← Акыда

Акыда · id 7260

التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية

فالح بن مهدي آل مهدي

Полный текст (485 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ وقوله: ﴿تِلكَ الرُسلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ مِنهُم مَن كَلَّمَ اللََّهُ﴾ ووصف عبده بالتكليم في قوله ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إنكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ وليس التكليم كالتكليم. ووصف نفسه بالتنبئة، ووصف بعض الخلق بالتنبئة فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأنيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ وليس الإنباء كالإنباء. ووصف نفسه بالتعليم، ووصف عبده بالتعليم فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ الْبيان﴾ وقال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وليس التعليم كالتعليم، وهكذا وصف نفسه بالغضب، فقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ ووصف عبده بالغضب في قوله: ﴿َلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَان أَسِفاً﴾ وليس الغضب كالغضب، ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر ذلك في سبع مواضع من كتابه ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ وقوله ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وليس الاستواء كالاستواء. ووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتان يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وليست اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم ونظائر هذا كثيرة.

стр. 72

ش: قوله "ووصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة" إلى قوله "ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد ولا إرادته مثل إرادته ولا محبته مثل محبته ولا رضاه مثل رضاه" هذا شروع في التمثيل لكون الله سبحانه وصف نفسه بصفات ووصف عباده بصفات، وقوله: "ومعلوم......الخ" لف ونشر مرتب، فبعد أن ذكر الآيات الدالة على صفة المشيئة والإرادة والمحبة والرضا قال: ومعلوم أن صفة الله المضافة إليه ليست مثل الصفة المضافة إلى العبد بل لكل منهما ما يناسبه. والإرادة لفظ فيه إجمال فيراد بها الإرادة الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقول المسلمين "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن" وكقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ وقول نوح ﵇ ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إن أَرَدْتُ أن أنصَحَ لَكُمْ إن كان اللَّهُ يُرِيدُ أن يُغْوِيَكُمْ﴾ ولا ريب أن الله قد يأمر العباد بما لا يريده بهذا التفسير فإن الإرادة الكونية ليست مستلزمة للأمر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ فدل على أنه لم يؤت كل نفس هداها مع أنه قد أمر كل نفس بهداها، وكما اتفق العلماء على أن من حلف بالله ليقضين دين غريمه غداً إنشاء الله وليردن وديعته أو غصبه أو ليصلين الظهر أو العصر إن شاء الله، أو ليصومن رمضان إن شاء الله، ونحو ذلك مما أمره الله به، فإنه إذا لم يفعل المحلوف عليه لا يحنث مع أن الله أمره به لقوله إن شاء الله فعلم أن الله لم يشأه مع أمره به. ويراد بها الإرادة الدينية وهي التي بمعنى المحبة والرضا: وهي ملازمة للأمر كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ومنه قول المسلمين: هذا يفعل شيئا لا يريده الله، إذا كان يفعل بعض الفواحش، أي أنه لا يحبه ولا يرضاه بل ينهى عنه ويكرهه. وقوله: وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار ووصفهم بالمقت"

стр. 73

إلى قوله "ونظائر هذا كثيرة". يعني وهذه الآيات أيضا استشهد بها المؤلف على كون الله تعالى وصف نفسه بصفات ووصف عبده بصفات، والمكر فعل شيء يراد به ضده، والكيد الاستدراج كما في الآية الكريمة ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن القيم رحمه الله تعالى:" إن الله يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله وعباده" وكيده سبحانه استدراجهم من حيث لا يعلمون، والإملاء لهم حتى يأخذهم على غرة فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينه كان كيد الله لهم حسنا لا قبح فيه، فيعطيهم ويعاقبهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون" ومكره سبحانه بأهل المكر، مقابلة لهم بفعلهم عمل ممدوح لا ذم فيه وجزاء لهم من جنس عملهم، قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ وهذه التفاسير المتقدمة للمكر والكيد ليست من باب التأويل الذي ينكره أهل السنة والجماعة، بل من باب التفسير فإن جميع الصحابة والتابعين يصفون الله بأنه شديد القوة، وكذلك شديد المكر، وشديد الأخذ، كما وصف نفسه بذلك في غير آية من كتابه كقوله: ﴿إن أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد﴾ وقوله: ﴿وَإن رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فيعرفون معانيها ولكن لا يكيفونها ولا يشبهونها بصفات المخلوقين. وهذا مجمع عليه بين أهل السنة، وقوله في سبع مواضع، يعني كما في سورة الأعراف ﴿إن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة يونس ﴿أن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة الرعد ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة طه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وفي سورة الفرقان ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ وفي سورة السجدة ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة الحديد ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ .

стр. 74

ومعنى "يزكيهم" يطهرهم من الشرك والمعاصي "طبع" ختم "أسفاً" حزينا أو شديد الغضب "الجودي" جبل بالموصل "مغلولة" مقبوضة عن العطاء "استوى" استقر وارتفع "وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا" هي حفصة، والحديث هو تحريم مارية، أو العسل، أو تحريم التي وهبت نفسها له، "ونبأت به" أي أخبرت به غيرها "وأظهره الله عليه" أي أطلع الله نبيه على ذلك الواقع منها من الإخبار لغيرها "أستخلصه لنفسي" أجعله خالصا لي دون شريك. وقول المؤلف"وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم" يعني كما أن اليد الحقيقية لله ليست كاليد الحقيقية للمخلوق، فكذلك صفة اليد-وهي البسط- ليست متماثلة بل لكل منهما يده التي تناسبه، وبسط يده اللائق به، وقد أشار المؤلف إلى أن للبسط معنيين، أحدهما أنه كناية عن كثرة الجود والعطاء وعدم البخل قال ابن عباس في معنى قوله ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أنهم لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكن يقولون بخيل يعني أمسك ما عنده بخلا، والثاني أن معنى كون اليدين مبسوطتين أنهما غير مغلولتين ولا مقبوضتين، بل مطلقتين وعلى كل حال فليست يد الله مثل يد خلقه ولا بسطه كبسطهم، بل للمخلوق ما يناسبه، وللخالق ما يناسبه، "ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد"

стр. 75

تفسير بسط اليدين ... قوله: فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته بخلقه فمن قال ليس لله علم، ولا قوة ولا رحمة ولا كلام، ولا يحب ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى كان معطلا جاحدا، ممثلا لله بالمعدومات والجمادات، ومن قال له علم كعلمي، أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو

