← Акыда

Акыда · id 7259

أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة

سعود بن عبد العزيز الخلف

Полный текст (253 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وكذلك ما روي عن عبد الله بن شقيق أنه قال: ما كانوا –يقصد الصحابة- يرون عملا تركه كفر إلا الصلاة".١ فهذا يدل على إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة. وقد عزا تكفير تارك الصلاة شيخ الإسلام إلى جمهور السلف والتابعين وهو رواية عن الإمام أحمد وطائفة من أصحابه وأصحاب مالك والشافعي٢. ما سبق ذكره هو في القسم الأول من أقسام الكفر الوارد في الكتاب والسنة, وهو الكفر الأكبر. أما الكفر الأصغر فهو ما أطلق الشارع عليه اسم الكفر من الذنوب مما لا يتناقض مع أصل الدين الذي هو التوحيد. وذلك مثل قوله ﵊: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٣ وقوله ﵊: "ثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة" ٤وقوله ﵊: "من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٥ وغير ذلك من الأحاديث. فهذا الكفر الوارد في هذه النصوص ليس من الكفر الأكبر المخرج من الملة, لوجود أدلة أخرى تدل على عدم خروجه من الدين،وهي أن الله وصف المتقاتلين بالإيمان في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات٩] . فسماهم مؤمنين مع وجود الاقتتال، كما أنهم لو كانوا بتلك الذنوب كفارا لوجب قتلهم للردة، ولما لم يوجب ذلك تبين أن المراد بذلك ليس كفرا مخرجا من الملة.

стр. 177

وقد دلت الأدلة الشرعية على أن هذه الألفاظ الشرعية, وهي الشرك والكفر والظلم والنفاق تأتي على معنيين أكبر وأصغر. الأكبر مخرج من الملة وأما الأصغر فلا يخرج من الملة. ومن هذه الأدلة قوله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال "الرياء" ١. أما الظلم فيدل عليه ما رواه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهفما أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون﴾ [الأنعام٨٢] شق ذلك على أصحاب الرسول ﷺ , فقالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا وهو يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : "ليس بذلك, ألا تسمعون إلى قول لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " ٢. أما النفاق, فحديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان وإذا خصم فجر" ٣ أما الكفر فحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار تكفرن, قيل يكفرن بالله، قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر قالت ما رأيت منك خيرا قط" ٤ وكذلك ما ورد عن عبد الله بن عباس ﵁ في قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة٤٤] قال: هي به كفر، وليس كفرا

стр. 178

بالله وملائكته وكتبه ورسله: وفي رواية أنه قال: كفر دون كفر،ومثله ورد عن عطاء وطاووس وغيره١. فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن هذه الألفاظ في كلام الشارع تأتي على معنين،وهذا ما عليه أهل السنة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان خلاف ما عليه أهل البدع من الخوارج ونحوهم. فعليه من أتى بفعل كفري مما سبق ذكره فهو كافر خارج من الإسلام مستوجب لعقوبة الكفرة من اليهود والنصارى والوثنيين. أما من كان ما آتاه من الذنوب والخطايا دون ذلك فليس فعله كفرا إلا أن يكون ترك الصلاة كما سبق ذكره، أو يكون مستحلا لما فعل.

стр. 179

ضوابط التكفير لخطورة التكفير وما يترتب عليه من الأمور الخطيرة في الدنيا والآخرة فقد جعل الشارع له ضوابط يجب مراعاتها, حفاظاً على أواصر الأخوة الدينية بين المسلمين, فلا يكفر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً إلا وفق الضوابط المبيحة لذلك, وهي: أولا: أن لا يكفر إلا من كفره الله ورسوله إن الكفر والتكفير حكم شرعي مثل الإسلام والإيمان أحكام شرعية لا يجوز إطلاقها على أحد إلا من استحقها من خلال الشرع، فمن كفره الله ورسوله فهو كافر ومن لم يكفره الله ورسوله فلا يكفر. ومن كفر بعقله أو قياسه فهو مخطئ متجاوز للحدود الشرعية وهو كمن شهد لأحد بالصلاح والإيمان لمجرد أنه رآه يحسن الحساب أو الهندسة أو الطب، أو شهد لنصراني بالإسلام لأنه ذو خلق حسن ومعشر حسن. كما أن أهل السنة لا يكفرون من كفرهم،لأن التكفير حكم شرعي وليس داخلا في العقوبة بالمثل وذلك كمن كذب عليك أو سرق مالك أو زنى بأحد

стр. 180

محارمك ليس لك أن تفعل ذلك به،لأن هذه الأعمال محرمة في حق كل أحد لحق الله تعالى، كذلك التكفير هو حق لله تعالى.ومما يدل على ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكفروا الخوارج مع أن الخوارج كانوا يكفرون عليا وعسكره، بل كانوا يرون أنهم ضلال انحرفوا عن الحق١. ثانيا: التفريق بين التكفير المعين والتكفير المطلق التكفير عند أهل السنة على نوعين معين ومطلق. أما تكفير المعين: فهو وصف شخص ما لعمل قام به أو قول قاله بأنه كافر، وهذا لا يجوز إلا بشروط وانتفاء موانع وسنذكر ذلك. أما التكفير المطلق: فهو إطلاق الكفر على الفعل أو القول أو الاعتقاد وعلى فاعل ذلك على سبيل الإطلاق، وهذا النوع قد ورد في الشرع إطلاقه فنطلق كما أطلقه الشارع فيقال مثلا: من اعتقد أن الله ليس فوق السماء كافر، أو آكل الربا ملعون، وشارب الخمر ملعون ونحو ذلك مما أطلقه الشارع. ومن هذا الجنس ما يطلقه العلماء والأئمة من تكفير أصحاب البدع مثل القدرية والجهمية والرافضة ونحوهم فيتعلق الحكم بالعموم أو بالفعل، ولا يتعلق بالشخص المعين، إذ الشخص المعين لا يحكم بكفره إلا بشروط وانتفاء موانع. الدليل على الفرق بين الحكم المطلق والمعين: ما روى البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا كان على عهد النبي ﷺ اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يضحك النبي ﷺ وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوما، فأمر به فجلد فقال رجل من القوم: "اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به"، فقال النبي ﷺ : "لا تلعنوه، فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله".٢

стр. 181

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فنهى النبي ﷺ عن لعنه مع إصراره على الشرب لكونه يحب الله ورسوله، مع أنه ﷺ لعن في الخمر عشرة، لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها" ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع من لحوق اللعنة به، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق، ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطا بثبوت شروط وانتفاء موانع"١. وقد ورد عن إبراهيم النخعي أنه قيل له: ما ترى في لعن الحجاج؟ فقال: "لا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ وسئل الإمام أحمد قيل له: الرجل يذكر عنده الحجاج أو غيره فيلعنه، قال: "لا يعجبني، لو عبر فقال: ألا لعنة الله على الظالمين". ومثله ورد عن الحسن البصري وابن سيرين كما ذكر الخلال٢. فهذه الأدلة والروايات تدل على أن التكفير المطلق لا يستلزم التكفير المعين. ثالثا: تكفير المعين المعين من الناس ممن ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه بالشك والظن، وإنما يكفر بعد أن تقوم عليه الحجة وتنتفي عنه الشبهة، لهذا حدد العلماء لإطلاق الكفر على المعين شروطا إذا وجدت فيه وانتفت الموانع المانعة من إطلاق الكفر فإنه يكفر ويحكم عليه به ويقام عليه به حد الكفر إذا لم يتب ويرجع. وهذه الشروط والموانع قد استنبطها العلماء من الشرع وكلام السلف ﵏. أولا: الشروط قد يقع المسلم في فعل كفري أو يقول قولا كفريا أو يعتقد اعتقادا كفريا إلا أننا لا نحكم بكفره إلا إذا تحققت فيه الشروط التالية:

