فنجد أن الله حد الحدود في الزاني البكر الجلد، وفي الثيب الرجم، وفي شارب الخمر الجلد، وفي السارق القطع. والنبي ﷺ نفذ هذه الحدود فيمن ارتكب شيئاً من المنهيات، ولم يقتل إلا من كان حده القتل، وكذلك فعل أصحابه رضوان الله عليهم. فهذا دليل واضح على أنه لا يخرج من الإسلام ولا يكفر.
٢أن الله جل وعلا قد أثبت الإيمان لبعض العصاة في مثل قوله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات٩] .
فوصفهم بالإيمان في حال القتال، وهذا يدل على أنهم لا يخرجون بذلك من الدين. وكذلك قال ﷺ في كلامه عن الحسن بن علي ﵁: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".١
فوصفهم بالإسلام مع وقوع القتال بينهم، مما يدل على عدم خروجهم من الإسلام.
٣أنهم في الآخرة تحت المشيئة داخلون تحت عموم قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء٤٨] .
كما ثبت في أحاديث كثيرة خروج أناس كثير من العصاة من النار، كما أن أحاديث الشفاعة تدل على أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، فلو كان مرتكبو الكبائر كفاراً كفراً أكبر لكانوا من الخالدين في النار، وفي هذا كفاية ومقنع لمن هداه الله.
وقبل أن نختم الكلام في هذه المسألة نشير إلى أمر مهم اشترك فيه سائر المخالفين للسلف في الإيمان وهو:
أنهم زعموا أن الإيمان كل لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله.
стр. 72
فالمرجئة زعموا أن الإيمان شيء واحد وهو التصديق أو القول والتصديق أو القول، وهذا عندهم شيء واحد لا يتجزأ، فلو زال بعضه لزال كله، فلو زال بعض الإيمان وهو التصديق لصار شكاً وذلك كفر.
وكذلك قال المعتزلة والخوارج أن الإيمان كل لا يتجزأ فهو قول واعتقاد وعمل، ولو زال جزء منه سواء من القول أو الاعتقاد أو العمل زال المسمى كله فلا يسمى إيماناً، وإنما يسمى كفراً، كما هو عند الخوارج،أو منزلة بين المنزلتين كما هو عند المعتزلة.
والحق خلاف قولهم جميعا، فإن الإيمان مركب من ثلاثة أشياء، وهو القول والاعتقاد والعمل، وزوال جزء منه لا يزيل مسماه ما لم يكن في ذلك الجزء هو الأصل الذي يبنى عليه الدين كله. وذلك مثل الشجرة فإنها مكونة من جذور وساق وأغصان أوراق فلو زال جزء من الأغصان أو الأوراق فإنها تبقى على اسمها ولا يزول عنها الاسم بزوال الجزء، ولكنها توصف بالنقص.
وكذلك سائر المركبات من المكيلات والموزونات لو زال منها جزء فإنها لا تفقد مسماها، وإنما تفقد كمالها، فكذلك الإيمان زوال جزء منه لا يزيل مسماه، وإنما يزيل عنه وصف الكمال فقط ١. والله أعلم.
стр. 73
منهج السلف الصالح في التوحيد
اولا: توحيد الربوبية
...
منهج السلف الصالح في التوحيد
التوحيد: مصدر وحد يوحد توحيدا فهو موحد، والواحد والأحديدور معناه على الانفراد.
وشرعاً: هو اعتقاد أن الله تعالى واحد في ذاته وواحد في ريوبيته وواحد في صفاته لا مثيل له وواحد في ألوهيته وعبادته لا شريك له.
فهذا التعريف تضمن اعتقاد وحدانية الله من جميع الوجوه فهو واحد في ذاته لا ولد له ولا والد، وليس ثلاثة كما يدعي النصارى، تعالى الله عن ذلك كما يبطل دعوى من زعم وحدة الوجود، وأن الله هو هذا الكون من حولنا متوزع في ذراته تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وهو سبحانه واحد في ربوبيته لا معاون له ولا ظهير ولا مساند ولا معين لا في الخلق ولا في التدبير.
وهو سبحانه واحد في صفاته لا مثيل له في شيء من صفاته فهو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
كما يتضمن التعريف وجوب إخلاص العبادة له وحده لا شريك له، إذ لا معبود بحق سواه.
أنواع التوحيد الثلاثة:
يصرح السلف ﵏ بأن الواجب على العباد إخلاص التوحيد لله تعالى، والتوحيد عندهم ثلاثة أنواع، هي:
أولا: توحيد الربوبية.
هو توحيد الله بأفعاله مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير ونحوها مما هو من خصائص الربوبية.
стр. 74
وهذا النوع من التوحيد، وهو الإقرار بربوبية الله جملة وأنه الخالق والرازق ليس فيه كبير خلاف بين بني البشر، فقد ذكر الله تعالى إقرار المشركين بذلك. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت ٦١] وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت٦٣] وقال ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون٨٤ – ٨٩] وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل٦٠ – ٦٤] .
فهذه الآيات وغيرها كثير تقرر أن المشركين الذين قاتلهم النبي ﷺ كانوا يقرون بربوبية الله تعالى ولكنهم يكفرون بالألوهية.
قال ابن جرير في تفسيره لآية العنكبوت: "ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من خلق السموات والأرض فسواهن ... ليقولن الذي خلق ذلك وفعله الله فأنى يؤفكون يقول جل ثناؤه، فأنى يصرفون عمن صنع ذلك فيعدلون عن إخلاص العبادة له".١
وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف١٠٦] قال: "من إيمانهم إذا قيل
стр. 75
لهم من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا الله وهم مشركون.
وروى نحوه عن عكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء وابن زيد، ونذكر رواية ابن زيد لما فيها من التفصيل حيث جاء فيها أنه قال: "ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله يعرف أن الله ربه وأن الله خالقه ورازقه وهو يشرك به ألا ترى كيف قال إبراهيم "أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين" قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون قال فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، المشركون كانوا يقولون هذا".
وقال ابن جرير مفسرا للآية السابقة: "وما يقر أكثر هؤلاء الذين وصف صفتهم.....بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام واتخاذهم من دونه أربابا وزعمهم أن له ولدا تعالى الله عما يقولون"١
كما روى ابن جرير في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت٦٥] عن قتادة أنه قال:"فالخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك".٢
فهذه النصوص تثبت أن المشركين كانوا يقرون بالربوبية لله ولكنهم يشركون في العبادة والألوهية وهذا ما كانوا أنكروه على النبي ﷺ كما ذكر الله في قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص٥] وهو الذي استنكره أيضا المشركون قبل مشركي مكة، كما
стр. 76
ذكر الله تعالى عن قوم هود أنهم قالوا له ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِين﴾ [الأعراف٧٠] .