стр. 76

رضاء كرضائي، أو يدان كيداي، أو استواء كاستوائي كان مشبها ممثلا لله بالحيوانات، بل لابد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. ويتبين هذا "بأصلين" شريفين و"مثلين" مضروبين- ولله المثل الأعلى- "وبخاتمة جامعة". ش: بعد أن بين المؤلف أن الله تعالى مسمى بأسماء وموصوف بصفات، والمخلوق مسمى بأسماء وموصوف بصفات، ولم يوجب ذلك أن تكون الأسماء مثل الأسماء أو الصفات مثل الصفات، بل لكل منهما ما يليق به، وبعد أن استشهد المؤلف على ذلك بالآيات الصريحة في الدلالة على إثبات أسماء الله وصفاته ونفي مماثلته لمخلوقاته قال ﵀: "فلابد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي مماثلته لخلقه" وهذا هو مذهب سلف الأمة وأئمة السنة، ومن تبعهم بإحسان فهم معتدلون في باب –توحيد الله- يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، أعرف الناس بربه ﷺ من غير تعطيل فلا ينفي عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ولا تشبيه فلا يقال له سمع كأسماعنا ولا بصر كأبصارنا، ونحو ذلك كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقوله "بلا تعطيل" أي خلافا للذين نفوا حقائق أسماء الله وصفاته وعطلوه منها، من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وأشباههم وقوله "بلا تمثيل" يعني خلافا للمشبهة الذين شبهوا الله بخلقه ومثلوه بهم – كغلاة الشيعة ونحوهم – تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً فإنه سبحانه لا شبيه له ولا مثل، فالمعطلة غلوا في النفي حتى شبهوه بالمعدومات والناقصات، والمشبهة غلوا في الاثبات حتى مثلوه بالمخلوقات، وأهل السنة والجماعة أثبتوا لله الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، والإشارة في قوله: وهذا يتبين راجعة إلى" بيان أن الله تعالى متصف ومسمى بما له من الأسماء والصفات، وأنه سبحانه منزه عن مماثلة المخلوقات خلافاً لمن نفى فعطل، أو أثبت فشبه ومثل، فهذه المقدمة وما ذكر فيها يوضحه ويقرره ما سيَأتِي في الأصلين الجليلين، والمثلين

стр. 77

الواضحين – ولله المثل الأكمل – ويتضح ذلك أيضا بالخاتمة الجامعة التي ذكر المؤلف فيها سبع قواعد جليلة، وباختتامه للقواعد السبع ينتهي الكلام في "باب الأسماء والصفات" حيث يبتدئ كلامه في الأصل الثاني وهو توحيد "الشرع والقدر"

стр. 78

مناظرة مع الأشعري ... قوله: "فصل" فأما الأصلان فأحدهما أن يقال "القول في بعض الصفات كالقول في بعض" فإن كان المخاطب ممن يقول: بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير بصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهته، فيجعل ذلك مجازاً، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات، من النعم والعقوبات فيقال له لا فرق بين ما نفيته، وبين ما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل وإن قلت إن له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، وقيل لك وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به، وإن قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، فيقال لك: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرة، فإن قلت هذه إرادة المخلوق قيل لك وهذا غضب المخلوق. وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته: إن نفي عنه الغضب، والمحبة والرضا، ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتف عن السمع والبصر، والكلام وجميع الصفات، وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين، فيجب نفيه عنه قيل له وهكذا السمع، والبصر، والكلام وجميع الصفات، وإن قال أنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه قيل له وهكذا السمع، والبصر، والكلام، والعلم، والقدرة. ش: هذا شروع تفصيلي ما أجمله المؤلف في المقدمة. وقوله

стр. 79

"أحدهما" أن يقال القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر" يعني أول الأصلين الشريفين المتضمنين إيضاح القاعدة الماضية هو أن الكلام –في باب الصفات واحد- ومن يحاول إثبات البعض ونفي الآخر يقع في التناقض والاضطراب لا محالة وقوله: فإن كان المخاطب ممن يقول"بأن الله حي" الخ: يعني إذا كان البحث والمناقشة مع المنتسب للأشعري فإنه هو الذي يثبت هذه الصفات السبع، وينازع في بقية الصفات، ويجعل نسبتها إلى الله على سبيل المجاز ويسلك في ذلك أحد طريقين، إما تأويل الصفة بصفة أخرى-كتفسيره المحبة بالإرادة- وإما تفسير الصفة ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات، مثل تفسيره اليد بالنعمة، وتفسير الغضب بالعقوبة، فإنه يقال له حينئذ لا فرق بين الصفة التي تثبتها والصفة التي تنفيها من حيث لزوم المحذور وعدم لزومه، فدلالة النصوص على أن له محبة ورحمة، وغضبا ورضا، وفرحاً وضحكاً، ووجهاً ويدين، كدلالة النصوص على الصفات السبع-فلم نفيت حقيقة رحمته ومحبته ورضاه وغضبه وفرحه وضحكه وأولتها بصفة الإرادة؟ فإن قلت إن إثبات الإرادة لا يلزم منه تشبيه وتجسيم، وإثبات حقائق هذه الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم، فإنها لا تعقل إلا في الأجسام، فإن الرحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان، والمحبة ميل النفس لجلب ما ينفعها، والغضب غليان دم القلب لورود ما يرد عليه، قيل لك: وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ينفعها ودفع ما يضرها، وكذلك جميع ما أثبته من الصفات إنما هي أعراض قائمة بالأجسام في الشاهد فإن العلم انطباع صورة المعلوم في العالم أو صفة عرضية قائمة به وكذلك السمع والبصر والحياة أعراض قائمة بالموصوف، فكيف لزم التشبيه والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات هذه، فإن قلت أنا أثبتها على وجه لا يماثل صفات المخلوقين، قيل لك: هكذا القول في سائر الصفات تثبت لله كما أثبتها لنفسه على وجه لا يماثل فيها صفات المخلوقين. فإن قلت: هذا لا يعقل

стр. 80

إلا من جنس ما يثبت للمخلوقين. قيل لك: فكيف عقلت سمعا وبصرا وحياة وإرادة ليست من جنس صفات المخلوقين؟. وقوله: "وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه، وبصره، وعلمه، وقدرته" الخ. المعنى لما مثل المؤلف – بالإرادة والغضب – وأن الأشعري إن أثبت الإرادة على ما يليق بالله لزمه ذلك في سائر الصفات، وإن مثلها بإرادة المخلوق صار مشبهاً، وأنه إذا فسر الغضب بما هو من خصائص المخلوق بينت له الإرادة التي هي من خصائص المخلوق فإذا قال: هذه إرادة المخلوق قيل له: والغضب الذي ذكرت هو غضب المخلوق. أقول: لما ذكر المؤلف هذا المثال الذي هو عبارة عن مناقشة يفحم فيها صاحب السنة خصمه من الأشعري قال: وهكذا يلزم الكلام في السمع والبصر، إذا نفى الأشعري المحبة والرضا والرحمة، وغير ذلك من الصفات، وفسر ذلك بما يناسب المخلوقين قيل له: وهذا المحذور أيضا يقال بالنسبة للسمع والبصر، ونحو ذلك من الصفات التي تثبت وإذا قال: لا حقيقة للمحبة والغضب، ونحو ذلك إلا من جنس ما قوله: فهذا المفرق بين بعض الصفات وبعض يقال له فيما نفاه كما يقوله هو للمنازعة فيما أثبته، فإذا قال المعتزلي: ليس له إرادة، ولا كلام قائم به، لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات فإنه يبين للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون كصفات المحدثات، فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك. ش: يعني أنه يقال للأشعري مثلما يقول هو للمعتزلي حينما يقول له: إثبات الصفات السبع مستلزم للتشبيه. فإن الأشعري يبين ويوضح لخصمه المعتزلي قائلا: هذه الصفات يتصف بها الرب ولا يقتضي إثباتها له يختص بالمخلوقين قيل له ولا حقيقة للسمع والبصر إلا من جنس ما يثبت للمخلوقين، إذ الباب واحد.

