← Акыда

Акыда · id 7260

التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية

فالح بن مهدي آل مهدي

Полный текст (485 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول مقدمة ... مقدمة الكتاب بقلم الأستاذ زيد بن عبد العزيز بن فياض الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركا فيه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين وأفضل الرسل، بعثه بالهدى ودين الحق، ﷺ وعلى آله وصحابته ومن تبعهم إلى قيام الساعة. "وبعد" فإن الأمة الإسلامية مازالت بخير وهدى مستقيم عندما كانت متمسكة بعقيدتها التي جاء بها نبيها وسار عليها صحابته الكرام، حتى فشت عقائد زائغة وضلالات جائرة قد روجها ذوو الإلحاد وأهل الفتن، وتلقفها عنهم أناس- عموا عن الحق - عناداً أو جهلا، فكانت عوامل هدم في الأمة فتفرق أمرها وتشتت جمعها، وظلت هذه العقائد الزائغة تعمل في تخريب عملها إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله. وقيد الله للدفاع عن الإسلام، والذود عن حياضه، وتبيان عقائده الصحيحة من وفقه لهذا الأمر العظيم. وما فتئوا في كل عصر وجيل يناضلون ويذبون عنه بأسنتهم وألسنتهم وأقلامهم وهم الطائفة المنصورة الذين قال عنهم النبي صلى الله علية وسلم "لا تزال طائفة

стр. 2

من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يَأتِي أمر الله ﵎". كان شيخ الإسلام أحمد بن تيمية من أجل علماء القرنين السابع والثامن للهجرة فجند وقته للرد على الملحدين وذوي الزيغ وجاهد بلسانه وسلاحه أعداء الإسلام وأهل البدع والخرافات، وصبر على الأذى والظلم، وترك ذكراً طيباً ومؤلفات نافعة تبلغ المآت وأنتفع بهذه الكتب خلق عظيم وكانت طريقته فيها الاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وسيرة السلف، وأقوال علماء الإسلام مع أيراد الحجج العقلية والبراهين المنطقية في أسلوب واضح، وعبارة سلسلة، وعلم غزير يندر وجود مثيل له فيه. وإن كانت كتبه المختصرة تحتاج إلى شيء من التوضيح وإظهار ما يقصده بكلامه فهو يشير إلى أشياء - لا تستوعب تلك الرسالة أو الكتاب المختصر- بسطها، وحينئذ قد لا يعرف قارئها مقصد الشيخ وهدفه من الإشارة التي ذكرها عرضاً وإيماء. وليس كل من اطلع على رسالته تلك يعرف ما تعنيه. فمثلا "كتاب التدمرية" فيه عبارات وجمل يشير بها شيخ الإسلام إلى طوائف ومقاولات معروفة في كتب الملل والنحل ولكنها ليست معروفة لكل من قرأ هذا الكتاب لذلك فإن هذا الشرح الذي ألفه "الشيخ فالح بن مهدي" المدرس بكلية العلوم الشرعية يؤدي هذا الغرض ويجلو ذلك الغموض ويسد فراغاً في إيضاح مقاصد شيخ الإسلام في كتابه التدمرية. وقد أحسن الأستاذ فالح صنعاً عندما جعل كتب شيخ الإسلام من أهم مراجعه التي استقى منها هذا الشرح. والأستاذ فالح الذي يقوم حاليا بالتدريس في كلية العلوم الشرعية التي تخرج منها عام ١٣٧٧هـ هو من خير من أنجبتهم هذه الكلية وقد

стр. 3

عرفته طالبا- في حلقات المشائخ- ثم دارسا في المعهد العلمي بالرياض- ثم في كلية الشريعة وأخيرا مدرسا في المعهد العلمي ثم في الكلية. وكان نبيهاً حافظاً طموحاً- متقدماً بين أقرانه وزملائه. ولم يكن الأستاذ فالح ممن فرش طريقه بالورود بل كان عصاميا فجد واجتهد حتى نال درجة هو بها جدير. ولم يثن عزيمته فقدان البصر، بل ربما كان حافزاً له على الجد في الدراسة والتحصيل "وهو اليوم إذ يقدم هذا الشرح للعقيدة السلفية "رسالة التدمرية " فإنه بذلك يضيف إلى المكتبة العربية والإسلامية كتابا نفيساً ينافح عن العقيدة السلفية، ويبين المذهب السلفي الصحيح الذي ينأى عن العقائد المحرفة والسفسطات المموهة والخرافات المشعوذة وهو مجهود ليس سهلا.. وعمل حرى بالتقدير والتكريم. إنني أدرك ما في مثل هذا العمل من صعوبة وما يحتاجه من صبر وبحث فقد عانيت في شرحي للعقيدة الواسطية "المسمى الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية المطبوع في أواخر سنة ١٣٧٧ وأوائل سنة ١٣٧٨ والذي هو أول شرح مطبوع للعقيدة الواسطية أقول عاينت في ذلك الشرح ما جعلني أقدر مجهود الأخ فالح في هذا الكتاب الذي أرجو أن ينفع الله به، وأن يثبت مؤلفه خيراً. وبالله التوفيق. حرر في ١٨/٥/١٣٨٥ هـ زيد بن عبد العزيز بن فياض

стр. 4

"حياة المؤلف" بقلم أحد تلاميذه علي بن حسن شهراني في قرية (الهدار) خلف سعد بن مهدي الدوسري، وأسرته هموم الحياة وضيق العيش، واستوطنوا (ليلى) حاضرة - إقليم الأفلاج فقرت بها أعينهم، واطمأنت قلوبهم ورضيت نفوسهم بما نالوا فيها من رغيد العيش وطيب المقام عن طريق العمل والكدح. مولده: وتمضي الأيام سريعة الخطى حتى عام ١٣٥٢هـ إذ أهلت فرحة وولد أمل فرحة غمرت قلوب الأسرة وأمل أنتشت به نفوس أفرادها ... تلك الفرحة وذلك الأمل مولد أستاذي الشيخ فالح بن مهدي. نشأته: ولد أستاذي فالح بن مهدي بن سعد بن مهدي بن مبارك آل مهدي الدوسري ونشأ كغيره من الأطفال في (ليلى) - الأفلاج -يقضي أوائل النهار في قراءة القرآن الكريم لدى أستاذه الأول "عبد العزيز بن يحيى بن سليمان البواردي" ويقضي أخره في مرح الطفولة وألعابها. كف بصره: وفي عام ١٣٦٢هـ وعمره عشرة أعوام أصيب برمد كف بصره وقد حزنت الأسرة لذلك كثيرا غير أن حزنها تضاءل عندما رأته يسير في قراءة