وهذا أمر معلوم ظاهر لكل من نظر إلى النصوص الشرعية،أدرك أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون الله ويقرون له بالربوبية يقرون له بأمور أكثر من الخلق والرزق كما قال زهير بن أبي سلمى:
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما تكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينتقم١
وكما قال عنترة:
يا عبل أنى من المنية مهرب ... إن كان ربي في السماء قضاها٢
بل كانوا يعبدونه بأنواع من العبادة كالحج والدعاء والاستغاثة به في حال الشدائد إلا أنهم كانوا يشركون معه آلهتهم ويزعمون أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده، قال جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر٣] .
أدلة توحيد الربوبية:
إن الأدلة على توحيد الربوبية ظاهرة واضحة وكثيرة عديدة، نذكر منها:
أولاً: دليل الفطرة:
الفطرة لغة: هي الخلقة. ٣
والمراد بدليل الفطرة أن الله تعالى خلق العباد مفطورين على الإقرار به، واعتقاد أنه خالقهم وربهم. وهذا هو المروي عن كثير من السلف، فقد روى ابن جرير الطبري
стр. 77
بسنده أن عمر ﵁ مر بمعاذ بن جبل فقال: "ما قوام هذا الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص، وهو الفطرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم٣٠] ، والصلاة: وهي الملة، والطاعة: وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.
وروى عن مجاهد أنه قال: فطرة الله الإسلام ". ١ وهو قول أكثر السلف.٢ وقد دل على ذلك أدلة عديدة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف١٧٢] .
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ مرفوعا قال: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان –يعني عرفه- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا قال: "ألست بربكم"قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين".٣
وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء".٤
وحديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به
стр. 78
سلطانا ... " ١ الحديث.
فهذه الأدلة تدل على أن الخلق مفطورون على الإقرار بالخالق وأنه ربهم وخالقهم وأنهم تتغير فطرهم تلك بما يحرفهم إليه آباؤهم من اليهودية والنصرانية وغيرهما.
ثانياً: دليل الآيات
المراد بدليل الآيات، هي العلامات الدالة على ربوبية الله تعالى، وهي كثيرة:
١ - الآيات الكونية: وهي جميع ما يحيط بالإنسان ويصل إليه بنظره وفكره من مخلوقات الله، كالسماء والأرض والشجر والجبال والدواب والبحار والإنسان ففي كل ذلك آيات باهرات واضحات على ربوبية الله تعالى.
وقد لفت الله تعالى نظر الإنسان إلى ذلك. قال عز من قائل ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران١٩٠] ، و ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات٢٠.
ولما سأل فرعون موسى ﵇ عن رب العالمين، أجابه موسى ﵇ بما يقطع حجته ويفضح كذبه. قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء ٢٣ – ٢٦] .
فهذه آيات ظاهرة ألجمت إمام الملاحدة وأخرسته وأظهرت خزيه وفجوره.
والآيات الكونية ظاهرة لكل إنسان لا تحتاج إلى كبير عناء في إدراك أن لها موجداً أوجدها له كل صفات الكمال والجلال، وقد حدد الله تعالى وحصر الأوجه
стр. 79
الممكنة في إيجاد الخلق وذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور ٣٥] .
فلا يخرج الأمر عن واحد من هذه الثلاثة، إما أن تكون الأشياء مخلوقة هكذا صدفة بدون موجد وخالق، وذلك باطل ببديهة العقول، وإما أن يكون الإنسان أوجد نفسه وأوجد غيره، وهذا باطل يعلمه كل إنسان من نفسه ويتيقنه. فإذا لم يكن واحداً من هذين فلا يبقى إلا الأمر الثالث، وهو أن لها خالقاً وهو الله تعالى الذي أوجدها ودبرها وهو المتصرف وحده فيها.
٢ - الآيات التي أظهرها الله تعالى على أيدي أنبيائه.
الآيات والمعجزات التي أجراها الله تعالى على أيدي أنبيائه، هي دلائل عظيمة دالة على ربوبية الله وألوهيته،وصدق أنبيائه تعالى فيما دعوا إليه أقوامهم من التوحيد وقد سماها الله تعالى آيات.قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة ٢١١] .وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرائيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً، قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء ١٠١ – ١٠٢] .
قال ابن القيم ﵀: "وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله، وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله آيات بينات". ١
стр. 80
٣ - الآيات المتلوة.
المراد بالآيات المتلوة كلام الله المنزل على أنبيائه، ومن أعظم ذلك القرآن الكريم، فهو آية مستقلة كافية من جميع الوجوه في الدلالة على الخالق ﵎ أصرح دلالة وأوضحها وأصدقها وأكملها. قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ، وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت ٤٩ – ٥١] .
فمن رام إثبات وجود الخالق ﵎ وربوبيته وألوهيته من خلال النص على ذلك فهو متوفر في القرآن، ومن رام إثبات ذلك من خلال إعجاز النص المنزل فذلك متوفر، فيكون من جنس آيات الأنبياء المحسوسة، بل هو أعظمها. وقد قال ﵊: "ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما أمن على مثله البشر وأوتيت روحاً فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة".١
ومن هذه الناحية الأخيرة فإن كل إنسان يستطيع أن يجد في القرآن الدلالة على أن القرآن تنزيل من حكيم حميد،فالعالم بالتاريخ أو الجغرافيا أو الأحياء أو الطب أو الفلك أو غير ذلك من العلوم لو نظروا في القرآن لوجدوا فيه الآيات البينات التي ترشدهم إلى أنه حق نزل بالحق،ويدعوا إلى الحق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت ٥٣] .
стр. 81
ولأهمية هذا النوع من التوحيد إذ يرتبط به الغاية التي من أجلها خلق الإنسان وهي عبادة الله جعله الله سبحانه مستقرا في الفطر،وجعل الإقرار به بين بني البشر عاما كما جعل دلائله من أوضح الدلائل والبراهين حتى تقوم الحجة على الإنسان بأكمل صورها وأوضح مبانيها. وهذا من عظيم لطف الله بخلقه ورحمته بهم، إذ علق نجاتهم وفلاحهم على مطلب دليله مستقر في فطرهم ودلائله غير ذلك من أوضح الدلائل والبراهين بل هي في كل شيء، كما قيل:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد١
ولذا نجد أن الله قد استدل في القرآن الكريم بآيات ربوبيته على ألوهيته واستحقاقه للعبادة دون ما سواه،وهذا ظاهر في الآيات السابقة من سورة يونس والنمل والعنكبوت والروم وغيرها.
стр. 82
النوع الثاني: توحيد الألوهية
وهو: توحيد الله بأفعال العباد، أو هو: إفراد الله بالعبادة لا شريك له، وهذا النوع من التوحيد هو الذي خلق الله الإنسان من أجله، قال جل وعلا ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات٥٦] قال ابن عباس: "إلا ليوحدون" وهو الذي بعثت الرسل في الدعوة إليه وتقريره. قال جل وعلا ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء٢٥] .
