرجئة والسلف ليس في معنى الإيمان اللغوي، وإنما الخلاف في معناه الشرعي ومن المعلوم أن الشارع له اصطلاحات في الألفاظ خاصة به مثل لفظ الصلاة والزكاة والحج لها معان في اللغة، ولكن الشارع أضاف عليها قيودا واستخدمها استخداما خاصا، فإذا أطلقت في كلام الشارع فلا يراد بها إلا المعنى الشرعي، فكذلك لفظ الإيمان إذا كان معناه في اللغة التصديق، فلا يلزم أن يكون هو معناه في الشرع، بل إنا وجدنا الشارع قد أضاف إلى التصديق الأعمال والأقوال،وسمى الكل إيمانا فيكون الشارع أراد بلفظ الإيمان معنى خاص به كما أراد بلفظ الصلاة معنى خاص.١ ٢ - الرد على استدلالهم بأن الإعمال الصالحة عطفت على الإيمان في آيات عديدة والعطف يقتضي المغايرة. الجواب عن هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك وغيره حيث قال: إن عطف الشيء على الشيء يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، مع اشتراك بينهما في الحكم الذي ذكر لهما في سائر الكلام". ثم ذكر أن المغايرة على مراتب: ١ - أن يكون المعطوف والمعطوف عليه متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا جزأه مثل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام١] و ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ﴾ [آل عمران٣] وهو الغالب. ٢ - أن يكون بينهما لزوم كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِه﴾ [النساء١٣٦] فإن من كفر بالله فقد كفر بهذا كله فالمعطوف لازم للمعطوف عليه.

стр. 58

٣ - عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين كقوله تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى١ – ٣] فعطف "الذي قدر فهدى" على "الذي خلق فسوى" وهو واحد وهو الله ، وإنما عطفه لاختلاف الصفتين. ٤ - عطف بعض الشيء عليه كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة٢٣٨] فالصلاة الوسطى بعض الصلوات. وقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر٤] والروح هو جبريل وهو من الملائكة،وإنما ذكر بالتخصيص للاعتناء به والتنبيه على قدره وعطف العمل الصالح على الإيمان من هذا الجنس إنما عطفه على الإيمان وهو جزء منه للتنبيه عليه والعناية به.١ ٣ - الرد على استدلالهم بأن الله خاطب المؤمنين باسم الإيمان قبل أن يفرض عليهم الأعمال. والجواب عن ذلك: أن الله خاطب المؤمنين باسم الإيمان، الذي كان واجبا عليهم وآمنوا به من قبل لأن فرائض الإسلام وشرائعه نزلت مفرقة فأول ما أوجب على عباده الشهادتين فآمنوا بها وأقروا فزادهم الشرائع الأخرى الصلاة ثم الصيام والزكاة وكلما نزلت شريعة خاطبهم باسم الإيمان الذي كانوا عليه من قبل، لأنهم لو لم يؤمنوا بما نزل من الشرائع متأخرا كالحج ونحوه لكفروا ولم ينفعهم إيمانهم السابق فإنما خاطبهم الله باسم الإيمان السابقة على نزول الفريضة.٢

стр. 59

ثانيا: قول المرجئة في وجوب العمل. العمل والمراد به الطاعات الواجبة والمندوبة،ويدخل هنا الانتهاء عن المحرمات والمحظورات. والمرجئة في هذا على قولين: ١ - غلاة المرجئة: وهم الذين يزعمون أن العمل غير واجب ويدعون أن المؤمن مهما ترتكب من المعاصي أو أخل بالواجبات فالنجاة متحققة له ويقولون: إنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة وعزي هذا القول إلى اليونسية والعبيدية.١ ٢ - غير الغلاة من المرجئة: وهم من عدا من ذكر من المرجئة فإنهم يرون أن العمل واجب وأن العاصي تحت المشيئة يوم القيامة فإن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له٢. وهذا القول منهم خفف الخلاف بينهم وبين السلف وجعل الخلاف في مسمى الإيمان فقط. أما المرجئة الذين أنكروا وجوب العمل، فهذا قول لا يعرف لأحد له شهرة في العلم ولا قدم راسخة في الدين، وقولهم مناقض لدعوة النبي ﷺ وجهاده والتشريع الإسلامي على العموم، فلسقوطه وفساده نعرض عن ذكر ما يستندون إليه من شبه وتصورات هي بعيدة كل البعد عن حقيقة الدين والإسلام.

