Полный текст (485 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
دخل رسول الله ﷺ المخرج ثم خرج فإذا تور مغطى فقال: من صنع هذا؟
قال عبد الله: فقلت أنا، فقال: اللهم علمه تأويل القرآن!
وقال ابن مسعود "نعم ترجمان القرآن ابن عباس لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد" توفي ابن عباس بالطائف في سنة ثمان وستين فصلى عليه محمد بن الحنفية وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة ﵁.
قوله:
"وأما الإثبات المفصل " فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته كقوله ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الآية بكمالها، وقوله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ السورة وقوله ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ، ﴿هُوَ الْأولُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . وقوله ﴿ذَلِكَ بِأنهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ وقوله ﴿فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية وقوله ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وقوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ وقوله ﴿إن الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ﴾ وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أن يَأتِيهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَان فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أو كَرْهاً قَالَتا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ وقوله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ وقوله ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانبِ الطُّورِ الْأيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيا﴾ وقوله ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقوله: ﴿إنما أَمْرُهُ
стр. 37
إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقوله ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سبحان اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
ش: سبق الكلام على النفي المجمل وهذا بيان الإثبات المفصل، وقد ذكر المؤلف أن الله قد ذكر من أسمائه، وصفاته، ما هو واضح بين مفصل، في القرآن تفصيلا لا غموض معه والصمد هو الذي يقصد في الحوائج دون سواه، والصمد الذي لا جوف له، "الودود" كثير المودة وهي أعلا درجات المحبة "المجيد" العظيم، الجليل المتعالي، "سبح " نزه الله ومجده، "العزيز" القوي العظيم، الغالب، "الأول " السابق على جميع الموجودات، الذي لم يسبقه عدم، "الأخر "الباقي بعد فنائها، "الظاهر" الذي ليس فوقه شيء، "الباطن" الذي ليس دونه شيء، "ما يلج " ما يدخل، "تعرج " تصعد، "أذلة " خاضعين متذللين، "أعزة " أشداء غليظين، "أحبط أعمالهم " أبطلها، "ما أسخط الله" أغضبه غضباً شديداً،
"ظلل " ما يستظل به جمع ظلة، "والغمام" السحاب الأبيض الرقيق، "لمقت الله" غضبه الشديد "لعنه " طرده وأبعده عن رحمته، "استوى" عمد وقصد غير استوى التي بمعنى علا وارتفع فتلك تتعدى بعلى وهذه تتعدى بإلى والدخان هو في اللغة الكدرة في سواد، "الملك " المالك لكل شيء "القدوس " البليغ في النزاهة عن النقائص، "السلام " ذو السلامة من كل عيب وتمثيل، " المؤمن " المصدق لرسله بالمعجزات "المهيمن " الرقيب على كل شيء، "الجبار"القاهر العظيم وجابر الكسر، "المتكبر" البليغ الكبرياء والعظمة، "البارىء" المبدع المخترع، "المصور" خالق الصور على ما يريد، "وناديناه " أي نادينا موسى وكلمناه بقولنا ﴿يا مُوسَى إني أنا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الطور هو اسم جبل بين مصر ومدين والأيمن الذي يلي يمين موسى حين
стр. 38
اقبل من مدين "ونجيا" معناه مناجيا والنداء هو الصوت الرفيع وضده النجاء.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
إن النداء الصوت الرفيع وضده ... فهو النجاء كلاهما صوتان
قوله:
إلى أمثال هذه الآيات، والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل، ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ".
ش: يعني أنه لم يحصر هنا كل ما ورد في ذلك من الآيات بل مثل لذلك
"وفي البعض تنبيه على الكل ".
فقد تطابقت نصوص الكتاب والسنة على إثبات الصفات لله، وتنوعت دلالتها أنواعاً توجب العلم الضروري بثبوتها وإرادة المتكلم اعتقاد ما دلت عليه، فتارة يذكر الاسم الدال على الصفة كالسميع، البصير، العليم، القدير، العزيز، الحكيم، وتارة يذكر المصدر وهو الأصل الذي اشتقت منه تلك الصفة كقوله: أنزله بعلمه، وقوله: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وقوله: إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، وقوله: فبعزتك لأغوينهم أجمعين، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح "حجاب النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وقوله في دعاء الاستخارة "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك" وقوله: "أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق" وقول عائشة ﵂ "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات" ونحوه. وتارة يذكر حكم تلك
стр. 39
الصفة كقوله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ ﴿إننِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ وقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ وقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانونَ أنفُسَكُمْ﴾ ونظائر ذلك كثيرة؛ ويصرح في الفوقية بلفظها الخاص وبلفظ العلو والاستواء، وأنه في السماء، وأنه ذو المعارج، وأنه رفيع الدرجات، وأنه تعرج إليه الملائكة وتنزل من عنده، وأنه ينزل من عنده، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم عياناً من فوقهم، إلى أضعاف ذلك مما لو جمعت النصوص والآثار فيه لم تنقص عن نصوص الأحكام، ومن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره ودعوى المجاز فيه والاستعارة وأن الحق في أقوال النفاة المعطلين وأن تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص، إذ يلزم من ذلك محاذير ثلاثة لابد منها وهي القدح في علم المتكلم بها أوفي بيانه أوفي نصحه، وكان ورثة الصابئة وأفراخ الفلاسفة وأوقاح المعتزلة والجهمية وتلامذة الملاحدة أفصح منه وأحسن بيانا وتعبيرا عن الحق وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة. ولم يذكر المؤلف هنا بعض الأحاديث المثبتة لشيء من الصفات وإن كان قد ذكره في غير هذا الموضع من هذه الرسالة. والإشارة في قوله فإن في ذلك راجعة إلى النصوص الواردة في الكتاب، والسنة، من إثبات صفات الرب ونفي المماثلة عنه يعني فيما ذكر من إثبات لصفات، تفصيليا لا إجماليا ما هدى الله به أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية الذين تلقوا ما ورد في الكتاب، والسنة، بالقبول ورضوا لله ما رضيه لنفسه، فهذه يعني الإثبات المفصل والنفي المجمل واثبات ذلك للرب سبحانه هي طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام إثباتا بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، وقوله:"من إثبات الوحدانية" يشير إلى أن الله سبحانه كما أنه لا مثل له ولا شبه له فهو كذلك واحد لا شريك له في ألوهيته.
стр. 40
أسماء الطوائف التي زاغت وحادت عن سبيل المرسلين
...
قوله:
وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم، من الكفار والمشركين، والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة، والمتفلسفة، والجهمية، والقرامطة الباطنية ونحوهم. فإنهم على ضد ذلك، يصفونه بالصفات
السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان. فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل فإنهم يمثلونه بالممتنعات،
والمعدومات، والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات.