وهو الذي وقعت الخصومة فيه بين الرسل ﵈ وأقوامهم، قال جل وعلا عن نوح ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا
стр. 83
اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون٢٣] . وهكذا قال هود وصالح ولوط وشعيب وهكذا سائر الأنبياء ﵈ إلى آخرهم نبينا محمد ﷺ .
وهو أول أمر في القرآن الكريم. قال جلا وعلا في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [.البقرة٢١]
وهو الذي أباح الله بسبب إنكاره دماء الكفار كما قال ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" ١
وأهمية هذا النوع من التوحيد وخطورته تتضح وضوحا بينا بخطورة الوقوع في ضده وهو الشرك في العبادة حيث هو- نسأل الله العافية -الموجب لغضب الرب وانتقامه وعذابه السرمدي الذي لا نهاية له في نار جهنم لمن مات على ذلك ولم يتب. قال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . [المائدة٧٢]
وهذا النوع من التوحيد هو معنى لا إله إلا الله إذ معناها لا معبود بحق إلا الله .
وهو توحيد العبادة الذي يعني إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.
والعبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع،ومنه طريق معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطء٢.
стр. 84
والعبادة في الشرع: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. أو هي عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.
وفي هذا يدخل جميع أنواع الطاعات الباطنة بالقلب والظاهرة على الجوارح. فمن صرف شيئا منها لغير الله فقد أشرك. ومن أهم أنواع العبادة الصلاة والزكاة والصيام والحج والدعاء والخوف والرجاء والتوكل والنذر والاستغاثة والاستعانة.
شرطا قبول العبادة:
لقبول العبادة شرطان: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا بد في عبادته من أصلين: أحدهما: إخلاص الدين لله. والثاني موافقة أمر الله الذي بعث به رسله" ١.
والمراد بالإخلاص: أن يكون العمل مرادا به وجه الله .
أما موافقة أمره الذي بعث به رسله: فهو أن لا يعبد الله إلا بما شرع".
قال الفضيل بن عياض في قوله : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود٧]
قال: "أخلصه وأصوبه"، قيل يا أبا علي: "ما أخلصه وأصوبه؟ " قال: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل
стр. 85
حتى يكون خالصا صوابا، والخالص إذا كان لله والصواب إذا كان على السنة". ١
فهذان الشرطان هما معنى شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله. ولأهميتهما نبين شيئاً مما يتعلق بهما:
أولاً: الإخلاص:-
الإخلاص في اللغة: تنقية الشيء مما يشوبه،وكل شيء خالص فهو منقىمن الشوائب.٢
والإخلاص في العبادة: هو أن يقصد بها وجه الله ، فلا يشرك معه غيره، لا شركاً أكبر ولا أصغر، كالرياء ونحوه.
والأدلة الشرعية على هذا الشرط كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة ٥] . ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر٢] ، ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر١١] ، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [الزمر٢, ١١, ١٤] ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف٩] ، وقال ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر١٤] ، وقال ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر٦٥] .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو من نفسه".٣
وضد الإخلاص الشرك.
стр. 86
والشرك نوعان: أكبر وأصغر.
أما الأكبر: فهو صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى من شجر أو حجر أو ملك أو نبي أو أي كائنا من كان، فمن دعا غير الله أو استغاث به أو رجاه أو ذبح أو نذر له أو سجد له أو صرف شيئاً من العبادة لغير الله فقد أشرك الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [.فاطر١٣, ١٤]
فدل كلام الله هنا على أن كل من دعا غيره فإنه لا يملك شيئاً، حتى ما يكون على نواة التمر من القشرة الرقيقة، كما دل أيضاً على أن ذلك الدعاء شرك، وذلك في قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر١٤] .وقال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف٥, ٦] .
فجعل الله تعالى دعاء غيره عبادة للمدعو، وجعل ذلك كفراً.
والشرك الأكبر محبط للعمل من أصله، كما أنه يفسد الإيمان ولا يقبل الله معه صرفاً ولا عدلا. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر٦٥] ، وقال جل وعلا بعد ذكره للعديد من الأنبياء ﵈ ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام٨٨] .
وهو الذنب الذي لا يغفره الله لمن مات عليه.قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء١١٦] .
стр. 87
وصاحبه مخلد في النار أبد الآباد. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة٧٢] .
أما الأصغر، فمنه الرياء: وهو أن يعمل العمل مما يقصد به وجه الله يقصد به رياء الناس.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف١١٠] .
فقوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ فسرها ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم بأن المقصود بها الرياء. ١
وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ "قال الله ﵎ أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه".٢
وعن محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء، يقول الله لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء".٣
والرياء يحبط من العمل بقدره، فإذا دخل على العمل من أوله أحبطه وأبطل أجره وإذا دخل على العبد أثناء العمل نقص من الأجر بحسبه.
وإذا كان الرياء في الإيمان فهو النفاق الأكبر المخرج من الملة.٤
стр. 88
ثانياً: المتابعة.
والمقصود بها: تجريد متابعة النبي ﷺ ، فلا يعبد الله تعالى إلا بما شرع رسوله ﷺ لأن ذلك هي العبادة التي يحبها الله تعالى، فإنما أرسل رسله ليعبد سبحانه بما شرع على ألسنة رسله ﵈. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء٦٤] .
ونبينا محمد ﷺ هو حظنا من الأنبياء، فلا تصح عبادة المسلم إلا إذا كانت وفق شرعه ﷺ . قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران ٣١] .
وقال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر٧] إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على وجوب التزام السنة وتحريم البدعة، وقد سبق ذكرها عند الحديث على منهج السلف في تقرير العقيدة.
стр. 89
النوع الثالث: توحيد الأسماء والصفات .
وهو اعتقاد أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، وله الصفات العلى الكاملة،التي ليس فيها نقص بوجه من الوجوه، ولا يماثله فيها أحد من خلقه، ولا يماثل فيها سبحانه أحداً من خلقه. وسيأتي مزيد بيان لذلك في فقرة مستقلة.
العلاقة بين أنواع التوحيد الثلاثة:
أنواع التوحيد الثلاثة التي سبق ذكرها بينها علاقة تضمن والتزام، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، بمعنى أن من أقر بتوحيد الربوبية فإنه يلزمه أن يقر بتوحيد الألوهية.
стр. 90
وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، بمعنى أن من عبد الله فإن ذلك متضمن لإقراره بأن الله ربه وخالقه ورازقه.
وتوحيد الألوهية والربوبية متضمن لتوحيد الأسماء والصفات، فإن الإله المعبود والرب الخالق لابد أن يكون له الصفات العلى الكاملة الدالة على استحقاقه للربوبية والألوهية.
ومن اعتقد أن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فيلزم من ذلك أن يعتقد أنه الرب،وأن لا يعبد إلا هو .فبين أنواع التوحيد علاقة التزام وتضمن.