стр. 182

١ - أن يظهر من قوله أو فعله ما يدل على المعنى الكفري ويلتزمه. إن الإسلام إذا ثبت بالنسبة لإنسان لا يجوز إخراجه منه بالظن والتهمة أو تحميل كلامه فوق ما يحتمل لأن ذلك كله مما لا يجوز به الحكم بالكفر على الشخص المعين، وهو في ذلك مثل الحدود الشرعية لا تثبت على الإنسان إلا بالاعتراف أو الشهود. كما أن لازم المذهب ليس بمذهب فإذا قال إنسان قولا وكان يلزم منه الكفر كمن أنكر: أن الله فوق السماء أو نفى الصفات عن الله , فإن لازم ذلك تكذيب الله ورسوله، بل لازم ذلك نفي وجوده ﵎ وهذا كفر بين، ولكن لا يحكم على الشخص بالكفر ما لم يبين له ذلك ويلتزمه،لأن الإنسان قد يقول المقالة وهو ذاهل عن لازمها بل لا يقصده بل ربما يكون يقصد نقيضه كمن أراد أن ينزه الله في زعمه عن المكان فيقول: هو في كل مكان،فإن لازم ذلك أنه لا ينزهه عن مكان طيب أو خبيث، وهذا كفر، لكن من قال هذه المقالة فإنه لا يقصد ذلك. واستدل لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة١٠٤] . فإن المسلمين كانوا يقولون للنبي ﷺ "راعنا" يقصدون بذلك التفت إلينا وارعنا انتباهك، وكان اليهود يستغلون ذلك ويقولونها للنبي ﷺ وهم يقصدون بذلك سب النبي ﷺ لأن معناها عندهم من الرعونة وهي الحمق والطيش، فنهى الله المسلمين عن هذه المقالة لما تضمنت من المعنى الفاسد الذي لا يقصدونه، حتى لا يتخذها اليهود وسيلة لسب النبي ﷺ جهارا"١. هذا في حالة أن يكون القول أو الفعل محتملا للكفر وغيره أما إذا كان القول أو الفعل غير محتمل إلا الكفر كمن سب الله ورسوله أو استهزأ بهما أو سجد لصنم، فهذه الأفعال لا تحتمل إلا الكفر فيحكم على المعين به كما قال الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة٦٥, ٦٦] فجعل الله سبب الكفر هو الاستهزاء بالله ولم يعتبر العذر وهو

стр. 183

أنهم إنما كانوا يخوضون ويلعبون بل بين أنهم كفروا بذلك الفعل وأن العذر في هذا ليس عذرا مقبولا١. ٢ - قيام الحجة ووضوحها لمن قال أو عمل بالكفر. الكفر لا يثبت على المعين ما لم تقم عليه الحجة التي إن خالفها كفر، يدل على ذلك قوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء١١٥] . وقال : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة١١٥] . قال قوام السنة الأصبهاني على هذه الآية: "فكل من هداه الله ودخل في عقد الإسلام، فإنه لا يخرج إلى الكفر إلا بعد البيان"٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء١٥] . فهذه الآيات بعمومها تدل على أنه لا يكفر من المسلمين إلا من بلغته الحجة ووضحت له بحيث خالفها عنادا وتكبرا أو رفضا للحق وردا له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة"٣. وهذا مثل من أنكر ما ثبت بالإجماع أو التواتر أو أنكر صفة من صفات الله , هذا لا يكفر حتى تقام عليه الحجة ويفهمها ثم يردها عنادا وتكبرا وردا للحق وعدم قبول له.

стр. 184

ثانيا: موانع التكفير مما يدرأ عن المسلم التكفير إذا التبس فعله أو قوله أو اعتقاده الكفري بمانع من الموانع التالية: ١ - الجهل جهل المسلم بالحكم الشرعي في الأمر الكفري الذي قارفه مما يدفع عنه الكفر. ويستدلون لذلك بما رواه البخاري ومسلم عن النبي ﷺ من حديث الرجل الذي قال لأبنائه: "إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فو الله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا"، قال: ففعلوا ذلك به، فقال للأرض: "أدي ما أخذت"، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت، فقال: خشيتك يا رب فغفر له بذلك" ١. فهذا الرجل جهل عظيم قدرة الله وفعل ما فعل من خشية الله فغفر الله له جهله. وكذلك حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ : "سبحان الله هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم ... " ٢. فحداثة إسلامهم وجهلهم منعت من تكفيرهم ولم تمنع من الحكم على القول بأنه من جنس قول قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها. وكذلك حديث حذيفة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "يدرس الإسلام كما يدرس وَشيُ الثوب ٣،حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسري على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف

стр. 185

من الناس، الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها" فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة: فقال: يا صلة تنجيهم من النار، ثلاثا" ١. فهذا فيه دليل على أن الإنسان يعذر بالجهل٢.ولكن العلماء يفرقون هنا في مسألة الجهل بين ما يعذر بجهله الإنسان وما لا يعذر، والحالات التي يعذر الإنسان فيها بالجهل. فأما ما كان معلوما من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة وفرائض الإسلام وتحريم الزنا والخمر ونحوها فهذا لا يعذر الإنسان بجهلها فمن أنكرها فقد كفر إلا أن يكون بعيدا عن الأمصار يعيش في البوادي مما يدل على أنه لم يبلغه العلم, أو يكون حديث عهد بإسلام لم يعلمه أحد شرائع الإسلام فهذا يعذر بجهله ولا يكفر حتى تبين له الحجة ويعلم الحق٣. أما ما خفي من المسائل والأحكام الشرعية فإن الإنسان لو أنكرها جهلا فإنه يعذر بذلك ولا يكفر حتى تقام عليه الحجة مثل رؤية الله ﵎ يوم القيامة، أو حوض النبي ﷺ أو نحو ذلك مما قد يخفي على الإنسان. ٢ - المتأول لشبهة عرضت له: مما يدرأ التكفير عن المعين أن يكون متأولا فيما وقع فيه من كفر لشبهة عرضت له، فهذا لا يكفر حتى يبين له خطأه حتى ترتفع شبهته في المسألة فهو كالمجتهد المخطئ وذلك مثل أهل البدع من الخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم فإن أعيانهم لا يكفرون لوجود الشبهة المانعة لهم من قبول الحق فإن الخوارج استباحوا

стр. 186

دماء المسلمين ظنا منهم أنهم كفار لارتكابهم الذنوب، والجهمية والمعتزلة أنكروا صفات الله بشبهة عرضت لهم في ذلك وهو ظنهم أن ذلك ينافي تنزيه الله .فلهذه الشبهة في التأويل لا يكفر أعيانهم. فإن علي بن أبي طالب ﵁ لم يكفر الخوارج بل قال: إخواننا بغوا علينا، وقال لما قيل له إنهم كفار قال: من الكفر فروا، وقد وافقه الصحابة على ذلك فصار إجماعا١، وهذا مع ما ورد من الحديث الذي يصفهم بأنهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية. ومما يستدل لذلك أيضا أن قدامة بن مظعون ﵁ شهد عليه شهود بشرب الخمر، فقال له عمر: إني حادك، فقال: لو شربت كما يقولون، ما كان لكم أن تجلدوني, فقال عمر ﵁: لم؟ قال قدامة: قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا...﴾ [المائدة٩٣] الآية، قال عمر ﵁: أخطأت التأويل إن اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله عليك "٢. قال شيخ الإسلام: "إن عمر بن الخطاب اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا وإن أصروا على استحلالها قتلوا"٣. فقدامة ﵁ استحل الخمر لشبهة عرضت له فيما فعل, وذلك أنه ظن أن الخمر ليست محرمة على من كان تقيا وهذا فهمه من الآية التي استدل بها, حتى أبان له عمر ﵁ خطأه في الفهم فارتفعت بذلك شبهته. ومثله في ذلك ما وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم من الاقتتال الذي كانوا فيه متأولين لشبهة وقعت لهم. فعلى هذا إذا وقع الإنسان في أمر كفري،وهو متأول لشبهة عرضت له فلا يكفر حتى يبين له وترتفع شبهته. قال شيخ الإسلام عن علماء الجهمية: "ولهذا