ش: بعد فراغ المؤلف من بيان طريقة السلف في- باب أسماء الله وصفاته، شرع في بيان طريقة مخالفيهم فقال: وأما من انحرف ومال عن طريقة الرسل وأتباعهم من السلف، من أنواع الكفار، وأصناف المشركين واليهود، والنصارى، ومن سار على منهاجهم ودخل في عدادهم "كالصابئة " والفلاسفة، والقرامطة، والجهمية وغيرهم كالمعتزلة، فإنهم على العكس من طريقة الرسل وأتباعهم. فالإشارة في قول المؤلف "على ضد ذلك، راجعة إلى طريقة الرسل وورثتهم من ملف الأمة وأئمتها، فهؤلاء مثبتون لأوصاف الكمال نافون ما يضاد هذه الحال: أما أصناف هؤلاء الطوائف فإنهم ينفون صفات الكمال، ويصفون الله بالصفات السلبية تفصيليا: كقولهم: "ليس بمستو على عرشه ولا يغضب ولا ينزل ولا يحب" وقوله ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان " معناه أن سلب الصفات عن الله غايته ونهايته أن الله تعالى غير موجود أصلا فإن الوجود المطلق يعني المجرد عن جميع الصفات- لا حقيقة له إلا في الذهن وليس له وجود خارجي بتاتا؟ لأن الذات لا تتحقق بلا صفة أصلا؟ بل هذا بمنزلة
стр. 41
من قال: أثبت إنساناً لا حيواناً ولا ناطقاً ولا قائماً بنفسه ولا بغيره ولا قدرة له ولا حياة ولا حركة ولا سكون! ونحو ذلك. أو قال: أثبت نخلة ليس لها ساق، ولا جذع، ولا ليف، ولا غير ذلك. فإن هذا يثبت ما لا حقيقة له في الخارج ولا يعقل ولهذا كان السلف والأئمة يسمون نفات الصفات
معطلة، لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله تعالى، وبسلبهم هذه الصفات أيضا مثلوا وضلوا حيث شبهوه بالجمادات التي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تعلم، ولا تقدر، وشبهوه بالمعدومات، حيث زعموا أنه لا يستوي، ولا يغضب، ولا يحب، ولا يعلم، وليس بحي، وعطلوه عما يستحقه من الأوصاف! فصار نهاية تعطيلهم أن ذاته غير موجودة فإن من ليس متصفاً بهذه الصفات لا جود له.
والصابئة:
هم أصحاب كنعان ونمرود الذين بعث إليهم الخليل، وكانوا يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل، وكان الصابئة إذ ذاك على الشرك؟ وإن كان الصابئي قد لا يكون مشركاً. بل مؤمنا بالله واليوم الآخر، كما في الآيتين الكريمتين: ﴿إن الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ الآية ﴿إن الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ﴾ الآية. لكن كثيرا منهم أو أكثرهم كانوا كفاراً ومشركين كما أن كثيراً من اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا كفاراً ومشركين، وقد اختلف في هذه
النسبة فقيل إنها إلى صابئي بن متوشلح بن إدريس _ ﵇ _ وكان على الحنيفية الأولى؟ وقيل إلى صابئي بن ماري وكان في عصر الخليل ﵇ والصابئي عند العرب من خرج عن دين قومه لذلك كانت قريش تسمي رسول الله ﷺ صابئاً لخروجه عن دين قومه والله أعلم.
стр. 42
والمتفلسفة:
جمع متفلسف والفلسفة بلسان اليونان- الحكمة - فالفيلسوف هو صاحب الحكمة والمراد بالفلاسفة هنا الإلهيون لا الدهريون والدوريون.
وهؤلاء الفلاسفة الإلهيون، الملحدون، لا يؤمنون بالبعث والنشور، على ما جاء في الكتاب والسنة، كما أنهم لا يثبتون للرب أسماءه وصفاته، فمن قدمائهم أرسطو تلميذ "أفلاطون " اليونانيان، ومن متأخريهم "أبو نصر الفارابي" وابن سيناء وأشباههما.
القرامطة:
كان ظهور هذه الطائفة سنة ست وسبعين بعد المائة بظهور_ ميمون بن ديصان الذي نصب للمسلمين الحبائل، وبغي بهم الغوائل، وكان يسر المجوسية ويظهر الإسلام وكان يجعل لكل آية تفسيرا، ولكل حديث تأويلا، وجعل الفرائض والسنة رموزا وإشارات، وكان يخدم إسماعيل بن جعفر، وظهر أيام حمدان قرمط، فاجتمعا وتساعدا على نشر هذا المذهب الشنيع، فسموا بالقرامطة، وهذان الشخصان هما المؤسسان لأصل هذا المذهب، ثم ظهر بعدهما في الدعوة الجنابي وهو "أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي" وهو من أتباع _ حمدان قرمط _وقد طالت أيامهم، وعظمت شوكتهم، وأخافوا السبيل، واستولوا على بلاد كثيرة، وأخبارهم مستقصاة في التاريخ. "وميمون بن ديصان" كان مجوسيا من سبي الأهواز "وحمدان قرمط" كان من الصابئة الحرانية، والمنسوب إليهم "قرمطي" بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم وبعدها طاء مهملة، وأصل القرمطة في اللغة تقارب الشيء بعضه من بعض يقال خط مقرمط ومشي مقرمط إذا كان كذلك.
стр. 43
والجهمية:
هم أصحاب جهم بن صفوان، تلميذ الجعد بن درهم وقد ظهرت بدعته بترمذ وقتله سلم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية، وقد اشتهر مذهب التعطيل باسم الجهم، وإن كان أخذه عن الجعد بن درهم، والجعد عن أبان بن سمعان، وأبان عن طالوت وطالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي، نظرا لأن جهماً هو الذي تزعم هذه المقالة ونشرها في الناس؟ فكل من اعتنق هذه المقالة نسب إليه لأنه كان رأسا فيها.
стр. 44
شبهة غلاة القرامطة ومن ضاهاهم
...
قوله:
فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين، فيقولون لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات،
فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول، وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات، إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين كلاهما من الممتنعات.
ش: يعني غلاة الجهمية المحضة، كالقرامطة وأشباههم من غلاة هذه الطوائف المذكورة ينفون عن الله الأمرين المتناقضين، والمراد بالغلاة المتجاوزون الحد الموغلون في الأمر إيغالا عميقاً، ومعنى يسلبون ينفون
والنقيضان هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان في أن واحد بل يلزم من ثبوت أحدهما عدم الآخر، ومن نفي أحدهما ثبوت الآخر. ثم مثل المؤلف للنقيضين بقوله: "كالوجود والعدم والحياة والموت والعلم وجهل" ثم بين ﵀ الشبهة التي من أجلها نفى هؤلاء الغلاة النقيضين عن الله فقال: "لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين
стр. 45
خشية التشبيه، هذا تقرير شبهتهم، ولكن آل بهم إغراقهم في نفي التشبيه إلى أن وصفوه بغاية التعطيل، ثم أنهم لم يخلصوا مما فروا منه بل يلزمهم على قياس قولهم أن يكونوا قد شبهوه بالممتنع الذي هو أخس وأفضع من الموجود والمعدوم الممكن ففروا في زعمهم من التشبيه بالموجودات والمعدومات، ووصفوه بصفات الممتنعات، التي لا تقبل الوجود، بخلاف المعدومات الممكنات، وتشبيهه بالممتنعات شر من تشبيهه بالموجودات والمعدومات الممكنات، وما فرمنه هؤلاء الملحدة. ليس بمحذور، فإنه إذا
سمي موجوداً قائماً بنفسه، حيا عليماً، رؤوفاًً، رحيماً، وسمي المخلوق بذلك لم يلزم من ذلك أن يكون مماثلا للمخلوق أصلا ولو كان هذا حقاً لكان كل موجود مماثلا لكل موجود، ولكان كل معدوم مماثلا لكل معدوم، ولكان كل ما ينفى عنه شيء من الصفات مماثلا لكل ما ينفى عنه ذلك الوصف. ثم ذكر المؤلف أن سلبهم للنقيضين أمر ممتنع، وامتناعا واضح بديهي عند ذوي العقول، "والبديهي جمعه بديهيات "وهي العلوم الأولية التي يجعلها الله في النفوس ابتداءاً بلا واسطة، وهي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين فهي لا تحتاج إلى تأمل ونظر وتفكير.