ومن العلماء من يقول: إن توحيد الأسماء والصفات شامل لتوحيد الربوبية والألوهية، من ناحية أن الإقرار بأسمائه وصفاته يتضمن الإقرار بأن الله هو الرب والإله، وذلك توحيد الربوبية والألوهية.١
جواب من أنكر تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
من الناس من ينكر تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، ويزعم أن هذا التقسيم اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة، وأن أول من اخترعه شيخ الإسلام ابن تيمية. والجواب عن ذلك من وجوه:
١ - أن هذا التقسيم لأنواع التوحيد مستفاد من النصوص الشرعية،فكل نوع من أنواعه له مميزاته وخصائصه، وإن كان بينهما ترابط من وجه آخر، فتوحيد الربوبية تعلقه بإثبات الخلق والسيادة والتدبير، وتوحيد الألوهية تعلقه بعبادة الرب جل وعلا، وتوحيد الأسماء والصفات تعلقه بإثبات الأسماء والصفات لله .
стр. 91
كما أن اعتقاد الربوبية لا يتحقق للعبد به النجاة، ولا الدخول في الإسلام، أما توحيد الألوهية فهو الذي يتحقق به للعبد النجاة، ويدخل به الإسلام،وهذا لا يكون إلا مع الإيمان بالربوبية. أما الأسماء والصفات فتتعلق بالعلم والإثبات،فلو جهل شيئاً منها، فإنه لا يخرج من الإسلام أما الربوبية والألوهية فلو جهلها فإنه لا يكون مسلماً، فإن ذلك ينقض إسلامه.
٢ - أن هذا التقسيم هو من جنس تقسيمات العلماء الأخرى المتعلقة بالأمور الشرعية، مثل تقسيم العلماء الأمر الشرعي إلى: واجب ومندوب، أو تقسيمهم النواحي الشرعية إلى محرم ومكروه. أو قولهم إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، أو تقسيمهم الصفات إلى ذاتية وفعلية.
فسائر هذه التقسيمات وغيرها كثير لم ترد في كلام الشارع منصوصاً عليها، وإنما استنبطها العلماء من خلال استقراء كلام الشارع. والتقسيم إنما يرد عليه ويبطل إذا كان الاستقراء غير صحيح أو غير كامل، كأن يقول: إن الإيمان هو الاعتقاد فقط أو القول فقط، أو يقول إن المطلوب من العباد هو توحيد الربوبية والأسماء والصفات فقط، أو يقول: إن الأوامر الشرعية كلها أركان أو واجبات في مستوى واحد من حيث الطلب أو نحو ذلك. أما إذا كان الاصطلاح صحيحاً فلا يعاب من قال به، لأن ذلك من تدبر كلام الشارع والاستنباط منه حتى يعلم عن الشارع مراده.
стр. 92
٣ - أن هذا التقسيم قد ثبت عن كثير من السلف المتقدم ذكرهم ١،خلافاً لدعوى من أنكر ذلك، فقد سبق النقل عن ابن عباس وتلاميذه في إثباتهم لإقرار المشركين بالربوبية وإنكارهم للألوهية، ومثله ورد عن ابن جرير الطبري.
كما أورد العديد من السلف ذلك في كتبهم، فهذا الإمام الطحاوي المتوفى سنة ٣٢١هـ أبان في مقدمة عقيدته أنه إنما يذكر عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة، أبي حنيفة وتلميذيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وقال: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله أن الله واحد لا شريك له ولاشيء مثله ولاشيء يعجزه ولا إله غيره".
فقوله "واحد لا شريك له" شامل لأنواع التوحيد الثلاثة، ثم فصلها بقوله: "لاشيء مثله"، وهذا في أسمائه وصفاته.وقوله "ولاشيء يعجزه" هذا في قدرته ومقدوراته، وهو من توحيد الربوبية، وقوله" ولا إله غيره "هذا في توحيد الألوهية، فلا إله غيره يعني معبوداً يستحق العبادة
وهذا ابن بطة العكبري المتوفى سنة ٣٨٧هـ يقول في كتابه الإبانة: "إن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مبايناً لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعاً.
والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مبايناً بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره. والثالث: أن يعتقده موصوفاً بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفاً بها".
وممن أثبت ذلك أيضا ابن منده المتوفي سنة ٣٩٥هـ في كتابه "كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد"، فعقد فيه أبواباً في توحيد
стр. 93
الربوبية، مثل: بدء الخلق، وخلق العرش، وتقدير المقادير، وخلق السموات والأرض، وغير ذلك مما هو دليل على توحيد الربوبية. ثم ذكر أبواباً متعلقة بتوحيد الألوهية، مثل: الدعاء والذكر واسم الله الأعظم، وهو لفظ الجلالة، ثم ذكر أبواباً متعلقة بتوحيد الأسماء والصفات،وغيرهم كثير.١
٤ - أن سبب ظهور التقسيم بشكل واضح في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم من جاء بعده من تلاميذه وغيرهم، وخاصة الكلام في توحيد الألوهية يعود إلى ظهور الخلل في الأمة والانحراف في هذا النوع من التوحيد متأخراً، فقد صار كثير من المتأخرين من المسلمين يجهلون الغاية من دعوة الرسول ﷺ ، ألا وهي دعوة الناس إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، كما جهلوا ما يناقض هذه الدعوة أو يقدح فيها من الشرك والأسباب الموصلة إليه، بسبب عوامل كثيرة منها:
إعراض المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية فضلاً عن الجهمية والمعتزلة عن توحيد العبادة، ومعنى لا إله إلا الله، فلم يذكروها في كتبهم التي رمزوا إليها بأنها في أصول الدين أو قواعد العقائد،أو ما يجب على المسلم اعتقاده جملة وتفصيلا، فصار عند المسلمين عدم إحساس وانتباه لهذا الأصل الأصيل، فانتشر الشرك وعم وطم أكثر البلاد الإسلامية، وهم يظنون أن الشرك الذي حاربه الرسول ﷺ إنما هو أن يصنع تمثالاً على شكل من الأشكال فيصلي له ويسجد، ولم يشعروا أن دعاء غير الله والإستغاثة به أو النذر والذبح عند القبور أو الطواف حولها، سواء كانت قبور أنبياء أو من يسمون أولياء؛ أن كل ذلك شرك أكبر مخرج من الملة، وما ذلك إلا لجهلهم بتوحيد الألوهية وبدعوة النبي ﷺ وما قاتل عليه المشركين.