стр. 187

كنت أقول للجهمية من الحلولية١،والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش،لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال. وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم, وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم مع قصور عن معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له"٢. هذا في التأويل لشبهة وقعت للمؤول منعته من قبول الحق ولا يلتحق بذلك من تستر بالتأويل وجحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة،كتأويل الملاحدة ما لا يمكن تأويله من الشرائع والمعاد الأخروي والجنة والنار، فهذا كفر لا شك فيه ومن وقع في ذلك فهو كافر خارج من الإسلام، وإنما الحديث هنا في الذي يقوم بشرائع الإسلام ولم يكن مقصده تكذيب الله ورسوله فيما تأوله مما يخالف الحق٣. ولا يعني عدم تكفير من هذا حاله أنه ليس مخطئا ولا يعني أنه غير مذنب، بل هو على خطر عظيم في بدعته، وذنبه في ذلك على قدر بعده عن الحق، وإعراضه عن وسائل معرفة الحق من الكتاب والسنة التي أمر المسلمون بالالتزام بهما والأخذ بمضمونهما والإعراض عما يخالفهما،ولهذا يذم أهل البدع والانحراف من الخوارج والجهمية والمعتزلة والقدرية والأشعرية وغيرهم. ٣ - الإكراه الإكراه على القول أو الفعل الكفري لا يكون كفرا على الصحيح لقول الله : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل١٠٦] .

стр. 188

فمن أكره على قول كفري من سب الله أو رسوله أو دينه أو نحو ذلك أو فعل كفري كالسجود لمخلوق أو نحوه فإنه لا يكفر بذلك. قال شيخ الإسلام: "وإما إذا أكره الرجل على ذلك -يعني السجود لمخلوق- بحيث لو لم يفعله لأفضى إلى ضربه أو حبسه أو أخذ ماله،الذي يستحقه من بيت المال ونحو ذلك من الضرر فإنه يجوز عند أكثر العلماء, فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح الفعل المحرم كشرب الخمر ونحوه وهو المشهور عن أحمد وغيره،ولكن عليه مع ذلك أن يكرهه بقلبه،ويحرص على الامتناع منه بحسب الإمكان، ومن علم منه الصدق أعانه الله تعالى. وقد يعافى ببركة صدقه من الأمر بذلك. وذهب طائفة إلى أنه لا يبيح إلا الأقوال دون الأفعال, ويروى ذلك عن ابن عباس, ونحوه قالوا: إنما التقية باللسان, وهي الرواية الأخرى عن أحمد"١. فمن هنا يتبين لنا أن تكفير المعين من الأشخاص لا يتم إلا بعد أن تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة وتنتفي الموانع المانعة من تكفيره، فعندها يحكم عليه بالكفر ويعامل بما يستحق ذلك وهذا كله احتياطات شرعية من أن يقصد المعين بهذا الحكم الخطير وهو لا يستحق ذلك أو ذاهل عنه. مسألة: موقف المسلم من الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله سبق أن بينا ضوابط التكفير لدى أهل السنة، وهي ضوابط عامة يدخل فيها الحاكم والمحكوم، والرئيس والمرؤوس، فمن كان من حكام المسلمين مسلماً فلا يجوز تكفيره بعينه إلا وفق الضوابط التي ذكرناها من تحقق الشروط وانتفاء الموانع. ومن كان منهم كافراً أصلياً فالواجب الحكم بكفره كأن يكون يهودياً أو نصرانياً أو من هو في حكمهم من الباطنيين ونحوهم. وكذلك القول فيهم فيما يتعلق فيما يتعاطونه من الحكم بغير ما أنزل الله

стр. 189

واستقدام قوانين اليهود والنصارى وإلزام المسلمين بالتحاكم إليها. فالقول فيه وفق الضوابط السابقة بأن من حكم بغير ما أنزل الله وذلك بالقوانين الوضعية ونحوها ويرى أنه يجوز له ذلك أو أنها أفضل من شرع الله أو أن شرع الله لا يصلح لهذا الزمان فهذا لا شك أنه كفر مخرج من الملة،وهذا حكم مطلق على من فعل ذلك بهذه النية،لكن الشخص المعين سواء كان الحاكم أو القاضي أو أحد أفراد الهيئة التشريعية أو نحو ذلك فإننا لا نحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة وتتضح له المحجة وتنتفي عنه الموانع من الجهل والإكراه والتأويل، فعندها يمكن الحكم بكفره. وما لم يكن كذلك فإننا لا نحكم بكفره، وهنا مسائل: أولاً: هل يجوز الخروج على الحكام إذا حكموا بغير ما أنزل الله؟ أما إذا لم نحكم بكفر الحاكم فلا يجوز الخروج عليه, قال النووي ﵀: وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ١. قال الطحاوي ﵀: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمرنا وإن جاروا ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يداً من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية وندعو لهم بالصلاح والمعافاة ٢. وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة بناءً على ما ورد من الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك منها رواية ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية" ٣. وعن عوف بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم"، فقالوا: يا رسول الله أفلا ننابذهم

стр. 190

عند ذلك؟ قال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة, ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة" ١. وحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وإن بغوا علينا وأن نقول الحق حيثما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم.٢ فهذه الأحاديث وغيرها كثير إنما أمر بها النبي ﷺ بالسمع والطاعة والصبر على أذى الأمير وفساده،كما فيها تحريم الخروج عليه لحدث أحدثه أو جرم ارتكبه، وما ذلك إلا لما في الخروج من المفاسد التي هي أعظم مما ارتكبه الأمير من الجرم من سفك الدماء وانتهاك الأعراض وانتهاب الأموال وذهاب قوة المسلمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي السلطان إلا وكان في خروجها من الفساد أعظم من الفساد الذي أزالته" ٣. ثانياً: إذا ارتكب الحاكم ما هو كفر فما الحكم؟ لقد أباح الرسول ﷺ الخروج على الحاكم إذا كان كافراً أو كفر بعد إسلامه كما ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي يرويه عبادة بن الصامت ﵁ قال: دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه, فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا،وعسرنا ويسرنا, وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلاأن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ٤. فهذا الحديث فيه دلالة صريحة على جواز الخروج على الحاكم, وإزالته في حالة كفره وتولية رجل مسلم. ولا شك أن هذا مشروط بالقدرة على ذلك من ناحية المكنة بأن يكون لدى