стр. 5

القرآن بجد ونشاط فيختمه عن ظهر قلب خلال ثلاث سنوات أي في عام١٣٦٥هـ وعمره ١٣ عاما. ولم يثبط من عزيمة أستاذي وهمته الطامحه ورغبته في العلم كف بصره إلى أن يهجر مسقط رأسه في الرياض حاضره العلم ومنبع العرفان، ليدرس على مشائخها الأجلاء. مشائخه: درس على الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ النحو وثلاثة الأصول والفرائض، ثم على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية كتاب التوحيد وكشف الشبهات والعقيدة الواسطية ولمعة الاعتقاد وبلوغ المرام وقطر الندى وكما درس في فترات على كل من الشيخ عبد اللطيف بن محمد آل الشيخ والشيخ سعود بن رشود والشيخ إبراهيم بن سليمان في علمي التوحيد والنحو. لتحاقه بمعهد الرياض العلمي: وفتح معهد الرياض العلمي عام١٣٧١هـ فالحق في السنة الثانية الثانوية ودخل صفوف الدراسة النظامية فسار فيها فكان في طليعة أقرانه على أيدي صفوة من علماء الفقه، والتوحيد، واللغة، والتفسير، والحديث حتى عام ٧٧ حيث أنهي دراسته العالية في كلية الشريعة، وبتخرجه ودع دنيا الدراسة إلى دنيا العمل حيث عين عام ١٣٧٨هـ مدرسا بمعهد الرياض العلمي ومكث به حتى عام ٨١ حيث رفع للتدريس بكلية الشريعة بالرياض ولا يزال بها حتى الآن. أستاذي كما عرفته: لقد عرفت أستاذي ديناً دمث الخلق متواضعا يحب التواضع يكره المظاهر أيا كانت يحب الحياة البسيطة لا يعكر صفوة سعادتها كدر.. يحب العلم وطلابه.

стр. 6

ويسرني أن اختتم هذه العجالة بأبيات نظمها ووجهها إلى أبنائه مهدي وسعد ومبارك يحثهم فيها على طلب العلم والتحلي بمكارم الأخلاق: تعلم بني العلم واتعب لنيله ... وزاحم ذوي التحصيل عند التعلم ولا ترضين بالجهل ما عشت صاحبا ... ذوو الجهل أشباه لموتى ونوم فبادر لأخذ العلم عن كل فاضل ... حريص على الطاعات خاش التأثم وصاحب من الطلاب براً مهذبا ... وباعد من الشرير واحذره تسلم وكن عاملاً بالعلم فالعلم خشية ... لذي العرش والتقوى أساس التفهم وكن عارفاً حق المعلم ناطقا ... بحسن سؤال منصتا للتكلم وكن حافظا للوقت واعلم بأنه ... ثمين على الإنسان فاشغله تغنم أمهدي وسعد والمبارك فاسمعوا ... ولا تعدلوا عن نهج أهل التعلم سألت إله العرش ربي وخالقي ... جزيل العطايا راحماً ذا ترحم يهبكم بني العلم والزهد والتقى ... وصل إله العالمين وسلم على المصطفى الهادي إلى خير شرعة ... وأصحابه أهل التقى والتقدم

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمد الله رب العالمين يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله فاللهم اجعلنا من المهتدين وأصلى وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين وحجة على المعاندين وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين هم بهديه مستمسكون وعلى نهجه سائرون: - أما بعد فإنه لما كان عام ألف وثلاثمائة وإحدى وثمانين للهجرة صدر أمر من نائب المفتي لشؤون الكليات والمعاهد العلمية صاحب الفضيلة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ بنقلي من التدريس بمعهد الرياض العلمي إلى التدريس بكلية العلوم الشرعية، وكان مما أسند إلي تدريسه بها مادة التوحيد للسنة الأولى وكان المقرر فيها "الرسالة التدمرية" لشيخ الإسلام بن تميمة وقد لاحظت أثناء تدريسي هذه الرسالة أنها في حاجة "ماسة إلى شرح يكشف النقاب عن غامضها ويميط اللثام عن مراميها" ويجمع مفصلها ويوضح مجملها فاستعنت الله تعالى على تأليف هذا الشرح وهو وإن كان مختصرا إلا أنه قد يستعين به الطالب القاصر المستفيد ولا يستغني عنه الأستاذ الراغب المستزيد، بذلت فيه الجهد والوسع رجاء أن يعم الله بنفعه وأن لا يحرمني أجره فرب دعوة مخلصة من مستفيد منه قبلها الله فكانت لي ذخراً يوم لقاه راجيا ممن وقف عليه أن يعمل بما قاله الأول: إن تجد عيبا فسد الخللا ... جل من لا عيب فيه وعلا وسميته "التحفه المهدية" شرح الرسالة التدمرية: وما توفيقي إلى بالله عليه توكلت وهو حسبي ونعم الوكيل:

стр. 8

صدق العزائم واللجاء ... لا لهنا أقوى سبب توفيق ربي وحده ... نعم المؤمل في الطلب والشوق خير مطية ... تطوي الفيافي في طرب بالأمس كنت وفكرتي ... واليوم تقرأ في كتب هذي رسالة تدمر ... لإمامنا عال الرتب أحببت تنبيها على ... ما كان فيها منتقب أو مجملا فصلته ... والشرح بسط المقتضب أسميته "مهدية" ... بل تحفة عبر الحقب نهج الرسول وصحبه ... نهج الأئمة لا عجب قد شع فيها نوره ... يرمي الضلالة بالشهب يرمي ضلالة واصل ... مع جهمهم أو من قرب صلى الإله وسلما ... ما هل ودق من سحب على النبي وصحبه ... بيض الصحائف والنجب فالح بن مهدي بن آل مهدي المدرس بكلية العلوم الشرعية بالرياض في غرة شهر ذي الحجة عام ١٣٨٤ من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم

стр. 9

نبذة عن حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ... وهذا أوان الشروع في المقصود قوله: قال الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني ﵁ وأرضاه: ش: الشيخ جمعه أشياخ وشيوخ وهو إما مصدر شاخ أو صفة وسمي المؤلف شيخا لما حوى من كثرة المعاني لأن معناه في الاصطلاح من بلغ رتبة أهل الفضل ولو صبيا، وأما في اللغة فمعناه من جاوز الأربعين، وقوله:- الإمام- معناه لغة المقدم على غيره، وفي الاصطلاح من يصح الإقتداء به، وله معان أخر، والعالم كل من اتصف بالعلم ولو كان مبتدئاً في الطلب، والعلامة- صفة مبالغة فلا يوصف بها إلا من حاز المعقول والمنقول والمراد بها هنا كثير العلم وقوله "شيخ الإسلام" أي عالم الإسلام وحجة الإسلام وذلك لما امتاز به على غيره من فرط الذكاء وسيلان الذهن وقوة الحافظة وغزار ة العلم، فقد كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا يعرف مثله ولم يبرح رحمه الله تعالى في ازدياد من العلم وتدريسه ونشره والاجتهاد في سبيل الخير حتى انتهت إليه الإمامة في العلم، والعمل، والزهد، والورع والحلم، والأناة، وبهذا استحق أن يلقب بحق شيخ الإسلام فهو كقولهم حجة الإسلام، ومعنى اللقبين العالم بعلوم الشريعة والحجة فيها. وقوله "تقي الدين" أي صينه ونقيه، فقد كان ورعاً صواما ذاكراً لله تعالى في جميع أحواله عابداً ناسكاً وقافاً عند حدود الله، وقوله "أبو العباس " أحمد: يعني- ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي

