← Акыда

Акыда · id 7259

أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (253 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال ابن بابويه الفخر: واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء ثم أنكر بنبوة محمد ﷺ "١ بل زادوا بالتبرؤ من الإله الذي خليفة نبيه هو أبو بكر ﵁ وفي هذا يقول نعمة الله الجزائري: لم نجتمع معهم على إله ولا نبي ولا على إمام, وذلك أنهم يقولون إن ربهم هو الذي كان محمد ﷺ نبيه وخليفته من بعده أبو بكر ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا" ٢. ويروون عن الصادق قوله: من شك في كفر أعدائنا والظالمين فهو كافر. وقالوا: واعتقادنا في البراءة أنها من الأوثان الأربعة والإناث الأربع ومن جميع أشياعهم وأتباعهم وأنهم شر خلق الله ولا يتم الإقرار بالله وبرسوله والأئمة إلا بالبراءة من أعدائهم.٣ومرادهم بالأوثان الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية٤ ﵃ وأرضاهم والإناث الأربع هن عائشة وحفصة ﵄ وكذلك هند بنت عتبة أم معاوية ﵁ وأم الحكم أخته ٥. هذا موقف الرافضة من أمة محمد ﷺ من لدن الصحابة إلى آخر رجل أو امرأة في هذه الأمة ممن لا يؤمن بخرافاتهم وأساطيرهم،فهم بين غلو وكذب وافتراء

стр. 212

في دين الله بادعاء الإمامة وما يتبعها من غلو وانحراف،وبين ظلم واعتداء وبغي بتكفير الأمة وساداتها والطعن فيهم ولعنهم وليس من سبب إلا أنهم لم يؤمنوا بأكاذيبهم وسخافاتهم. الرد عليهم: الرد على الروافض في هذا من شقين: الشق الأول: في إبطال دعوى الإمامة وأنها من أصول الدين. الشق الثاني: في إبطال تكفير منكرها. أما الشق الأول فهو الرد على دعوى الإمامة أنها أصل من أصول الدين،فهو قول باطل من عدة أوجه: أولا: أنه كيف يمكن أن يكون أصلا من أصول الإسلام ولم يرد في القرآن الكريم له ذكر كما لم يرد في السنة الصحيحة عن النبي ﷺ له ذكر وقد عد ﵊ في أحاديث كثيرة أركان الإيمان والإسلام ولم يذكر من ضمنها الولاية أو الإمامة فيما يزعمون. ثانيا: أن الإمامة كما يزعمون منصب إلهي مثل النبوة فكان يجب التنصيص عليها في القرآن الكريم كما ينص على الأنبياء ﵈. ثالثا: إن من نظر في أركان الإسلام يجدها عبادات محضة لله , أما الإمامة التي يزعمون فهي منصب دنيوي وليس ديني وتعلقها بالدين من ناحية أنها تتضمن حماية الدين والدفاع عنه وإقامة الحدود والعدل بين الناس وهي في هذا مثل قائد الجند الذي يطبق على جنوده أوامر رؤسائه، فالإمامة وسيلة لإقامة الدين وليست من أصل الدين في شيء. رابعا: أن الوصاية لعلي والإمامة له بالكيفية التي يدعيها الروافض أو ل من ادعاها في الإسلام عبد الله بن سبأ اليهودي حيث كان يشيع: إنه كان لكل نبي

стр. 213

وصي وإن عليا وصي محمد ﷺ ومحمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء.١ فتلقفها عنه الحاقدون على الإسلام من أصحاب الملل فنشروها وأشاعوها بين المسلمين، وكل من عرف تاريخ علي ﵁ وسيرته يتيقن أنه ما كان يعتقد أنه وصيا ولا إماما ولا شيعيا كما يدعيه الرافضة بل روي عنه ﵁ أنه قام خطيبا على منبر الكوفة لما علم بقوم من أهل الكوفة يتناولون أبا بكر وعمر ﵄ وينتقصونهما فقام خطيبا فأثنى على أبي بكر وعمر وذكر جميل خصالهما ثم قالِ: فمن أحبني فليحبهما ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت في هذا أشد العقوبة، ألا فمن أوتيت به يقول بعد هذا اليوم فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ﵄".٢ بل ثبت في البخاري أن محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية قال: قلت لأبي يعنى عليا: أي الناس خير بعد رسوله الله ﷺ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت، قال: ما أنا إ لا رجل من المسلمين".٣ فهذا قول علي ﵁ في نفسه ومذهبه في الخلفاء قبله وفيه دلالة على كذب الروافض. خامسا: أن الإمامة التي يزعمون هي دعوى وهمية خرافية حيث لم يتول الإمامة من أئمتهم سوى علي بعد ثلاثة خلفاء ثم الحسن بن علي لمدة ستة أشهر ثم تنازل

стр. 214

عنها أما من عداهم فلم يتول أحد منهم شيئا من أمور الدنيا فضلا عن الإمامة الكبرى، فتكون دعواهم في الإمامة من باب الكذب والتخرص فقط. سادسا: أن عليا تولى باختيار المسلمين له،ليس بنص ولا بطلب منه وكذلك الحسن ولاه المسلمون الذين كانوا مع أبيه في العراق بعد مقتل علي ﵁ ليس بنص ولا طلب منه، ثم تنازل عنها،فلو كان فيها نص لما احتاج الأمر إلى اختيار المسلمين ولا جاز للحسن التنازل عنها. وهذا من أقوى الأدلة عليهم لأنه لو كان إماما من قبل الله لما جاز له التنازل كما لا يجوز لنبي أن يتنازل عن النبوة التي كلف بها. سابعا: أن الروافض يزعمون الإمامة لاثنى عشر رجلا من آل البيت. ومن قرأ في كتب الروافض يراهم يختلفون عند موت كل واحد من أولئك إلى فرق كثيرة كل جماعة منهم تقول بإمامة من يهوون وهذا يدل على كذب ما يزعمونه من النص على أئمتهم. ثامنا: إن الأدلة الدالة على استحقاق أبي بكر للخلافة بعد رسوله الله ﷺ ظاهرة واضحة – وليس هذا مكان استقصائها – وإنما يكفي أن يذكر دليل واحد وهو استخلاف النبي ﷺ لأبي بكر للإمامة في الصلاة في مرضه الذي مات فيه فبل موته ﵊, وهو كاف في الدلالة، لأن الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ولو كان عليا كما يزعم الروافض هو وصي رسوله الله ﷺ لجعله إمام المسلمين في حياته فلما لم يجعله كذلك دل على كذب الروافض في دعواهم الإمامة وأن المستحق للخلافة هو أبو بكر ﵁. تاسعا: إن كل ما يدعيه الروافض من الأدلة في استحقاق علي للإمامة إما أدلة عامة ليس لهم فيها دليل مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة٥٥]

стр. 215

وإما أدلة فيها فضيلة لعلي ﵁ وليس فيها دلالة على الخلافة وذلك مثل قول النبي ﷺ : "من كنت مولاه فعلي مولاه" ١ فليس معناها إلا أنه من كنت محبوبه وواجب عليه نصرتي فعلي محبوبه وواجب عليه نصرته. وهو من جنس قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة٧١] لأن الولي في اللغة هو الناصر والمحب. ومثلها حديث: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي".٢ فهذا فيه بيان أن يكون علي بمنزلة هارون لما استخلفه موسى على أهله وبني إسرائيل فعلي كذلك لأن هذا القول قاله النبي ﷺ لما استخلف عليا على المدينة في غزوة تبوك ولم يكن في المدينة إلا النساء والصبيان فخرج علي يبكي قال تخلفني على النساء والصبيان فطيب خاطره النبي ﷺ بذلك، فهذه فضيلة له وليس فيها دلالة على الإمامة المزعومة. أما الرد عليهم في تكفير منكر الإمامة فمن عدة أوجه: ١ – أن الله كفر منكر نبوة أحد من الأنبياء ولم يرد دليل على كفر من أنكر الإمامة. ٢ - أن تكفير منكر الإمامة اعتداء وبغي،إذ ليس في القرآن ولا في السنة النص على إمامة علي ﵁ فضلا عن أحد من أهل بيته وأبنائه فمن أنكرها فهو منكر لشيء لم يرد في الشرع له دليل صريح.