ثم بين أن هؤلاء النافين لأسماء الله وصفاته قد حرفوا بتأويلاتهم الباطلة ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من الأسماء الحسنى والصفات العليا استنادا إلى أقيستهم الفاسدة وتأويلاتهم الباطلة وبين المؤلف أن سلب النقيضين مثل جمع النقيضين كل منهما ممتنع فقولك زيد موجود معدوم الآن ممتنع وقولك زيد لا موجود ولا معدوم الآن ممتنع أيضا.
стр. 46
اسم القديم ليس من أسماء الله الحسنى
...
قوله:
وقد علم بالاضطرار: أن الوجود لابد له من موجد واجب بذاته، غني عما سواه، قديم أزلي، لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم، فوصفوه بما
стр. 47
يمتنع وجوده فضلا عن الوجوب أو الوجود أو القدم.
ش: يعني أن العلم بوجود الله أمر ضروري، فطري، وإن كان يحصل لبعض الناس ما يخرجه إلى الطرق النظرية، فنحن نشاهد حدوث الحيوان والنبات، والمعادن وحوادث الجو، كالسحاب، والمطر، وغير
ذلك، وهذه الحوادث لم توجد من غير موجد، ولا هي أوجدت نفسها كما قال تعالى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ومعلوم أن الشيء لا يوجد نفسه، فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجوداً بنفسه بل أن حصل ما يوجده وإلا كان معدوما.
وقوله "لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم" هو شرح لقوله -واجب بذاته- والغنى عما سواه هو القائم بنفسه، ليس محتاجا إلى غيره في شيء من الأمور، يقول تعالى: ﴿يا أيهَا النَّاسُ أنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ وغناه شامل وخزائنه ملأى: ﴿وَإن مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ وقول المؤلف "قديم أزلي" القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المتقدم على غيره، فيقال هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعمل هذا إلا في المتقدم على غيره -لا فيما لم يسبقه عدم- كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ والعرجون القديم هو الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني فإذا وجد الحديث قيل للأول قديم وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف، وحيث أن التقدم في اللغة مطلق لا يختص بالمتقدم على الحوادث كلها وأسماء الله هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به فلا يكون القديم من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه الأول وهو أحسن من القديم لأنه يشعر بأن ما بعده آيل
стр. 48
إليه، وتابع له، بخلاف القديم، والله تعالى له الأسماء الحسنى، لكن لما كان القديم عند أهل الكلام عبارة عما لم يزل، أو عما لم يسبقه وجود غيره، وأهل الاصطلاح تجوز مخاطبتهم باصطلاحاتهم عبر به المؤلف عن الأول وقيده بقوله: "أزلي" لأن القديم قد يطلق على المتقدم على غيره وأن كان حادثا، فهذا السر في التقييد بالأزلية، فالأزلي منسوب إلى الأزل، والأزلية هي الأولية: وقول المؤلف "فوصفوه بما يمتنع وجوده فضلا عن الوجوب أو الوجود أو القدم "
يعني أن القرامطة ونحوهم من الجهمية المحضة السالبين النقيضين عن الله قد شبهوا الله بالممتنعات فضلا عن الوصف بالوجوب، أو الوصف بالوجود، أو الوصف بالقدر، فهذه أوصاف لله، والقرامطة بتشبيههم إياه بالممتنع قد جعلوه في غاية البعد عن الاتصاف بهذه الأوصاف.
стр. 49
مذهب الفلاسفة في الصفات
...
قوله:
وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم فوصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات، وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا العلم عين العالم، مكابرة للقضايا البديهيات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى، فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة، جحدوا للعلوم الضروريات.
ش: يعني أن الفلاسفة الإلهيين -أمثال أرسطوا- ليس من أصلهم وصف الله بصفات الإثبات: بل إنما يصفونه بالسلوب أو الإضافات، وقوله: "وأتباعهم" يعني كباطنية الشيعة -أمثال بن سيناء- وباطنية الصوفية أمثال ابن عربي -والسلوب جمع سلب والسلب هو النفي، وذلك مثل
стр. 50
قولهم" أن الله ليس بجسم ولا عرض ولا متحيز" والإضافات: هي الأمور المتضايفة التي لا يعقل الواحد منها إلا بتعقل مقابله، وذلك مل قولهم "أن الله مبدأ الكائنات وعلة الموجودات" وقوله: دون صفات الإثبات يعني أن الله في زعمهم مجرد عن جميع الصفات الثبوتية، ليس له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا كلام، وقوله "وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق" يعني أن منتهى قولهم أن وجود الله مشروط بسلب كل أمر ثبوتي وعدمي أو بسلب الأمور الثبوتية، كما يقول بعضهم، ومعلوم بصريح العقل الذي لم يكذب قط أن هذه الأقوال باطلة متناقضة، وهذا معنى قول المؤلف "وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه من الموجود" ففيه إضافة الصفة إلى الموصوف: ومعنى هذا أن من سلبت عنه الصفات الثبوتية والعدمية لا وجود له في الواقع والخارج المشاهد، وإنما يتصوره الذهن فقط، والوجود المطلق ومثله الإنسان المطلق والحيوان المطلق، والجسم المطلق، ونحو ذلك من الحقائق إنما توجد في الأذهان ولا وجود لها في الأعيان، وإنما الذي يوجد في الشاهد هو الإفراد -مثل زيد وعمرو وشبه ذلك - وإذا جعلوا الله هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق. لم يجز أن ينعت بعت يوجب امتيازه فلا يقال هو واجب بنفسه، ولا ليس واجبا بنفسه، فلا يوصف بنفي ولا إثبات، لأن هذا نوع من التمييز
والتقييد وهذا حقيقة قول القرامطة وأشباههم، وهذا معنى قول المؤلف فيما سبق عنهم وقاربهم طائفة من الفلاسفة فهذا وجه مقاربتهم إياهم في هذا المذهب حيث يمتنعون عن وصفه بالنفي والإثبات، ومعلوم أن الخلو من النقيضين ممتنع، كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع، فلزمهم أن يكون الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج وإنما يقدره الذهن تقديراً، كما يقدر كون الشيء موجوداً معدوماً، أو لا موجوداً ولا معدوماً، فلزمهم الجمع بين النقيضين والخلو عن النقيضين وهذا من أعظم الممتنعات والمطلق هو ما دل على الحقيقة، بلا قيد فهو
стр. 51
يتناول واحدا لا بعينه من الحقيقة.