стр. 60

أدلة غلاة المرجئة: قد يستدل غلاة المرجئة بالأحاديث التي يسميها العلماء أحاديث الوعد ١، وذلك مثل حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة".٢ وحديث عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة".٣ وحديث عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه". ٤ الرد على الغلاة من المرجئة: الأحاديث التي ذكرت في أدلة غلاة المرجئة يقابلها أحاديث كثيرة وردت في دخول أناس من أهل التوحيد النار، كما في حديث حذيفة ﵁ "لا يدخل الجنة نمام" ٥،وحديث معقل بن يسار ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة". ٦ وحديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار". ٧. وغير ذلك من الأحاديث

стр. 61

وأهل البدع يتميزون بالأخذ ببعض النصوص، ويتركون البعض الآخر. فقد أخذ المرجئة بأحاديث الوعد، وتركوا أحاديث الوعيد. والخوارج والمعتزلة أخذوا بأحاديث الوعيد وتركوا أحاديث الوعد. ومنهج أهل السنة وما يميزهم أنهم يأخذون بجميع النصوص ما أمكن الجمع بينها، فلهذا صار مذهبهم بناءً على هذه النصوص جميعها، أن من مات من أهل الإسلام وهو على شيء من الذنوب فهو تحت المشيئة إن شاء غفر له وإن شاء عذبه،ويرجون للمحسن ويخافون على المسيء. واختلف جوابهم ﵏ في الروايات التي يستند إليها المرجئة إلى عدة أجوبة، منها: ١ - أن هذه الفضيلة في تلك الأحاديث هي لمن قالها عند الندم والتوية، ومات على ذلك، وبهذا قال البخاري. ١ ٢ - أن المراد بدخول الجنة في هذه ألأحاديث هو دخولها بعد مجازاته بما يستحق من العقوبة إن لم يغفر الله له. ٢ ٣ - أن المراد من تحريم دخول النار، أي عدم دخول النار التي أعدت للكافرين التي من دخلها لا يخرج منها، بخلاف النار التي يدخلها عصاة الموحدين ممن شاء الله عقابه. ٤ - أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتضى لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، وقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع، وبهذا قال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. قال الحسن: نعم العدة، ولكن لا إله إلا الله

стр. 62

شروطاً، فإياك وقذف المحصنات. وقيل للحسن: إن ناساً يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. قال وهب من منبه لمن سأله: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك. وهذا ظاهر كلام القاضي عياض، وما رجحه النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وابن حجر، وكثير من الأئمة، وهو أنه لابد مع لا إله إلا الله من عمل الصالحات وتجنب السيآت، الذي هو تحقيق لمعناها ومقتضاها، ودليل على الصدق فيها. ١ آثار قول المرجئة في مسمى الإيمان: إن قول المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان له آثار ولوازم فاسدة من أهمها: ١ - مخالفة كلام الله وكلام رسوله ﷺ في تحديد الإيمان ووصفه. المرجئة زعموا أن الإيمان هو التصديق فقط أو التصديق مع القول على قول بعضهم، وهذا أخذ ببعض الكتاب وترك للبعض الآخر إذ هو آخذ للنصوص التي ذكرت أن الإيمان هو ما في القلوب، مثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ﴾ [المجادلة٢٢] أو الآيات التي تضمنت ذكر قول اللسان وذلك في مثل قوله

стр. 63

صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" ١ وتركوا النصوص التي تجعل الإعمال من ضمن الإيمان مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات١٥] ، وقوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ٢، ونحوه من الأحاديث التي أدخلت العمل في الإيمان. كما خالفوا كلام الشارع في وصف الإيمان بأنه يزيد وينقص حيث وردت آيات وأحاديث عديدة في وصف الإيمان بأنه يزيد وينقص فخالفها المرجئة فزعموا أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وليس لهم في ذلك مستند شرعي. ٢- زعمهم أن الفاسق مؤمن كامل الإيمان ومنهم من يدخل النار يوم القيامة. المرجئة زعموا أن الفاسق لما أتى بالتصديق فهو مؤمن كامل الإيمان، وإن ارتكب من المعاصي ما ارتكب وعندهم كما سبق أن العصاة يوم القيامة تحت المشيئة، ومنهم من يدخل النار كما ثبت بالأحاديث، وهذا يلزم منه أن يدخل العصاة أو بعضهم النار مع أنهم مؤمنون كاملوا الإيمان، وهذا خلاف ما وعد الله به المؤمنين في مثل قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة٧٢] .