стр. 216

٣ - أن تكفير منكر الإمامة فيه تكفير للأمة من أولها إلى آخرها سوى شرذمة قليلة من الروافض وهذا مؤد إلى إبطال الدين كله وما أدى إلى إبطال الدين فهو باطل. ٤ – أن تكفير منكر الإمامة فيه تكفير للحسن بن علي الذي تنازل لمعاوية وتكفير الإمام وهو الحسن كتكفير نبي من الأنبياء عندهم فيكون تكفير منكر الإمامة باطل لأنه مؤد إلى تكفير الحسن. ٥ - أن تكفير منكر الإمامة فيه تكفير لمن أقر لمعاوية بالإمامة فيدخل فيه الحسن والحسين وسائر آل البيت ومن كان مع علي في العراق لأنهم اصطلحوا على إمامة معاوية وبايعوه فمن زعم كفر من أنكر الإمامة فقد كفر جميع هؤلاء ومنهم أئمة آل البيت وتكفيرهم كفر, فمن كفرهم فلا شك في كفره عند الروافض فهذا دليل ظاهر على بطلان دعوى الروافض في منكر الإمامة. فيتبين من هذا كله كذب الروافض في دعاويهم التي ادعوها في الإمامة، وكذلك بغيهم وظلمهم في تكفيرهم المسلمين بتلك الدعاوى المكذوبة.

стр. 217

بيان بطلان قول الرافضة في الإمامة على التفصيل, والرد عليهم: أ - دعوى الرافضة بأن الإمامة ركن من أركان الدين باطلة من عدة أوجه منها: ١ - إن زعمهم أنها ركن من أركان الإسلام كذب منهم فلم يرد عن الله ولا عن رسوله ﷺ ذكر ذلك، بل جميع رواياتهم في هذا إنما يروونها عن جعفر بن محمد بن علي الملقب بالصادق، وليس هو مشرع وليس لقوله اعتبار إلا في حالة موافقته لكلام الله أو كلام رسوله ﷺ . ٢ - إن رواياتهم عن جعفر الصادق مسلسلة بالمجاهيل،وهم يكذبون على آل البيت وينسبون إليهم ما لم يقولوه. ٣ - إن هذا القول مخالف لما ورد في الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج".١ كما أنا إذا نظرنا في أركان الإسلام نجد أنها كلها عبادات محضة لله إما عبادة بدنية كالصلاة والصيام أو عبادة مالية كالزكاة أو عبادة بدنية مالية كالحج، وليست الولاية من جنسها بل تتعلق بسياسة الأمة المسلمة وإدارة شؤونها وتنفيذ حدود الله وأوامره التي تتعلق بولي الأمر، فهي وسيلة إلى الخير والعبادة وليست غاية مطلوبة بحد ذاتها مثل قائد الجيش أو مدير الإدارة، فالهدف من تنصيبه هو سياسة العمل الموكل إليه وإدارته وفق ما لديه من تعليمات. ٤ - إن كلامهم مضطرب وهكذا الباطل دائماً، فمرة جعلوا الأركان خمسة، ومرة ثلاثة، ومرة ستة، فهذا دليل الاضطراب والكذب. ٥ - زعمهم أن الإمامة أعظم أركان الإسلام، ثم زعمهم أنها منصب إلهي كالنبوة بمعنى أن الله هو الذي يختار الأئمة، فهذا من الباطل لأن فيه دلالة على أن

стр. 218

الأنبياء غير كافين في تبليغ الدين وبيانه، فاحتاج الأمر عندهم إلى تنصيب الأئمة لإقامة الحجة على الناس, وذلك باطل يكذبهم ظاهر القرآن, فقد قال : ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء١٦٥ فالأنبياء ﵈ مبلغون عن الله ثم العلماء والدعاة يبلغون دعوة الأنبياء إلى الناس، فلا حاجة للأئمة المزعومين. ب - أن الخليفة بعد رسوله الله ﷺ هو علي بن أبي طالب ثم الأئمة من آل البيت على ترتيبهم لديهم، وأن النبي ﷺ نص على ذلك. هذه أهم دعاوى الروافض،وأهم ما يتميزون به وهو اعتقاد أن علياً هو وصي رسول الله ﷺ . ويستدل الروافض لهذا بأدلة من القرآن والسنة منها: ١ - قول الله : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة٥٥] . وقالوا: إن المراد بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الآية علي بن أبي طالب ﵁، وذلك أن الآية نزلت فيه حيث تصدق بخاتمه على مسكين وهو يصلي، وزعموا أن ذلك مروي في الصحاح الستة١. واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة١١٩] . وزعموا أن المراد بـ "الصادقين" هنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه٢. ويستدلون من السنة بحديث غدير "خم" الذي ورد فيه قوله ﵊: "من كنت مولاه فعلي مولاه".٣

стр. 219

وحديث أن النبي ﷺ لما نزل عليه قوله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء١٢٤] جمع من أهل بيته ثلاثين فأكلوا وشربوا ثم قال لهم: "من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون خليفتي، ويكون معي في الجنة" فقال علي: أنا. ومنها حديث أن النبي ﷺ لما أراد الخروج لغزوة تبوك خلف علياً على النساء والصبيان فقال: يا رسول الله أتخلفني على النساء والصبيان؟ فقال النبي ﷺ : "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى" ١. هذه أهم أدلتهم من السنة على ما زعموا, وهو أن النبي ﷺ قد نص على أن الخليفة بعده هو علي ولهم أدلة أخرى أكثرها غير صحيحة. الرد عليهم وبيان بطلان استدلالهم: الروافض يستدلون بأدلة عامة ويكذبون في بيان وجه الاستدلال بها. - فأما الآية الأولى وهي قوله : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة٥٥] . فالرد على استدلالهم بها ما يلي: ١ - أن الآية عامة فمن ناحية لفظها ليس فيها تخصيص لأحد. ٢ - أن سبب نزول الآية ذكر فيه العلماء ثلاثة أقوال: فقيل: إنها نزلت في عبادة بن الصامت ﵁ لما جاء إلى النبي ﷺ , وتبرأ من يهود بني قينقاع فقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنون, وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم, فأنزل الله هذه الآية٢. والقول الثاني: أن الآية عامة في كل من أسلم, وهذا قول ابن عباس والسدي وأبو جعفر محمد الباقر٣.