стр. 81

تمثيلا بالمخلوقات، فإذا قال الأشعري هذا الجواب للمعتزلي قال له أهل السنة: جوابك على المعتزلي هو جوابنا عليك بالنسبة لسائر الصفات.

стр. 82

وجه الاستدلال على الصفات السبع بالعقل ... قوله: فإن قال تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة والتخصيص دل على الإرادة والأحكام دلت على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع، والبصر، والكلام أو ضد ذلك. قال له سائر أهل الإثبات: لك جوابان، أحدهما أن يقال: عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، فهب أن ما سلكت من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه والنافي لابد أن يَأتِي بدليل كالمثبت سواء بسواء، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت، والسمع قد دل عليه، ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل – السالم عن المعارض المقاوم – الثاني أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما اثبت به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم، يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكافرين يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالمشاهدة والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته – وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة – تدل على حكمته البالغة، كما يدل التخصيص على المشتبه، وأولى لقوة العلة الغائبة، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة. ش: يعني إذا قال إني أثبت الصفات السبع، لدلالة العقل عليها، وأما بقية الصفات فلا أثبتها لعدم دلالة العقل عليها أجيب

стр. 83

بجوابين: وفيما بين ذلك ذكر المؤلف وجه استدلال الأشعري على إثبات هذه الصفات بالعقل فقال: لأن الفعل الحادث دل على القدرة،" والتخصيص دل على المشيئة، والأحكام دلت على العلم" فإن الفعل المحكم، والخلق والرزق، وإنزال المطر، وإنبات النبات، وتخصيص بعض الناس بالاصطفاء أو الكرامات، وكون الأحكام في غاية السداد والملاءمة للأحوال، كل ذلك يدل على إثبات هذه الصفات لله، وهذه الصفات لا يتصف بها إلا من كان حيا، والحي لا يخلو عن أن يكون سميعا، بصيرا، متكلما، أو يكون أصم، أعمى، أبكم، والسمع، والبصر، والكلام،-أوصاف كمال- وضدها-أوصاف نقص-والله تعالى له الوصف الأكمل فهو متصف بها هذا وجه الاستدلال على الصفات السبع بالعقل – والجوابان هما أولا أن يقال لمن زعم عدم دلالة العقل على ماعدا الصفات السبع: افرض أن العقل لم يدل عليها؟ فإن عدم دلالته عليها ليس معناه أنها غير موجودة إذ قد دل عليها دليل آخر- هو السمع – والسمع دليل مستقل بنفسه، بل الطمأنينة إلى مجرد العقل، فما الذي يسوغ لك نفي مدلوله؟ وقوله: "والنافي عليه الدليل كما على المثبت" معناه أن النافي عليه إقامة الدليل على الانتفاء، كما أن المثبت للشيء عليه إقامة الدليل على إثباته، وثانيا يقال له: بقية الصفات ثابتة بالعقل، كما أن الصفات السبع ثابتة به، فالإنعام، والإحسان، وكشف الضر، وتفريج الكربات، دال على الرحمة، كدلالة التخصيص على الإرادة والتخصيص بالكرامة والاصطفاء والاختيار دال على المحبة، كدلالة ما ذكرت على الإرادة. والإهانة والطرد والإبعاد والحرمان دال على المقت والبغض كدلالة ضده على الرضا والحب، والعقوبة والبطش، والانتقام دال على الغضب، كدلالة ضده على الرضا. وإذا قدر اثنان أحدهما يحب نعوت الكمال ويفرح بها ويرضاها، والآخر لا فرق عنده بين صفات الكمال وصفات النقص، فلا يحب هذا ولا

стр. 84

هذا، ولا يرضى هذا ولا هذا، ولا يفرح بهذا ولا بهذا، كان الأول أكمل من الثاني، ومعلوم أن الله يحب المحسنين والمتقين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذه كلها صفات كمال، وكذلك إذا قدر اثنان أحدهما يبغض المتصف بضد الكمال كالظلم، والجهل، والكذب، ويغضب على من يفعل ذلك، والآخر لا فرق عنده بين الجاهل الكاذب والظالم، وبين العالم الصادق والعادل. كان الأول أكمل وأيضا فنحن نعلم بالاضطرار أنه إذا فرضنا موجودين أحدهما يرحم غيره فيجلب له المنفعة ويدفع عنه المضرة، والآخر قد استوى عنده هذا وهذا، فليس عنده ما يقتضي جلب منفعة ولا دفع مضرة – كان الأول أكمل – وقوله: "والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة تدل علة حكمته البالغة" الخ. الغايات المحمودة مبتدأ خبره – قوله تدل على حكمته البالغة – وما بين المبتدأ والخبر جملة معترضة مفسرة للغايات، فقول المؤلف: "وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة" توضيح لمعنى الغايات المحمودة. فالخلاصة أن العواقب الحميدة في أفعال الله وأوامره تدل على صفة الحكمة كدلالة التخصيص على الإرادة فالمشيئة بمعنى الإرادة الكونية وقوله: "لقوة العلة الغائية" معناه أن دلالة العواقب الحميدة في أفعال الله وأوامره على الحكمة أقوى من دلالة تخصيص بعض العباد دون بعض على صفة الإرادة ثم بين المؤلف وجه ذلك فقال: ولهذا كان ما في القرآن في بيان مخلوقاته من النعم، والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة، المعنى ومن أجل أن دلالة العواقب الحميدة على الحكمة أقوى من دلالة التخصيص على المشيئة نجد أن الله سبحانه

стр. 85

ذكر في القرآن ما في مخلوقاته من النعم والحكم أكثر مما ذكر أنه شاءها وخلقها فمثلا قوله تعالى: ﴿وَالْأنعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تأكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأنفُسِ إن رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتأكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أن تَمِيدَ بِكُمْ وَأنهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ هذه الآيات التي يذكر الله فيها أنه أنعم على عباده بما خلق لهم، وبيانه للحكمة في خلقه الأشياء أكثر من ذكره أنه كون الأشياء وخلقها بمشيئته، كقوله تعالى: ﴿إنما أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ونحوها من الآيات فهذه الأدلة العقلية التي دلت على هذه الصفات السبع، فتبين أنه لابد للأشعرية من واحد من أمرين، إما النفي والتعطيل وإما أن يصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، ويتبعوا في ذلك سبيل السلف الذين هم أعلم الأمة بهذا الشأن نفياً وإثباتاً وأشد تعظيماً لله وتنزيها له عما لا يليق بجلاله وكان الباب عندهم واحداً. واعلم أن إثبات الصفات السبع فقط خلاف قول السلف وخلاف قول الجهمية والمعتزلة فالناس كانوا طائفتين، سلفية، وجهمية فحدثت الطائفة السبعية واشتقت قولا بين قولين، فلا للسلف اتبعوا ولا مع الجهمية بقوا، والأشعري منسوب إلى أبي الحسن علي ابن إسماعيل ابن أبي بشر، اسحاق بن سلمان بن اسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري، صاحب رسول الله ﷺ وهو صاحب الأصول، والقائم بنصرة مذهب أهل السنة وإليه تنسب الطائفة الأشعرية- ومولده سنة سبعين وقيل ستين ومأتين بالبصرة، وتوفي بعد نيف وثلاثين وثلاثمائة، وقيل سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، والأشعري بفتح