والمقيد هو ما دل على الحقيقة بقيد، فالمطلق هو الذي لا يتقيد بصفة أو شرط، وقوله: "وجعلوا الصفة هي الأخرى" الخ.
يعني أن جعل عين العلم عين القدرة، ونفس القدرة هي نفس الإرادة، ونفس الحياة هي نفس العلم والقدرة، ونفس العلم نفس الفعل والإبداع، ونحو ذلك معلوم الفساد بالضرورة، فإن هذه حقائق متنوعة
فإذا جعلت هذه الحقيقة هي تلك كان بمنزلة من يقول أن حقيقة السواد هي حقيقة الطعم، وحقيقة الطعم هي حقيقة اللون، وأمثال ذلك. مما يجعل الحقائق المتنوعة حقيقة واحدة، ومن المعلوم أن القائم بنفسه ليس هو القائم بغيره والجسم ليس هو العرض، والموصوف ليس هو الصفة، والذات ليست هي النعوت، فمن قال: أن العالم هو العلم، والعلم هو العالم، فضلاله بين التفريق بين الصفة والموصوف مستقر في كل الفطر والعقول ولغات الأمم فمن جعل أحدهما هو الآخر كان قد أتى من السفسطة بما لا يخفى على من يتصور ما يقول وجحد ما هو معلوم بالضرورة، والقضايا هي مواد البرهان وأصوله.
стр. 52
أصل تسمية المعتزلة
...
قوله:
وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام، من المعتزلة ومن أتبعهم، فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات. فمنهم من جعل العليم، والقدير، والسميع، والبصير، كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من
قال عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات. والكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول: مذكور في غير هؤلاء الكلمات.
стр. 53
ش: "الطائفة " الجماعة و"أهل الكلام" أصحابه، وسموا بذلك لأنهم كانوا يسلكون الطرق الصعبة الطويلة، والعبارات المتكلفة الهائلة وليس لذلك فائدة إلا تضييع الزمان وإتعاب الأذهان، وكثرة الهذيان، ودعوى التحقيق بالكذب والبهتان، ولكون هذه الطرق التي سلكوها، والحدود التي ذكروها، لا تفيد الإنسان علما لم يكن عنده، وإنما تفيده كثرة كلام فقط سموا أهل الكلام، "والمعتزلة" سبب تسميتهم بالمعتزلة أنه دخل رجل على الحسن البصري فقال: "يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم يخرج بها عن الملة وهم وعيدية الخوارج وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟ " فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء "الغزال" أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقررها أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل بن عطاء فسمي هو وأصحابه "معتزلة " وقيل هم سموا أنفسهم "معتزلة " وذلك عندما بايع الحسن بن علي معاوية وسلم إليه الأمر واعتزلوا الحسن ومعاوية، وقوله "ومن أتبعهم" يعني كالخوارج وكثيرا من المرجئة" وبعض الزيدية، وقوله: "فمنهم من جعل العليم" الخ: يعني بعض المعتزلة - قالوا العليم والقدير ونحو ذلك أعلام لله وليست دالة على أوصاف وهي بالنسبة إلى دلالتها على ذات واحدة هي مترادفة- وذلك مثل تسميتك ذاتا واحدة بزيد وعمرو ومحمد وعلي فهذه الأسماء مترادفة وهي أعلام خالصة لا تدل على صفة لهذه الذات المسماة بها، وبعضهم قال: كل من علم منها مستقل، فالله يسمى عليما، وقديرا، وليست هذه الأسماء مترادفة ولكن ليس معني ذلك أن هناك حياة أو قدرة، وهذا معنى قول المؤلف "وقاربهم
стр. 54
طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم " فالمعتزلة مجمعون على تسمية الله بالاسم ونفي الصفة عنه، وكذلك من تبعهم من الطوائف المشار إليها. والترادف سيَأتِي له ذكر في غير هذا الموضع. والعلم اسم يعين مسماه مطلقا "والمحضة " الخالصة الخالية من الدلالة على شي، آخر وقوله: "والكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها" الخ.
معناه أن بسط الكلام في إيضاح بطلان أقوال المعتزلة ومن على شاكلتهم بط القول في ذلك مذكور في غير هذه الرسالة، وقد بسطه "﵀ " في كتابيه "موافقة مريح المعقول لصحيح المنقول". و"منهاج السنة" وغيرهما من مؤلفاته وبين فيها وجه التناقض والفساد؟ موضحا بطلان ذلك بالحجج العقلية والنقلية: وقوله: "بصريح المعقول" يعني "بالمعقول "الصريح، وكذلك قوله: "وصحيح المنقول " يعني "بالمنقول " الصحيح: فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف "والصريح " هو السليم الخالي من المعارضة والصحيح " السليم من الأمراض: وهي علل التجريح. ووجه تناقض مقالتهم أنهم يقولون القولين المتضادين في المسألة الواحدة، فيفرقون بين المتماثلين ويسوون بين المختلفين، وقوله "المطابق" يشير إلى إنه لا اختلاف بين العقل الصريح، والنقل الصحيح، بل هما متفقان تمام الاتفاق.
стр. 55
السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات
...
قوله:
وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره، بل وفي شر منه " مع ما يلزمهم من التحريف والتعطيل، ولو أمعنوا النظر لسوووا بين المتماثلات، وفرقوا بين المختلفات، كما تقتضيه المعقولات، وكانوا من الذين أوتوا العلم، الذين يرون إنما أنزله إلى الرسول هو الحق من ربه، وبهدي إلى صراط العزيز الحميد.
ولكنهم من أهل المجهولات، المشبهة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات.