стр. 220

القول الثالث: أنها نزلت في علي بن أبي طالب ﵁ حيث تصدق بخاتمه على مسكين وهو راكع، وروي ذلك عن مجاهد وعتبة بن أبي حكيم وغيرهم، إلا أن هذه الروايات لا يصح منها شيء، قال ابن كثير عنها: "وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف إسنادها وجهالة رجالها" ١. فهذه الأقوال تبين أن الآية ليست خاصة بعلي ﵁، وأن الروايات الواردة في أنها نزلت في علي ضعيفة، وكذلك يتبين كذب الرافضة حين يدعون أن الروايات واردة لدى أهل السنة في الصحاح الستة حيث لم ترد في أي من الصحاح. ٣ - أن حمل الآية على الخلافة غير صحيح لأن التولي من معانيه النصرة والتأييد والمحبة فحملها على الخلافة يحتاج إلى دليل خاص وليس عندهم دليل خاص. أما الآية الثانية وهي قوله : ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة١١٩] . فالرد على استدلالهم بها: ١ - أن الآية عامة فلا تعين أحداً بلفظها, وإنما فيها الأمر بأن يكون المسلم مع الصادقين, والآية من ضمن الآيات التي نزلت في شأن كعب بن مالك ﵁ وصاحبيه حين تخلفوا عن غزوة تبوك, فأمرهم الله بعد التوبة عليهم أن يتقوا الله ويكونوا مع الصادقين. ٢ - أنه ورد عن العلماء ثلاثة أقوال في الآية: أولها: أن المراد بالصادقين رسوله الله ﷺ وأصحابه، وبهذا قال عبد الله بن عمرو ﵁. وثانيها: أن المقصود بذلك أبو بكر وعمر وأصحابهما ﵃، وبهذا قال الضحاك٢.

стр. 221

وثالثها: أن المقصود بذلك علي بن أبي طالب ﵁، وبهذا قال ابن عباس رضي الله عنه١. وليس في هذه الأقوال تعارض ولا تنافي لأن كل هؤلاء من الصادقين الذين أمر المسلم بأن يكون معهم ويلزم طرائقهم في الصدق والاستقامة. - أما استدلالهم من السنة فالحديث الأول وهو قوله ﵊: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فالرد عليهم هو أن النبي ﷺ ذكر الموالاة، والموالاة تأتي على معان منها المحبة والنصرة وهذا هو المقصود هنا فيكون معناه من كنت محبوبه وواجب عليه نصرتي فعلي أيضاً يجب أن يكون محبوبه وواجب عليه نصرته، فهذا غاية ما يدل عليه الحديث، وهو من جنس ما ذكر الله عن المؤمنين في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة ٧١] , أي يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الحديث الصحيح "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" ٢. فلا يكون الحديث دليلاً للرافضة على النص على ولاية علي ﵁. وذكر البيهقي في كتابه "الاعتقاد" أن الحديث له سبب وهو أن النبي ﷺ لما بعث علياً إلى اليمن كثرت الشكاة منه وأظهروا بغضه، فأراد النبي ﷺ أن يذكر اختصاصه به ومحبته إياه ويحثهم على محبته وموالاته وترك معاداته٣. والرافضة هنا يزيدون من عند أنفسهم أشياء حتى يوهموا الناس المعنى الذي يقصدون، فيذكر "عبد الله شبر" الرافضي أن النبي ﷺ لما نزل عليه في حجة الوداع ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة٦٧] الآية, قام في غدير "خم" ٤ ثم بعد أن ذكر ما ذكر في علي ﵁ نزل عليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ

стр. 222

أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة٣] الآية، ثم زعم الرافضي أن حديث الموالاة مروي في البخاري١. وهذا من افتراءات الروافض. أما الآية الأولى قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ فلم يذكر أحد من العلماء أنها نزلت في الحج. أما الآية الثانية وهي ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فبالاتفاق أنها نزلت على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة كما روى ذلك البخاري ومسلم،وليس في غدير خم كما زعم الرافضي, فإن غدير خم مر به النبي ﷺ بعد عودته من الحج وهو في طريقه إلى المدينة. ومن كذب الرافضي أنه ادعى أن الحديث في البخاري وهو غير صحيح وإنما هو مروي عند الترمذي والإمام أحمد ولم يروه البخاري ولا مسلم. - أما الحديث الثاني فقد رواه الإمام أحمد بسنده عن شريك بن عبد الله عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي عن علي قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: جمع النبي ﷺ من أهل بيته ثلاثين فأكلوا وشربوا قال: فقال لهم من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة وخليفتي في أهلي؟ فقال رجل لم يسمه شريك: أنت كنت بحراً من يقوم بهذا قال: ثم قال الآخر قال: فعرض ذلك على أهل بيته فقال علي: أنا٢. هكذا روى الحديث الإمام أحمد في المسند وهو حديث ضعيف, فإن عباد ابن عبد الله الأسدي قال عنه في التقريب: ضعيف. وقال عن المنهال بن عمرو: صدوق ربما وهم. أما الأعمش فهو مدلس وفد عنعن الحديث. وشريك بن عبد الله صدوق يخطيء كثيراً وتغير حفظه منذ ولي القضاء.

стр. 223

فالحديث بهذا الإسناد ضعيف. كما أن الحديث ليس فيه دليل على الخلافة, وذلك أن النبي ﷺ ذكر ذلك لما أمر بالجهر بالدعوة فكان يريد رجلاً من أهل بيته يضمن عنه أداء الحقوق إلى الناس ويرعى شؤون أهله لاحتمال أن يقتله المشركون إذا جهر بالدعوة فأراد ﵊ أن يطمأن على إيصال الأمانات إلى أصحابها لأن قريشاً كانوا يأتمنونه على أموالهم١. والرافضة حرفوا في الحديث حيث قالوا: "خليفتي" يوهمون الناس أن المقصود الخلافة ونص الرواية "خليفتي في أهلي" ومعناه يخلفني في أهلي يرعى شؤونهم. كما أن في الحديث ما يشير إلى بطلانه وهو أن علياً كان عمره وقت الجهر بالدعوة ثلاث عشرة سنة لأنه كان حين أسلم له عشر سنوات والدعوة السرية ثلاث سنوات فيكون عمره ثلاث عشرة سنة وقت ذلك، فهل يعقل أن يتصدى لهذا الأمر غلام دون البلوغ ويعزف عنه كبار بني هاشم وبني عبد المطلب وفيهم مثل حمزة بن عبد المطلب ﵁؟ أما الحديث الثالث وهو "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي". فالرد عليهم في استدلالهم به هو أن يقال: ليس في الحديث دلالة على الخلافة لأن الحديث إنما قاله الرسول ﷺ تطييباً لخاطر علي ﵁ وذلك أن النبي ﷺ لما خرج لغزوة تبوك خَلَّفَ علياً على المدينة، فخرج علي يبكي ويقول: أتخلفني على النساء والصبيان؟ فقال له النبي ﷺ مطيباً لخاطره "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"،أي حين استخلف موسى أخاه هارون على قومه لما ذهب لموعده مع رب , فالمراد هنا تشبيه الاستخلاف بالاستخلاف وقد كان من عادة النبي ﷺ أنه كلما خرج في سفر أو غزوة استخلف على المدينة وقد استخلف عبد الله بن أم مكتوم الأعمى وغيره من