стр. 191

الإنسان القوة التي يغلب على ظنه بها الغلبة, أما إذا لم يكن لديه القوة التي يتمكن بها من ذلك فإنه لا يخرج،لأنه بخروجه يستعدي الحاكم بما معه من قوة عليه وعلى أهل دينه،فيكون ذلك سبباً في الهلاك والدمار بدون فائدة، وذلك لأن إزالة الحاكم الكافر هو من إزالة المنكر وإزالة المنكر منوطة بالقدرة والاستطاعة وأن لا يترتب على ذلك منكر أكبر منه فإن ذلك لا يجوز. فيجب عند ذلك الصبر عليه حتى يريح الله منه, أو يجد المسلمون القوة التي يزيلونه بها. ومما يدل على وجوب الصبر على الحاكم إذا كان كافراً وليس عند المسلمين قدرة يزيلونه بها أدلة عديدة منها: ١ - أن النبي ﷺ عاش في مكة بعد البعثة ثلاثة عشر عاماً أذاقه فيها المشركون ألوان العذاب،كما أذاقوا أصحابه أصنافاً من العذاب بل قتلوا بعض أصحابه وخرج آخرون منهم من بلادهم فراراً بدينهم، وكل ذلك ورسول الله ﷺ صابر محتسب حتى انتقل إلى المدينة وتكونت لديه القوة فعندها قاتل الكفرة. ٢ - قصة موسى مع الطاغية فرعون فإن موسى ﵇ بعد أن أظهر الآيات الدالة على نبوته أبى فرعون قبول ذلك بل توعد موسى ﵇ وقومه بما حكاه الله بقوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف١٢٧] فكان جواب موسى ﵇ وتوجيهه لقومه بالصبر قال : ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف١٢٨] . فبناءً على ذلك جعل الله لهم العاقبة بصبرهم على الأذى في الله قال : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف١٣٧] .

стр. 192

فهذه ظاهرة الدلالة على وجوب الصبر على الحاكم الكافر فليس للناس وسيلة إلا ذلك حتى يريحهم الله منه أو يقضي الله ما يشاء والعاقبة للمتقين. ٣ - قول النبي ﷺ : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ١فالحاكم الكافر وتصرفاته مع المسلمين من المنكر الذي يجب إزالته إلا أن إزالته مقترنة بالقدرة على ذلك والاستطاعة، فإذا لم يكن للإنسان قدرة فإنه غير مؤاخذ على ذلك ولا آثم،وكذلك لو ترتب على تغيير المنكر منكر أكبر منه فإنه لا يجوز تغييره،لأن المراد من تغيير المنكر تقليل الشر وتكثير الخير،فإذا أدى تغييره إلى زيادة المنكر وتكثير الشر وتقليل الخير فلا شك أن بعض الشر أهون من بعض فيتوقف المسلم عن ذلك،لأن الغاية من تغيير المنكر وهي تقليل الشر غير متحققة. ٤ - موقف الإمام أحمد ﵀ من الخليفة العباسي الواثق فبعد أن سجن وضرب وأخرج من السجن جاءه بعض فقهاء بغداد وشاوروه في عدم الرضا بخلافة الواثق والخروج عليه فنهاهم عن ذلك وقال لهم: "لا تخلعوا يداً من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين ولا تسفكوا دماءكم ولا دماء المسلمين معكم انظروا في عاقبة أمركم ولا تعجلوا" ٢. فالإمام أحمد ﵀ قد حذر أولئك الفقهاء مغبة ما عزموا عليه ونهاهم عن ذلك وأمرهم بالصبر إلا أنهم لم يستمعوا إلى قوله فأخذوا كلهم وقتلوا. وإن من نظر في حال المسلمين الماضين الذين خرجوا على الحكام كيف أنهم سفكوا دماءهم وأشاعوا الفتن والشر يدرك خطورة هذا الأمر، فالخوارج على كثرة خروجهم لم يحققوا لأنفسهم ما كانوا يقصدونه،وكذلك من ابتلي بالخروج من أهل السنة لم يدركوا ما قصدوا ولم يسلموا من القتل والتنكيل وسفك الدماء

стр. 193

وإشاعة الخوف والفتن،فهذا الحسين ﵁ خرج على يزيد فكاد بفعلته أن تستأصل شأفة أهل البيت،وخرج أهل المدينة على يزيد فأدى ذلك إلى قتلهم والقضاء على بقية الصحابة الذين في المدينة ولم يسلم منها إلا من اعتزلهم كابن عمر وزين العابدين علي بن الحسين ومحمد بن الحنفية وقلائل آخرين. ومحمد بن الأشعت خرج على الحجاج فقتل من جيشه وجيش الحجاج الآلاف من المسلمين ثم شرد هو ثم قتل طريداً, ولم يتوصل إلى ما قصد وهكذا سائر الحوادث من هذا الجنس. وما حدث في هذه العصور دليل وبرهان فما حدث للمسلمين في سوريا أو في مصر وفي الجزائر, وغيرها من سائر البلدان من سفك الدماء وإشاعة الخوف والفتن مما كان الناس منه في عافية، لولا تلك التصرفات الرعناء ممن لم يعرفوا حقيقة معتقد أهل السنة وما فيه من الرحمة في هذا الباب،وصدق الحسن البصري ﵀ حيث قال لما جاءه جماعة أيام يزيد ابن المهلب, فأمرهم الحسن أن يلزموا بيوتهم ويغلقوا عليهم أبوابهم، ثم قال: والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم, وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكلوا إليه, ووالله ما جاءوا بيوم خير قط, ثم تلا قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ ١. فلهذه الأمور كلها فإن الواجب على المسلمين إذا كان الحاكم كافراً وليس لهم القدرة التي يغلب على ظنهم بها الغلبة فإنهم لا يجوز لهم الخروج على ذلك الحاكم. وفي هذا المعنى جاء كلام مشايخنا الفضلاء منهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ حيث سئل عن الموقف من الحكام العصاة فأجاب بتحريم الخروج

стр. 194

عليهم وذكر الأدلة في ذلك, ثم قال: "فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم وشر كثير إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان،فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يجوز،أو كان الخروج يسبب شراً أكثر فليس لهم الخروج رعاية للمصالح العامة.والقاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو شر منه،بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه،وأما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين، فإذا كانت هذا الطائفة التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفراً بواحاً وعندها قدرة تزيله بها وتضع إماماً صالحاً طيباً من دون أن يترتب على هذا فساد كبير واختلال الأمن وظلم الناس واغتيال من لا يستحق الاغتيال،إلى غير هذا من الفساد العظيم فهذا لا يجوز بل يجب الصبر والسمع والطاعة في المعروف ومناصحة ولاة الأمر والدعوة لهم بالخير والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله وتكثير الخير.هذا هو الطريق السوي الذي يجب أن يسلك, لأن في ذلك مصالح للمسلمين عامة, ولأن في ذلك تقليل الشر وتكثير الخير،ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شر أكثر. نسأل الله للجميع التوفيق والهداية" ١. ومثله أجاب فضيلة الشيخ صالح الفوزان عن سؤال في كيفية التعامل مع الحاكم المسلم وغير المسلم.قال بعد أن أجاب عن التعامل مع الحاكم المسلم: "وأما التعامل مع الحاكم الكافر فهذا يختلف باختلاف الأحوال فإذا كان في المسلمين قوة وفيهم استطاعة لمقاتلته وتنحيته عن الحكم وإيجاد حاكم مسلم، فإنه يجب عليهم ذلك وهذا من الجهاد في سبيل الله, أما إذا كانوا لا يستطيعون إزالته فلا يجوز لهم أن يتحرشوا في الظلمة والكفرة،لأن هذا يعود على المسلمين بالضرر والإبادة والنبي ﷺ عاش في مكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة،