стр. 94
فلما ظهرت هذه البدع في وقت شيخ الإسلام ابن تيمية بذل طاقته ﵀ وجهده في نصح المسلمين وتحذيرهم من خطورة ما عليه كثير من المسلمين من الانحراف والضلال بوقوعهم في الشرك وهم لا يشعرون، فظهر في كلامه الدعوة إلى توحيد الألوهية، وأبان عن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أنواع،وأن تلك الأنواع الثلاثة مطلوبة من العبد لا يغني واحد منها عن الآخر، كما أنا نقول إن الله موصوف بصفة السمع والبصر والقدرة والحياة ونحو ذلك. والمطلوب من العبد الإيمان بكل ذلك أنه من صفات الله تعالى، كذلك
التوحيد المطلوب من العباد أن يؤمنوا به هو أن الله ﵎ له الأسماء الحسنى والصفات العلى،وأن لا رب غيره، وأن لا يعبد إلا هو، فلا يشرك معه في العبادة غيره.
وهو في تقسيمه ﵀ إنما هو متبع لمن سبق من العلماء لا مبتدع في تقسيم التوحيد.
ونشير هنا إلى أن دأب السلف ﵏ أنه كلما ظهرت بدعة من البدع تكلم فيها ونصح للأمة فيها من عاصرها من العلماء والأئمة، ويكون من تقدم منهم على تلك البدعة فلم تظهر في زمانه لا يوجد له كلام فيها، مع أن الحق الواضح والراد على كل بدعة موجود ضمن الشرع في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، وإنما يستنبطه من الشرع أهله.
فلو نظرنا في بدعة نفي الصفات فإنا لا نجد أحداً من الصحابة تكلم فيها، وذلك لأنها لم تظهر في زمانهم،وإنما ظهرت في زمن التابعين فكثر كلام التابعين فيها بخلاف بدعة الخوارج فإنا نجد للصحابة كلاماً كثيراً فيها، وذلك لأنهم أدركوها. وكذلك بدعة نفي القدر أدركها صغار الصحابة فظهرت في كلامهم،وأبانوا عن بطلانها وردوا على دعاتها.
стр. 95
وهكذا سائر البدع إنما تظهر في كلام العلماء الذين أدركوها فيجتهدون في دعوة الخلق إلى الحق نصحاً لله ولرسوله ولكتابه وللمسلمين لا أنهم مبتدعون في ذلك.
كذلك الأمر بالنسبة لتقسيم التوحيد وإبراز توحيد الألوهية الذي وقع عند المتأخرين من المسلمين الخلل في فهمه وتطبيقه، فظهر في كلام من أدرك ذلك،كشيخ الإسلام ابن تيمية ومن جاء بعده ﵀ من تلاميذه، وغيرهم من العلماء الداعين إلى الله على نهج القرآن والسنة وسلف الأمة.
стр. 96
مناهج المخالفين للسلف في التوحيد
أولاً: - الفلاسفة
الفلاسفة: هم الذين ينظرون إلى طبائع الأشياء بفكرهم لمعرفة عللها وأسبابها الخفية وراء ظواهرها.
والفلاسفة لم يتوقفوا في النظر والتفكر فيما هو ظاهر أمام أعينهم من المخلوقات، وإنما راحوا يبحثون فيما وراء ذلك وهو الخالق جل وعلا، ويسمون ذلك ما وراء الطبيعة أو يسمونه الإلهيات. ١
وقبل أن نبين ما في كلام الفلاسفة في التوحيد من الخلل والخطل نشير إلى أن الفلاسفة دخلوا في هذا العلم بعقولهم المحدودة ونظرهم القاصر، وقد أدركوا أن كلامهم هو في أمر لا سبيل إلى التحقق منه بالعقول المجردة، وإنما هي محاولات لن يصلوا منها إلى نتيجة حاسمة أبداً، فتبقى هكذا محاولات بلا نتائج لهذا قالوا: "إن عالم ما بعد الطبيعة عالم درج في غير عشه ببحثه عن شيء فوق الحقائق، فإذا هو شاعر". ٢
ومرادهم بقولهم "فإذا هو شاعر" أي يعبر عن خيالاته وأحاسيس نفسه بالعبارات المنمقة التي لا تعتمد على عرض الحقائق على ما هي عليه.
مدار المنهج الفلسفي في التوحيد:
إن الفلاسفة المتقدمين وخاصة من كان لهم دور في المتأخرين من فلاسفة اليهود والنصارى والمسلمين وهم فلاسفة اليونان ممن كانوا قبل المسيح ﵇ في حدود
стр. 97
خمسمائة عام نظروا إلى الألوهية والربوبية نظرهم إلى سائر ما يحيط بهم من المخلوقات فكانوا على قولين في إثبات الخالق وإثبات وجوده:-
القول الأول: الملاحدة – وهم المنكرون لوجود الخالق ﵎. وهم فرقتان:
الأولى: الدهريون. القائلون بالجوهر١ الفرد، وهم جماعة من الفلاسفة يعتقدون أن الكون تكون من جواهر مفردة، أي ذرات صغيرة كانت موجودة تتحرك في الفضاء، ثم بسبب الحركة الوقتية تتجمع فتحدث مظاهر الحياة والوجود. وعلى هذا المذهب ديمقريطس وهيرقليطس وأبيقور فيما يبدو. ٢
الثانية: الوجوديون – وهم الذين يزعمون بأن الله تعالى عما يقولون هو هذا الكون كله، وليس له ذات قائم بنفسه، بل هو حال في كل شيء. وعلى هذا المذهب الرواقية ومنهم "زينون ٣وسبينوزا" اليهودي. ٤
وهذا المذهب من جنس سابقه في عدم إثبات وجود الله وجوداً متميزاً عن سائر مخلوقاته، إلا أن من يسمون بالملاحدة أنكروا وجوده جملة وتفصيلا، أما هؤلاء فقد زعموا أن هذا الكون هو وجوده وهو ذاته، ولم يميزوه عن شيء من المخلوقات – تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا -.
стр. 98
القول الثاني: المؤلهة ١ - وهم القائلون بوجود موجود أعلى يسمونه الإله. وهم كثير من الفلاسفة منهم: سقراط وأفلاطون وأرسطو وأفلوطين وغيرهم من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، إلا أنهم يختلفون في كلامهم عن هذا الإله بالنسبة لصفاته وأفعاله إلى أقوال تعود في جملتها إلى ادعاء أن الله ﵎ عقل أوحد لا يتغير ولا يتحرك، وهو محرك للأشياء كتحريك المعشوق لعاشقه، وهو علة وجود الأشياء.
وقالوا في إيجاد هذا الكون: إن المادة٢ والصورة٣ للأشياء أزلية غير مخلوقة، ثم إن الله ﵎ في زعمهم أوجد ما يسمونه النفس الكلية، ثم النفس الكلية صنعت نفوس الكواكب وجعلتها آلهة مثلها، ثم إن هذه النفوس تعاونت مع الله تعالى في صنع بقية العالم وتدبيره. ٤
فهذا القول مما يعزى إلى أكبر الفلاسفة وأعظمهم عند أتباعهم كسقراط وأفلاطون وأرسطو وأفلوطين وغيرهم. وهو قول في غاية السقوط والانحراف، ولا يقاربه في الانحراف والسخف إلا قول الملاحدة الذين ينكرون وجود الخالق جل وعلا ويتضح بطلانه من وجوه:
١ - أن كلامهم عن الخالق ﵎ كله من باب الظن والتخمين، لأنهم لم يروا الباري ﵎، ولم يروا شبيهاً له، ولم يشهدوا خلق السماوات
стр. 99
والأرض ولا خلق أنفسهم، كما لم يأخذوا قولهم هذا عن مخبر صادق، فبالتالي لا يعدو أن يكون ظناً وتخمينا.