стр. 224

الصحابة فلم يكن استخلافه لهؤلاء دليلاً على استحقاقهم للخلافة بعد موته عليه الصلاة والسلام١. هذه أهم أدلتهم فيما يدعون من الوصية لعلي وعندهم روايات كثيرة مكذوبة وروايات أخرى وإن كانت صحيحة فإنها لا تدل على المعنى الذي يقصدون مثل قول النبي ﷺ : "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله" ٢, يعني علياً، فهذا من فضائل علي ﵁ وليس فيه دلالة على الخلافة. أما من عدا علي ﵁ من أئمتهم مثل الحسن والحسين ومن بعدهم فليس في ذلك شيء يصح البتة سوى الكذب من الروافض والبهتان, ومما يدل دلالة واضحة على كذب الروافض: أنه لم يتول ممن يدعون لهم الإمامة إلا علي ﵁ ثم الحسن تولى قرابة ستة أشهر ثم تنازل لمعاوية ﵁, فلو كان عند الحسن بن علي ﵁ نص من النبي ﷺ في ولايته لكان مرتكباً لمحرم في تنازله ولكان آثماً في ذلك، وخاصة أنه كان معه أهل العراق وجنود أبيه كلهم كانوا معه في ذلك الوقت, ومع هذا تنازل ﵁ وترك الأمر، وهذه منقبة عظيمة له وصدق فيه قول رسول الله ﷺ "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ٣، ويقصد في ذلك الحسن، وقد وقع مصداق ذلك بتنازله ﵁ بالخلافة لمعاوية عام ٤١ من الهجرة. ومما يبين كذب الروافض والشيعة عموماً في دعوى الإمامة،أنك إذا قرأت في كتب الفرق وخاصة كتبهم مثل كتاب فرق الشيعة للنوبختي وهو شيعي، تجد أنهم يختلفون بعد موت كل واحد من أئمتهم إلى فرق عديدة أي يختلفون في الذي بعده، وما ذلك إلا لأن دعواهم بالنص على أئمتهم كذب وافتراء، ولما مات الحسن العسكري وهو الإمام الحادي عشر لديهم ولم يكن له ولد تحيروا في هذا

стр. 225

الأمر لأن ذلك يعني انقطاع حبل الكذب عندهم فاخترعوا له ولداً وسموه محمد وزعموا أنه دخل السرداب وبقي فيه سبعين سنة ثم زعموا أنه اختفى وغاب غيبة لن يخرج منها إلا آخر الزمان فهل في العقول أسخف من تلك العقول التي تصدق بهذا الهراء والكذب. والرافضة مع كذبهم وافتراءاتهم وتصديقهم للروايات المكذوبة يٌكَذِّبون بالحق ويردونه. فهنا أدلة عديدة تدل على خلافة أبي بكر ﵁ وخلافة عمر أيضاً يردها الروافض ويكذبون بها مع صراحتها وصحتها ووضوحها وأدلة أخرى تدل على مكانة أبي بكر ﵁ من رسول الله ﷺ لم يرد لعلي ﵁ مثلها منها. أن الله قال ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة٤٠] . فهذه خصيصة لأبي بكر لا يشاركه فيها أحد وقد عاب الله أهل الأرض كلهم لعدم نصرتهم لنبيه ولم يخرج من ذلك إلا أبو بكر الصديق ﵁ وأثبت الله له في هذه الآية الصحبة وأن الله ثالثهم بمعيته وحفظه ولطفه ونصره. وما أسخف قول الرافضي حين يزعم أن النبي ﷺ إنما أخذ أبا بكر معه لأنه كان خائفاً منه. فهذا قول فاسد فإن الإنسان إذا خاف من شيء فإنه يفر منه، ولا يأخذه معه. وهنا أدلة من السنة تدل على خلافة أبي بكر ﵁ دلالة واضحة منها: ١ - أن النبي ﷺ قال في مرض موته "مروا أبا بكر فليصل بالناس" ١. ولما سمع صوت عمر يصلي بالناس قال ﵊ "أين أبو بكر يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر" ٢.

стр. 226

فكان أبو بكر ﵁ يصلي بالناس إلى أن توفي رسول الله فهذا فيه إشارة واضحة إلى أن النبي ﷺ قد رشحه لخلافته حيث كلفه بالقيام والإمامة في أعظم أركان الإسلام وهي الصلاة وقد كان علي أمام ناظري النبي ﷺ ،فلو كان على ما زعم الروافض من الوصية له بالخلافة لأنابه عنه في الصلاة، ولكنه لم يفعل لأن جميع ما يدعيه الرافضة من الوصية هي من باب الكذب على النبي ﷺ . ٢ - وعن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ قال: "أن امرأة سألت النبي ﷺ شيئاً فأمرها أن ترجع إليه فقالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك، قال أبي: كأنها تعني الموت، قال رسول الله ﷺ : "إن لم تجديني فأت أبا بكر" ١. فهذا فيه إشارة واضحة إلى أن ولي الأمر بعده أبو بكر ﵁. ٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوباً ٢ أو ذنوبين وفي نزعه – والله يغفر له - ضعف ثم استحالت غرباً٣ فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقرياً ٤ من الناس ينزع نزع عمر بن الخطاب حتى ضرب الناس بعطن ٥" ٦. فهذا فيه إشارة واضحة لخلافة أبي بكر وخلافة عمر ﵄. ٤ - عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" ٧.

стр. 227

٥ - وروى سفينة أن النبي ﷺ قال: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك" ١. وهذا الذي كان فإن أبا بكر ﵁ تولى سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال وكانت خلافة عمر ﵁ عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان ﵁ اثنا عشرة سنة إلا اثنا عشرة يوماً وكانت خلافة علي ﵁ خمس سنين إلا شهرين وتكميل الثلاثين بخلافة الحسن بن علي ﵁ نحواً من ستة أشهر حتى نزل لمعاوية عام أربعين من الهجرة٢، ومعاوية هو أول ملوك المسلمين. فهذا فيه دلالة واضحة على خلافة الخلفاء الأربعة أو الخمسة وأنها كانت حق على الترتيب بخلاف دعوى الروافض من أن أبا بكر وعمر وعثمان اغتصبوا الخلافة من علي ﵃ جمعياً. كما أن هنا أدلة كثيرة تدل على مكانة أبي بكر ﵁ من رسوله الله ﷺ يجحدها الروافض ويردونها أو يتعامون عنها منها: ١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال, قال رسوله الله ﷺ : "إن أَمَنَّ الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام لا تبقين في المسجد خوخة ٣ إلا خوخة أبي بكر". ومن حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ولكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً". ٢ - وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: بعثني رسوله الله ﷺ على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" قلت من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت: ثم من؟ قال: "عمر" فعد رجالاً٤.