стр. 56
ش: يعني هذه الطوائف كلها سلكت هذا المسلك في صفات الله، خشية من محذور هو التشبيه ولكنها وقعت في تشبيه نظير الذي فرت منه، ووجه ذلك إنهم فروا من تشبيه الله بالحي الموجود، إلى تشبيه بالمعدوم، حيث وصفوه بصفات لا تنطبق إلا على المعدوم، بل وشبهوه بالأشياء الممتنعة، حيث وصفوه بصفات لا تنطبق إلا على مستحيل الوجود، مع أنهم بنفيهم لصفات الله، وتشبيههم إياه بالمعدوم، قد حرفوا كلام الله عن مواضعه، وعطلوا النصوص عن مدلولها، وقوله: "ولو أمعنوا النظر" يعني لو دققوا ونظروا بعين البصيرة والإنصاف لسووا بين الأمور المتماثلة، وفرقوا بين الأمور المختلفة، فمن يثبت الاسم وينفي الصفة ومن يثبت بعض الصفات وينفي البعض الآخر مفرق بين متماثلين، فباب الأسماء والصفات واحد فإن كان هناك محذور في إثبات الصفة فهو موجود في إثبات الاسم وكذلك أن كان هناك محذور في إثبات بعض الصفات فهو موجود في إثبات البعض الأخر وسيَأتِي لذلك أمثلة عديدة في كلام المؤلف، ومن يجعل العلم هو القدرة والسمع هو عين الكلام قد سوى بين مختلفين، فالعلم ضد الجهل والقدرة ضد العجز وهكذا، وكذلك من جعل العلم عين العالم فالذات شيء وصفة الذات شيء آخر كما تقتضيه المعقولات يعني أن العقل المدرك للأمور يقتضي التسوية بين الأمور المتماثلة والتفريق بين الأمور المختلفة، وقوله "ولكانوا" معطوف على قوله "لسووا" فلو دققوا النظر لم يفرقوا بين أمور متماثلة، ولم يسووا بين أمور مختلفة، ولكانوا من جملة أهل السنة والجماعة الذين يعلمون أن ما أنزل إلى الرسول في باب أسماء الله وصفاته وسائر ما أنزل عليه هو الحق من ربه فلا تحريف، ولا تأويل، ولا تمثيل، هذا هو ما جاء به الرسول ﷺ وما جاء به من ربه هو الحق الهادي إلى صراط الله العزيز الحميد، أما زبالة أذهان هذه الطوائف، ونحاتة عقولهم الملوثة بالخرافات والبدع فهي التي ينبغي أن تطرح لأنها لا تهدي إلا إلى الحيرة والشكوك ولكن واقع هؤلاء أنهم ليسوا من أهل العلم الذي
стр. 57
جاء به الوحي بل هم من أهل الجهالات والشبه التي ظنوها بينات وهي في الحقيقة مجهولات حيث لا سند لها إلا الشبه الفاسدة والآراء الكاسدة وهذا معنى قوله "المشبهة بالمعقولات " يعني ظنهم جهالاتهم بينات، وهي في الواقع ليست من الأمور المعقولة البينة الواضحة المستندة إلى دليل صحيح، "والسفسطة " هي نفي الحقائق الثابتة، مع العلم بها تمويها ومغالطة نسبة إلى" السفسطائية" وهم فرقة ينكرون المحسوسات وهم من أصناف الكفرة؟ الذين قبل الإسلام، ووجه سفسطة هذه الطوائف أنهم جحدوا معان نصوص الصفات مع علمهم بما دلت عليه تلك النصوص من المعان المعروفة لغة وشرعاً كقولهم: "في استوى". استولى. فجحدهم معنى الاستواء اللغوي وهو الصعود والاستقرار تمويه وتلبيس ومغالطة والقرمطة، سلوك مسلك القرامطة في تفسيرهم النص بمعنى يخالف ما هو مقتضى لفضله: ووجه قرمطتهم أنهم جعلوا للنص معنى باطناً يخالف معناه الظاهر. المعروف من جهة اللغة والشرع _ وسيَأتِي مزيد بيان لتأويل القرامطة للنصوص، المقصود هنا بيان وجهة قرمطة هذه الطوائف.
стр. 58
معنى الواجب والممكن
...
قوله:
وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لابد من موجود قديم، غني عما سواه إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات: كالحيوان والمعدن، والنبات، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد علم بالاضطرار أن المحدث لابد له من محدث، والممكن لابد له من موجد، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ فإن لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقا خلقهم.
ش: الظاهر أن في الكلام محذوفا وتقديره هو كما يَأتِي:
وهذه الطوائف تنفي الصفات نفياً يستلزم نفي الذات، لأن حقيقة تعطيل ذات الله تعالى عن الوجود وهذا ممتنع، ووجه امتناعه أنه قد علم
стр. 59
بضرورة العقل أنه لابد من موجود قديم، فمن المعلوم بالمشاهدة والعقل وجود موجودات، ومن المعلوم أيضا أن منها ما هو حادث بعد أن لم يكن، كما نعلم نحن أننا حادثون بعد عدمنا وأن السحاب حادث، والمطر والنبات حادث، والدواب حادثة، وأمثال ذلك من الآيات التي نبه الله تعالى عليها
بقوله: ﴿أن فِي خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهذه الحوادث المشهودة يمتنع أن تكون واجبة الوجود بذاتها: فإن ما وجب وجوده بنفسه امتنع عدمه ووجب قدمه، وهذه كانت معدومة فوجدت، فدل وجودها بعد عدمها على أنه يمكن وجودها ويمكن عدمها، فعلم بالضرورة اشتمال الوجود على موجود محدث ممكن فنقول حينئذ: الموجود المحدث الممكن لابد له من موجود قديم بنفسه فإنه يمتنع وجود المحدث بنفسه، كما يمتنع أن يخلق الإنسان نفسه، وهذا من أظهر المعارف الضرورية: فإن الإنسان بعد حدوثه ووجوده لا يقدر أن يزيل في ذاته عضواً ولا قدراً ولا يجعل رأسه أكبر مما هو ولا أصغر: وكذلك أبواه لا يقدران على شيء من ذلك وهذه قضية ضرورية معلومة بالفطرة حتى للصبيان. فإن الصبي لو ضربه ضارب وهو غافل لا يبصره لقال: من ضربني؟ فلو قيل له لم يضربك أحد لم يقبل عقله أن تكون الضربة حدثت من غير محدث! بل يعلم أنه لابد للحادث من محدث. فإذا قيل فلان ضربك بكى حتى يضرب ضاربه، فكان في فطرته الإقرار بالصانع وبالشرع الذي مبناه على العدل ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في أساري بدر قال: وجدت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور قال: فلما سمعت هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أحست بفؤادي قد انصدع، وذلك أن هذا تقسيم حاصر
стр. 60
ذكره الله بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها.
يقول "أم خلقوا من غير شيء" أي من غير خالق خلقهم أم هم خلقوا أنفسهم؟ وهم يعلمون أن كلا الأمرين باطل، فتعين أن لهم خالقاً خلقهم وقوله: "ليس بواجب ولا ممتنع " معناه أن عدم المحدث قبل وجوده ينفي كونه واجب الوجود، ووجوده بعد عدمه ينفي كونه ممتنع الوجود، والمعدن بكسر الدال هو المكان الذي عدن به الجوهر ونحوه. سمي به لعدون ما أنبته الله في أي إقامته به ثم سمي به الجوهر ونحوه فهو إذا كل متولد في الأرض لا من جنسها.
قوله:
وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن، يقبل الوجود والعدم: فمعلوم أن هذا موجود، وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام. لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره، فلا يقول عاقل إذا قيل أن العرش شيء موجود، وأن البعوض شيء موجود. أن هذا مثل هذا، لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود، لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنى مشتركاً كليا- هو مسمى الاسم المطلق وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود: فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما.