стр. 10

البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني نزيل دمشق. وقد ذكر ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان أن المسؤول عن اسم تيمية هو محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله: فعلى هذا يكون عبد السلام بن عبد الله بن محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله المعروف بابن تيمية: قوله: "ابن تيمية " سبب نسبته إلى تيمية هو ما ذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ "اربل " قال سألت محمدا يعني ابن الخضر عن اسم تيمية ما معناه " فقال حج أبي أو جدي أنا أشك أيهما قال: وكانت امرأته حاملا فلما كان بتيماء رأى جويرية حسنة الوجه قد خرجت من خباء فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد وضعت جارية فلما رفعوها إليه قال: يا تيمية يا تيمية، يعني أنها تشبه التي رآها بتيماء فسمي بها أو كلاما هذا معناه وتيماء بليدة في بادية تبوك إذا خرج الإنسان من خيبر إليها تكون على منتصف طريق الشام. وتيمية نسبة إلى هذه البليدة وكان ينبغي أن تكون تيماوية لأن النسبة إلى تيماء تيماوي لكنه هكذا قال واشتهر كما قال: قوله الحراني نسبة إلى حران وهي مدينة مشهورة ذكر ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تاريخه أن هارون عم إبراهيم الخليل ﵊ عمرها فسميت باسمه فقيل هاران ثم أنها عربت فقيل حران وهاران المذكور هو أبو سارة زوجة إبراهيم وكان لإبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام أخ يسمى هاران أيضا وهو أبو لوط ﵇. وقال الجوهري في كتاب الصحاح حران اسم بلد والنسبة إليه حرناني على غير قياس والقياس حراني على ما عليه العامة وهذه الكلمة الوجيزة عبارة عن تقدمة تعريفية بالمؤلف تشير إلى مكانته العلمية ونسبه ووطنه فهي من بعض تلاميذه أو غيرهم ممن نسخو هذه الرسالة أما صلب

стр. 11

كلام المؤلف فيبدأ من قوله الحمد لله نحمده ونستعينه: وقد ولد الشيخ بحران يوم الاثنين عاشر وقيل ثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة ستمائة وإحدى وستين هجرية وسافر والده به وبإخوته عند جور التتار إلى دمشق أثناء سنة ستمائة وسبع وستين وقد برع في الفنون العديدة وهو ابن بضع عشرة سنة فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه وسيلان ذهنه وقوة حافظته وسرعة إدراكه وقد سمع العلم عن أكثر من مائتي شيخ وجهاده بلسانه وسنانه في سبيل الله مشهور معروف وقد حسده منافسوه وسعوا في مكيدته بغيا وعدواناً وجرى له من المحن أشياء كثيرة منها محنته بسبب تأليفه الحموية ومنها سجنه بسبب فتياه في الطلاق ولما كان في سنة سبعمائة وست وعشرين وقع الكلام في شد الرحال وإعمال المطي إلى قبور الأنبياء والصالحين فأفتى الشيخ ﵀ بالمنع عن شد الرحال فحصل ما حصل من قضاة عصره وعلماء زمانه فحبس بأمر من السلطان بقلعة دمشق وقد بقي مقيما بهذه القلعة سنتين وثلاثة أشهر وأياما ثم توفي إلى رحمة الله ورضوانه سنة سبعمائة وثمان وعشرين: وكان في هذه المدة مكباً على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب والرد على المخالفين فما حاله مع خصومه إلا كما قال الشاعر: فإن تسجنوا القسرى لا تسجنوا اسمه ... ولا تجنوا معروفه في القبائل وإذا صح لنا أن نسلب معنى بيت الشاعر قلنا: فإن تسجنوا التيمي لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا مأثورة في العوالم

стр. 12

خطبة الحاجة ... قوله: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبد هـ ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 13

ش: هذه خطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلمها أصحابه روى الإمام أحمد والأربعة من حديث عبد الله بن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الحاجة: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله": والحاجة هنا عامة تقال في النكاح وغيره كما في الرواية التي عند البيهقي من حديث ابن مسعود إذا أراد أحدكم أن يخطب لحاجة من النكاح أو غيره فليقل "الحمد لله نحمده ونستعينه" الخ. ويشهد لهذا ما روي من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلا كلم النبي ﷺ في شيء فقال النبي ﷺ "إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". أما بعد: قال شيخ الإسلام بن تيمية: والأحاديث كلها متفقة على أن نستعينه نستغفره ونعوذ به بالنون والشهادتان بالإفراد، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وقد ذكر لهذا علة وجيهة ونكتة بديعة وهي قوله "لما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد ولا تقبل النيابة بحال افرد الشهادة بها: ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار أموراً تقبل النيابة فيستغفر الرجل لغيره ويستعين الله له ويستعيذ بالله أتى فيها بلفظ الجمع " ولهذا يقول: اللهم أعنا واغفر لنا، قال وفيه معنى آخر وهو أن الاستعانة والاستعاذة والاستغفار طلب وإنشاء فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين وأما الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله بالوحدانية ولنبيه

стр. 14

بالرسالة وهي خبر يطابق عقد القلب وتصديقه وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه لعلمه بحاله بخلاف إخباره عن غيره فإنه إنما يخبر عن قوله ونطقه لا عن عقد قلبه والله أعلم، "وقد جاء لفظ الحمد في بعض الروايات بغير النون وفي حديث ابن عباس نحمده بالنون مع أن الحمد لا يتحمله أحد عن أحد ولا يقبل النيابة فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فيه فقد جاءت بهذه الصيغة لتكون ألفاظ الحمد والاستعانة والتعوذ والاستغفار على نسق واحد" وقوله: "من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" يعني أن الهداية والإضلال بيد الله يهدي من يشاء بفضله ورحمته ويضل من يشاء بعدله وحكمته وهو أعلم بمواقع فضله وعدله وهو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة: قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أولِياءَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى أمثال هذه الآيات الكريمة الدالة علي هذا المعنى: فمن العباد الشقي وهو من أضله بعدله ومنهم السعيد وهو من وفقه وهداه بفضله فلله الحمد على فضله وعدله. وهذه الخطبة كثيراً ما يفتتح بها المؤلفون كتبهم اقتداء بالنبي ﷺ حيث جاء عنه ﷺ أنه كان في غالب أحواله يفتتح خطبه بخطبة الحاجة وذلك والله أعلم لما اشتملت عليه من صدق اللجاء إلى الله وطلب العون منه والاعتماد عليه والتبري من الحول والقوة إلا به سبحانه والإقرار بوحدانيته وطلب المغفرة منه والاستعانة به من شرور النفس وسيئات الأعمال.

стр. 15

الداعي إلى تحقيق أصلي التوحيد ... قوله: أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد، والصفات، والشرع، والقدر لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين وكثرة الاضطراب فيهما. فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما، ومع أن أهل النظر، والعلم، والإرادة، والعبادة: لابد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر، والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال. لاسيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة وبالباطل تارات، وما يعتري القلوب في ذلك: من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات. ش: يشير المؤلف إلى أن هذه الرسالة عبارة عن مجموعة تقريرات سمعها منه تلاميذه فعز عليهم أن تترك دون تقييد لها مع دعاء الحاجة إلى ذلك والظاهر أن التلاميذ الذين سألوه كتابتها كانوا من أهل "تدمر" كما قال تلميذه ابن عبد الهادي عند بيانه لمصنفات الشيخ قال: ورسالة كتبها لأهل تدمر- انتهى: وتدمر بلدة من بلدان الشام من أعمال حمص وهذا وجه نسبة الرسالة إليها وقد بين المؤلف الأسباب التي من أجلها ألف هذه الرسالة وهي أولا مسيس الحاجة إلى تحقيق الأصلين، ثانيا كثرة الاضطراب فيهما وقوله " فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما ومع أن أهل النظر" الخ. الظاهر أن خبر إن في قوله- فإنهما - إلى قوله من الشبه - التي توقعها في أنواع الضلالات- محذوف تقديره لفي أمس الحاجة إلى التحقيق والإيضاح الكامل والبيان الشافي، وقد أشار المؤلف فيما بين ذلك إلى الأسباب الموجبة للتحقيق والإيضاح وهي أولا: حاجة الناس إلى هذين الأصلين إذ بهما قوام الدين. ثانيا: أن أهل النظر والعلم والإرادة والعبادة، يحصل عندهم من الخلجات النفسية في هذا الباب ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال خاصة وأن هذا الباب قد خاض فيه بعض الناس