стр. 64

٣ - وصفهم الفساق بصفة المدح والثناء وهي الإيمان. المرجئة زعموا أن الفاسق مؤمن كامل الإيمان ووصف الإيمان وصف مدح وثناء رتب الله عليه الجنة وهو مثل بر وتقي وصالح، مع أن الفساق ليسوا كذلك بل ورد في الشرع ذمهم لتلبسهم بالأعمال المحرمة،فكيف يستقيم أن يكون ممدوحا على جهة الكمال والتمام وهو في نفس الوقت مذموم. ٤ - مساواتهم بين أفسق الناس وأتقى الناس في الإيمان. المرجئة جعلوا الإيمان شيئا واحدا أو من شيئين لا يتفاوت أهله فيه، فبالتالي من أنفق ساعاته وحياته كلها في معاصي الله ، والوقوع فيما حرمه الله، وهو مقر لله بالربوببة والألوهية ومصدق للنبي ﷺ في الرسالة مثل جبريل وميكائيل وسائر الأنبياء ﵈ في الإيمان. ولاشك أن المساواة بين أفسق الناس وأتقى الناس في الإيمان قول باطل. ٥ - تهاونهم بأعظم الأصول الدينية وهو توحيد الألوهية. لما زعم المرجئة أن العمل ليس داخلا في أصل الإيمان أخرجوا في كلامهم عن التوحيد ما له علاقة بالعمل وهو توحيد الألوهية فتراهم في تعريفهم وذكرهم للتوحيد لا يذكرون سوى الربوبية والأسماء والصفات لتعلقهما بالاعتقاد ويهملون ذكر توحيد الألوهية ويبدو أن هذا من آثار تعريفهم للإيمان. وتوحيد الألوهية هو الغاية التي من أجلها خلق الإنسان وهو أعظم المطالب الشريعة مع ذلك أهمله المرجئة وكفى بهذا أثرا فاسدا لقولهم في الإيمان أنه التصديق دون العمل.

стр. 65

ثانياً: الوعيدية المراد بالوعيدية: هم من قطع بإنفاذ الوعيد في أهل الإيمان والإسلام،ولم ير لأهل الفسق في الرحمة نصيب ولا رجاء. والمراد بهم هنا: المعتزلة والخوارج. وسنذكر قول الخوارج والمعتزلة في تعريف الإيمان في زيادته ونقصانه. أولاً: قول الخوارج والمعتزلة في الإيمان: الخوارج والمعتزلة قالوا: إن الإيمان هو جميع الطاعات الواجبة وهو لا يزيد ولا ينقص.١ ومن أخل بشيء من الواجبات أو ارتكب شيئاً من المنهيات، فقد خرج من الإسلام ودخل في الكفر عند الخوارج، أما المعتزلة فعندهم أنه خرج من الإسلام ولم يدخل في الكفر فهو في منزلة بين المنزلتين الفرق بين قول الخوارج والمعتزلة وقول السلف: الخوارج والمعتزلة وافقوا السلف في تعريف الإيمان بإدخال الأعمال في مسمى الإيمان إلا أنهم خالفوا السلف بأن جعلوا الأعمال شرطاً في صحة الإيمان، فمن أخل بشيء من الواجبات أو ارتكب شيئاً من المنهيات عند الخوارج خرج من الإيمان ودخل في الكفر، وعند المعتزلة هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر.