ش: يقول الشيخ قد علم ضرورة أن الكون فيه قديم واجب الوجود هو الله سبحانه. ومحدث ممكن يقبل الوجود والعدم هو المخلوق. فكل منهما موجود ولكن لا يقول أحد أن وجود القديم الواجب
стр. 61
بنفسه مثل المحدث الممكن: بل وجود كل منهما خاص به وان كانا يتفقان في المعنى العام للوجود، ثم ضرب المؤلف مثلا للتفاوت بين وجود بعض المخلوقات ووجود البعض الآخر: كالعرش والبعوض فإذا كان وجود بعض الموجودات لا يماثل وجود بعضها فكيف بوجود الخالق للكون بأسره.
ووجود المخلوق الحادث بعد أن لم يكن ويطرأ عليه العدم بعد وجوده. وقوله: "واتفاقهما في اسم عام" الخ: معناه أن الخالق سبحانه يسمى عليما والمخلوق يسمى عليما، وكون الخالق متصفا بالعلم، والغضب، والمحبة، ونحو ذلك والمخلوق متصفا بذلك لا يوجب هذا التوافق تماثلا في مدلول العليم ومدلول الغضب والمحبة لا حين يضاف الاسم أو الصفة إلى الخالق ويصبح الاسم والصفة مقيدين بمن نسبا إليه ومختصين به ولا في حالة كون المعنى مشتركا بينهما: فالضمير في قوله: "ولا في غيره" راجع إلى التقييد والتخصيص وغيره هو الإطلاق: فالمعنى التوافق في الاتصاف بالصفة والتسمي بالاسم لا يوجب تماثلا في حالة التخصيص والتقييد والإطلاق وقوله: "لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرها يشتركان فيه" المراد أن المسميين يشتركان في المعنى العام الكلي، وهذا لا وجود له إلا في الذهن أما أن هناك شيئا متجسدا يشاهد عيانا تشترك فيه المسميات فلا، بل هذا مخالف للحس والعقل والشرع: وضمير
التثنية راجع إلى العرش والبعوض: وقوله "بل الذهن يخذ معنى مشتركا كليا" الخ.
معناه أن العقل يدرك أن المعنى العام مشترك بين المسميات لكل منها نصيب منه إلا أن ما يخص بعضها من هذا المعنى العام يخالف ما يخص بعضها الآخر فلكل منها ما أضيف إليه
. وإذا لم يلزم مثل ذلك في العرش والبعوض فماذا قيل في الخالق العظيم أنه موجود لا معدوم حي لا يموت لا تأخذه سنة ولا نوم فمن أين
стр. 62
يلزم أن يكون مماثلا لكل موجود وحي وقائم؟ وما ينفى عنه العدم والموت والنوم: كأهل الجنة الذين لا ينامون ولا يموتون وذلك أن هذه الأسماء العامة المتواطئة التي تسميها النحاة أسماء الأجناس كالوجود والحياة. سواء اتفقت معانيها في محالها وهو التواطؤ العام أو تفاضلت وهو التواطؤ المسمى بالمشكك تستعمل مطلقة عامة، كما إذا قيل الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث، والعلم ينقسم إلى قديم ومحدث، وتستعمل مضافة مختصة كما إذا قيل وجود زيد وعمرو وذات زيد وعمرو، فإذا استعملت خاصة معينة دلت على ما يختص به المسمى لم تدل على ما يشركه فيه غيره: فإنما يختص به المسمى لا شركة فيه بينه وبين غيره، فإذا قيل علم زيد ونزول زيد، واستواء زيد، ونحو ذلك لم يدل هنا إلا على ما يختص به زيد. من علم ونزول واستواء _ ونحو ذلك لم تدل على ما يشركه فيه غيره، فإذا كان هذا في صفات المخلوق فذلك في الخالق، أولى: فإذا قيل علم الله، وكلام الله ونزوله واستواؤه، ووجوده وحياته، ونحو ذلك لم يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى، ولم يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك، فالله لا مثل ولا كفؤ له ولا ند فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره. ولا كلامه مثل كلام غيره، ولا حياته مثل حياة غيره.
стр. 63
الصفات لها ثلاث اعتبارات
...
قوله:
ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره" وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم، مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت
عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين، وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، اتفاقهم، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلا عن أن يتحد مسماها عند الإضافة والتخصيص.
стр. 64
ش: يعني أن الله سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات، كما سمى بعض خلقه بأسماء ووصفهم بصفات، وتلك الأسماء والصفات لكل من الخالق والمخلوق تتفق عند الإطلاق وتختلف عند الإضافة
والتخصيص، وأصل هذا أن ما يوصف الله به، ويوصف به العباد يوصف الله به على ما يليق به ويوصف به العباد على ما يليق بهم، وذلك مثل الحياة والعلم، والقدرة، والسمع " والبصر، والكلام، فإن الله له حياة، وعلم، وقدرة، وسمع، وبصر وكلام، فكلامه مشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه، والعبد له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام، وكلام العبد مشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه، فالصفات لها ثلاثة اعتبارات، تارة تعتبر مضافة إلى الرب، وتارة تعتبر مضافة إلى العبد، وتارة تعتبر مطلقة، لا تختص بالرب، ولا بالعبد، فإذا قال العبد حياة الله، وقدرة الله، وكلام الله، ونحو ذلك فهذا كله غير مخلوق ولا يماثل صفات المخلوقين وإذا قال علم العبد وقدرة العبد وكلام العبد فهذا كله
مخلوق ولا يماثل صفات الرب، وإذا قال: العلم والقدرة والكلام فهذا مجمل مطلق لا يقال عليه كله أنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق، بل ما اتصف به الرب من ذلك فهو غير مخلوق وما اتصف به العبد من ذلك فهو مخلوق: فالصفة تتبع الموصوف، فإن كان الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة، وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق فصفاته مخلوقة، وقوله: " ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماها" الخ: يعني فلا يلزم من اتفاق المسميين في المعنى العام تماثل مسماهما ولا اتحاده عند التجريد عن الإضافة وهو
الإطلاق كما أنه لا يلزم تماثل مسماها في حالة الإضافة والاختصاص فضلا عن اتحاد مسماها في هذه الحالة. فذلك منفي بطريق الأولى فلا تماثل في الحالتين بين المسميين وبطريق الأولى لا اتحاد بينهما: وإنما يحصل اشتراك بينهما في المعنى العام عند الإطلاق، وعبارة المؤلف هنا موهمة أنه يحصل تماثل واتحاد بين المسميين في حالة الإطلاق وهذا غير مراد المؤلف، فإن
стр. 65
قوله فيما سبق "باتفاق المسممين في اسم عام لا يوجب تماثلهما عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره " صريح في نفي هذا فكلامه السابق واللاحق يقرر نفي المماثلة بين المسلمين وإن حصل بينهما اشتراك في الاسم والمعنى العامين.
стр. 66
سمى الله نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده باسماء
...