стр. 228

٣ - عن ابن عباس ﵁ قال: "وضع عمر بن الخطاب ﵁ على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه ١ قبل أن يرفع قال: فلم يرُعْني إلا رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي ﵁ فترحم على عمر وقال: ما خَلَّفْتَ أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك, وذاك أن كنت أكثر ما أسمع رسوله الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبا بكر وعمر، ودخلت أنا وأبا بكر وعمر وخرجت أنا وأبا بكر وعمر، إن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما"٢. ٤ - وعن محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية قال: "قلت لأبي - يعني أباه علياً ﵁ أي الناس خير بعد رسوله الله ﷺ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين" ٣. فهذه الأدلة وغيرها كثير فيها دلالة واضحة على كذب الروافض فيما ادعوا من مسألة الإمامة ورد عليهم فيما كذبوا فيه من إمامة أبي بكر ﵁ أو فيما طعنوا فيه في أبي بكر ﵁ وهي ظاهرة واضحة ولكن الهوى يعمي ويصم.

стр. 229

منهج السلف في الصحابة رضوان الله عليهم مدخل ... منهج السلف في الصحابة رضوان الله عليهم الصحابي هو: من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على الإسلام ١ الصحابة رضوان الله عليهم: هم أصحاب رسول الله ﷺ وأصهاره ووزراؤه وأنصاره وأعوانه وهم أنصار دينه وحاملو لوائه ودعاة دينه ومبلغوه، وهم تلاميذه وأتباعه ولهم فيه القدوة الحسنة وله فيهم التربية الناجحة والنبتة الصالحة. ومن اطلع على شيء من تاريخ المسلمين في صدر الإسلام أدرك ما لأصحاب النبي ﷺ من صدق الإسلام والإخلاص وعميق الحب والولاء لرسول الله ﷺ ولدينه والتفانى في بذل النفس والأهل والولد والمال في سبيل الله، قال ابن حجر: "واتفق أهل السنة على أن الصحابة كلهم عدول،ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة" ٢ وعلى العموم فأصحاب النبي ﷺ قد عدلهم الله وعدلهم رسوله ﷺ فلا يحتاجون مع تعديل الله وتعديل رسوله تزكية أحد ولا تعديله فهم الذين قال الله فيهم ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر٨, ٩] وقال مبينا رضاه عنهم ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح١٨]

стр. 230

وقد كانوا كما روى عن جابر بن عبد الله ﵁ ألفا وأربعمائة أو ألفا وخمسمائة١ وقال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة١٠٠] وقال : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد١٠] . قال ابن حزم عن هذه الآية الصحابة كلهم في الجنة وذلك أن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء١٠١] ،فتبين أن الجميع في الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار لأنهم المخاطبون في الآية السابقة.٢ وقال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح٢٩] فهذه بعض ما ورد في القرآن الكريم من فضلهم والثناء عليهم وإثبات رضي الله ﵎ عنهم. وقد ورد في السنة من ذلك أيضا شيء كثير،فمن ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ٣

стр. 231

وعن عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ١ وأخرج الترمذي وغيره عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد أذاني ومن آذاني فقد أذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه".٢ وقال عبد الله بن مسعود: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته, ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ. وقد رأى أصحاب محمد ﷺ جميعا أن يستخلفوا أبا بكر"٣. وقال عبد الله بن مسعود ﵁ أيضا: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد ﷺ أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وفضلهم فقد كانوا على الهدى المستقيم".٤ فهذه بعض النصوص الدالة على فضلهم على العموم وهي مبينة أن أصحاب نبينا محمد ﷺ لهم المقام الأعلى والشرف الأسمى بما تميزوا به من الهدى والتقى وما اختصوا به من بين سائر أفراد الأمة بصحبة نبينا الكريم ﷺ , ومن أن الإسلام إنما قام بجهادهم وبذلهم وتفانيهم في دعوة الناس إلى الخير فلولا ذلك لما وصل الإسلام إلينا فلهم حق على كل مسلم جاء بعدهم أن يعرف لهم فضلهم ومكانهم.

стр. 232

وهنا أمران يجب التنبه لهما: الأول: أن مراتبهم في الفضل كمراتبهم في الخلافة فأعلاهم مكانة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين. وهذا قول الجمهور وقد كان بعض أهل السنة يقدم عليا على عثمان ﵄ وهم أهل الكوفة،إلا أن أهل السنة بعدهم أجمعوا على أن ترتيب الصحابة في الفضل كترتيبهم في الخلافة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وقد كان ابن عمر ﵁ يقول: "كنا نخير بين الناس في زمن الرسول ﷺ أبا بكر ثم عمر ثم عثمان".١ وفي رواية عنه أنه قال: "كنا نقول ورسول الله ﷺ حي أفضل أمة رسول الله ﷺ بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان".٢ أما أفضلية علي ﵁ فيستدل لها بما ورد من الأحاديث التي دلت على فضله وأنه الذي تولى الخلافة بعد عثمان ﵁ فيدخل في قول النبي ﷺ الذي يرويه سفينة عن النبي ﷺ : "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة" ٣ وبخلافة علي ثم من بعده الحسن تكتمل الثلاثون سنة. ثم من بعد الخلفاء بقية العشرة المبشرون بالجنة ٤ ثم بقية الصحابة رضوان الله عليهم جميعا ولا يعدل بأصحاب النبي ﷺ أحد ولا يقاس بهم. قيل لابن المبارك ﵀: "معاوية خير أو عمر بن عبد العزيز قال: تراب دخل في أنف معاوية ﵀ مع رسول الله ﷺ خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز". وسئل أبو أسامة حماد بن أسامة: "أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: أصحاب رسول الله ﷺ لا يقاس بهم أحد".٥

стр. 233

الثاني: أننا لا نغلوا في حبهم كما يغلوا الروافض في دعوى حبهم لآل البيت ولا نعتقد عصمة الصحابة ولا أحد بعد رسول الله ﷺ , بل هم مثل غيرهم من البشر يخطئون ويذنبون إلا أننا نعتقد أن الله ﵎ يتجاوز عنهم بما سبق لهم من الفضل والعمل والطاعة لله والنصح لدين الله، وقد ذكرنا النصوص الدالة على رضى الله عنهم وهو سبحانه لا يسخط عليهم بعد أن أعلن رضاه تعالى عنهم.١ ثالثا: الكف عما شجر بينهم فلا نذكر مساويهم ولا أخطاءهم وإنما ننشر محاسنهم وفضائلهم ونستغفر لهم كما قال الله بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر١٠] قال ابن عباس ﵁: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن الله قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون".٢ فنستغفر لهم ونترضى عنهم جميعا ولا نذكرهم إلا بالجميل ولا ندخل بينهم فيما وقع منهم حكاما ومحكوما فقد روى ابن سعد في طبقاته أن عمر بن عبد العزيز ﵀ سئل عن قتال يوم الجمل ويوم صفين وقيل له لو قلت فيها برأيك: قال: دماء لم أغمس فيها يدي أغمس فيها لساني؟ "٣ ونكف عن مساوئهم ولا نتنقص أحدا منهم البتة ومن تنقص أحدا منهم, فإنه متهم بالزندقة، قال عبد الملك الميموني سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: ما لهم

стр. 234

ولمعاوية؟ أسأل الله العافية ثم قال لي: يا أبا الحسن إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب محمد ﷺ بسوء فاتهمه على الإسلام".١ وروى الخطيب في الكفاية بسنده عن أبي زرعة ﵀ أنه قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله ﷺ . وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى، وهم زنادقة" ٢ هذا على العموم منهج السلف ﵏ من أصحاب النبي ﷺ وموقفهم منهم ألحقنا الله بهم وغفر لنا بحبهم إنه جواد كريم.