٢ - إن ما ذكروه في وصفهم لله ﵎ كلام فاسد لا يعدو أن يكون إثبات شيء ليس هو بشيء. وذلك يتضح من وجوه:
أولاً – قولهم إن الله تعالى عقل، وذلك يعني أن الله فكر أو فكرة أو شيء معقول ويعقل ويعقل. وهذا كله إثبات معنى بدون ذات، وهو أمر لا يعقل ولا يفهم، إنما المفهوم منه أنه لا ذات له جل وعلا، وكل مالا ذات له في الحقيقة لا وجود له أو لا وجود له بنفسه، بل يكون قائماً في غيره، أو صادراً عن غيره، مثل الأفكار والكلام، فهذه معاني تقوم بغيرها ولا تقوم بنفسها.
ثانياً – قولهم بأنه واحد أو أوحد إنما مرادهم بذلك نفي صفاته، وهذا تعطيل له ونفي لوجوده، لأن كل موجود لابد أن يوصف بالصفات، فإذا نفيت عنه الصفات فذلك نفي لوجوده.
ثالثاً – قولهم إنه لا يتغير معناه نفي لفعله وتشبيه له بالمعدوم أو الجماد، فإن الذي لا يتغير هو الذي لا يفعل، لأن الفعل يلزم منه التغير، بمعنى أنه يريد ويأمر وينهى إلى غير ذلك. أما إذا كان لا يتغير فمعنى ذلك أنه جماد أو معدوم وحاشاه تعالى من ذلك.
رابعاً – قولهم إنه لا يتحرك فيه نفي لحياته، لأن فرق مابين الحي والميت الحركة، فالشيء الذي لا يتحرك هو الميت.
خامساً – قولهم إنه محرك لغيره بدون أن يتحرك كلام غير صحيح، ولا يمكن وجوده مع دعاويهم السابقة التي تضمنت نفي ذاته ونفي فعله ونفي حياته، فكيف يمكن أن يقال عنه إنه محرك لغيره وهو لا ذات ولا صفات ولا فعل ولا حياة. ولو دقق الإنسان في هذا لبان له وظهر أنهم ينفون وجوده فالمعدوم كاسمه لا يمكن أن يوجد شيئاً ولا أن يؤثر في شيء.
стр. 100
فكل هذه الدعاوى التي ذكرها الفلاسفة في الله ﵎ دعاوى فاسدة معلوم فسادها ببداهة العقول، فإن أي عاقل نظر في المخلوقات المحيطة به أو نظر في نفسه أدنى نظرة أدرك أن خالقه لابد أن يكون ذا صفات عظيمة وجلال وكمال من جميع الوجوه، لأنه ما لم يكن كذلك فإنه لا يمكن أن يوجد هذا الخلق وهذا الكون، فإذا لم يكن له ذات فكيف يوجد ماله ذوات، وإذا لم يكن موصوفاً بصفات الكمال من السمع والبصر والعلم والحكمة والإرادة وغيرها فكيف يوجد الموصوفين بهذه الصفات، وما لم يكن فاعلاً مختاراً كيف يوجد الفاعلين المختارين، وما لم يكن حياً كيف يوجد الحياة، ففاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن لجاهل أن يعلم الناس القرآن أو الشرع أو الدين لأنه فاقد للعلم، وغير البصير لا يمكن أن يرشد الناس إلى الطريق، والميت لا يمكن أن يفعل ولا يحي الموتى ولا يبعث الحياة في الموجودات ففاقد الشيء لا يعطيه. ولكن هؤلاء الفلاسفة لم ينظروا إلى المخلوقات ليستدلوا بها على الخالق بعين صحيحة، وإنما نظروا إليها بعقول قد لوثتها الوثنية والإلحاد فأثمرت هذه المقولات التي إن دلت على شيء فإنما تدل على إفلاسهم من النظر الصحيح والرأي السديد الذي يتوصل إليه أقل الناس حظا من العلم. فهذه المخلوقات المحكمة الصنع والعظيمة في خلقها وهيئتها والعظيمة في دورها وعملها تدل على حكيم عليم بصير خبير، لابد أن يكون موصوفاً بكل صفات الكمال ألا وهو الله جل وعلا.
أما قولهم في إيجاد المخلوقات فمتضمن للفساد من وجوه عديدة:
أولاً – إن قولهم إن المادة والصورة أزليتان وغير مخلوقتين قول فاسد، لأنه يلزم منه وجود المادة والصورة من غير شيء، وهذا معلوم الفساد ببداهة العقول، فإن كل موجود لابد له من موجد حتى ينتهي الأمر إلى الموجد الأول والخالق ﵎، وإلا لزم التسلسل إلى ما لانهاية.
стр. 101
ثانياً – قولهم بأنه أوجد النفس الكلية ثم أوجد نفوس الكواكب الأخرى، كل هذا ضرب من الظن والتخمين، كما أنه مبني على ما ألفوه في مجتمعاتهم من الوثنية وعبادة الكواكب. ودعاوى أن لها تصرفاً في الكون بالإيجاد والخلق والتصرف، فصاغوا من كل ذلك تلك الدعاوى التي ظاهرها أنها مبنية على النظر والعقل وهي مبنية على الوثنية الجاهلة السخيفة.
وقبل أن ننهي الكلام عن قول الفلاسفة ودعاويهم في صفات الله ﵎ وفعله وإيجاده لهذا الكون لابد أن نشير إلى أمر مهم، وهو:
أن الفلاسفة قد يكونوا أجادوا بعض الإجادة في الكلام عن بعض المخلوقات أو الأمور المعنوية المتعلقة بالسياسة أو التربية ونحو ذلك، وكلامهم هذا مهما بلغوا فيه من حسن القول والإجادة لا يلزم أن يكونوا أهلاً لأن يتكلموا فيما وراء طاقة الإنسان وقدرته، سواء فيما يتعلق بالله ، أو المخلوقات غير الظاهرة للعيان، فإن ذلك غيب عن الإنسان، وعقل الإنسان وقدراته متعلقة بما يراه أو يرى شبيهاً له فيقيس عليه.
فبالتالي حديثهم عن الله جل وعلا وحديثهم عن تكوين الكون ومادته وأصله كله غير داخل تحت طاقتهم وقدرتهم، وكلامهم فيه لا يعدو أن يكون ككلام المتطفل على علم لا يحسنه. وهم في هذا مثل طبيب من أمهر الناس في الطب مثلاً هل يليق أن يذهب إليه بناءً على حذقه في الطب فيسأله عن مسألة شرعية أو مسألة متعلقة بالسياسة أو مسألة متعلقة بالهندسة، فلا شك أن هذا لا يليق ولا يصح.