стр. 16

بالحق تارة وبالباطل مرات عديدة مما سبب بعث الشبه وإدخال الشكوك إلى القلوب، والذين يقومون بهذا الخوض هم الذين اندسوا في عداد المسلمين لا رغبة في الإسلام بل ليكيدوا له ولأهله فإن العقيدة السلفية مازالت على منصة العزة وقمة الكرامة حتى استطاع أعداء الإسلام أن يندسوا بين ظهراني المسلمين وأن يلبسوا الحق بالباطل ويزخرفوا الشبهات والشكوك باسم الدين وفي صورة تنزيه الله عما لا يليق به فردوا آيات الله وحرفوا كتاب الله وعطلوا صفاته العليا وأسماءه الحسنى التي وصف بها نفسه ووصفه بها نبيه محمد ﷺ ومازالوا يجلبون بنظريات اليونان ومقالات الفرس والهند وآراء الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وإخوانهما من أولئك الزائفين الملحدين حتى راجت تلك الترهات ومضت في طريقها إلى القلوب المريضة تفرح بها والى الأقلام الموبوءة تسجلها على الصحف وتسود بها وجوه الكتب وتنقلها جراثيم فساد وإفساد إلى الذين فتنوا بها فتلوث العقول والفطر وإذاً. فثالث الأسباب لتحقيق هذين الأصلين هو كثرة من خاض في هذا الباب بالحق تارة وبالباطل تارات. ورابعها ما يعتري القلوب من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات ونتيجة لذلك أصبحت كتب التوحيد بحاجة إلى من يصقلها ويبعد عنها تلك الترهات والشبه التي دسها هؤلاء المغرضون بحيث يعود التوحيد صافيا نقيا لا لبس فيه كما كان في عهد الرسالة حيث كان محمد بن عبد الله ﷺ يبلغ عن ربه ثم ينقل عنه صحابته "ذلك التوحيد ناصع البياض " والمقصود أن هذين الأصلين بعد خلط كتب التوحيد بعلم الكلام ومقالات الفرس واليونان قد أصبحنا في حاجة ماسة إلى التحقيق وبيان الهدى من الضلال ولقد أحسن القائل: لا تخش من بدع لهم وحوادث ... ما دمت في كنف الكتاب وحرزه من كان حارسه الكتاب ودرعه ... لم يخش من طعن العدو ووخزه

стр. 17

لا تخش من شبهاتهم واحمل إذا ... ما قابلتك بنصره وبعزه والله ما هاب امرؤ شبهاتهم ... إلا لضعف القلب منه وعجزه والشبهات جمع شبهة "وهي برزخ بين الحق والباطل " وقد جعل الله بين كل متباينين برزخاً وأهل النظر والعلم والإرادة والعبادة هم قوم من أهل السلوك والسير إلى الله والنظر هو التأمل والتفكر في آيات الله الأفقية والنفسية والعلم هو النور الذي يقذفه الله في القلب وذلك بأن يتحقق انتفاعه مما دعته إليه الرسل وتضرره بمخالفتهم والإرادة هي العقد الجازم على المسير، ومفارقة كل قاطع وعائق، ومرافقة كل معين وموصل، والعبادة "هي كمال الذل والخضوع لله والانكسار له والافتقار إليه مع كمال الحب" وكل هذه الأوصاف التي ذكر المؤلف هي منازل أهل السير إلى الله.

стр. 18

الكلام في باب توحيد الربوبية من باب الخبر، وفي باب الشرع من باب الإنشاء ... قوله: فالكلام في باب "التوحيد والصفات " هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، "والكلام في الشرع والقدر" هو من باب الطلب، والإرادة: الدائر بين الإرادة والمحبة، وبين الكراهة والبغض نفيا وإثباتا، والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات، والتصديق، والتكذيب، وبين الحب والبغض، والحض والمنع، حتى أن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الآخر معروف عند العامة والخاصة وعند أصناف المتكلمين في العلم، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الإيمان وكما ذكره المقسمون للكلام، من أهل النظر، والنحو، والبيان، فذكروا أن الكلام نوعان خبر، وإنشاء، والخبر دائر بين النفي والإثبات والإنشاء أمر، أو نهي، أو إباحة. ش: الخبر معناه الكلام المخبر به كما في قولهم الخبر هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، فالخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته،

стр. 19

ويجوز أن يثبت كما يجوز عليه أن ينفى مع قطع النظر عن قائله. وذكر المؤلف أن التوحيد الطلبي الإرادي منقسم إلى مطلوب مراد، وإلى ممنوع مبغض، وقوله في الأول نفيا، وإثباتا معناه أن منه ما يثبت كإثبات أن الله الخالق الرازق، الموصوف بصفات الكمال، ومنه ما ينفى كنفي الشريك له والمثل والكفؤ، وقوله كما ذكره الفقهاء في كتاب الإيمان يعني عند ذكرهم أن اليمين لابد أن تكون على مستقبل ممكن فلا تنعقد على ماض كاذباً عالماً به "وهي الغموس " أو ظاناً صدق نفسه فيتبين بخلافه ومعناه الثاني أن منه ما هو مثبت كالأوامر فهي مراد مطلوب فعلها، ومنفي، كالنواهي. ففعلها مكروه مبغض ممنوع وذكر أن الفرق بين الإثبات والنفي، والتصديق والتكذيب، وبين المحبوب المراد، وبين المكروه المبغض، معروف لدى كل أحد. مستقر في الفطر وقد نص على ذلك الفقهاء والأصوليون والباحثون في قواعد اللغة العربية والبلاغة، فإن صحة هذا التقسيم اللفظي تابع لصحة انقسام المدلول المعنوي، فإن هذه حقائق ثابتة في نفسها معقولة متميزة يميز العقل بينها ويحكم بصحة أقسامها. فالمقصود أن معاني الكلام: أما طلب، والطلب أمر ونهي "وهو الإنشاء" وأما خبر وهو ما يصح إثباته كما يصح نفيه لذاته " فمن الطلبي الإرادي توحيد، الشرع "والقدر" فمنه ما هو مطلوب مراد محبوب" كالتوحيد وسائر الطاعات "ومنه ما هو مبغض ممنوع "كالشرع والمعاصي" ومن الخبري "توحيد الربوبية والأسماء والصفات، فمنه ما يثبت كأوصاف الكمال ونعوت الجلال، ومنه ما ينفي، كنفي النقص والعيوب والشريك والمثيل.