قوله:
فقد سمى الله نفسه حيا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وسمى بعض عباده حياً! فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ وليس هذا الحي مثل هذا الحي، لأن قوله الحي اسم لله مختص به، وقوله ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدراً مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق، ولابد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص: المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه- .
وكذلك سمى الله نفسه عليما، حليما، وسمى بعض عباده عليما فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ يعني إسحق، وسمى آخر حليما، فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ يعني إسماعيل وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم، وسمى نفسه سميعاً بصيراً فقال: ﴿إن اللَّهَ يأمُرُكُمْ أن تُؤَدُّوا الْأماناتِ إِلَى أهلهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ أن اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أن اللَّهَ كان سَمِيعاً بَصِيراً﴾ . وسمى بعض عباده سميعاً بصيرا فقال: ﴿إنا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير. وسمى نفسه بالرؤوف الرحيم فقال: ﴿إن اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . وسمى بعض عباده بالرؤوف
стр. 67
الرحيم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وليس الرؤوف كالرؤوف، ولا الرحيم كالرحيم، وسمى نفسه بالملك فقال: ﴿الملك القدوس﴾ وسمى بعض عباده بالملك فقال: ﴿وَكان وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ وليس الملك كالملك. وسمى نفسه بالمؤمن المهيمن، وسمى بعض عباده بالمؤمن فقال: ﴿أَفَمَنْ كان مُؤْمِناً كَمَنْ كان فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ وليس المؤمن كالمؤمن. وسمى نفسه بالعزيز فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ وسمى بعض عباده بالعزيز، فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيز﴾ وليس العزيز كالعزيز. وسمى نفسه الجبار المتكبر وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر كالمتكبر ونظائر هذا متعددة.
ش: هذا تمثيل للقاعدة السابقة وهي أن الله سمى نفسه باسم الحي كما في قوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ والمخلوق يسمى باسم الحي كما في قوله ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ولكن لكل منهما ما أضيف إليه من اسم الحي المتضمن صفة الحياة لا يشركه الآخر فيه.
فالآية الأولى أضيف الاسم فيها إلى الله فلا يشركه مخلوق في ذلك. والآية الثانية أضيف فيها الاسم إلى المخلوق، فلا يشركه الخالق في مدلوله الخاص وحينئذ فالخالق والمخلوق لا يتفقان إلا في الاسم والمعنى المطلق "كالحي ضد الميت " فكل من الخالق والمخلوق يسمى بحي ضد ميت، وفي هذا يكون الاشتراك فقط: وأما الحياة المضافة إلى الله فهي خاصة به حيث أنها كاملة ولم يبقها عدم ولن يطرأ عليها فناء، وحياة المخلوق تخصه فهي ناقصة حيث وهبت له بعد أن كان عدماً، ثم إنه يصير إلى الفناء والزوال وهذا معنى قول المؤلف، وليس الحي كالحي.
стр. 68
وقوله: وكذلك سمى الله نفسه عليما حليما وسمى بعض عباده عليما فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ إلى قوله: ونظائر هذا متعددة: المراد أنه يقال في هذه الأسماء التي سمى الله بها نفسه وسمى بها بعض عباده كالعليم، والحليم، والرؤوف والرحيم، الخ. يقال في هذا مثل ما قيل في تسمية الله حياً وتسمية المخلوق بذلك فيقال: وليس الحليم كالحليم، ولا العليم كالعليم، ولا الرؤوف كالرؤوف، ولا العزيز كالعزيز، ولا الجبار كالجبار، ولا السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير لأن ما أضيف إلى الله اسم له سبحانه، مختص به، وما أضيف إلى المخلوق اسم له مختص به، وإنما يشتركان في المعنى العام في حالة التجرد عن الإضافة وقوله:" ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا ًمشتركا بين المسميين" يعني أن المعنى العام الذي يحصل فيه الاشتراك لا وجود له خارج عن الذهن بحيث يكون متشخصا في عين من الأعيان، ولكن العقل يفهم من المطلق قدراً مشتركا بين المسميين.
وقوله:" وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق" يعني عندما تضاف الصفة إلى واحد منهما يقيد ذلك يعني المعنى العام المطلق بما يتميز به الخالق من المخلوق، أو المخلوق من الخالق- فصفة الله كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وصفة المخلوق ناقصة وهذا هو المميز بينهما، وقوله: "ولابد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته" يعني أن الباب في هذا باب واحد فبين أسماء الله وأسماء المخلوقات تواطؤ وتوافق في اللفظ والمعنى العام المطلق فعند القطع عن الإضافة والتخصيص يحصل التوافق بينهما، وحينما يحصل التخصيص يمتاز كل منهما بما يناسبه ويليق به، وكذلك خصائص الله التي لا يتصف بها سواه، فإنه لا اشتراك في شيء من ذلك بين الخالق والمخلوق، وكذلك خصائص المخلوق التي لا يتصف بها إلا مخلوق، هذا أيضا لا شركة فيه بين الخالق والمخلوق، وسيَأتِي لذلك أمثلة في مواضعها إنشاء الله تعالى، ومعنى
стр. 69
"أمشاج" أخلاط من عناصر مختلفة. ومعنى "نبتليه" نختبره بالتكاليف، و"الرأفة" معناها شدة الرحمة و"إسحاق وإسماعيل" هما ابنا إبراهيم الخليل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ".
قوله:
وكذلك سمى صفاته بأسماء وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ﴿أنزله بعلمه﴾ وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وسمى صفة المخلوق علما وقوة فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي قوة وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ أي ذا القوة. وليس العلم كالعلم ولا القوة كالقوة.
ش: معناه أن الله تعالى وصف صفاته بأوصاف؟ وكذلك وصف صفات المخلوقين، بصفات، فوصف علمه بالشمول والإحاطة ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ والسعة والعموم ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ووصف علم المخلوق بالقلة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ وعدم السعة ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ كما وصف سبحانه قوته بالشدة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ووصف قوة المخلوق بالضعف ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ فالمعنى أن كون صفة الباري موصوفة بصفة، وصفة المخلوق موصوفة بصفة لا يوجب ذلك تماثلا: بل لكل منهما ما يناسبه! فلا تماثل بين الصفتين كما أنه لا تماثل بين الموصوفين. كما أن أوصاف الله وأوصاف
стр. 70
المخلوق تتفق في الاسم دون أن يقتضي ذلك تماثل.