стр. 86

الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة وبعدها راء نسبة إلى أشعر، واسمه نبت بن أدد بن زيد بن يشجب، وإنما قيل له أشعر لأن أمه ولدته والشعر على يديه، هكذا قال السمعاني. وكان أبو الحسن الأشعري أولا معتزليا، ثم تاب من القول بخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة، رقى كرسيا ونادى بأعلى صوته من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني فإنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان: كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا تراه الأبصار وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة، مخرج لفضائحهم، ومعائبهم، وهو صاحب الكتب في الرد على الملاحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعين والتي منها: الموجز والمقالات، والإبانة، وقد صرح في كتبه برجوعه عن مذهب نفاة الصفات، وأنه معتقد لمذهب السلف وهو إثبات الأسماء والصفات دون تفريق بين صفة وأخرى.

стр. 87

رجوع أبي الحسن الأشعري عن مذهبه ... قوله: وأن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء، كالمعتزلي الذي يقول: أنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة، قيل له لا فرق بين إثبات الأسماء، واثبات الصفات، فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيها أو تجسيما، لأنا لا نجد في الشاهد متصفا بالصفات إلا ما هو جسم قيل لك ولا نجد في الشاهد ما هو مسمى حي عليم قدير إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم فإنف الأسماء، بل وكل شيء لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم. فكل ما يحتج به من نفي الصفات يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جوابا لذلك كان جوابا لمثبتي الصفات.

стр. 88

ش: يعني يقال للمعتزلي إذا كان الخطاب معه فإنه هو الذي يقر بالأسماء وينفي الصفات، يقال له أن الصفات لا تقوم إلا بالجسم- ردنا عليك هو أن نقول لك: والأسماء التي يسمى بها المخلوق لا تقوم في الشاهد إلا بجسم وأنت تثبت لله الأسماء فيلزمك التشبيه. وحينئذ فما كان جوابا عن ثبوت الأسماء، كان جوابا لأهل الإثبات عن إثبات الصفات، والمقصود أنه يقال للمعتزلة- قولكم منقوض بإثبات الأسماء- الحسنى- فإنكم تقولون: أن الله يسمى حيا عليما قديراً وإذا أمكن إثبات حي عليم قدير وليس بجسم، أمكن أن يكون له حياة وعلم وقدرة وليس بجسم، وإن لم يكن ذلك، فما كان جوابكم عن إثبات الصفات، ويقال لهم أيضا، ما تعنون بالجسم، أتعنون به ما كان مركبا من الجواهر المفردة، أو من المادة والصورة، أم تعنون به ما يمكن الإشارة إليه، أو ما كان قائماً بنفسه، أو ما هو موجود، فإن عنيتم الأول، لم نسلم أن هذه الصفات لا تقوم إلا بجسم بهذا التفسير وإن عنيتم به الثاني، لم نسلم امتناع اللازم، فإن الرب تعالى موجود، قائم بنفسه مشار إليه، كما جاء ذلك مصرحا به في الأحاديث الصحيحة.

стр. 89

دحض شبه المعتزلة ... قوله: وإن كان المخاطب من الغلاة نفاة الأسماء والصفات، وقال لا أقول، هو موجود، ولاحي، ولا عليم، ولا قدير بل هذه الأسماء لمخلوقاته، إذ هي مجاز لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم. قيل لله: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولاحي، ولا عليم، ولا قدير، كان ذلك تشبيها بالمعلومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجود. ش: الكلام الآن مع الجهمية، وهم غلاة بالنسبة للأشاعرة، والمعتزلة حيث نفى كل منهما البعض دون البعض ونفت الجهمية الأسماء والصفات معا.

стр. 90

فيقال لهم: أولا يستحيل مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه أن يريد بكلامه خلاف حقيقته وظاهره. وأن الحق في أقوال النفاة المعطلين وأن تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص فإن المتكلم بهذه النصوص أما أن يكون عالما أن الحق في تأويلات النفاة المعطلين، أولا يعلم ذلك فإن لم يعلم ذلك كان ذلك قدحاً في علمه وإن كان عالما أن الحق فيها فلا يخلو أما أن يكون قادراًَ على التعبير بعباراتهم التي هي تنزيه الله بزعمهم عن التشبيه والتمثيل والتجسيم، وأنه لا يعرف الله من لم ينزه اله بها، أو لا يكون قادرا على تلك العبارات فإن لم يكن قادراً على التعبير بذلك، لزم القدح في فصاحته، وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة أولياؤه وأعداؤه، وموافقوه، ومخالفوه، فإن مخالفيه لم يشكو أنه أفصح الخلق وأقدرهم على حسن التعبير بما يطابق المعنى ويخلصه من اللبس والإشكال وإن كان قادراً على ذلك ولم يتكلم به، وتكلم دائما بخلافه كان ذلك قدحا في نصحه وقد وصف الله رسله بأنهم أنصح الخلق لأممهم، فمع النصح والبيان والمعرفة التامة، كيف يكون مذهب النفاة، المعطلة، أصحاب التحريف، هو الصواب، وقول أهل الإثبات أتباع القرآن والسنة باطل، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند قول المؤلف إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث، ويقال لهم: ثانيا إنكم بنفيكم هذه الصفات تشبهون الله بالمعدوم، فقد فررتم مما هو تشبيه على زعمكم ولكن وقعتم في شر منه، فإن التشبيه بالمعدوم أفظع من التشبيه بالموجود.