стр. 20

ما يجب على العبد في كل منهما ... قوله: وإذا كان كذلك، فلابد للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات الكمال، وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال ولابد له

стр. 21

في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره فيؤمن بخلقه التضمن كمال قدرته، وعموم مشيئته ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه، من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدره أيماناً خاليا من الزلل. ش: يقول المؤلف وإذا كان منقسماً إلى منفي ومثبت. والطلب إلى محبوب مراد. ومبغض ممنوع، فيجب في باب الصفات أن يثبت لله من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، ما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ كما أنه يجب نفي النقائص والعيوب عن الله سبحانه وسيَأتِي شرح هذه الجملة إذ شاء الله تعالى، إذ الكلام على هذا الأصل هو جل موضوع هذه الرسالة. وأما الأصل الثاني وهو"توحيد الشرع والقدر" فيجب أن يثبت لله ويسلم له ما شرعه من أحكام ويؤمن بقدر السابق، فإن الإيمان بالقدر مرتبط بامتثال الشرع، وامتثال الشرع مرتبط بالإيمان بالقدر، وانفكاك أحدها من الآخر محال، فإن الإقرار بالقدر مع الاحتجاج به على الشرع ومحاربته به مخاصمة لله تعالى في أمره وشرعه، ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه، وطعن في حكمته وعدله، وانتقاد عليه في إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونسبة أحكم الحاكمين وأعدل العادلين إلى العبث والظلم، في ذلك كله وكذلك الانقياد "للشرع " مع نفي القدر وإخراج أفعال العباد ذلك كله، وكذلك الانقياد "للشرع" مع نفي القدر وإخراج أفعال العباد عن قدرة الباري وجعلهم مستقلين مستغنين عنه طعن في ربوبية المعبود وملكوته ونسبته إلى العجز، فالإيمان بالقدر"خيره وشره " هو نظام التوحيد كما أن الإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره واستعانة الله عليهما "هو نظام الشرع" ولا ينتظم أمر الدين ولا يستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر النبي ﷺ الإيمان بالقدر ثم قال: لما قيل له، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: "لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له" فمن نفى القدر وزعم منافاته للشرع فقد عطل الله عن علمه وقدرته ومعاني

стр. 22

ربوبيته، وجعل العبد مستقلا بأفعاله، خالقاً لها فأثبت خالقاً آخر مع الله تعالى، بل أثبت أن لجميع المخلوقين خالقون ومن أثبته محتجاً به على الشرع محارباً له به نافيا عن العبد قدرته التي منحه الله تعالى إياها وأمره ونهاه، فقد نسب الله تعالى إلى الظلم، وإلى العبث، وإلى ما لا يليق به، فالمؤمنون حقا يؤمنون "بالقدر خيره وشره" وأن الله تعالى خالق ذلك كله لا خالق غيره ولا رب سواه وينقادون للشرع أمره ونهيه ويصدقون خبر الكتاب والرسول ويحكمونه في أنفسهم سراً وجهراً وهذا هو الإيمان الخالي من الزلل.

стр. 23

دلالة سورتي الإخلاص على أنواع التوحيد ... قوله: وهذا يتضمن" التوحيد في عبادته"وحده لا شريك له، وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل، والأول يتضمن" التوحيد في العلم والقول" كما دل على ذلك سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ودل على الأخر سورة ﴿قُلْ يا أيهَا الْكَافِرُونَ﴾ وهما سورتا الإخلاص، وبهما كان النبي ﷺ يقرأ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر، وركعتي الطواف، وغير ذلك. ش: الإشارة في قوله "وهذا" راجعة إلى توحيد الشرع والقدر وكما يسمى بذلك، يسمى أيضا التوحيد الطلبي الإرادي، وتوحيد العبادة، وتوحيد الألوهية. والتوحيد الفعلي نسبة إلى أفعال العباد، وتوحيد القصد والعمل، فهذه كلها ألقاب لهذا النوع وقوله "والأول " يعني "توحيد الربوبية والأسماء والصفات " السابق ذكره في كلامه ﵀، ويسمى هذا النوع، التوحيد العلمي، القولي والعلمي الخبري. وتوحيد الربوبية، والأسماء والصفات وتوحيد المعرفة والإثبات، والإشارة في قوله "كما دل على ذلك " راجعة إلى "توحيد الربوبية، والأسماء والصفات " وقوله "ودل على الآخر"يعني "وهو توحيد العبادة " وقوله "وهما سورتا الإخلاص، الضمير راجع إلى سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وسورة ﴿قُلْ يا أيهَا الْكَافِرُونَ﴾ وسميتا

стр. 24

بالقصد والإرادة " وأما سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فمتضمنة للتوحيد القولي العلمي كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رجلا كان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في صلاته فقال النبي ﷺ سلوه لم يفعل ذلك؟ فقال: لأنها صفة الرحمن فإنا أحب أن أقرأ بها فقال أخبر وه أن الله يحبه، "فقل يا أيها الكافرون" اشتملت على التوحيد العملي نصا؟ وهي دالة على العلمي لزوماً و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ اشتملت على التوحيد القولي نصا وهي دالة على التوحيد العملي لزوماً. ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر، والظاهر أن السر في قراءته ﷺ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وسورة ﴿قُلْ يا أيهَا الْكَافِرُونَ﴾ في ركعتي الطواف أنه لاستحضار عظمة الله وإشعار القلب أن الطواف بالكعبة ليس عبادة لها، وإنما هو عبادة الله الأحد الصمد الذي لا يستحق العبادة سواه، وإنما الطواف كسائر العبادات امتثالا لأمر الله وشرعه، على حد قول عمر ﵁، لما قبل الحجر الأسود "والله أني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك" وقوله: وغير ذلك، يعني كالمغرب والوتر فإن النبي ﷺ كان يقرأ بهما في ذلك، لأن المغرب خاتمة النهار، والوتر خاتمة عمله بالليل كما كان يقرأ بها في الفجر ليكون أول نهاره توحيداً.

стр. 25

الأصل في باب الأسماء والصفات ... قوله: فأما الأول، وهو التوحيد في الصفات فالأصل في هذا الباب أن

стр. 26

يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله نفيا وإثباتا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه. ش: قوله فأما الأول. يعنى من الأصلين وهو توحيد الأسماء والصفات: فالأصل فيه أن يوصف الله بما وصف به نفسه في كتابه العزيز، وبما وصفه به رسوله ﷺ فيما صح عنه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه وما نفاه رسوله ﷺ ، قال الإمام أحمد "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث " ويعلم أن ما وصف الله به نفسه من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي. بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لاسيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بها يقول، وأنصح الخلق في بيان العلم وأفصح الخلق في البيان، والتعريف، والدلالة، والإرشاد، وهو سبحانه مع ذلك "ليس كمثله شيء" لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله: فكما نستيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقول الإمام أحمد "لا يتجوز القرآن والحديث " معناه أن الأسماء والصفات توقيفية، فمصدرها الكتاب والسنة.