ومن رام أن يأخذ من الطبيب جواب مسألة شرعية دقيقة أو مسألة متعلقة بالهندسة أو المحاسبة فهو مخطئ. فكذلك من رام أن يجد عند هؤلاء الفلاسفة علم ما يتعلق بالله فقد أخطأ الطريق وأخطأ الهدف.
стр. 102
ثم إنه من رحمة الله لما كانت وسائل البشر إلى معرفته المعرفة الصحيحة مسدودة إلا من خلال الوحي أنزل الله في ذلك كتبه وأرسل رسله لتعليم الناس وتعريفهم به، وهذا من أعظم الرحمة وأعظم المنة من الله على خلقه، لأنه بذلك يهيئ من شاء الله منهم إلى رحمته العظمى ورضوانه الأكبر في جنات عدن.
стр. 103
ثانيا: - المتكلمون
المتكلمون لما عزلوا الشرع الشريف عن أن يكون مصدرهم في توحيد الله ، وجعلوا مصدرهم في ذلك العقل أو المسائل العقلية المقررة في علم الكلام المستوردة من فلاسفة اليونان الوثنيين، ضلوا في هذا الباب ضلالاً بعيدا.
فمن يقرأ الكتب الموسومة بأنها أصول الدين أو قواعد العقائد أو المطالب العالية من العلم الإلهي، ونحو ذلك من كتب المتكلمين يرى أنها تقرر نوعين من التوحيد فقط، وهما:
توحيد الربوبية والأسماء والصفات، أما توحيد الألوهية فتهمله تمام الإهمال، فلا يذكرونه جملة وتفصيلا، مع أنهم في تقريرهم لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات أخطأوا أخطاءً بليغة، أثمرت لهم الانحراف الذي هم عليه في تلك العقائد. وهذا منهج عام سلكه سائر المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية.
فمن أقوالهم في بيان المراد بالتوحيد وما يدخل فيه من الأنواع:
قول عبد الجبار الهمذاني المعتزلي، المتوفى سنة٤١٥هـ يقول عن التوحيد في اصطلاح المتكلمين: "هو العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفياً وإثباتاً على الحد الذي يستحقه والإقرار به".١
وقال الجويني الأشعري المتوفى سنة٤٧٨هـ: "وإذا أحاط العاقل بحدث العالم واستبان أن له صانعاً، فيتعين عليه بعد ذلك النظر في ثلاثة أصول يحتوي أحدها على ذكر ما يجب لله تعالى من الصفات، والثاني يشتمل على ذكر ما يستحيل عليه، والثالث ينطوي على ذكر ما يجوز من أحكامه، وتنصرم بذكر هذه الأصول قواعد العقائد". ٢
стр. 104
وقال الغزالي وهو أشعري توفي سنة٥٠٥هـ بعد أن ذكر أن الله ميز عصابة السنة بأنوار اليقين ... حتى اعتصموا من مقتضيات العقول بالحبل المتين، ومن سير الأولين وعقائدهم بالمنهج المبين، فجمعوا بين نتائج العقول وقضايا الشرع المنقول، وتحققوا أن النطق بما تعبدوا به من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ليس له طائل ولا محصول، إن لم يتحقق الإحاطة بما تدور عليه هذه الشهادة على إيجازها تتضمن إثبات ذات الإله وإثبات صفاته وإثبات أفعاله وإثبات صدق الرسول ﷺ ، وعلموا أن بناء الإيمان على هذه الأركان وهي أربعة".١
فيظهر من هذه النصوص أن التوحيد لدى المتكلمين يتعلق بإثبات، أولاً: ربوبية الله تعالى، وثانياً: إثبات أسمائه وصفاته.
أما توحيد الألوهية فلم يذكروه ولا بكلمة واحدة، وأغفلوا الحديث عنه تماماً، فلا ذكر له في كتبهم. وسنبين موقفهم منه، بعد أن نبين كلامهم وموقفهم من توحيد الربوبية.
أولاً: توحيد الربوبية.
توحيد الربوبية لدى المتكلمين هو الغاية من أنواع التوحيد عندهم، وقد أجهدوا أنفسهم وكدوا أذهانهم في تقريره بالعبارات المطولة والمقدمات المنطقية والفلسفية والنتائج، حتى توصلوا في النهاية إلى إقرار هذا النوع من التوحيد.
والملاحظ في كلامهم في هذا النوع من التوحيد أنهم يقررونه من ناحيتين:
الناحية الأولى: إثبات وجود الله تعالى، والناحية الثانية: إثبات خلقه لهذا العالم.
стр. 105
قولهم في إثبات وجود الله .
المتكلمون عموماً من المعتزلة والأشعرية بدأوا كتبهم في العقيدة والتوحيد بإثبات وجود الله تعالى، باعتبار أن أول ما يجب على الإنسان قبل أن يدخل في هذا الدين أن يعرف الله ، وقبل أن يعرفه فعليه إثباته والإقرار بوجوده.
وقد جعلوا عمدتهم في الاستدلال لإثبات الربوبية الاستدلال بحدوث العالم. وسلكوا في إثبات ذلك مسلكاً وعراً ومنهجاً عسرا، لا يتناسب مع خطورة المسألة وأهميتها ألا وهي وجود الله ، وإضافة إلى ذلك فإن المتكلمين جعلوا أول واجب على المكلف النظر في معرفة الله تعالى، وهذه المعرفة مبنية على إثبات حدوث العالم، فإذا كان حادثاً فلابد له من محدث، وهو الله تعالى.
ولإثبات ذلك سلكوا طرقاً منها:
الطريقة الأولى: الاستدلال بحدوث الأجسام أو الجواهر أو الأعراض، ولإثبات ذلك مقدمات:
أولها: إثبات الأجسام أو الجواهر أو الأعراض، وثانيها: إثبات حدوثها، وثالثها: إثبات استحالة تعري الجواهر أو الأجسام عن الأعراض، ورابعها: إثبات استحالة حوادث لاأول لها، خامسها: أن الجواهر لا تسبق الحوادث، سادسها: أن ما لا يسبق الحادث فهو حادث. وكل حادث لابد له من محدث، وهذا المحدث هو الله . وقد قال بهذه الطريقة عبد الجبار المعتزلي ١والجويني ٢.
стр. 106
الطريقة الأخرى: الاستدلال عليه بالإمكان والوجوب. ومعنى هذه الطريقة أن الموجودات منقسمة إلى قسمين، إما واجب الوجود لذاته، وإما ممكن الوجود لذاته.
وهذا الدليل مبني على مقدمات:
أولها: أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا لمرجح.
ثانيها: بيان أن هذه الحاجة حاصلة في حال الحدوث أو في حال البقاء.
ثالثها: أن ذلك المرجح يجب أن يكون موجوداً.