стр. 66

أما عند السلف فإن الأعمال من الإيمان، فمن أخل بش من الواجبات أو ارتكب شيئاً من المنهيات نقص إيمانه عن القدر الواجب، وعرض نفسه للعقوبة ولم يستحق اسم الإيمان المطلق إلا أنه لا يخرج من الإيمان إلا بارتكاب عمل كفري أو ترك الصلاة على قول كثير من العلماء. أدلة الخوارج والمعتزلة: الخوارج والمعتزلة خالفوا السلف في مسمى وحكم من أخل بشيء من الواجبات، أو ارتكب شيئاً من المحرمات، فسماه الخوارج كافراً، وحكموا عليه به، أما المعتزلة فقد أخرجوه من الإيمان ولم يدخلوه في الكفر. وقد استدل كل منهم بأدلة. أولاً: أدلة الخوارج والمعتزلة. استدل الخوارج على قولهم بتكفير مرتكب الكبيرة بالأدلة التي ورد فيها إطلاق الكفر على مرتكب بعض المعاصي مثل قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] . ومثل قوله ﷺ : "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر".١ أو قوله ﷺ : "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر" ٢. واستدل المعتزلة بالنصوص التي تسلب الإيمان عن العاصي وتصفه بالفسق، مثل قول النبي ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.." ٣، أو حديث "لا إيمان

стр. 67

لمن لا أمانة له" ١، أو حديث "والله لا يؤمن الذي لا يأمن جاره بوائقه" ٢ ونحو ذلك من الأحاديث. الرد على الوعيدية: الرد على الخوارج والمعتزلة يكون من وجهين: الوجه الأول: في بيان معنى النصوص التي استدل بها كل من الخوارج والمعتزلة. أولاً: أدلة الخوارج: الأدلة التي استدل بها الخوارج وفيها وصف عامل بعض الأعمال بالكفر للعلماء فيها عدة أجوبة، منها: ١ - أن المقصود بذلك المستحل للفعل المذكور، لأن المستحل لذلك مكذب لنص القرآن أو السنة في تحريم الفعل المنهي عنه، فيكون بذلك كافراً. ٢ - أن المراد أن ذلك الفعل مؤد إلى الكفر، لأنه كما قيل: المعاصي بريد الكفر.٣ ٣ - أن المراد به كفر النعمة وكفر الإحسان. ٤ - أن المراد التغليظ، وليس الكفر بالله.٤ ٥ - أن ذلك الفعل من أخلاق الكفار وأعمالهم، ولا يعني أن صاحبه كافر خارج

стр. 68

من الإسلام.١ ٦ أن المراد ليس الكفر الأكبر، وإنما هو كفر دون كفر. ومما يدل على صحة هذا، أن الشارع ورد عنه تقسيم بعض هذه التسميات إلى قسمين، وذلك مثل قوله ﵊: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر..". فدل هذا على أن الشرك شركان أكبر وأصغر. وكذلك ما ورد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام٨٢] شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس ذلك، إنما هو الشرك،ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان١٣] ٢ فهذا دليل على أن الظلم ظلمان، ظلم دون ظلم، وهو ظلم العبد لنفسه بالذنوب، وظلم عظيم وهو الشرك. ومن هذا قوله ﵊ من حديث ابن عمر ﵄: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً،ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أئتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". ٣

стр. 69

فهذا دليل على أن النفاق منه ما يكون أكبر، وهو النفاق في الإيمان بأن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، ومنه ما هو دون ذلك، وهو أن يكون فيه من أخلاق المنافقين. ومن هذا الباب لفظ الكفر، فقد أطلق النبي ﷺ لفظ الكفر على بعض الأعمال، وفسره بغير الكفر بالله، وذلك في قوله ﵊ فيما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط" ١ ومما يدل على هذا المعنى ماروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة٤٤] قال: هي به كفر، وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله. وروي عنه أنه قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. وروي عن عطاء أنه قال في الآية كفر دون كفر، فسق دون فسق، وظلم دون ظلم. ومثله قال طاووس، وهو ما رجحه ابن جرير.٢ وهو ما يشير إليه صنيع النووي في تبويبه لصحيح مسلم، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وما رجحه شارح الطحاوية،وهو أرجح الأقوال في جواب الأحاديث التي وصفت بعض الذنوب بالكفر ٣.والله أعلم.