стр. 27

نموذج مما ورد عن بعض السلف في هذا الباب ... يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله نفيا وإثباتا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه. ش: قوله فأما الأول. يعنى من الأصلين وهو توحيد الأسماء والصفات: فالأصل فيه أن يوصف الله بما وصف به نفسه في كتابه العزيز، وبما وصفه به رسوله ﷺ فيما صح عنه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه وما نفاه رسوله ﷺ ، قال الإمام أحمد "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث " ويعلم أن ما وصف الله به نفسه من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي. بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لاسيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بها يقول، وأنصح الخلق في بيان العلم وأفصح الخلق في البيان، والتعريف، والدلالة، والإرشاد، وهو سبحانه مع ذلك "ليس كمثله شيء" لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله: فكما نستيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقول الإمام أحمد "لا يتجوز القرآن والحديث " معناه أن الأسماء والصفات توقيفية، فمصدرها الكتاب والسنة. قوله: وقد علم أن طريقة سلف الأمة، وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد: لا في أسمائه ولا في آياته. ش: معناه أن السلف ﵃ ورحمهم لا يتجاوزون طريقة الكتاب والسنة ولا يخالفون ما جاء فيهما بل يؤمنون بذلك ويصفون الله بما

стр. 28

وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ والمراد بالسلف الصحابة والتابعون وتابعوهم وكل من سلك طريقهم فهو سلفي نسبة إليهم ومعنى السلف المتقدمون بعكس الخلف فإنهم المتأخرون، فمن جاء بعد القرون المفضلة وسلك طريقة المبتدعين فهو من الخلف ومن هؤلاء السلف "الإمام أحمد، ونعيم بن حماد، ومحمد بن إدريس الشافعي، والإمام مالك بن أنس" وبناسب أن نذكر هنا بعض ما جاء عن هؤلاء الأئمة في الصفات قال نعيم بن حماد شيخ البخاري رحمهما الله "من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ تشبيه ولا تمثيل " وقال الإمام الشافعي: ﵀ لله أسماء وصفات لا يسع أحداً جهلها فمن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر وأما قبل قيام الحجة فيعذر بالجهل، وقد سبقت الإشارة إلى بعض ما جاء عن الإمام أحمد. في هذا الباب، أما الإمام مالك ﵀ فيَأتِي بعض ما جاء عنه في هذا الباب في موضعه من هذه الرسالة. والتكييف معناه تعيين كنه الصفة، يقال كيف الشيء أي جعل له كيفية معلومة، وكيفية الشيء صفته وحاله، ومعنى التكييف اصطلاحا تعيين كنه الصفة وكيفيتها: فالمكيفة هم الذين يطلبون تعيين كنه صفات الباري، وهذا مما استأثر الله به، فلا سبيل إلى الوصول إليه، والتمثيل هو التشبيه، يقال مثل الشيء بالشيء إذا سواه وشبهه به وجعله مثله، وعلى مثاله فالشبيه والمثيل والنظير ألفاظ متقاربة، ومعنى التحريف تغيير ألفاظ الأسماء والصفات أو تغيير معانيها: فالتحريف لغة التغيير وإمالة الشيء عن وجهه: يقال أنحرف عن كذا أي مال وعدل- واصطلاحا هو تغيير ألفاظ الأسماء والصفات أو معانيها: فالتحريف ينقسم إلى قسمين، الأول تحريف اللفظ كقراءة بعض المبتدعة قول الله سبحانه ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ بنصب لفظ الجلالة، والثاني: التحريف المعنوي، كقولهم

стр. 29

في قوله ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استولى عليه: والتعطيل لغة الاخلاء، يقال جيد عطل- أي خال من الزينة ومعناه هنا جحد الصفات، وإنكار قيامها بذاته سبحانه، ونفي ما دلت عليه من صفات الكمال، وقوله "من غير إلحاد" أي من غير ميل وعدول عن الحق الثابت والإلحاد معناه لغة الميل والعدول عن الشيء، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة، واصطلاحا العدول بأسماء الله وصفاته وآياته عن الحق الثابت، فإن إتباع رسوله وورثته القائمين بسنته لم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدولوا بها عما أنزلت له لفظا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتهم بريئاً من التشبيه، وتنزهيهم خاليا من التعطيل، لا كمن شبهه حتى كأنه يعبد صنما أو عطله كأنه يعبد عدماً، فإثبات أوصاف الكمال ونفي المماثلة هي طريقة أتباع الرسل وورثة الأنبياء، بخلاف الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ويتأولون نصوص الصفات على غير تأويلها، ويدعون فيها صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بغير دليل سوى آرائهم الكاسدة وشبههم الفاسدة التي ظنوها بينات وإنما هي في واقع الأمر جهالات وضلالات فتأويلهم لنصوص الصفات حقيقته تحريف كلام الله وكلام رسوله عن مواضعه، وكذب وافتراء على الله وعلى رسوله، فإن التأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاء في الكتاب والسنة، وما خالف ذلك باطل: فإن كل تأويل لم يدل عليه دليل من الكتاب ولا معه قرينة تقتضيه فهذا لا يقصده الهادي المبين بكلامه إذ لو قصده لحف به قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ: فإن الله أنزل كلامه بياناً وهدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم يلحق به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد لم يكن بياناً وهدى. فالتأويل إخبار بمراد المتكلم لا إنشاء، فإذا قيل يعنى اللفظ كذا وكذا كان إخبارا بالذي عنى

стр. 30

المتكلم فإن لم يكن الخبر مطابقاً كان كذباً عليه. قوله: فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كانوا يَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إن الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ الآية فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتا بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل. كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ففي قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل وقوله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل. ش: يعني أن السلف أثبتوا لله أوصاف الكمال ونفوا عنه مماثلة المخلوقات، فلم يسلكوا طريقة المبتدعين الذين ذمهم الله على إلحادهم وتحريفهم الكلم عن مواضعه، ووجه الذم في الآية الأولى أن الله أمر بترك الملحدين واجتناب طريقتهم وتهددهم له تعالى بقوله ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كانوا يَعْمَلُونَ﴾ بعد أن أخبر بأن له الأسماء الحسنى- وهي الكاملة العليا- وفي الآية الثانية أخبر أن إلحاد الملحدين غير خاف عليه سبحانه، بل هو يعلمه، وهذا تهديد لهم أكده بقوله ﴿َأفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ فأخبر أن الآمنين هم الذين لا يلحدون في آياته، والذين يلقون في النار هم الملحدون ثم توعدهم بقوله ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ أنهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ والعرب قد تخرج الكلام بلفظ الأمر ومعناه فيه النهي، أو التهديد والوعيد كما قال تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ فقد خرج ذلك مخرج الأمر، والمقصود به التهديد والوعيد والزجر، والشاهد من الإلحاد هنا هو إلحاد التشبيه، والحاد التعطيل، فإن للإلحاد خمسة

стр. 31

أقسام: ثالثها تسمية الأصنام بأسماء الله كتسمية اللات من الإله، والعزى من العزيز، ونحوه: ورابعها تسميته سبحانه بما لا يلق بجلاله، كتسمية النصارى له أباً وتسمية الفلاسفة له موجباً أو علة فاعله: وخامسها وصفه بما يتعالى ويتقدس عنه من النقائص كقول أخبث اليهود أن الله فقير، وقولهم يد الله مغلولة فذم الملحدين بالتشبيه لتشبيههم صفات الله بصفات خلقه، وذم الملحدين بالتعطيل لتعطيلهم الأسماء الحسنى عن معانيها وجحد حقائقها، تعالى الله عن قول الملحدين علواً كبيراً: والمقصود أن السلف أثبتوا لله ما يجب إثباته إثباتا بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، على مقتضى قوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ والكاف في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أصح الأقوال فيها أنها صلة والحروف الزائدة تأتي في الأسلوب العربي لتقوية المعنى وتأكيده كما في قول الشاعر: ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يوازيه في الفضائل وعلى هذا يكون المعنى ليس مثل الله شيء: والقول الثاني أن الكاف بمعنى مثل، وعلى هذا يكون المعنى ليس مثل الله شيء، ووجه كونها ردا على المشبهة، الممثلة، النفي الصريح بأنه ليس مثل الله شيء ووجه كونها رداً على أهل الإلحاد والتعطيل، أن فيها نسبة السمع والبصر إلى الله حقيقة، وذلك يقتضي أتصاف الباري بها وإذا كان متصفاً بها وهى على ما يليق به فكذلك سائر الصفات.