стр. 195

والولاية فيها للكفار ومعه من أسلم من أصحابه لم ينازلوا الكفار بل كانوا منهيين عن قتال الكفار في هذه الحقبة ولم يؤمروا بالقتال إلا بعدما هاجر النبي ﷺ وصار له دولة وجماعة يستطيع بهم أن يقاتل الكفار. هذا هو منهج الإسلام فإذا كان المسلمون تحت ولاية كافرة ولا يستطيعون إزالتها فإنهم يتمسكون بإسلامهم وبعقيدتهم, ولكن لا يخاطرون بأنفسهم ويغامرون في مجابهة الكفار لأن ذلك يعود عليهم بالإبادة والقضاء على الدعوة،أما إذا كانت لهم قوة يستطيعون بها الجهاد فإنهم يجاهدون في سبيل الله على الضوابط الشرعية المعروفة"١. فهذا فيه دلالة واضحة على المنهج الذي يجب أن يسلكه المسلم في مثل هذه الحالات. ومما أنصح به إخواني في هذا أن يعلموا أن الواجب عليهم تجاه إخوانهم المسلمين في دعوتهم وتوجيههم بعد العلم أمران: الأول: النصح وذلك أن يدعوا إلى الله نصيحة لإخوانهم رغبة في إيصال الخير لهم،واستفراغ الوسع في ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة. والثاني: القدرة, بمعنى أن تنصح لإخوانك وفق قدرتك التي أعطاك الله ﵎ سواءً قدرة مالية أو بدنية أو جاه أو علم, فتنطلق في دعوتك من القدرات المتاحة لك في العلم, وذلك في الخطب أو الإمامة أو التدريس أو التوجيه والتعليم في الإذاعة أو التلفاز أو نحو ذلك ما يمكنك به تبليغ دين الله والدعوة إليه بالفرص المتاحة لذلك، ولا يتعدى الإنسان ما هو في قدرته وطاقته فإن الله لا يسألك إلا عما مكنك فيه،كما لا يفعل الإنسان في هذا الباب - أعني في باب الدعوة - ما يعود على دعوته والمسلمين بشر يؤدي إلى قطع هذا العمل والإضرار به،بل يستعمل عقله وحكمته وينطلق من قدراته وإمكاناته, فبهذا يسلم وتسلم دعوته

стр. 196

خاصة في مثل هذه الأزمان ويؤدي للناس الحق الواجب عليه من تبليغ دين الله. وفي هذه الأزمان على الداعية أن يكون حذراً ويقظاً،لأن كثيراً من الدعاة أصلحهم الله قد أولعوا بالحكام فكفروهم وحملوا عليهم وألبوا الناس عليهم واجتهدوا في الخروج عليهم،كما أن الحكام تسلطوا على أولئك الدعاة بدوافع عديدة منها أنهم شعروا أنهم خطر ماحق على حكمهم ورئاستهم،فهذا كله أورث المسلمين شروراً عظيمة متواصلة خص بها أهل التدين وخاصة من الشباب بالنصيب الأوفى. وهذا شر وبلاء، فعلى الداعية أن يكون واعياً يقظاً لأن الدعوة إلى الخروج مبنية على التكفير فليحتاط لنفسه ولو توقف عن الجواب عن مثل هذه المسائل والإعراض عنها أقصد الأسئلة, مثل: ما حكم من حكم بغير ما أنزل الله؟ ما حكم من جعل الربا في بلاده؟ ما حكم الحاكم الفلاني؟ ونحو ذلك. فلو أعرض المسلم عن الجواب عن مثل هذه الأسئلة لما يترتب على الجواب عنها من فهمها الفهم الخاطئ من قبل الجهلة المتحمسين على غير علم،لكان إعراضه عن الجواب حكمة وتعقل،ويكون أثناء ذلك دافعاً للناس للاشتغال بإصلاح أنفسهم وأهليهم،فإن لهم في ذلك شغلاً كافياً عن الحكام وأمورهم مما ليس لهم في الحديث عنه مصلحة سوى إغراء السفهاء أو ملء قلوب المسلمين على الحكام وكرههم وبغضهم المؤدي إلى شر عظيم. والله نسأل أن يهدي المسلمين ويصلح شؤونهم وأحوالهم.

стр. 197

مناهج المخالفين في التكفير أولا: الخوارج ... مناهج المخالفين في التكفير ما سبق ذكره هو موقف أهل السنة من التكفير ويخالفهم في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والمرجئة والرافضة، وسنذكر مذهب كل فرقة من هؤلاء في هذا الموضوع. أولا: الخوارج الخوارج هم كل من كفر المسلمين وخرج على إمامهم. وقد ابتلي المسلمون بهذه الفتنة وهذه الفرقة في عصر مبكر من تاريخ المسلمين حيث كان أوائلهم ظهر في عهد عثمان ﵁، وهم الذين قتلوه رضوان الله عليه ثم خرجوا على علي ﵁ وقاتلهم وقتلهم إلا أنهم قتلوه غيلة بعد، ثم خرجوا على حكام المسلمين تباعا إلى أزماننا هذه، ويعتبر الخوارج من أشد بلايا المسلمين عبر تاريخهم الطويل حيث نشروا القتل والدمار في كل مكان وجدوا فيه, بل صاروا من أكبر العقبات في انتشار الإسلام وانطلاقه إلى أمم الأرض بسبب إشغالهم الدول الإسلامية والخلفاء واستنزافهم لطاقات الدول وجهودها ومجهودها. موقف الخوارج من التكفير: الخوارج يكفرون المسلمين بالذنوب فيرون أن من ارتكب كبيرة من الكبائر فقد كفر بذلك وخرج من الإسلام وهو في الآخرة مخلد في النار لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. ومنهم من يرى ذلك في الكبائر والصغائر ١.

стр. 198

وهم يغلون في هذا غلوا شديدا حتى قد يعدون ما ليس ذنب ذنباً، كما فعلوا مع عثمان ﵁ فكفروه بأمور أخذوها عليه وعلى ولاته هي في حقيقتها ليست ذنبا فضلا عن أن تكون كفرا، وكذلك فعلوا مع علي ﵁ فكفروه في مسألة التحكيم وخرجوا عليه مع أن الحق كان معه فيما فعل, وليس عليه فيما فعل ذنب فضلا عن أن يكون كفراً. ومنهم من يكفر من لا يخرج معهم ولا يكون في معسكرهم وهم يرون أن من كفروه فهو في النار خالدا مخلدا فيها أبدا١. والإباضية من الخوارج يسمون مرتكب الكبيرة كافر نعمة وكافر نفاق ويجرون عليه أحكام الموحدين في الدنيا أما في الآخرة فحكمه الخلود في نار جهنم لا يخرج منها أبداً ولا تقبل فيه شفاعة٢. واحتج الخوارج لقولهم بالتكفير بأدلة منها: قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن٢] ، فزعموا أن الله ذكر أن الناس فريقان كافر ومؤمن. واستدلوا أيضا بقوله : ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون١٠٢, ١٠٣] , فدل ذلك على أن كل من يدخل النار لا بد أن يكون كافرا ٣. وكذلك قوله – ﷺ "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٤ ونحوهما ويستدلون لذلك أيضا بأن الإيمان كل لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب

стр. 199

كله. وعندهم أن الإيمان قول واعتقاد وعمل فإذا نقص شيء من القول أو العمل انهدم الإيمان كله وبطل. الرد عليهم: ما سبق ذكره هو من أهم أدلتهم في تكفير أصحاب الذنوب. والرد عليهم من شقين: الشق الأول: أنه ثبت بالشرع أن الفاسق من أهل الإسلام لا يكفر وذلك بأدلة كثيرة منها: أولا: أدلة تدل على عدم تكفيره: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات٩] , فسماهم مؤمنين مع وجود القتال. وقال عن القاتل ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة١٧٨] فسمى القاتل أخا لولي المقتول, فهذا دليل على عدم تكفيره، كما أن الشارع لم يعامل مرتكب الذنوب معاملة الكافر حيث أوجب في شارب الخمر الجلد والتغريب وفي السارق القطع، وقد أقام النبي ﷺ هذه الحدود على من وقع منه شيء من تلك المنكرات ولو كانوا بذلك كفاراً لوجب قتلهم لردتهم. ثانياً: أدلة دلت على أنه في الآخرة تحت المشيئة, ومن دخل النار يخرج منها، فقد دلت الأدلة العديدة على أن مرتكب الكبيرة تحت المشيئة من ذلك قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء٤٨] . كما دلت الأدلة على أن من دخل النار من أهل الإيمان فإنه يخرج منها وقد سبق ذكر ذلك. فهذا كله يدل على عدم تكفير مرتكب الكبيرة.