стр. 70

ثانياً: أدلة المعتزلة. الأدلة التي استدل بها المعتزلة وفيها نفي الإيمان عن مرتكبي بعض الأعمال، فليس المراد بنفي الإيمان أنه لم يبق معه شيء من الإيمان، وإنما هو نفي لكماله الواجب الذي يعرض تاركه للعقوبة، فقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له" يعني أنه فاقد للجزء المهم من الإيمان الذي بفقده يصبح صاحبه كأنه خال منه، وهو مثل صانع يصنع عملاً لأحد،إلا أنه لم يحسنه فيقال له: ما صنعت شيئاً، أو مثل طالب العلم يذهب ليتعلم العلم ثم لم يحسن التعلم فجاء علمه قليلاً ضعيفا فيقال عنه إنه لم يتعلم شيئاً، ولا يعني ذلك نفي الصفة ولا نفي العلم بتاتاً، وإنما يعني نفي حقيقته، ونفي الشيء الذي به يستحق أن يوصف به. فكذلك الإيمان إذا وقع صاحبه في تلك الذنوب، إنما ينفي عنه حقيقته وإخلاصه، الذي لو كان موجوداً عنده لعصمه وأبعده عن تلك الموبقات والمحرمات.١ والله أعلم. الوجه الثاني: وهو في بيان أن المعاصي لا تزيل الإيمان ولا توجب كفر فاعلها: أجمع أهل السنة على أن المعاصي لا توجب الكفر واستدلوا لذلك بعدة أدلة: ١ - أنه لو كان كفراً مخرجاً من الملة لكانوا بذلك مرتدين،ووجب قطع نكاحهم وتوارثهم، ولوجب قتلهم لردتهم. وهذا كله لم يقع من النبي ﷺ ، ولم يحكم الله بذلك

стр. 71

فنجد أن الله حد الحدود في الزاني البكر الجلد، وفي الثيب الرجم، وفي شارب الخمر الجلد، وفي السارق القطع. والنبي ﷺ نفذ هذه الحدود فيمن ارتكب شيئاً من المنهيات، ولم يقتل إلا من كان حده القتل، وكذلك فعل أصحابه رضوان الله عليهم. فهذا دليل واضح على أنه لا يخرج من الإسلام ولا يكفر. ٢أن الله جل وعلا قد أثبت الإيمان لبعض العصاة في مثل قوله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات٩] . فوصفهم بالإيمان في حال القتال، وهذا يدل على أنهم لا يخرجون بذلك من الدين. وكذلك قال ﷺ في كلامه عن الحسن بن علي ﵁: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".١ فوصفهم بالإسلام مع وقوع القتال بينهم، مما يدل على عدم خروجهم من الإسلام. ٣أنهم في الآخرة تحت المشيئة داخلون تحت عموم قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء٤٨] . كما ثبت في أحاديث كثيرة خروج أناس كثير من العصاة من النار، كما أن أحاديث الشفاعة تدل على أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، فلو كان مرتكبو الكبائر كفاراً كفراً أكبر لكانوا من الخالدين في النار، وفي هذا كفاية ومقنع لمن هداه الله. وقبل أن نختم الكلام في هذه المسألة نشير إلى أمر مهم اشترك فيه سائر المخالفين للسلف في الإيمان وهو: أنهم زعموا أن الإيمان كل لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله.

стр. 72

فالمرجئة زعموا أن الإيمان شيء واحد وهو التصديق أو القول والتصديق أو القول، وهذا عندهم شيء واحد لا يتجزأ، فلو زال بعضه لزال كله، فلو زال بعض الإيمان وهو التصديق لصار شكاً وذلك كفر. وكذلك قال المعتزلة والخوارج أن الإيمان كل لا يتجزأ فهو قول واعتقاد وعمل، ولو زال جزء منه سواء من القول أو الاعتقاد أو العمل زال المسمى كله فلا يسمى إيماناً، وإنما يسمى كفراً، كما هو عند الخوارج،أو منزلة بين المنزلتين كما هو عند المعتزلة. والحق خلاف قولهم جميعا، فإن الإيمان مركب من ثلاثة أشياء، وهو القول والاعتقاد والعمل، وزوال جزء منه لا يزيل مسماه ما لم يكن في ذلك الجزء هو الأصل الذي يبنى عليه الدين كله. وذلك مثل الشجرة فإنها مكونة من جذور وساق وأغصان أوراق فلو زال جزء من الأغصان أو الأوراق فإنها تبقى على اسمها ولا يزول عنها الاسم بزوال الجزء، ولكنها توصف بالنقص. وكذلك سائر المركبات من المكيلات والموزونات لو زال منها جزء فإنها لا تفقد مسماها، وإنما تفقد كمالها، فكذلك الإيمان زوال جزء منه لا يزيل مسماه، وإنما يزيل عنه وصف الكمال فقط ١. والله أعلم.