стр. 235

موقف الرافضة من الصحابة رضوان الله عليهم لقد امتلأت قلوب الروافض غيظا وكمدا على أصحاب محمد ﷺ فقالوا فيهم أخبث قول وأفسده، وفاقوا بذلك اليهود والنصارى خبثا فقد قيل لليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى ﵇ وقيل للنصارى من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى ﵇ وقيل للرافضة من شر أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب محمد ﷺ ".١

стр. 236

فالروافض يزعمون أن الصحابة كفروا جميعا إلا نفر قليل منهم فروى الكشى عن أبي جعفر أنه قال: كان الناس أهل ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ قال: المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.."١ كما أن للروافض - عليهم من الله ما يستحقون – ولع شديد إلى حد الهوس بلعن وسب شيخي الإسلام وسيدا كهول أهل الجنة وصاحبي الرسول ﷺ أبي بكر وعمر ﵄ وأرضاهما. ففي كتاب "مفتاح الجنان" عندهم وهو من كتب الأدعية قولهم: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد والعن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما وابنتيهما".٢ ويريدون بالصنمين والجبتين أبي بكر وعمر ﵄ وبالبنتين أمهات المؤمنين عائشة وحفصة ﵄. ويقول الكليني – صاحب الكافي – عليه من الله ما يستحق: الأول والثاني أبو بكر وعمر في كتب الشيعة: رجسان ملعونان هما الجبت والطاغوت وهما فرعون هذه الأمة وهامانها، هما أشد أهل النفاق نفاقا وعداء للنبي وضررا للإسلام"٣. ويقول صاحب كتاب الوشيعة: لله وراء هذا العالم سبعون ألف عالم في كل عالم سبعون ألف أمة, كل أمة أكثر من الإنس والجن لا هم لهم إلا اللعن على أبي بكر وعمر".٤ وهذا المذهب وهو تكفير الصحابة والطعن فيهم هو مذهب وقول عبد الله بن سبأ اليهودي وورثه عنه الروافض إلى زماننا هذا،فهذا الخميني الهالك ينسب إلى الصحابة رضوان الله عليهم تحريف القرآن فيقول: "أولئك الصحابة الذين لم

стр. 237

يكن لهم هم إلا الدنيا والحصول على الحكم دون الإسلام والقرآن ... ثم يقول: "إن تهمة التحريف التي يوجهونها إلى اليهود والنصارى ثابتة عليهم".١ هكذا يزعم المجرم الهالك، وهذا غره حتى فضل أهل إيران من جنوده الروافض على أصحاب الرسول ﷺ فقال: "إنني أقولها بجرأة إن شعب إيران بجماهيره المليونية في العصر الحاضر هو أفضل من شعب الحجاز في عهد رسول الله ﷺ وشعب الكوفة والعراق على عهد أمير المؤمنين والحسين بن علي".٢ هكذا يزعم أن أصحابه أفضل من أصحاب النبي ﷺ ومن أصحاب علي ﵁. وما هذا في الحقيقة إلا تفضيل لنفسه على رسول الله ﷺ وعلى علي بن أبي طالب أيضا لأنه فيما يدعي استطاع أن يربي جيلا أفضل من تربية الرسول ﷺ . ولكن الله بحمده وفضله أذله وأظهر خزيه وكذبه فلم يستطع بملايينه أن ينتصر على بعثي علماني وهو حاكم العراق، ثم مات بحسرته بعد أن أعلن استسلامه ولله الحمد والمنة. هذه النصوص وغيرها كثير لدى الروافض وعندهم ما هو أقبح منها وأشنع ومما لا يليق قوله ولا ذكره – تطفح به كتب الروافض, كما تشكل تلك الروايات معتقدهم في خير أمة ظهرت على وجه الأرض وأطهر من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين. إن الإنسان ليدهش أشد الدهشة من هذا الحقد الدفين والقلوب السوداء الممتلئة غيظا وكمدا على حواري رسول الله ﷺ وأصحابه وأزواجه وأهل بيته الذين عدلهم رب السماء والأرض،وأثنى عليهم،وشهد لهم بالخيرية والفضل. وشهد لهم رسوله ﷺ وأمر بمحبتهم، لقد أمر الله المسلمين أن يترحموا على سلفهم بقوله

стр. 238

عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر١٠] فخالف ذلك الرافضة فلعنوا أصحاب رسول الله ﷺ وامتلأت قلوبهم غلا عليهم. وإن كل ناظر منصف في تاريخ أولئك الأبرار الأخيار الأطهار أصحاب محمد ﷺ يدرك أنه لم يأت على وجه الأرض مثلهم، فقد قاموا بدين الله حق القيام وبذلوا في سبيل نشره دماءهم وأموالهم وأولادهم ووقتهم،ونحن في هذه الأزمان, بما عندنا من دين وإيمان, وكذلك جميع المسلمين من بعد الصحابة إنما ذلك حسنة من حسنات أولئك الأبرار. إن الصحابة رضوان الله عليهم جميعا وحشرنا في زمرتهم لا يحتاجون مع ثناء الله عليهم وثناء رسوله ﷺ إلى ثناء أحد وتعديله ويكفيهم ذلك فخرا وذلك مثل قول الله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً..﴾ [الحشر٨] وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ... ﴾ [الفتح١٨] وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة١٠٠] فهذه النصوص وغيرها كثير مما سبق ذكره تبين كفر الروافض وخروجهم من الإسلام بدعواهم أن الصحابة رضوان الله عليهم كفروا، لأن من قال ذلك فقد كذب القرآن ورد كلام الله ولم يقبل تعديله وثناءه جل وعلا على أولئك الأبرار. وليس من جناية ارتكبها الصحابة ولا جرم لهم عند هؤلاء الروافض في الحقيقة إلا أنهم نصروا الله ورسوله ونشروا الإسلام في أصقاع الأرض وأذلوا دولة الكفر فارس والروم واستولوا على أراضيهما ودخل الناس من أتباعهما في دين الله أفواجا.