стр. 91

ما يترتب على نفي الجهمية للصفات ... قوله: فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات، قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجوداً معدوماً، أو لا موجوداً ولا معدوماً، ويمتنع أن يوصف ذلك باجتماع

стр. 92

الوجود والعدم، أو الحياة والموت، أو العلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل، فإن قلت إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلا لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والملكة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له أعمى، ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذ ليس لهما قابلا، قيل لك: أولا هذا لا يصح في الوجود والعدم، فإنهما متقابلان، تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر. وأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل، فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاؤون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على الحقائق العقلية، وقد قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أيان يُبْعَثُونَ﴾ . فسمى الجماد ميتا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم. وقيل لك ثانيا فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحدا منهما، فأنت فررت من تشبيه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك. وأيضا فما لا يقبل الوجود والعدم، أعظم امتناعا من القابل للوجود والعدم، بل ومن اجتماع الوجود والعدم، ونفيهما جميعا فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم، كان أعظم امتناعا مما نفيت عنه الوجود والعدم وإذا كان ممتنعا في صرائح العقول كان أعظم امتناعا، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات. وهذا غاية التناقض والفساد. ش: يعني إذا قال الغالي: أنا أنفي النفي والإثبات، فلا يلزمني التشبيه بالموجودات والمعدومات، قيل له: فيلزمك حينئذ التشبيه

стр. 93

بالممتنعات، فإن من ليس بموجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ممتنع الوجود وكما يمتنع وصف الشيء بالعلم والجهل بمسألة معينة، والحياة والموت الحقيقيين والوجود والعدم يمتنع كذلك سلب هذه المتقابلات فإنهما نقيضان يلزم من ثبوت أحدهما ارتفاع الآخر، وإذا قال هذا الغالي: لا يلزم التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، إلا إذا نفيتهما عن محل قابل لهما، قيل له: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعلم والجهل ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك فالأعمى الفاقد لصفة البصر أكمل من الجماد، لأنه وإن كان فاقدا للبصر فهو قابل للاتصاف به بخلاف الجماد، فإنه ليس من شأنه الاتصاف بالبصر أو العمى. فأنت فررت من تشبه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل الاتصاف بالكمال أو النقص. وقيل له ثانيا: بالنسبة لنفي الوجود والعدم – قولك لا يقبل الوجود والعدم – تشبيه لله بأعظم الممتنعات، فإن من ينفي عنه الوجود والعدم ممتنع، ومن ينفي عنه قبول الوجود والعدم أعظم امتناعا منه، وكذلك من يوصف بالوجود والعدم معاً ممتنع أيضا، ومن ينفي عنه قبول الوجود والعدم، أعظم امتناعا منه، فقد فررت من تشبيه الممتنع الأسهل امتناعا، ووقعت في تشبيه بالأشد امتناعا، وهو معنى قول المؤلف، وإذا كان هذا ممتنعاً في صرائح العقول كان أعظم امتناعا. وأما قولك: وهذان يتقابلان تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والإيجاب فجوابنا عليه أن نقول: أولا هذا لا يصح بالنسبة للوجود والعدم، فإن التقابل بينها تقابل نقيضين باتفاق العقلاء، فيلزم ثبوت أحدهما انتفاء الآخر. وثانيا قولك: وما لا يقبل الحياة والموت والعلم والجهل والعمى

стр. 94

والبصر "كالجدار" لا يوصف بذلك، جوابنا على هذه الدعوى أن نقول: هذه الدعوى غير صحيحة ففي لغة العرب وصف الجماد بالحياة والموت ونحو ذلك، وأن لم يكن الجماد على زعمك قابلا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ ومن جملة معبوداتهم الأصنام وفيها الجماد. والعرب تقول: "اشتر الموتان ولا تشتر الحيوان" وسيَأتِي لهذا المبحث مزيد بيان في موضعه، وإنما قولك: أن ما لا يقبل الاتصاف بهذه الأوصاف لا يوصف بها – مجرد اصطلاح – لفظي اصطلحت عليه الفلاسفة المشاؤون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على الحقائق العقلية، فلا يمكن اطراح ما هو مدرك معروف بالعقل واعتبار ما هو اصطلاح لفظي والفلاسفة المشاؤون هم أتباع أرسطو – وهو المقدوني – من أهل مقدونة من بلاد الروم من تلاميذ أفلاطون وكان مولده سنة ثلاثمائة وأربع وثمانين قبل الميلاد، وتوفي سنة ثلاثمائة واثنتين وعشرين قبل الميلاد، عن ثلاث وستين سنة. وكان يعلم الحكمة وهو ماش تحت الرواق المظلل له من حر الشمس، فسمي تلاميذه- المشائين- فتسمية أتباعه بالمشائين إنما هو أخذ من عادته. إذ كان يلقي عليهم الدرس وهو يمشي وهم يسيرون حوله، ويسمون أيضا الرواقية نسبة إلى الرواق الذي كان يتمشا في ظله وهو يلقي الدروس، والمتقابلان بالعدم والملكة أمران: أحدهما وجودي، والآخر عدمي، فالوجودي هو الصفة الثبوتية التي تقوم بمن من شأنه الاتصاف بها كالبصر، والعلم، والعدمي هو فقدان تلك الصفة كالعمى والجهل، فإن العمى – عدم البصر – عما شأنه قبول البصر والجهل فقدان العلم عما من شأنه قبول العلم، فالوجودي هو الملكة، والعدمي فقدانها والمتقابلان بالإيجاب والسلب هما أمران يلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر فالإيجاب

стр. 95

معناه الإثبات، والسلب معناه النفي وقوله "فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات وهذا غاية التناقض والفساد"، معناه أن هذا الغالي بنفيه عن الله قبول الاتصاف بالوجود والعدم، وقبول الاتصاف بسائر الصفات، قد شبهه بأعظم الممتنعات في حين أن الله سبحانه واجب الوجود، الذي لا يجوز عليه حدوث ولا عدم، وهذا يبين مدى فساد مقالة هؤلاء الغلاة، ويوضح تهافت شبههم التي زعموا بها أنهم ينزهون الله عن التشبيه. فمقالتهم فاسدة، وشبههم متضاربة متناقضة، منقوضة بصريح المعقول، وصحيح المنقول.

стр. 96

اتفاق المسميات في في الأسماء والصفات لا يوجب تماثلها ... قوله: وقيل له أيضا: اتفاق المسلمين في بعض الأسماء والصفات، ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت ما يلتزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يشركه مخلوق في شيء من خصائصه . ش: يعني أن الغالي الذي ينفي الصفات أو ينفي قبولها عن الله يقال له: اتفاق المسميات في الاسم والمعنى العام لا يوجب تماثل المسميين، فنحن إذا قلنا: أن الله موجود حي عليم سميع بصير متكلم وقلنا: أن المخلوق موجود حي عالم سميع بصير متكلم، لم يكن ذلك تشبيها بل الله موجود لم يزل حيا، قديماً، قيوماً، عالماً، سميعاً بصيراً ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات، والموجود منا إنما وجد عن عدم وحييي بمعنى ثم يصير ميتا بزوال ذلك المعنى، وعلم بعد أن لم يعلم، وقد ينسى ما علم، وسمع وأبصر، وتكلم بجوارح قد تلحقها الآفات، فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه بما أطلق للخالق، وأن اتفقت