стр. 32

بعث الله رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل ... قوله: والله سبحانه: بعث رسله "بإثبات مفصل، ونفي مجمل، فاثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل، كما قال تعالى ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا؟﴾

стр. 33

قال أهل اللغة هل تعلم له سميا؟ أي نظيراً يستحق مثل اسمه، ويقال مساميا يساميه، وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا﴾ مثيلا أو شبيهاً. وقال تعالى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وقال تعالى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً﴾ وقال تعالى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَان عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ وقال تعالى ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إناثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلا إنهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإنهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَان مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ أنهُمْ لَمُحْضَرُونَ سبحان اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ إلى قوله ﴿سبحان رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فسبح نفسه عما يصفه المفترون المشركون، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك، وحمد نفسه إذ هو سبحانه المستحق للحمد بما له من الأسماء والصفات، وبديع المخلوقات. ش: المعنى أن ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات الصفات جاء على طريقة التفصيل: مثل وصفه بالاستواء، والعلم، والقدرة، والمحبة، والرضا، وما جاء في الكتاب والسنة من نفي مماثلة أحد من الخلق للباري سبحانه جاء على طريقة النفي الإجمالي، كقوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا﴾ وقوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ونحو ذلك فنفى المماثلة مطلقاً

стр. 34

والمشابهة والمسامات مطلقاً ولم ينف المماثلة في شيء معين كأن يقول لا سمي له في علمه، أوفي استوائه، أولا مثل له في محبته، أو كلامه ونحو ذلك. والواو في قوله "فأثبتوا ونفوا" مرجعه الرسل ثم أتباعهم من أئمة الدين وأهل السنة والجماعة، وقد سبق معنى هذا: ومقصود المؤلف أن السلف يثبتون إثباتا مفصلا، وينفون نفيا محملا، علي طريقة الكتاب والسنة، ثم شرع ﵀ يمثل للنفي الإجمالي في القرآن الكريم فذكر آية "مريم " وكلام اللغويين في معنى السمي: والمعنى أنه ليس له مثل ولا نظير حتى يشاركه في العبادة: فلما انتفى المشارك استحق الله سبحانه أن ينفرد بالعبادة وتخلص له: هذا مبني على أن المراد بالسمي هو الشريك في المسمى- وقيل المراد به- الشريك في الاسم كما هو الظاهر من لغة العرب- وقوله: "وهذا ما يروى عن ابن عباس" يعني أن ابن عباس فسر السمي بالشبيه والنظير، وإذا قيل في الآية هل تعلم له سميا، يستحق مثل اسمه أو مساميا يضارعه؟ فالمعنى لا شبيه له ولا نظير: والاستفهام في الآية مراد به النفي فالمعنى لا سمي له في الاسم ولا المسمى. قال أهل اللغة "المعنى أنه لم يسم شيء من الأصنام ولا غيرها بالله قط " يعني بدخول الألف واللام التي عوضت عن الهمزة ولزمت قال الزجاج "تأويله والله أعلم هل تعلم له سميا يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون "وعلى هذا لا سمي لله في جميع أسمائه، لأن غيره وإن سمي بشيء من أسمائه فلله سبحانه حقيقة ذلك الوصف، والمراد بنفي العلم المستفاد من الإنكار هنا نفي المعلوم على أبلغ وجه وأكمله. ووجه الدلالة من الآية الثانية أن الله نفى أن يكون له كفوء أي شبيه ونظير مكافئ له، فنفى المكافأة والمشابهة عموماً، وهذا نفي مجمل والشاهد قوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وأما قوله تعالى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ فهي من باب

стр. 35

النفي المفصل لأنه نفى صفة معينة، وقد خرجت هذه الآية عن القاعدة الأغلبية: وهي أن طريقة القرآن في النفي "الإجمال " وذلك لسببين: الأول أن اليهود والمشركين نسبوا الولد إلى الله فرد الله عليهم ونفى هذه الصفة بعينها. والثاني أن الولد والولادة صفة كمال في المخلوق، فنفيت لئلا يتوهم أن الله متصف بها، فهي وإن كانت وصف كمال في المخلوق إلا أنه كمال مقترن بالنقص، هذا هو السبب في خروج هذه الآية عن القاعدة ولها نظائر قليلة. الآية الثالثة والرابعة "الأنداد" جمع ند وهو الشبيه، والنظير فلا شبيه لله ولا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، والشاهد من الآيتين الدلالة على النفي المجمل، فإنه لم يقل لا ند له في علمه أو استوائه أو قدرته ونحو ذلك. الآية الخامسة: "الجن" الشياطين المعنى جعلوا الشياطين شركاء الله حيث أطاعوهم "خرقوا" اختلقوا وافتروا "بديع " مبدع ومخترع الأشياء على غير مثال سابق "أنى يكون " كيف أو من أين يكون والشاهد من الآية- الدلالة على النفي المجمل حيث نزه نفسه عما يصفه به المفترون المشركون على وجه العموم. الآية السادسة" تبارك" تعاظم وتقدس " الفرقان" القرآن والشاهد من الآية الدلالة على النفي المجمل حث إنه لا مثل له لاتصافه بصفات الكمال وانفراده بالوحدانية. فنفي العيوب والنقائص يستلزم ثبوت الكمال، ونفي الشركاء يقتضي الوحدانية وهو تمام الكمال. الآية السابعة "أفكهم " كذبهم "اصطفى" اختار"سلطان " حجة وبرهان "الجنة " الملائكة، والشاهد من الآية الدلالة على النفي المجمل حيث نزه نفسه عما يصفه به المفترون تنزيهاً عاما عن كل ما ينسب إليه مما لا يليق به "وابن عباس " هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ﵄ الإمام البحر عالم الأمة، ابن عم رسول الله ﷺ مات رسول الله ﷺ ولعبد الله ثلاث عشرة سنة وقد دعا له النبي ﷺ أن يفقهه الله في الدين، ويعلمه التأويل، روى عكرمة عن ابن عباس قال:

стр. 36

دخل رسول الله ﷺ المخرج ثم خرج فإذا تور مغطى فقال: من صنع هذا؟ قال عبد الله: فقلت أنا، فقال: اللهم علمه تأويل القرآن! وقال ابن مسعود "نعم ترجمان القرآن ابن عباس لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد" توفي ابن عباس بالطائف في سنة ثمان وستين فصلى عليه محمد بن الحنفية وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة ﵁. قوله: "وأما الإثبات المفصل " فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته كقوله ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الآية بكمالها، وقوله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ السورة وقوله ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ، ﴿هُوَ الْأولُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . وقوله ﴿ذَلِكَ بِأنهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ وقوله ﴿فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية وقوله ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وقوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ وقوله ﴿إن الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ﴾ وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أن يَأتِيهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَان فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أو كَرْهاً قَالَتا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ وقوله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ وقوله ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانبِ الطُّورِ الْأيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيا﴾ وقوله ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقوله: ﴿إنما أَمْرُهُ