стр. 200

الشق الثاني: بيان بطلان استدلالهم بما استدلوا به. الرد على استدلالهم بالآية الأولى، بأن يقال: إن الآية نصت على أن الناس صنفان مؤمنون وكفار، ومرتكب الكبيرة لا نعده من الكفار بل هو من المؤمنين وإن كان ناقص الإيمان فإنه لم يخرج عن دائرة الإيمان بما سبق ذكره من الأدلة. أما الآية الثانية، فإن من خفت موازينه بالكفر بدليل أن الله ﵎ ذكر في آخر الآية علة خفة موازينهم ودخولهم النار بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون١٠٥] , وأهل الكبائر ليسوا من المكذبين لآيات الله . أما الأحاديث الوارد فيها إطلاق لفظ الكفر على بعض الأعمال فليس المراد به الكفر المخرج من الملة وإنما هو كفر دون كفر، وقد سبق ذكر الدليل على أن الشارع أطلق مثل هذه الألفاظ على بعض الأعمال، ولم يقصد بها الكفر المخرج من الملة. أما قولهم: بأن الإيمان كل لا يتجزأ فإذا ذهب بعضه ذهب كله: فهذه حجة غير صحيحة لأن الإيمان مركب من أجزاء وشعب، وزوال الاسم في المركبات على وجهين: منها ما يكون التركيب شرطاً في إطلاق الاسم، مثل اسم العشرة, شرط في إطلاق الاسم على ما يتكون من عشرة أجزاء،إذا نقصت عن العشرة زال عنها اسم العشرة وصارت تسعة أو ثمانية. ومنها ما يكون التركيب ليس شرطا في إطلاق الاسم بل يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء، وأكثر المركبات من هذا النوع مثل المكيلات والموزونات فالحنطة وهي بعد النقص حنطة وكذلك التراب والماء لا يتغير اسمه بالنقص. واسم الإيمان من هذا النوع، فلا يلزم من زوال بعض شعبه زوال الاسم بالكلية وذلك مثل الصلاة والحج فإنه إذا نقص يعض أعمالها لا يلزم بطلانها وإنما

стр. 201

تكون ناقصة، ما لم يكن النقص أتى على ما يكون بقاء الاسم شرطا فيه مثل الركوع والسجود بالنسبة للصلاة فتبطل بذلك, وكذلك الإيمان يبطل لو كان النقص أتى على أصل من أصوله مثل الشهادتين أو أحد أركان الإيمان, وما لم يكن كذلك فإنه لا يزول الاسم به،وإنما يزول عنه اسم الكمال فيكون إيمانه ناقصا بارتكابه لشيء من المنهيات لكن لا يزول عنه اسم الإيمان١.

стр. 202

ثانيا: المعتزلة المعتزلة هم أصحاب الأصول الخمسة وهي: التوحيد: الذي هو عندهم نفي الصفات، والوعيد: الذي هو نفي القدر، والوعد والوعيد: ويقصدون به أن الله لا يغفر لمرتكب الكبيرة بل هو مخلد في النار، والمنزلة بين المنزلتين: وهو أن مرتكب الكبيرة لا يسمى في الدنيا مؤمنا ولا كافراً بل هو في منزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ويقصدون به الخروج على الحكام إذا جاروا وظلموا١. فالمعتزلة كما هو الأصل الرابع عندهم فإن مرتكب الكبيرة قد من الإسلام ولم يدخل في الكفر ويقولون هو في منزلة بين المنزلتين أي بين الإيمان والكفر، وفي الأصل الثالث عندهم, فإن مرتكب الكبيرة في الآخرة مخلد في النار لا يخرج منها أبدا، ويرون أن عذابه دون عذاب الكفار إلا أنه مخلد في النار مثله مثل الكفار وأول من ابتدع بدعة المنزلة بين المنزلتين واصل بن عطاء الغزال، الذي كان من ضمن حلقة الحسن البصري، فجاء سائل يسأل الحسن عن مرتكب الكبيرة فقبل أن يجيب الحسن أجاب واصل بن عطاء بأنه في منزلة بين المنزلتين، ثم اعتزل في ناحية المسجد يقرر ذلك فقال الحسن اعتزلنا واصل فسموا لذلك معتزلة. أما دعواهم في الحكم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار فقد أخذوا ذلك عن الخوارج. أدلة المعتزلة على دعواهم في مرتكب الكبيرة: استدل المعتزلة بالأدلة الدالة على أن الله مدح المؤمنين ووصفهم بالصفات الحسنة مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون١] ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس٢] ونحوها من الآيات.

стр. 203

ووصف الفاسقين بالصفات الدالة على ذمهم وعقوبتهم مثل قوله تعالى في قاطع الطريق ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة٣٣] ، وقوله عن السارق والسارقة ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٣٨] . كما استدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد" ١. وقالوا إن الرسول ﷺ نفي عنه اسم الإيمان. فهذا يدل على أنه خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر. الرد عليهم: من سمات المبتدعة عموما أنهم إذا استدلوا بشيء من النصوص على بدعتهم فتراهم يستدلون ببعض النصوص ويعرضون عن البعض الآخر الذي لا يتفق مع بدعتهم التي ابتدعوها من دون نظر للشرع وإنما لأهواء وآراء. والمعتزلة في استدلالهم الأول نظروا للنصوص التي ذمت الفساق وذكرت عذابهم ولم ينظروا إلى النصوص التي أدخلتهم في عداد المؤمنين مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات٩] ،وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة١٧٨] . وكذلك النصوص الدالة على إقامة أحكام الإسلام على الفاسق, وأن الشارع لم يوجب على من ارتكب شيئا من المنكرات أن يعاود إسلامه،ويجدده بناءً على خروجه منه. كما لم ينظروا إلى النصوص التي جعلت الفساق تحت المشيئة والنصوص التي دلت على خروج الموحدين من النار بما كان عندهم من إيمان مما يدل على أنهم لم يخرجوا من الإيمان بارتكابهم شيئا من المنكرات.

стр. 204

أما الآيات التي استدلوا بها: فإن ما ورد فيه مدح المؤمنين والثناء عليهم فهذا وصف أهل الكمال منهم. أما ما ورد فيه ذمهم فهذا وصفهم في حال نقص إيمانهم بالمعاصي ولا يعني ذلك خروجهم من الإيمان بذلك. أما استدلالهم بحديث أبي هريرة: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... " فللعلماء في ذلك عدة أجوبة من أظهرها: أن المراد أن الإيمان يرتفع عنه حال مقارفته المنكر فإذا تاب وأقلع رجع إليه إيمانه، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان كان عليه كالظلة فإذا انقطع رجع إليه الإيمان" ١، وبهذا قال أبو هريرة ﵁ كما روى الآجري أنه قال: "الإيمان نَزِهْ فمن زنا فارقه الإيمان فإن لام نفسه وراجع رجع إليه الإيمان "٢، وبهذا قال أيضا ابن عباس ﵁ وعطاء وطاووس والحسن وهو قول الإمام أحمد. ولا يعني هذا القول أن مفارقة الإيمان له خروجه من الإسلام لأن جل العلماء يرون أن الإيمان مرتبة أعلى من الإسلام فلو خرج من الإيمان فهو يخرج إلى الإسلام ولا يخرج من الإسلام إلا بأمر كفري. وقول آخر: أن الإيمان المنفي هنا هو الإيمان الكامل، وهو الكمال الواجب الذي يعاقب على تركه صاحبه لأن الكمال نوعان: كمال واجب وهو سائر ما أوجب الله على العباد، ويدخل فيه الانتهاء عما نهى الله ﵎ عنه. وكمال مستحب: وهو سائر ما رغب الله ﵎ به من الفضائل والأعمال الصالحة. وذلك زيادة على القيام بالواجب والانتهاء عن المحرم.