стр. 239

وإذا نظرنا في تاريخ الصحابة وخاصة الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ نجد أنهم نشروا الإسلام في أقصى الأرض فبلغت جيوش المسلمين في زمانهم خراسان ودخلت في غرب أفريقيا فتعدت ما يعرف بتونس إلى المحيط الأطلسي وكان لهم في هذا الباب في نشر الإسلام أكثر بكثير مما كان لعلي بن أبي طالب ﵁, ففي عهد علي ﵁ لم يقتل كافر في سبيل الله ولم تفتح بلد واحد بل قتل المسلمون بعضهم بعضا وسفكوا دماءهم وكثر بذلك الغم والبلاء على المسلمين مما يبين الفرق العظيم بين عهد أبي بكر وعمر وعثمان وبين عهد علي ﵃ جميعا. ولكن الروافض قوم بهت. كما أن كل إنسان يطلع على قول الروافض في أصحاب رسول الله ﷺ يشعره ذلك القول والبهتان أن الرسول ﵊ كان يعيش بين جماعة كبيرة من المنافقين والكذبة والأفاكين، كما كان في بيته بين زوجاته يعيش بين مجموعة من النساء الكذابات المحتالات – وحاشا الجميع من ذلك. فأصحاب رسول الله ﷺ وزوجاته هم الطاهرون الأبرار والروافض هم الكذبة الفجار. كما أن الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ وزوجاته طعن فيه ﵊ لأن من المعلوم أنه إذا كان رجل يطعن في أهلك وأصحابك فذلك طعن فيك أيضا. وغاية الروافض أخزاهم الله وأذلهم في الدنيا والآخرة من هذا الطعن في الصحابة إنما هو الطعن في دين الإسلام عموما وإبطاله لأن الصحابة وزوجات الرسول ﷺ هم الذين نقلوا إلينا هذا القرآن ونقلوا إلينا كلام رسول الله ﷺ وأخباره وأحواله فإذا كانوا غير صادقين ولا صالحين فبالتالي يكون كل ما عندنا من شرع ودين باطل وفاسد. هذا غاية ما يقصد إليه الرافضة من هذه الحملة الشعواء الكاذبة على أصحاب الرسول ﷺ .

стр. 240

الإيمان بالقضاء والقدر فصل: معنى القضاء والقدر وحكمه ... الإيمان بالقضاء والقدر مما يجمع عليه علماء السلف الإيمان بالقضاء والقدر, وسنبين مايتعلق بهذا الركن من أركان الإيمان وفق النقاط التالية: معنى القضاء والقدر: المعنى اللغوي: القضاء في اللغة له معان عديدة منها: الحكم, والأمر, والأداء, والخلق, وإنفاد الأمر وبلوغ منتهاه.١ والقدر في اللغة: من القدر بسكون الدال, ومن القدر بفتح الدال, وتأتي على معان منها: القوة, ومقدار الشيء, والتمكن من الأمر, والغنى, وقياس الشيء. والقضاء من الله. والقدر تأتي من قدر بتشديد الدال, وتعني تمهل في تسوية الأمر وفكر فيه, وبيّن مقداره, وقاسه به, ونوى الأمر وقضاه وحكم به.٢ المعنى الشرعي: القضاء والقدر في الشرع قد يردان على معنى واحد, وهو: ما سبق به العلم وجرى به القلم, مما هو كائن إلى الأبد ووقوعه في وقته وكيفيته. وقد يراد بالقدر ما سبق به العلم وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد, أما القضاء فيراد به وقوع الأمر وإنفاذ الحكم وفق القدر السابق ٣. فيكون بذلك القدر كالمخطط الذي يخططه الإنسان لبناء بيت مثلاً, والقضاء كالبناء للبيت إذا بناه وفق سابق التخطيط.

стр. 241

حكم الإيمان بالقضاء والقدر. الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لحديث جبريل ﵇ حيث جاء فيه: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره" ١ فمعنى قوله: "وبالقدر خيره وشره" أي تؤمن بأن ما يصيبك من خير أو شر هو بقدر سابق من الله . وأخرج الإمام احمد بسنده عن عبادة بن الصامت أنه قال - وهو في الموت-: ادع لي ابني لعلي أخبره بما سمعت من رسوله الله ﷺ يقول: "إن أول شيء خلقه الله من خلقه القلم" - وفي رواية: "إن أول ما خلق الله القلم - فقال له: اكتب، فقال: يارب ماذا أكتب؟ قال: القدر". قال رسوله الله ﷺ : "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار" ٢

стр. 242

مراتب الإيمان بالقدر: الإيمان بالقدر لا يتم ولا يكمل إلا بالإيمان بأربع مراتب وهي: المرتبة الأولى: العلم. والمراد بالعلم: هو اعتقاد أن الله علم أعمال العباد دقيقها وجليلها كما علم مصائرهم إلى الجنة أو إلى النار قبل وجودهم. والأدلة على ذلك كثيرة منها الآيات التي تثبت عموم علم الله بكل شيء. من ذلك قوله : ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢] وقوله : ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر ١١]

стр. 243

وقال : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩] , وغير ذلك من الآيات. ومن السنة حديث عمران بن حصين ﵁ قال قال رجل: يارسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ فقال: "نعم, قال: فلم يعملون؟ قال: كل يعمل لما خلق له, أو يسر له" ١ المرتبة الثانية: الكتابة: والمراد بها: اعتقاد أن الله قد كتب جميع أعمال العباد صغيرها وكبيرها, دقيقها وجليلها, ومن الأدلة على ذلك قوله : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج ٧٠] وقوله : ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢] وقال : ﴿الِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٣] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسوله الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة, قال: وعرشه على الماء" ٢ وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد, ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار, وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة" , قال: فقال رجل يا رسول الله, أفلا نمكث على كتابنا وندع

стр. 244

العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة, ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة, فقال: اعملوا فكل ميسر, أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة, أما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة, ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ١ المرتبة الثالثة: المشيئة: والمراد بالمشيئة؛ الإيمان بمشيئة الله النافذة في كل شيء, فلم يقع في هذا الكون شيء إلا بمشيئته, ولم يقع إلا لأن الله قد شاء وقوعه, وما لم يقع إنما لم يقع لأن الله لم يشأ وقوعه, وهذا شامل لكل شيء مما هو طاعة ومعصية وهداية وضلال وخير وشر, فمشيئة الله هي الموجبة لوقوع الأمر, وذلك معنى قول المسلمين: ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن, والأدلة الدالة على إثبات هذه المرتبة كثيرة, منها: قوله : ﴿وما تشاؤن إلا أن يشاء الله﴾ [التكوير ٣٩] وقوله : ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر ٥٦] وقوله : ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام ٣٩] وقوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة ٢٥٣] وقوله : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس ٩٩] فهذه النصوص أثبتت أن كل شيء إنما هو بمشيئة الله .

стр. 245

المرتبة الرابعة: خلق الأعمال: والمراد بخلق الأعمال أن الله كما أنه هو الخالق جل وعلا لذوات العباد وأجسادهم, فهو كذلك خالق لأعمالهم وأفعالهم, بل كل ما في الوجود من حركة وسكون وقول وفعل إنما هو خلق الله , والدليل على ذلك قوله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر ٦٢] فهذه الآية عامة في خلق الله لكل شيء, وقال : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] وقال جل وعلا: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٣, ١٤] فهذه الآية صريحة أيضاً في أن الله خالق لأقوال العباد التي يسرون بها والتي يجهرون بها, كما أنه خالق لما في الصدور من الإرادات والحب والبغض وغير ذلك، حيث علل الله علمه بكل ذلك بأنه خالقه, فكيف لا يعلمه. ومن الأدلة في ذلك قوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم ٢٢] واختلاف الألسن المراد به اللغات, وقد نص الله على أنه خالقها, حيث عطفها على خلق السموات والأرض. وقوله : ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم ٤٣] فالله هو الذي أضحك الإنسان, والإنسان هو الضاحك, والله أبكاه, والإنسان هو الباكي. وقوله : ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس ٢٢] فالتسيير خلق الله , والسير فعل العبد, فالله المسّير والعبد هو السائر.