قوله:
ووصف نفسه بالمشيئة، ووصف عبده بالمشيئة، فقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أن يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وقال: ﴿إن هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أن يَشَاءَ اللَّهُ إن اللَّهَ كان عَلِيماً حَكِيماً﴾ وكذلك وصف نفسه بالإرادة وعبده بالإرادة فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . ووصف نفسه بالمحبة ووصف نعبده بالمحبة فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقال: ﴿قُلْ إن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ووصف نفسه بالرضا ووصف عبده بالرضا فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته مثل إرادته، ولا محبته مثل محبته، ولا رضاه مثل رضاه، وكذلك وصف نفسه أنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت فقال: ﴿إن الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ﴾ وليس المقت مثل المقت وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿أنهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد، ووصف نفسه بالعمل فقال: ﴿أولَمْ يَرَوْا أنا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أيدِينَا أنعَاما فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ووصف عبده بالعمل فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كانوا يَعْمَلُونَ﴾ وليس العمل كالعمل، ووصف نفسه بالمناداة والمناجاة فقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانبِ الطُّورِ الْأيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيا﴾ وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ وقال: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ ووصف عباده بالمناداة والمناجاة فقال: ﴿إن الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ وقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ وقال: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْإثْمِ وَالْعُدْوَان﴾ وليس المناداة والمناجاة كالمناداة والمناجاة. ووصف نفسه بالتكليم في قوله تعالى:
стр. 71
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ وقوله: ﴿تِلكَ الرُسلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ مِنهُم مَن كَلَّمَ اللََّهُ﴾ ووصف عبده بالتكليم في قوله ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إنكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ وليس التكليم كالتكليم. ووصف نفسه بالتنبئة، ووصف بعض الخلق بالتنبئة فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأنيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ وليس الإنباء كالإنباء. ووصف نفسه بالتعليم، ووصف عبده بالتعليم فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ الْبيان﴾ وقال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وليس التعليم كالتعليم، وهكذا وصف نفسه بالغضب، فقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ ووصف عبده بالغضب في قوله: ﴿َلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَان أَسِفاً﴾ وليس الغضب كالغضب، ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر ذلك في سبع مواضع من كتابه ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ وقوله ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وليس الاستواء كالاستواء. ووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتان يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وليست اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم ونظائر هذا كثيرة.
стр. 72
ش: قوله "ووصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة" إلى قوله "ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد ولا إرادته مثل إرادته ولا محبته مثل محبته ولا رضاه مثل رضاه" هذا شروع في التمثيل لكون الله سبحانه وصف نفسه بصفات ووصف عباده بصفات، وقوله: "ومعلوم......الخ" لف ونشر مرتب، فبعد أن ذكر الآيات الدالة على صفة المشيئة والإرادة والمحبة والرضا قال: ومعلوم أن صفة الله المضافة إليه ليست مثل الصفة المضافة إلى العبد بل لكل منهما ما يناسبه.
والإرادة لفظ فيه إجمال فيراد بها الإرادة الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقول المسلمين "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن" وكقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ وقول نوح ﵇ ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إن أَرَدْتُ أن أنصَحَ لَكُمْ إن كان اللَّهُ يُرِيدُ أن يُغْوِيَكُمْ﴾ ولا ريب أن الله قد يأمر العباد بما لا يريده بهذا التفسير فإن الإرادة الكونية ليست مستلزمة للأمر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ فدل على أنه لم يؤت كل نفس هداها مع أنه قد أمر كل نفس بهداها، وكما اتفق العلماء على أن من حلف بالله ليقضين دين غريمه غداً إنشاء الله وليردن وديعته أو غصبه أو ليصلين الظهر أو العصر إن شاء الله، أو ليصومن رمضان إن شاء الله، ونحو ذلك مما أمره الله به، فإنه إذا لم يفعل المحلوف عليه لا يحنث مع أن الله أمره به لقوله إن شاء الله فعلم أن الله لم يشأه مع أمره به.
ويراد بها الإرادة الدينية وهي التي بمعنى المحبة والرضا: وهي ملازمة للأمر كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ومنه قول المسلمين: هذا يفعل شيئا لا يريده الله، إذا كان يفعل بعض الفواحش، أي أنه لا يحبه ولا يرضاه بل ينهى عنه ويكرهه. وقوله: وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار ووصفهم بالمقت"
стр. 73
إلى قوله "ونظائر هذا كثيرة". يعني وهذه الآيات أيضا استشهد بها المؤلف على كون الله تعالى وصف نفسه بصفات ووصف عبده بصفات، والمكر فعل شيء يراد به ضده، والكيد الاستدراج كما في الآية الكريمة ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن القيم رحمه الله تعالى:" إن الله يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله وعباده" وكيده سبحانه استدراجهم من حيث لا يعلمون، والإملاء لهم حتى يأخذهم على غرة فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينه كان كيد الله لهم حسنا لا قبح فيه، فيعطيهم ويعاقبهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون" ومكره سبحانه بأهل المكر، مقابلة لهم بفعلهم عمل ممدوح لا ذم فيه وجزاء لهم من جنس عملهم، قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ وهذه التفاسير المتقدمة للمكر والكيد ليست من باب التأويل الذي ينكره أهل السنة والجماعة، بل من باب التفسير فإن جميع الصحابة والتابعين يصفون الله بأنه شديد القوة، وكذلك شديد المكر، وشديد الأخذ، كما وصف نفسه بذلك في غير آية من كتابه كقوله: ﴿إن أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد﴾ وقوله: ﴿وَإن رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فيعرفون معانيها ولكن لا يكيفونها ولا يشبهونها بصفات المخلوقين. وهذا مجمع عليه بين أهل السنة، وقوله في سبع مواضع، يعني كما في سورة الأعراف ﴿إن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة يونس ﴿أن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة الرعد ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة طه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وفي سورة الفرقان ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ وفي سورة السجدة ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة الحديد ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ .
стр. 74
ومعنى "يزكيهم" يطهرهم من الشرك والمعاصي "طبع" ختم "أسفاً" حزينا أو شديد الغضب "الجودي" جبل بالموصل "مغلولة" مقبوضة عن العطاء "استوى" استقر وارتفع "وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا" هي حفصة، والحديث هو تحريم مارية، أو العسل، أو تحريم التي وهبت نفسها له، "ونبأت به" أي أخبرت به غيرها "وأظهره الله عليه" أي أطلع الله نبيه على ذلك الواقع منها من الإخبار لغيرها "أستخلصه لنفسي" أجعله خالصا لي دون شريك.
وقول المؤلف"وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم" يعني كما أن اليد الحقيقية لله ليست كاليد الحقيقية للمخلوق، فكذلك صفة اليد-وهي البسط- ليست متماثلة بل لكل منهما يده التي تناسبه، وبسط يده اللائق به، وقد أشار المؤلف إلى أن للبسط معنيين، أحدهما أنه كناية عن كثرة الجود والعطاء وعدم البخل قال ابن عباس في معنى قوله ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أنهم لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكن يقولون بخيل يعني أمسك ما عنده بخلا، والثاني أن معنى كون اليدين مبسوطتين أنهما غير مغلولتين ولا مقبوضتين، بل مطلقتين وعلى كل حال فليست يد الله مثل يد خلقه ولا بسطه كبسطهم، بل للمخلوق ما يناسبه، وللخالق ما يناسبه، "ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد"
стр. 75
تفسير بسط اليدين
...
قوله:
فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته بخلقه فمن قال ليس لله علم، ولا قوة ولا رحمة ولا كلام، ولا يحب ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى كان معطلا جاحدا، ممثلا لله بالمعدومات والجمادات، ومن قال له علم كعلمي، أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو
следующие страницы →