стр. 205

فنقص الكمال الواجب يعرض الإنسان للعقوبة،أما نقص الكمال المستحب فلا يعرض الإنسان للعقوبة وإنما هو أنقص من غيره ممن أتى بذلك. والعرب قد تنفي الشيء إذا كان غير متقن، ويقصدون بذلك عدم إتقانه وعدم كماله وعدم الإتيان به على الوجه المطلوب, كقولهم لمن صنع شيئاً ولم يتقنه: أنت لم تصنع شيئاً، ويقصدون نفي تجويده وإتقانه وكمن يرى ابنا يعق أباه يقال عنه: هذا ليس بولد له, وهم يعلمون أنه من صلبه. أو كمن يرى طالباً يأت من الأخلاق ما لا يليق بالطلاب فيقال هذا ليس طالباً، وإنما المراد من كل ذلك نفي كمال الشيء وإتقانه وحقيقة أخلاقه. فكذلك الإيمان المنفي في هذا الحديث وغيره من الأحاديث مثل: "لا إيمان لمن لا أمانة له" ١, وحديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٢، ونحوها إنما هي على نفي كمال الإيمان٣ والله أعلم.

стр. 206

ثالثا: موقف المرجئة من التكفير، والرد عليهم: المرجئة كما سبق بيانه عرفوا الإيمان: بأنه التصديق أو القول أو القول مع التصديق أو المعرفة. فبناءً عليه حصروا الكفر في الجهل والتكذيب. قال الباقلاني في تعريف الكفر هو: ضد الإيمان وهو الجهل بالله والتكذيب به الساتر لقلب الإنسان عن العلم به١.

стр. 207

وقال النسفي: الكفر هو التكذيب والجحود وهما يكونان في القلب١. وهذا القول منهم مبني على قولهم في الإيمان، وقد سبق بيان بطلان قولهم في الإيمان. وأن الأدلة الشرعية دلت على أن الإيمان: قول واعتقاد وعمل, يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, وعلى ذلك إجماع السلف. أما قولهم في التكفير فيكفي في نقضه الإجماع على أن من سبَّ الله ورسوله فهو كافر بهذا السب، وكذلك من استهزأ بالله ورسوله ﷺ فهو كافر بذلك كما قال الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة٦٥, ٦٦] ، فدل ذلك على أن الاستهزاء مجرداً وكذلك السب وهو أكبر منه كفر مخرج من الملة. كما أن من أبغض شرع الله أو أعرض عنه وكذلك السحر كل هذا مما هو كفر بالله. كما دلت الأدلة السابقة في نواقض الإيمان وإن لم تكن هذه الأفعال تكذيباً ولا يظهر منها ذلك. ٢

стр. 208

رابعا: الرافضة الرافضة من الشيعة الذين يغلون في حب علي وآل بيته ويقدمونهم على سائر الصحابة ويعتقدون الإمامة في اثنى عشر إماما من أولاد علي ويطعنون الصحابة الكرام ويكفرونهم. والرافضة كما هو معلوم فرقة من شر أهل البدع وأسفههم مقالا، فلا عقل لهم يعتمدون عليه ولا شرع،حيث يزعمون الإمامة لإثنى عشر رجلا من آل البيت لم يتول منهم الإمامة فعلا إلا علي ﵁, والحسن مدة ستة أشهر ثم تركها وتنازل عنها، يزعمون عصمة أولئك الأئمة وأنهم مشرعون ويوحى إليهم إلى غير ذلك من ترهاتهم وأكاذيبهم.

стр. 209

ويطعنون في القرآن ويردون السنة كلها ويبغضون أصحاب رسول الله ﷺ وزوجاته وسائر أئمة الدين، ولهم بدع ومقالات لا تكاد تلتقي مع المسلمين، وهم في توحيد الألوهية مشركون يعبدون القبور ويدعون أصحابها ويستغيثون بهم ويطوفون بقبورهم.١ وهم في الصفات والقدر مثل المعتزلة ينفون الصفات وينفون القدر.٢ قولهم في التكفير: الرافضة ابتدعوا بدعا كثيرة افتروها ثم جعلوها أصولا يوالون عليها ويعادون، ويشهدون وفقها بالإيمان أو يكفرون،ومن أخطر بدعهم ما يسمونه بالإمامة. وهي اعتقادهم بأن الأئمة هم علي ثم الحسن ثم الحسين إلى اثنى عشر إماما من ذرية الحسين. وقد غلو في هؤلاء الأئمة غلوا شديدا فتجاوزوا بهم مقام النبوة فزعموا أنهم معصومون وأنهم يوحى إليهم، ويشرعون ويعلمون الغيب وما كان وما سيكون وأنهم أفضل من جميع الأنبياء ما عدا النبي محمد ﷺ وليس عندهم فرق بين النبي والإمام إلا من ناحية المسمى فقط, وبعضهم يقول: إن الإمام لم يسم نبيا مراعاة لموضوع ختم النبوة بل يجعلونهم هم الوسائط بينهم وبين الله فيطلبون منهم ما يطلبون من الله من تفريج الهموم وكشف الغموم ورفع الكربات ودفع البليات، وزعموا أن الإمامة وصية من الله ورسوله، بل هي منصب إلهي كالنبوة. يقول محمد حسين الكاشف الغطاء في كتابه أصل الشيعة وأصولها: "الشيعة زادوا ركنا سادسا وهو الاعتقاد بالإمامة يعني: يعتقدون أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة, فكما أن الله يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة ويؤيده بالمعجزة

стр. 210

التي هي كنص من الله عليه, فكذلك يختار للإمامة من يشاء،ويأمر نبيه بالنص عليه وأن ينصبه إماما للناس من بعده للقيام بالوظائف التي كان على النبي أن يقوم بها"١. فجعلوا الإمامة أصلا من أصول الدين الذي لا يصح الإسلام إلا به بل يجعلونه أعظم أصول الدين وفي هذا يروون عن أبي جعفر الباقر أنه قال: بني الإسلام على خمس على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية"٢ وفي رواية أخرى للكليني عن جعفر الصادق أنه قال: "أثافي الإسلام ثلاثة الصلاة والزكاة والولاية ولا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتها".٣ وعن زرارة عن أبي جعفر أنه قال: بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: قلت وأي دلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل.٤ فهذه الافتراءات التي افتروها في موضوع الإمامة جعلت نظرتهم للناس من ناحية الإيمان والكفر مبنية على هذه المقالة المكذوبة، فلذا زعموا كفر كل من أنكر ذلك وخلوده في النار. قال الشيخ المفيد من الرافضة: "اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار"٥