стр. 97

مسميات هذه الصفات عند الإطلاق، فالرب مستحق للكمال، مختص به على وجه لا يماثله فيه شيء، فليس له سمي ولا كفؤ سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شيء للمخلوق كربوبية العباد والغنى المطلق ونحو ذلك، أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق فالذي يثبت للخالق منه نوع هو أعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق والتفاوت الذي بينهما أعظم من التفاوت الذي بين أدنى المخلوقات وأعلاها. فالأسماء والصفات نوعان: نوع يختص به الرب مثل الإله، ورب العالمين ونحو ذلك، فهذا لا يثبت للعبد بحال ومن هنا ضل المشركون الذين جعلوه أندادا. والثاني: ما يوصف به العبد في الجملة -كالحي والعالم والقادر- فهذا لا يجوز أن يثبت للعبد مثلما يثبت للرب أصلا: فإنه لو ثبت له ما ثبت له للزم أن يجوز على أحدهما ما لا يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ومثال ما يمتنع على الرب: اتخاذ الولد، والصاحبة، والشريك، والولي من الذل فإن نفى هذا من خصائص الربوبية، وكذلك السنة والنوم، واللغوب والنسيان، والعجز، والموت، والظلم وغير ذلك مما هو مستحيل عليه ممتنع في حقه، ولكنه واقع في العباد، فهذا القسم ممكن واقع بالنسبة للعباد، ومستحيل فيحق الله ومما يجب له كونه رب العالمين، وعلى كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، ومما يجوز عليه كونه يحي ويميت ويرزق ويعز ويذل.

стр. 98

مراد النفاة بحلول الحوادث والاعراض والاغراض ... قوله: وأما ما نفيته فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيها وتجسيما تمويه على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مسم بهذا الاسم يجب نفيه، ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمى الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل، وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف الناس، عقلهم، ودينهم، حتى أخرجوهم إلى الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة.

стр. 99

ش: يعني يقال للنفات: تسميتكم إثبات أسماء الله وصفاته: تشبيها وتجسيما وتلقيبكم من يثبت ذلك بالمشبه والمجسم لا يغير من الواقع شيئا ولا يغير من وجهة أهل البصيرة والمعرفة بالله: فالتوحيد لا يكون شركا، ووصف الله بأوصاف الكمال ونعوت الجلال لا يكون تشبيها، وإنما التشبيه هو ما يقوله "النفاة المعطلة" الذين سموا تعطيلهم وإلحادهم ونفيهم توحيداً، وهو غاية النقص فقد قلبوا الحقائق، ونفوا حقائق أسمائه وصفاته تحت ستار ألفاظ، يسمعها الغر المخدوع، فيظنها تنزيها لله عن النقائص والعيوب، وأنهم يعظمون الله ويمجدونه، ويكشف الناقد البصير ما تحت هذه الألفاظ، فيرى تحتها الإلحاد، وتكذيب الرسل، وتعطيل الرب، سبحانه وتعالى عما يستحقه من كمال ومن هذه الألفاظ قولهم نحن ننزه الله عن الإعراض، والأغراض، والأبعاض، وننزهه عن الحدود والجهات، وعن حلول الحوادث، وتنزيهم لله عن الإعراض، هو جحد صفاته-كسمعه وبصره وحياته وعلمه وكلامه وإرادته- فإن هذه أعراض على زعمهم لا تقوم إلا بجسم فلو كان متصفا بها لكان جسما، وكانت إعراضاً له، وهو منزه عن الإعراض وأما الأغراض فهي الغاية والحكمة، التي لأجلها يخلق، ويأمر، وينهى، ويثبت، ويعاقب، وهي الغايات المحمودة المطلوبة له من أمره، ونهيه، وفعله، فيسمونها أغراضا وعللا ينزهونه عنها وأما تنزيهم لله عن الأبعاض فمرادهم أنه ليس له وجه ولا يدان، ولا يمسك السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، فإن ذلك كله ابعاض، والله منزه عن الابعاض، وأما الحدود والجهات فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس فوق السموات رب، ولا على العرش اله، ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق كما أشار إليه أعلم الخلق به، ولا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسول الله محمد ﷺ إليه، إذا لو كان كذلك للزم إثبات الحدود والجهات

стр. 100

له، وهو منزه عن ذلك: وأما تنزيههم لله عن حلول الحوادث، فمرادهم بذلك أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ولا يَأتِي يوم القيامة، ولا يحب، ولا يريد شيئا بعد أن لم مريدا له، فلا يقول كن حقيقة، ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا، ولا يغضب يوم القيامة غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده، مثله، ولا ينادي عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديا لهم، ولا يقول للمصلى إذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حمدني عبدي فإن هذه كلها حوادث، وهو منزه عن حلول الحوادث ونحن لا ننفي أوصاف الرب ونعوت جلاله، لأجل تسميتهم لها بهذه الأسماء، كما أننا لا ننسب الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم، نواصب- ولا ننفي قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية لمن أثبته جبريا، ولا نرد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية النفاة لنا حشوية ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على العرش، لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسما مشبها. فإن كان تجسيما ثبوت استوائه ... على عرشه إني ذاً لمجسم وإن كان تشبيها ثبوت صفاته ... فمن ذلك التشبيه لا أتكتم وإن كان تنزيها جحود استوائه ... وأوصافه أو كونه يتكلم فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا ... بتوفيقه والله أعلى وأعظم قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه، بعد إنشاده هذه الأبيات ورحمة الله على الشافعي حيث فتح للناس هذا الباب بقوله: يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد خيفها والناهض إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي وهذا كله مأخوذ من قول الشاعر الأول: وعيرني الواشون أني أحبها ... وذلك ذنب لست منه أتوب

стр. 101

فنفيهم للصفات بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى، وجناية على ألفاظ الوحي أما الخطأ اللفظي فتسميتهم هذه الصفات تركيبا وتجسيما وتشبيها، فكذبوا على القرآن، وعلى الرسول، وعلى اللغة، ووضعوا للصفات ألفاظاً منهم بدأت وإليهم تعود، وأما خطؤهم في المعنى فنفيهم وتعطيلهم لصفات كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب، فنفوا المعنى الحق، وسموه بالاسم المنكر، وكانوا في ذلك بمنزلة من سمع أن في العسل شفاء ولم يره، فسأل عنه فقيل له مائع رقيق أصفر يشبه العذرة -تتقيؤه الزنابير- فمن لم يعرف العسل ينفر عنه بهذا التعريف، ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلا محبة له، ورغبة فيه، ولله در القائل: تقول هذا جناء النحل تمدحه ... وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير وقوله:"وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف الناس عقلهم ودينهم حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة" يعني وبسبب تسمية الحق الثابت بأسماء منكرة وتلقيب أصحاب العلم الإلهي، وأهل الديانة والصلاح بالألقاب الشنيعة أفسدت الملاحدة فطر الناس ولوثت عقولهم فإن أشد ما سلكت الملاحدة في التنفير عن الحق سوء التعبير عنه، وضرب الأمثال القبيحة له والتعبير عن تلك المعاني التي لا أحسن منها بألفاظ منكرة، ألقوها في مسامع المغترين المخدوعين فوصلت إلى قلوبهم، وأكثر العقول يقبل القول بعبارة ويرده بعبارة أخرى، ومثل هذا ما يستعمله الفساق والملاحدة في زماننا من الألفاظ البذيئة التي يطلقونها على الفضلاء وأهل الديانة كقولهم: متحجرون، وجامدون، ورجعيون، ومتأخرون، بينما ينعتون أشباههم بالتقدميين، والمتنورين، والراقين فهي إذا شنشنة معروفة من اخزم في قديم