стр. 246

ومن السنة حديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" ١

стр. 247

مسائل تتعلق بالإيمان بالقدر: ١ - إثبات الحكمة لله . مما يجب إعتقاده أن الله حكيم في فعله وأمره, فلا يفعل ولا يخلق إلا لحكمة, كما أنه لا يأمر ويشرع إلا لحكمة بالغة, وهذا مقتضى وصفه بالحكمة جل وعلا في آيات كثيرة مثل قوله وهو الحكيم الخبير وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء١١] فبناءً عليه يجب اعتقاد أن جميع ما يقدره الله له فيه حكمة بالغة قد تعلم وقد لا تعلم, كما أن جميع أوامره ونواهيه هي وفق حكمة بالغة قد تعلم وقد لا تعلم. ٢ - أن الإيمان بالقدر من الإيمان بالغيب. مما يجب معرفته أن إيماننا بأن الله قد قدر علينا ما هو واقع بنا وأن الله سبحانه قد شاء جميع أفعالنا منا قبل وقوعها منا, وكذلك خلقها فينا وقت فعلنا لها, كل ذلك آمنا به واعتقدناه بناءً على الأدلة الشرعية المثبتة لذلك من القرآن والسنة, فهو إيمان بالغيب وفق خبر الله وخبر رسوله ﷺ , كما أننا نؤمن بالجنة والنار وما أعد الله لأهل كل دار منهما بالغيب من غير مشاهدة منا للجنة أو النار في هذه الحياة الدنيا, فكذلك الإيمان بالقدر إنما نؤمن به بناءً على الأدلة الشرعية التي وضحت ذلك وبينته, وعليه فلا يجوز لأحد أن يعارض ذلك أو يرده بناءً على نظر عقليّ قاصر أو قياس على المخلوق, لأن الأدلة الشرعية لا يجوز معارضتها بشيء من ذلك, بل الواجب التسليم لها ثم ما عقلته عقولنا فلنحمد الله

стр. 248

على ذلك, وما لم تعقله عقولنا فلنعلم أن القصور في عقولنا وليس في شرع الله وأمره, وحقيقة الأمر أنه لا يوجد في إثبات القدر ما يتعارض مع العقل السليم, لأن إثبات القدر هو إثبات لكمال الربوبية والملك والتصرف للخالق جل وعلا في عباده وخلقه. ولا يجوز الاعتراض على المالك إذا تصرف في ملكه, كما أن الله في جميع تدبيراته وتصرفه في خلقه وكذا شرعه وأمره صادر عن حكمة بالغة, كما ذكرنا. ٣ - أن الإرادة في القرآن الكريم على نوعين. إن الإرادة المضافة لله في القرآن الكريم على نوعين: أ - إرادة كونية قدرية: وهي تعني إرادة إيجاد الشيء وخلقه, وهذا النوع من الإرادة لابد من وقوعه, فإنه لا يتخلف, إلا أنه لا يتعلق بالمحبة والرضا, فقد يكون مما يحب الله مثل طاعة المؤمنين وعباداتهم التي أراد الله وقوعها منهم, وقد تكون الإرادة مما لا يحب الله مثل كفر الكافرين ومعصية العصاة الواقعة منهم, فإنها لم تقع منهم إلا بعد إرادة الله وقوعها, لكن الله لا يحبها بل يبغضها ويكرهها, وإن كانت واقعة بإرادته الكونية القدرية. ومن الأدلة على الإرادة الكونية القدرية قول الله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام ١٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة ٢٣٥] وقال تعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود ٣٤] فهذه الآيات وردت فيها الإرادة المضافة إلى الله ومنها مايحبه الله مثل الهداية بشرح الصدور, ومنها ما لا يحبه مثل الضلال والقتل والغواية. ولكن

стр. 249

الجميع واقع بإرادته جل وعلا التي هي بمعنى المشيئة قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر ٧] ب - إرادة دينية شرعية: وهي النوع الثاني من أنواع الإرادة الواردة في القرآن الكريم, وهي مستلزمة للمحبة والرضا ولا يلزم أن تقع, وذلك مثل محبة الله طاعة العباد وإيمانهم وهدايتهم. ومن الأدلة الدالة على ذلك قوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥] وقوله : ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٦] وقوله : ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٧] فالإرادة في هذه الآيات تسمى الإرادة الدينية الشرعية المستلزمة للمحبة والرضا, ولكنها قد تقع إذا تعلق بها النوع الآخر من الإرادة وهي الإرادة الكونية القدرية, وقد لا تقع إذا لم يتعلق بإيجادها إرادته الكونية القدرية. ويفيدنا ذلك معرفة أن جميع الطاعات يريدها الله ديناً وشرعاً ويحبها ويرضاها، أما المعاصي فإنه لا يريدها ديناً ولا شرعاً, وأنه جل وعلا يبغضها ويكرهها, وأنه قد يريد وجودها كوناً وقدراً فتوجد من عباده وهو في نفس الوقت يبغضها ويكرهها وقد توعدهم بالعقوبة عليها. ١ ٤ - احتجاج بعض العصاة بالقدر والرد عليهم. بعض العصاة المنحرفين عن دين الله قد يفعل الفعل المحرم المنهي عنه, ثم إذا اعترض عليه أحد ونبهه على تحريم فعله وأنه ارتكب جرماً فعليه التوبة والإقلاع

стр. 250

عما هو عليه من ارتكاب المحرم, فإن هذا العاصي يحتج بالقدر ويدّعي أن الله هو الذي قدّر عليه ذلك, أو قد يدّعي حين يدعى إلى الصلاة - مثلاً - بأنه إذا أراد الله له أن يصلي سيصلي. فكيف جواب ذلك؟ الجواب عن ذلك أن يقال: إن احتجاج العاصي بالقدر وهو مقيم على المعصية من جنس احتجاج المشركين بالقدر في دعوة الأنبياء, وذلك كما حكى الله في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام ١٤٨] فالمشركون هنا احتجوا بالقدر على رد الشرع ودعوة الأنبياء, والعاصي المقيم على المعصية يحتج بالقدر على معصيته, والمشركون كاذبون, وكذلك العاصي كاذب لعدة أسباب: أ - لأن القدر ليس حجة لعاص, ونحن إنما أمرنا أن نؤمن بالقدر, لا أن نحتج به ب - أن القدر لا يعلم حتى يقع فإذا وقع علمنا بأن الأمر كان مقدراً, فكيف يجوز للإنسان أن يحتج بشيء غاب عنه, ولا يدري ما قدر له فيه. ج - إن الله قد خلق للإنسان الإرادة والقدرة, وأرسل له الرسل, وأنزل الكتب ليعلموه شرع الله, ويحذروه من معصية الله, فعليه فإنه ليس للعاصي أي حجة على الله, فاحتجاجه بالقدر غير صحيح وليس فيه حجة. د - إن مما يبين كذب المحتج بالقدر على المعصية, أنه لو اعتدى أحد على ماله أو عرضه فاحتج ذلك المعتدي بالقدر فإن المعتدى عليه لا يقبل ذلك الاحتجاج, وسيسعى إلى إنزال العقوبة به, فكذلك لا يقبل احتجاج العاصي بالقدر.
следующие страницы →