стр. 73

منهج السلف الصالح في التوحيد اولا: توحيد الربوبية ... منهج السلف الصالح في التوحيد التوحيد: مصدر وحد يوحد توحيدا فهو موحد، والواحد والأحديدور معناه على الانفراد. وشرعاً: هو اعتقاد أن الله تعالى واحد في ذاته وواحد في ريوبيته وواحد في صفاته لا مثيل له وواحد في ألوهيته وعبادته لا شريك له. فهذا التعريف تضمن اعتقاد وحدانية الله من جميع الوجوه فهو واحد في ذاته لا ولد له ولا والد، وليس ثلاثة كما يدعي النصارى، تعالى الله عن ذلك كما يبطل دعوى من زعم وحدة الوجود، وأن الله هو هذا الكون من حولنا متوزع في ذراته تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وهو سبحانه واحد في ربوبيته لا معاون له ولا ظهير ولا مساند ولا معين لا في الخلق ولا في التدبير. وهو سبحانه واحد في صفاته لا مثيل له في شيء من صفاته فهو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. كما يتضمن التعريف وجوب إخلاص العبادة له وحده لا شريك له، إذ لا معبود بحق سواه. أنواع التوحيد الثلاثة: يصرح السلف ﵏ بأن الواجب على العباد إخلاص التوحيد لله تعالى، والتوحيد عندهم ثلاثة أنواع، هي: أولا: توحيد الربوبية. هو توحيد الله بأفعاله مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير ونحوها مما هو من خصائص الربوبية.

стр. 74

وهذا النوع من التوحيد، وهو الإقرار بربوبية الله جملة وأنه الخالق والرازق ليس فيه كبير خلاف بين بني البشر، فقد ذكر الله تعالى إقرار المشركين بذلك. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت ٦١] وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت٦٣] وقال ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون٨٤ – ٨٩] وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل٦٠ – ٦٤] . فهذه الآيات وغيرها كثير تقرر أن المشركين الذين قاتلهم النبي ﷺ كانوا يقرون بربوبية الله تعالى ولكنهم يكفرون بالألوهية. قال ابن جرير في تفسيره لآية العنكبوت: "ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من خلق السموات والأرض فسواهن ... ليقولن الذي خلق ذلك وفعله الله فأنى يؤفكون يقول جل ثناؤه، فأنى يصرفون عمن صنع ذلك فيعدلون عن إخلاص العبادة له".١ وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف١٠٦] قال: "من إيمانهم إذا قيل

стр. 75

لهم من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا الله وهم مشركون. وروى نحوه عن عكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء وابن زيد، ونذكر رواية ابن زيد لما فيها من التفصيل حيث جاء فيها أنه قال: "ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله يعرف أن الله ربه وأن الله خالقه ورازقه وهو يشرك به ألا ترى كيف قال إبراهيم "أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين" قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون قال فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، المشركون كانوا يقولون هذا". وقال ابن جرير مفسرا للآية السابقة: "وما يقر أكثر هؤلاء الذين وصف صفتهم.....بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام واتخاذهم من دونه أربابا وزعمهم أن له ولدا تعالى الله عما يقولون"١ كما روى ابن جرير في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت٦٥] عن قتادة أنه قال:"فالخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك".٢ فهذه النصوص تثبت أن المشركين كانوا يقرون بالربوبية لله ولكنهم يشركون في العبادة والألوهية وهذا ما كانوا أنكروه على النبي ﷺ كما ذكر الله في قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص٥] وهو الذي استنكره أيضا المشركون قبل مشركي مكة، كما
следующие страницы →