رابعها: أنه يجب أن يكون موجوداً حال حصول الأثر.
خامسها: أن الدور ١باطل.
سادسها: أن التسلسل ٢ باطل.
ثم عند تمام الكلام في تقرير هذه المقدمات الست يحصل الجزم بأنه لابد من الاعتراف بوجود موجود واجب الوجود لذاته. ثم إذا تبين أن هذا العالم المحسوس يمتنع أن يكون واجب الوجود لذاته، فعند ذلك نعلم أن هذا العالم المحسوس يحتاج في وجوده إلى وجود موجود واجب الوجود لذاته، وهو الله تعالى.
وقد قال بهذه الطريقة الرازي ٣. وهاتان الطريقتان هما من أهم الطرق عند هؤلاء المتكلمين في إثبات وجود الله تعالى.
стр. 107
الرد على المتكلمين في مسلكهم لإثبات وجود الله :-
إن المسلك الذي سلكه المتكلمون لإثبات وجود الله لاشك مسلك باطل، بل محرم. والدليل على بطلانه وتحريمه ما يلي:
أولاً - إن وجود الله يثبته جل بني آدم، ولم ينكره إلا طائفة قليلة من الملاحدة١، الذين هم أتباع فرعون إمام الملاحدة ومن أخذ بقوله وقولهم من السابقين واللاحقين، وهؤلاء لا يشكلون إلا نسبة قليلة من مجموع بني آدم، أما الغالبية العظمى من بني آدم من أصحاب الأديان كاليهود والنصارى والهنود ومشركي العرب فضلاً عن المسلمين فيثبتون وجود الله .
كما أن الله حكى عن فرعون أنه كان في قرارة نفسه مقراً بوجود الله وربوبيته، وإنما جحد ذلك تكبراً وعلواً. قال الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل١٣, ١٤] .
وقال موسى ﵇ لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء١٠٢] . فإذا كان الأمر كذلك فهل يسوغ الاشتغال بتلك الطرائق التي يزعم المتكلمون أنهم يريدون أن يثبتوا بها وجود الله وإرغام أنوف الملاحدة؟! .
ثانياً - إن أعظم الدعاة إلى الله وأشدهم نصحاً للخلق هم الأنبياء ﵈، وقد جادلهم أقوامهم فأقاموا الحجة عليهم بأوضح عبارة وأبين مقال، وما رأيناهم دعوا الناس إلى الإقرار بوجود الله ، وإنما دعوهم إلى عبادة الله وحده، مما يدل على أن من جاء إليهم الأنبياء ودعوهم كانوا يقرون بوجود
стр. 108
الخالق، بل يقرون أنهم مربوبون له ومخلوقون، وإنما نازعوا في عبادة الله وحده لاشريك له. فإذا كان أنبياء الله لم يدعوا الناس إلى الإقرار بوجود الله فمعنى ذلك أن وجود الله أمر مسلم لا خلاف فيه.
ثالثاً - إن الإقرار بوجود الله أمر فطري فطر الله عليه الناس. قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف ١٧٢] . بل إن المشركين كانوا يقرون بربوبية الله فضلاً عن وجوده، كما قال الله عن المشركين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]
فعلى ذلك فلا حاجة إلى إتعاب النفس في أمر قد فطر عليه بنو آدم.
رابعاً - إن من أنبياء الله ﵈ من واجه الملحدين وأقام عليهم الحجة، إلا أنهم لم يستدلوا بتلك الأدلة التي استدل بها المتكلمون، فهذا إبراهيم ﵇ فيما حكى الله لنا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة٢٥٨] .
وهذا نبي الله موسى ﵇ واجه زعيم الملاحدة وإمامهم فرعون حين أنكر وجود رب العالمين، ورد عليه وأفحمه كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ
стр. 109
اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء٢٣ – ٢٩] فلم يستطع فرعون أن يدفع الدليل وتحير في الإجابة، حتى اضطر إلى إخفاء خزيه وفضيحته بالتهديد بالسجن.
فلا شك أن الدليل الذي استخدمه كل من إبراهيم وموسى ﵉ كان كافياً بدليل أن الطغاة لم يستطيعوا أن يردوه.
خامساً - إنا نعلم قطعاً ويقينا أن النبي ﷺ لم يدع الناس إلى الاستدلال على وجود الله بدليل حدوث الأجسام أو دليل الإمكان، بل ولا أثر عن أحد من الصحابة حرف واحد في ذلك. وهذا فيه واحد من أمرين:
- إما أنه دليل باطل غير صحيح.
- أو أنه دليل ضعيف لا يوصل إلى الغاية منه بالدرجة والسرعة المطلوبة.
سادساً - إن الأجسام والجواهر والأعراض وكذلك الإمكان مصطلحات فلسفية مختلف في إثباتها وتعريفها وتحديدها إلى أقوال عديدة ١، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأصل الذي أراد المتكلمون أن يجعلوه دليلاً على وجود الله مختلف فيه، فكيف يستدل بشيء مختلف فيه على شيء المقصود من إثباته الوصول إلى اليقين.
стр. 110
سابعاً – إن لتلك المقدمات التي استدل بها المتكلمون، -والتي سبق ذكرها- لإثبات حدوث العالم مقدمات طويلة مختلف فيها، فقد عارضها معارضون وأنكرها منكرون، فقد ذكر الرازي في "الأربعين" إثبات حدوث العالم وذكر له ست حجج، وذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء التعارض"، ثم ذكر معارضات أبي الثناء الأرموي في كتابه "لباب الأربعين" عليها فاستغرقت أكثر من خمسين صفحة في كتابه "درء التعارض" ١، ثم ذكر الحجج الأخرى والاعتراضات عليها فاستغرقت قرابة الثلاثين صفحة ٢. وبعد أن ذكر شيخ الإسلام قدح المتكلمين بعضهم في بعض في استدلالهم بتلك المقدمات على حدوث الأجسام قال: " ... وإنما المقصود القدح في هذه المسالك التي يسمونها براهين عقلية، ويعارضون بها نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف، ثم إن نفس حذاقهم قدحوا فيها".٣
أما الاستدلال بالإمكان فقد ذكره الرازي في كتابه "المطالب العالية من العلم الإلهي" كما سبق ذكر ذلك إلا أنه حين أراد تقرير ذلك الدليل ذكر الاعتراضات والشبه حول الدليل، واستغرق ذلك حوالي مائة صفحة في كتابه المذكور ٤.
فهل من المقبول عقلاً أو شرعاً أن يكون إثبات وجود الله بهذا العسر الشديد، وهل يمكن أن يحصل القطع واليقين بوجود الله تعالى بمثل تلك الحجج الضعيفة؟
لاشك أن المعتمد على مثل تلك الحجج لن يجد في قلبه سوى الحيرة والشك وتخلخل اليقين، وهي الحالة التي وصل إليها كثير من أهل الكلام،فظهرت حسرة