стр. 211

وقال ابن بابويه الفخر: واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء ثم أنكر بنبوة محمد ﷺ "١ بل زادوا بالتبرؤ من الإله الذي خليفة نبيه هو أبو بكر ﵁ وفي هذا يقول نعمة الله الجزائري: لم نجتمع معهم على إله ولا نبي ولا على إمام, وذلك أنهم يقولون إن ربهم هو الذي كان محمد ﷺ نبيه وخليفته من بعده أبو بكر ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا" ٢. ويروون عن الصادق قوله: من شك في كفر أعدائنا والظالمين فهو كافر. وقالوا: واعتقادنا في البراءة أنها من الأوثان الأربعة والإناث الأربع ومن جميع أشياعهم وأتباعهم وأنهم شر خلق الله ولا يتم الإقرار بالله وبرسوله والأئمة إلا بالبراءة من أعدائهم.٣ومرادهم بالأوثان الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية٤ ﵃ وأرضاهم والإناث الأربع هن عائشة وحفصة ﵄ وكذلك هند بنت عتبة أم معاوية ﵁ وأم الحكم أخته ٥. هذا موقف الرافضة من أمة محمد ﷺ من لدن الصحابة إلى آخر رجل أو امرأة في هذه الأمة ممن لا يؤمن بخرافاتهم وأساطيرهم،فهم بين غلو وكذب وافتراء

стр. 212

في دين الله بادعاء الإمامة وما يتبعها من غلو وانحراف،وبين ظلم واعتداء وبغي بتكفير الأمة وساداتها والطعن فيهم ولعنهم وليس من سبب إلا أنهم لم يؤمنوا بأكاذيبهم وسخافاتهم. الرد عليهم: الرد على الروافض في هذا من شقين: الشق الأول: في إبطال دعوى الإمامة وأنها من أصول الدين. الشق الثاني: في إبطال تكفير منكرها. أما الشق الأول فهو الرد على دعوى الإمامة أنها أصل من أصول الدين،فهو قول باطل من عدة أوجه: أولا: أنه كيف يمكن أن يكون أصلا من أصول الإسلام ولم يرد في القرآن الكريم له ذكر كما لم يرد في السنة الصحيحة عن النبي ﷺ له ذكر وقد عد ﵊ في أحاديث كثيرة أركان الإيمان والإسلام ولم يذكر من ضمنها الولاية أو الإمامة فيما يزعمون. ثانيا: أن الإمامة كما يزعمون منصب إلهي مثل النبوة فكان يجب التنصيص عليها في القرآن الكريم كما ينص على الأنبياء ﵈. ثالثا: إن من نظر في أركان الإسلام يجدها عبادات محضة لله , أما الإمامة التي يزعمون فهي منصب دنيوي وليس ديني وتعلقها بالدين من ناحية أنها تتضمن حماية الدين والدفاع عنه وإقامة الحدود والعدل بين الناس وهي في هذا مثل قائد الجند الذي يطبق على جنوده أوامر رؤسائه، فالإمامة وسيلة لإقامة الدين وليست من أصل الدين في شيء. رابعا: أن الوصاية لعلي والإمامة له بالكيفية التي يدعيها الروافض أو ل من ادعاها في الإسلام عبد الله بن سبأ اليهودي حيث كان يشيع: إنه كان لكل نبي

стр. 213

وصي وإن عليا وصي محمد ﷺ ومحمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء.١ فتلقفها عنه الحاقدون على الإسلام من أصحاب الملل فنشروها وأشاعوها بين المسلمين، وكل من عرف تاريخ علي ﵁ وسيرته يتيقن أنه ما كان يعتقد أنه وصيا ولا إماما ولا شيعيا كما يدعيه الرافضة بل روي عنه ﵁ أنه قام خطيبا على منبر الكوفة لما علم بقوم من أهل الكوفة يتناولون أبا بكر وعمر ﵄ وينتقصونهما فقام خطيبا فأثنى على أبي بكر وعمر وذكر جميل خصالهما ثم قالِ: فمن أحبني فليحبهما ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت في هذا أشد العقوبة، ألا فمن أوتيت به يقول بعد هذا اليوم فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر ﵄".٢ بل ثبت في البخاري أن محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية قال: قلت لأبي يعنى عليا: أي الناس خير بعد رسوله الله ﷺ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت، قال: ما أنا إ لا رجل من المسلمين".٣ فهذا قول علي ﵁ في نفسه ومذهبه في الخلفاء قبله وفيه دلالة على كذب الروافض. خامسا: أن الإمامة التي يزعمون هي دعوى وهمية خرافية حيث لم يتول الإمامة من أئمتهم سوى علي بعد ثلاثة خلفاء ثم الحسن بن علي لمدة ستة أشهر ثم تنازل

стр. 214

عنها أما من عداهم فلم يتول أحد منهم شيئا من أمور الدنيا فضلا عن الإمامة الكبرى، فتكون دعواهم في الإمامة من باب الكذب والتخرص فقط. سادسا: أن عليا تولى باختيار المسلمين له،ليس بنص ولا بطلب منه وكذلك الحسن ولاه المسلمون الذين كانوا مع أبيه في العراق بعد مقتل علي ﵁ ليس بنص ولا طلب منه، ثم تنازل عنها،فلو كان فيها نص لما احتاج الأمر إلى اختيار المسلمين ولا جاز للحسن التنازل عنها. وهذا من أقوى الأدلة عليهم لأنه لو كان إماما من قبل الله لما جاز له التنازل كما لا يجوز لنبي أن يتنازل عن النبوة التي كلف بها. سابعا: أن الروافض يزعمون الإمامة لاثنى عشر رجلا من آل البيت. ومن قرأ في كتب الروافض يراهم يختلفون عند موت كل واحد من أولئك إلى فرق كثيرة كل جماعة منهم تقول بإمامة من يهوون وهذا يدل على كذب ما يزعمونه من النص على أئمتهم. ثامنا: إن الأدلة الدالة على استحقاق أبي بكر للخلافة بعد رسوله الله ﷺ ظاهرة واضحة – وليس هذا مكان استقصائها – وإنما يكفي أن يذكر دليل واحد وهو استخلاف النبي ﷺ لأبي بكر للإمامة في الصلاة في مرضه الذي مات فيه فبل موته ﵊, وهو كاف في الدلالة، لأن الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ولو كان عليا كما يزعم الروافض هو وصي رسوله الله ﷺ لجعله إمام المسلمين في حياته فلما لم يجعله كذلك دل على كذب الروافض في دعواهم الإمامة وأن المستحق للخلافة هو أبو بكر ﵁. تاسعا: إن كل ما يدعيه الروافض من الأدلة في استحقاق علي للإمامة إما أدلة عامة ليس لهم فيها دليل مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة٥٥]

стр. 215

وإما أدلة فيها فضيلة لعلي ﵁ وليس فيها دلالة على الخلافة وذلك مثل قول النبي ﷺ : "من كنت مولاه فعلي مولاه" ١ فليس معناها إلا أنه من كنت محبوبه وواجب عليه نصرتي فعلي محبوبه وواجب عليه نصرته. وهو من جنس قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة٧١] لأن الولي في اللغة هو الناصر والمحب. ومثلها حديث: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي".٢ فهذا فيه بيان أن يكون علي بمنزلة هارون لما استخلفه موسى على أهله وبني إسرائيل فعلي كذلك لأن هذا القول قاله النبي ﷺ لما استخلف عليا على المدينة في غزوة تبوك ولم يكن في المدينة إلا النساء والصبيان فخرج علي يبكي قال تخلفني على النساء والصبيان فطيب خاطره النبي ﷺ بذلك، فهذه فضيلة له وليس فيها دلالة على الإمامة المزعومة. أما الرد عليهم في تكفير منكر الإمامة فمن عدة أوجه: ١ – أن الله كفر منكر نبوة أحد من الأنبياء ولم يرد دليل على كفر من أنكر الإمامة. ٢ - أن تكفير منكر الإمامة اعتداء وبغي،إذ ليس في القرآن ولا في السنة النص على إمامة علي ﵁ فضلا عن أحد من أهل بيته وأبنائه فمن أنكرها فهو منكر لشيء لم يرد في الشرع له دليل صريح.
следующие страницы →