стр. 102

الدهر وحديثه، وفي قوله"أعظم الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة إضافة الصفة إلى الموصوف"

стр. 103

مناقشة نفاة الصفات في تسميتهم تعطيلهم توحيدا ... قوله: وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع. وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟ فهذه معان متعددة متغايرة في العقل، وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيداً. فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيباً ممتنعاً. قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة، وليس تركيباً ممتنعاً. ش: يعني إذا قال نفاة الصفات: من غلاة الفلاسفة والجهمية إثبات الصفات لله يستلزم التركيب وهذا تشبيه للخالق بالمخلوق، لأن هذه صفات متغايرة متعددة فيلزم أن يكون المتصف بها مركبا منها، قيل لهم: أولا أنتم تثبتون صفات متغايرة متعددة، كوصفكم الله بالوجود والوجوب، وقولكم عنه سبحانه أنه عقل وعاقل ومعقول فالمفهوم من هذه الصفات التي أثبتموها مثل المفهوم من الصفات التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله ووصفه بها المؤمنون: كالاستواء، والعلم، والقدرة، والمحبة، والغضب، والرضا، المفهوم من الجميع واحد، من حيث كل صفة مغايرة للأخرى، ومن حيث التعدد فلم نفيتم هذه الصفات وأثبتم تلك الصفات؟ فإذا قالوا: الذي أثبتناه إنما هو في الحقيقة توحيد وليس تركيباً، قيل لهم: والذي أثبتناه لأن الله أثبته لنفسه وأثبته له رسوله، إنما هو في الحقيقة توحيد وليس مستلزماً للتركيب، ويقال لهم: ثانيا أتعنون بالمركب الذي كان مفترقا فاجتمع؟ أو ركبه مركب فجمع أجزاءه أو ما أمكن تأليفه أو تبعيضه وانفصال بعضه عن بعض ونحو ذلك؟ فإن أردتم

стр. 104

بالمركب المعاني المتقدمة: فهذا منتف عن الله قطعاً، وهو كذب وبهت على الله وعلى الشرع وعلى العقل: فالله سبحانه خالق الفرد والمركب، الذي يجمع المتفرق ويفرق المجتمع ويؤلف بين الأشياء فيركبها كيف يشاء. فالحاصل أنه يقال لهم قد وصفتموه بصفات يتميز بعضها عن بعض فهل كان هذا عندكم تركيباً؟ وقد دل الوحي والعقل والفطرة على ثبوت ما نفيتم أفننفيه لمجرد تسميتكم الباطلة؟ والعقل كما دل على إله واحد، ورب واحد، لا شريك له ولا شبيه له لم يدل على أن الرب الواحد لا اسم له ولا صفة، ولا وجه ولا يدين، ولا هو فوق خلقه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، فدعوى ذلك على العقل كذب صريح عليه كما هو كذب صريح على الوحي وقولهم: "إنما هو توحيد" كذب وافتراء، بل إثبات ما جاء في الكتاب والسنة، هو التوحيد، وضده الشرك، فهم يسمون نفي الصفات توحيداً، وهم ابتدعوا هذا التعطيل وجعلوا اسم التوحيد واقعا على غير ما هو عليه في دين المسلمين. فإن التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، هو أن يعبد الله لا يشرك به شيء ولا يجعل له ند كما قال تعالى ﴿قُلْ يا أيهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة ومن تمام التوحيد: أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، ويصان ذلك عن التحريف والتعطيل، والتكييف والتمثيل، كما قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة. وعقل: مصدر عقل، وعاقل اسم فاعل، ومعقول اسم مفعول فالتمييز بين مسمى المصدر، ومسمى اسم الفاعل، واسم المفعول والتفريق بين هذه الأمور مستقر في كل الفطر والعقول السليمة، ولغات الأمم: أما هؤلاء الفلاسفة، فمعنى كونه عقلا عندهم أنه مجرد عن المادة منزه عن اللوازم المادية ومعنى كونه عاقلا هو

стр. 105

-إنه مجرد لذاته- ومعنى كونه معقولا هو أنه غير محجوب عن ذاته بذاته ولا بغيره- وسيَأتِي الشرح الصحيح للعقل في الكلام على القاعدة الأولى إنشاء الله تعالى.

стр. 106

من نفى شيئا ثابتا فرارا من محذور ... قوله: وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول من الصفات لا ينفي شيئا فرارا إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه، فلا بد في آخر الأمر من أن يثبت موجوداً واجباً قديما، متصفا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلا لخلقه، فيقال له: هكذا القول في جميع الصفات، وكل ما تثبته من الأسماء والصفات فلابد أن يدل على قدر تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فهم الخطاب، ولكن نعلم أن ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال. ش: يعني كما يقال لهؤلاء الفلاسفة إنكم نفيتم الصفات- فراراً من التركيب اللازم من التعدد- وقد لزمكم مثل ما فررتم منه حيث تثبتون أنتم صفات متعددة متباينة يقال أيضا لكل من نفى شيئا مما أثبته الله ورسوله فالباب واحد والقاعدة مطردة، فمثلا إذا قال الأشعري- الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك- هو من صفات الأجسام فإنه يقال له: كذلك الإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، من صفات الأجسام، فإنه كما لا نعقل في الشاهد ما ينزل ويستوي ويغضب ويرضى، إلا جسما لم نعقل ما يسمع ويبصر، ويريد، ويعلم، ويقدر، إلا جسما. فإذا قال: سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته ليس كإرادتنا، وكذلك علمه وقدرته. قيل له: ورضاه ليس كرضانا، وغضبه ليس كغضبنا، وفرحه ليس كفرحنا، ونزوله ليس كنزولنا. فإذا قال: لا يعقل في الشاهد غضب، إلا غليان دم القلب لطلب الانتقام. قيل له:

стр. 107

ولا يعقل في الشاهد إرادة إلا ميل القلب إلى جلب ما يحتاج إليه وينفعه ويفتقر فيه إلى ما سواه ودفع ما يضره والله سبحانه كما أخبر عن نفسه المقدسة في حديثه الإلهي" يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني" فهو منزه عن الإرادة التي لا تعقل في الشاهد إلا هكذا وكذلك السمع لا يعقل في الشاهد إلا وصول صوت في الصماخ، وذلك لا يكون إلا في أجوف، والله سبحانه أحد صمد منزه عن ذلك: والمعتزلة نفوا الصفات فرارا من التشبيه بالمخلوقات فيقال لهم: أنتم تثبتون الأسماء لله فتسمونه حياً عليما قديرا وهذه الأسماء يسمى بها المخلوق، فيلزم من ذلك التشبيه فقد فررتم من أمر ونفيتم من أجله الصفات، ولكن المحذور لازم لكم فيما تثبتون من الأسماء، فإنه كما يسمى بها الخالق يسمى بها أيضا المخلوق، فكما سمى نفسه عليما، سمى المخلوق عليما، وسمى نفسه سميعا بصيرا، وسمى المخلوق سميعا بصيرا، إلى غير ذلك. ويقال للجهمية: المخلوق يوصف بالخلق كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ ويوصف بالفعل كما قوله: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كانوا يَفْعَلُونَ﴾ وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أنهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ والله سبحانه يوصف بالخلق كما في قوله تعالى: ﴿يا أيهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ويوصف بالفعل كما في قوله : ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ وأنتم أيها الجهمية تثبتون كون الله خالقا فاعلا فهل فعله وخلقه سبحانه مثل المخلوق؟ إن قلتم هذا فهذا هو التشبيه وأنتم تفرون منه، وإن قلتم بل فعل الله وخلقه على ما يليق به، وفعل المخلوق وخلقه على ما يناسبه، فيجب أن تقولوا: هذا في سائر الصفات، فالحاصل أن هؤلاء النفاة جميعا لم يستفيدوا من نفيهم إلا تعطيل حقائق النصوص، وأنهم لم يتخلصوا مما ظنوه محذورا، بل هو لازم لهم فيما فروا إليه، بل قد يثبتون ما هو أعظم محذورا- كحال الذين تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء فرارا من التحيز والحصر- ثم قالوا: هو في

стр. 108

كل مكان بذاته، فنزهوه عن استوائه ومباينته لخلقه وجعلوه في أجواف البيوت والآبار والأواني والأماكن التي يرغب عن ذكرها، فجعلوا نسبته إلى العرش كنسبته إلى أخس مكان، فتعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وقوله" فلابد في آخر الأمر من أن يثبت موجودا واجبا قديما متصفا بصفات تميزه عن غيره" الخ ... معناه أن هؤلاء الذين ينفون شيئا فرارا من محذور، لابد وأن يثبتوا شيئا يمتاز به الخالق عن المخلوق- ككونه سبحانه موجودا قائما بنفسه- وأن وجوده لا يماثل وجود خلقه، وأن قيامه بنفسه لا يماثل قيام المخلوقين بأنفسهم، فإنه سبحانه غني عما سواه، والخلق مفتقرون إليه، فإذا اثبت المعطل هذه الصفات لله قيل له- فيجب أن تقول هذا في سائر الصفات- فالباب واحد، ومهما أثبت من وصف لله فلا بد أن يدل على قدر مشترك بين الخالق والمخلوق، بحيث يتفقان فيه عند الإطلاق، فإنك لابد أن تثبت لله وصفا ككونه شيئا موجودا، فالشيء والوجود يتصف به كل من الخالق والمخلوق، ولولا أننا نفهم قدراً مشتركا بين الخالق والمخلوق في مسمى الشيء والوجود ونحو ذلك لما فهمنا ما خاطبنا الله به، فإن الشيء ضد لا شيء والوجود ضد العدم، كما أن القدرة ضد العجز، والعلم ضد الجهل، وهكذا سائر الصفات، لكننا نعلم أن ما يضاف إلى المخلوق من الأوصاف هو على ما يناسب ذاته ويليق به، وما يضاف إلى الله من حقائق أسمائه ونعوت جلاله هو أعظم مما يخطر ببال إنسان أو يدور في خلده، فالله أعلى من أن يتصور عظمته متصور، كما قال رسول الله ﷺ "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وقوله ﵊ " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحد من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك". الحديث.

стр. 109

معنى قول الماتن فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ... قوله: وهذا يتبين بالأصل الثاني وهو أن يقال:" القول في الصفات كالقول في الذات" فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات، فإذا قال: كيف استوى على العرش؟ قيل له: كما قال ربيعة ومالك وغيرهما ﵄،" الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن الكيفية بدعة " لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه. وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال لا أعلم كيفيته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره، وتكليمه، واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته، وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه، ونزوله واستواءه، ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم، ونزولهم واستواؤهم. ش: الإشارة في قوله: وهذا يتبين، راجعة إلى ما ذكر في الأصل الأول من أنه لا فرق بين بعض الصفات والبعض الآخر، وأن الله ﵎، مسمى بأسماء حسنى، وموصوف بصفات عليا، مع نفي مماثلته لخلقه، وأن إثبات ذلك ليس بتشبيه بل هو محض التوحيد، وأن ما يمتاز به الخالق أعظم مما يخطر ببال أو يدور بخيال. وقوله:" القول في الصفات كالقول في الذات "يعني من حيث الثبوت ونفي المماثلة وعدم العلم بالكيفية: فكما أن ذات الله ثابتة بحقيقة الإثبات، فالصفات ثابتة أيضا

стр. 110

بحقيقة الإثبات، إذ لا يعقل وجود ذات بدون صفات وكما أن ذات الله لا تماثل ذوات خلقه، فكذلك صفاته لا تماثل صفات خلقه، وكما أن ذاته لا يمكن العلم بكيفيتها، فكذلك صفاته، إذ العلم بكيفية الصفات يستلزم العلم بكيفية الذات ويتفرع عنه، وقوله: فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، يعني كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فإنه سبحانه ذكر ذلك عقب ذكر نعوت كماله وأوصافه فقال: ﴿حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إلى قوله: ﴿يَذْرؤكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُْ﴾ فهذا الموصوف بهذه الصفات والأفعال، والعلو والعظمة، والحفظ والعزة، والحكمة والملك، والحمد والمغفرة، والرحمة والكلام، والمشيئة، والولاية، وإحياء الموتى، والقدرة التامة الشاملة، والحكم بين عباده، وكونه فاطر السموات والأرض. وهو السميع البصير، هذا هو الذي ليس كمثله شيء، لكثرة نعوته وأوصافه، وأسمائه، وأفعاله، وثبوتها على وجه الكمال، فالمثبت لصفات كماله- هو الذي يصفه بأنه ليس كمثله شيء- وقوله: فإذا قال السائل كيف استوى على العرش؟ قيل له: كما قال ربيعة ومالك وغيرهما" الخ. معناه إذا سأل مبتدع عن كيفية صفة من الصفات كالاستواء، فإنه يجاب بما أجاب به مالك وربيعة وغيرهما، وهذا الجواب وإن كان مرويا بالنص عن مالك وربيعة، فهو جواب لسائر أئمة السنة وسلف الأمة، وقد ذكر المؤلف هنا نص جواب الإمام مالك، وذكر جواب ربيعة في غير هذا الموضع ومعنى قول مالك الاستواء معلوم، يعني غير مجهول بل هو معلوم باللغة والشرع، فإن معناه اللغوي العلو والاستقرار، وقد صرحت النصوص بفوقية الله سبحانه، واستوائه على عرشه وقوله: الكيف مجهول، معناه إنا لا ندرك كيفية استواء الله بعقولنا وإنما طريق ذلك السمع ولم يرد السمع بذكر الكيفية فوجب الكف عنها وقوله: الإيمان به واجب،
следующие страницы →