стр. 37

إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقوله ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سبحان اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ش: سبق الكلام على النفي المجمل وهذا بيان الإثبات المفصل، وقد ذكر المؤلف أن الله قد ذكر من أسمائه، وصفاته، ما هو واضح بين مفصل، في القرآن تفصيلا لا غموض معه والصمد هو الذي يقصد في الحوائج دون سواه، والصمد الذي لا جوف له، "الودود" كثير المودة وهي أعلا درجات المحبة "المجيد" العظيم، الجليل المتعالي، "سبح " نزه الله ومجده، "العزيز" القوي العظيم، الغالب، "الأول " السابق على جميع الموجودات، الذي لم يسبقه عدم، "الأخر "الباقي بعد فنائها، "الظاهر" الذي ليس فوقه شيء، "الباطن" الذي ليس دونه شيء، "ما يلج " ما يدخل، "تعرج " تصعد، "أذلة " خاضعين متذللين، "أعزة " أشداء غليظين، "أحبط أعمالهم " أبطلها، "ما أسخط الله" أغضبه غضباً شديداً، "ظلل " ما يستظل به جمع ظلة، "والغمام" السحاب الأبيض الرقيق، "لمقت الله" غضبه الشديد "لعنه " طرده وأبعده عن رحمته، "استوى" عمد وقصد غير استوى التي بمعنى علا وارتفع فتلك تتعدى بعلى وهذه تتعدى بإلى والدخان هو في اللغة الكدرة في سواد، "الملك " المالك لكل شيء "القدوس " البليغ في النزاهة عن النقائص، "السلام " ذو السلامة من كل عيب وتمثيل، " المؤمن " المصدق لرسله بالمعجزات "المهيمن " الرقيب على كل شيء، "الجبار"القاهر العظيم وجابر الكسر، "المتكبر" البليغ الكبرياء والعظمة، "البارىء" المبدع المخترع، "المصور" خالق الصور على ما يريد، "وناديناه " أي نادينا موسى وكلمناه بقولنا ﴿يا مُوسَى إني أنا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الطور هو اسم جبل بين مصر ومدين والأيمن الذي يلي يمين موسى حين

стр. 38

اقبل من مدين "ونجيا" معناه مناجيا والنداء هو الصوت الرفيع وضده النجاء. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إن النداء الصوت الرفيع وضده ... فهو النجاء كلاهما صوتان قوله: إلى أمثال هذه الآيات، والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل، ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ". ش: يعني أنه لم يحصر هنا كل ما ورد في ذلك من الآيات بل مثل لذلك "وفي البعض تنبيه على الكل ". فقد تطابقت نصوص الكتاب والسنة على إثبات الصفات لله، وتنوعت دلالتها أنواعاً توجب العلم الضروري بثبوتها وإرادة المتكلم اعتقاد ما دلت عليه، فتارة يذكر الاسم الدال على الصفة كالسميع، البصير، العليم، القدير، العزيز، الحكيم، وتارة يذكر المصدر وهو الأصل الذي اشتقت منه تلك الصفة كقوله: أنزله بعلمه، وقوله: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وقوله: إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، وقوله: فبعزتك لأغوينهم أجمعين، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح "حجاب النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وقوله في دعاء الاستخارة "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك" وقوله: "أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق" وقول عائشة ﵂ "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات" ونحوه. وتارة يذكر حكم تلك

стр. 39

الصفة كقوله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ ﴿إننِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ وقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ وقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانونَ أنفُسَكُمْ﴾ ونظائر ذلك كثيرة؛ ويصرح في الفوقية بلفظها الخاص وبلفظ العلو والاستواء، وأنه في السماء، وأنه ذو المعارج، وأنه رفيع الدرجات، وأنه تعرج إليه الملائكة وتنزل من عنده، وأنه ينزل من عنده، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم عياناً من فوقهم، إلى أضعاف ذلك مما لو جمعت النصوص والآثار فيه لم تنقص عن نصوص الأحكام، ومن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره ودعوى المجاز فيه والاستعارة وأن الحق في أقوال النفاة المعطلين وأن تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص، إذ يلزم من ذلك محاذير ثلاثة لابد منها وهي القدح في علم المتكلم بها أوفي بيانه أوفي نصحه، وكان ورثة الصابئة وأفراخ الفلاسفة وأوقاح المعتزلة والجهمية وتلامذة الملاحدة أفصح منه وأحسن بيانا وتعبيرا عن الحق وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة. ولم يذكر المؤلف هنا بعض الأحاديث المثبتة لشيء من الصفات وإن كان قد ذكره في غير هذا الموضع من هذه الرسالة. والإشارة في قوله فإن في ذلك راجعة إلى النصوص الواردة في الكتاب، والسنة، من إثبات صفات الرب ونفي المماثلة عنه يعني فيما ذكر من إثبات لصفات، تفصيليا لا إجماليا ما هدى الله به أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية الذين تلقوا ما ورد في الكتاب، والسنة، بالقبول ورضوا لله ما رضيه لنفسه، فهذه يعني الإثبات المفصل والنفي المجمل واثبات ذلك للرب سبحانه هي طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام إثباتا بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، وقوله:"من إثبات الوحدانية" يشير إلى أن الله سبحانه كما أنه لا مثل له ولا شبه له فهو كذلك واحد لا شريك له في ألوهيته.

стр. 40

أسماء الطوائف التي زاغت وحادت عن سبيل المرسلين ... قوله: وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم، من الكفار والمشركين، والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة، والمتفلسفة، والجهمية، والقرامطة الباطنية ونحوهم. فإنهم على ضد ذلك، يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان. فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل فإنهم يمثلونه بالممتنعات، والمعدومات، والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات. ش: بعد فراغ المؤلف من بيان طريقة السلف في- باب أسماء الله وصفاته، شرع في بيان طريقة مخالفيهم فقال: وأما من انحرف ومال عن طريقة الرسل وأتباعهم من السلف، من أنواع الكفار، وأصناف المشركين واليهود، والنصارى، ومن سار على منهاجهم ودخل في عدادهم "كالصابئة " والفلاسفة، والقرامطة، والجهمية وغيرهم كالمعتزلة، فإنهم على العكس من طريقة الرسل وأتباعهم. فالإشارة في قول المؤلف "على ضد ذلك، راجعة إلى طريقة الرسل وورثتهم من ملف الأمة وأئمتها، فهؤلاء مثبتون لأوصاف الكمال نافون ما يضاد هذه الحال: أما أصناف هؤلاء الطوائف فإنهم ينفون صفات الكمال، ويصفون الله بالصفات السلبية تفصيليا: كقولهم: "ليس بمستو على عرشه ولا يغضب ولا ينزل ولا يحب" وقوله ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان " معناه أن سلب الصفات عن الله غايته ونهايته أن الله تعالى غير موجود أصلا فإن الوجود المطلق يعني المجرد عن جميع الصفات- لا حقيقة له إلا في الذهن وليس له وجود خارجي بتاتا؟ لأن الذات لا تتحقق بلا صفة أصلا؟ بل هذا بمنزلة
следующие страницы →