← Акыда

Акыда · id 7260

التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية

فالح بن مهدي آل مهدي

Полный текст (485 стр.). Показаны 456–485 · переход к 461.

стр. 456

أخبر الله سبحانه بأنه استجاب له فقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءه الذي دعانا به في ضمن اعترافه بالذنب ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ بإخراجنا له من بطن الحوت ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي نخلصهم من همومهم وقوله ﷺ : "دعوة أخي ذي النون ... الخ ". هذا الحديث رواه الترمذي وأحمد عن سعد بن أبي وقاص ولفظه سمعت رسول لله ﷺ يقول: "دعوة أخي ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها مسلم ربه في شيء إلا استجاب له"، وقد سمى ﷺ قول ذي النون "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" دعوة لأنها تتضمن نوعي الدعاء، فقوله: "لا إله إلا أنت" اعتراف بتوحيد الإلهية وتوحيد الإلهية أحد نوعي الدعاء فإن الإله هو المستحق لأن يدعى دعاء عبادة ودعاء مسألة، وقوله: "إني كنت من الظالمين" صيغة خبر يتضمن طلب المغفرة فإن الطالب السائل تارة يسأل بصيغة الطلب وتارة يسأل بصيغة الخبر، إما بوصف حاله وإما بوصف حال المسئول وإما بوصف الحالتين، كقول نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فهذا ليس صيغة طلب وإنما هو إخبار عن الله أنه إن لم يغفر له ويرحمه خسر، ولكن هذا الخبر يتضمن سؤال المغفرة، وكذلك قول آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ هو من هذا الباب، ومن ذلك قول موسى ﵇: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فإن هذا وصف لحاله بأنه فقير إلى ما أنزل الله إليه من الخير وهو متضمن لسؤال الله إنزال الخير. وقريب من حديث ذي النون الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا لله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم". والكرب: والكربة، الحزن والمشقة والغم الشديد، والمكروب:

стр. 457

لمهموم. وابن أبي عاصم، هو عاصم ابن علي الحافظ الإمام الثقة سمع أباه وعكرمة ابن عمار وغيرهما وحدث عنه البخاري في صحيحه وأحمد بن حنبل وأبو حاتم الرازي وغيرهم توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين سنة ٢٢١هـ. وأبوه هو علي بن عاصم بن صهيب مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق وكان مولده سنة خمس ومائة وتوفى سنة ٢٠١هـ، كان حافظا حدث عنه أحمد ابن حنبل وأبو داود وغيرهما. وقوله: "وعن إبليس أبي الجن" معناه: أن الشيطان أصل الجن، كما أن آدم أصل البشر، وبذلك قال بعض السلف، وعليه فالاستثناء في الآيات التي فيها أمر الملائكة بالسجود لآدم منقطع. وقال الجمهور بل هو من الملائكة من حي يقال لهم الجن كما في آية الصافات، وعليه فالاستثناء في الآيات متصل. ومحل بسط ذلك كتب التفسير.

стр. 458

لابد للعبد في الأمر من أصلين وفي القدر من أصلين ... ما يلزم على المسلم تحقيقه في باب الأمر والقدر قوله: وجماع ذلك، أنه لابد له في الأمر من أصلين ولابد له في القدر من اصلين، ففي الأمر، عليه الاجتهاد في امتثال الأمر علما وعملا، فلا يزال يجتهد في العلم بما آمر الله به والعمل بذلك ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في الأوامر وتعديه الحدود، ولهذا كان من المشروع أن يختم جميع الأعمال بالاستغفار فكان النبي ﷺ إذا صلى استغفر ثلاثا، وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ فقاموا بالليل وختموه بالاستغفار، وآخر سورة نزلت قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ ، وفي الصحيح عن عائشة: "أنه كان ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن". وأما في القدر فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه

стр. 459

ويدعوه ويرغب إليه ويستعين به، ويكون مفتقرا إليه في طلب الخير وترك الشر وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدر عليه، ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى لما قال موسى: "يا آدم، أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لما أخرجتنا ونفسك من الجنة؟، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبكم وجدت مكتوبا علي من قبل أن أخلق: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ، قال: بكذا وكذا، فحج آدم موسى"، وذلك أن موسى لم يكن عتبه على آدم لأجل الذنب فإن آدم كان قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب وأن يستغفروا من المعائب كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ، فمن راعى الأمر والقدر- كما ذكر- كان عابدا لله مطيعا له مستعينا به متوكلا عليه، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ش: يعني والقول الجامع للبحث السابق في باب شرع الله وقدره، أنه يجب على العبد في كل منهما أصلان، ففي الأمر عليه الاجتهاد في تحصيل العلم بأوامر الله وامتثالها وهذا هو الأصل الأول، وعليه أن يستغفر الله من زلاته وتقصيره في واجباته وترك المحرمات فلا يتعدى حدود لله وهذا هو الأصل الثاني، ومن أجل أن على العبد أن يفعل المأمور ويترك المحذور ويستغفر عن خطيئته، شرع أن تختم الأعمال بالاستغفار كما في الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن ثوبان ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، قيل للأوزاعي وهو أحد رواة الحديث: "كيف الاستغفار؟، قال: يقول أستغفر الله"، وفي آية آل عمران بين الله جل وعلا أن المتقين كانوا إذا تهجدوا بالليل ختموا تهجدهم بالاستغفار. فقال

стр. 460

سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ ، وكان آخر سورة نزلت هي سورة النصر وفيها أمر الله نبيه بالتسبيح والاستغفار، وقد روى ابن جرير بسنده عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول لله ﷺ يكثر من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه فقلت يا رسول الله أراك تكثر من قوة سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقال: خبرني ربي أني سأرى علامة من أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه فقد رأيتها"، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ - فتح مكة- ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ فقد أمر الله نبيه بعد أن بلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده وأتى بما أمر الله به مما لم يصل إليه أحد غيره أن يستغفر. وقوله: "وفي الصحيح" يعني وفي الحديث الصحيح فقد رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ كما تقدم بيانه، والشاهد منه استغفاره ﷺ وامتثاله ما أمر به في قوله سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ . وعليه في باب القدر أن يستعين بالله في فعل المأمور واجتناب المحذور ويرغب إلى الله فيلجأ إليه ويسأله المدد والعون والتأييد، وأن ييسر له اليسرى ويجنبه العسرى وهذا هو الأصل الأول، وعليه أن يصبر على ما قضاه الله وقدره عليه من المصائب والآلام فلا يجزع أو يتسخط بل يعلم أن ذلك من عند الله فيرضى ويسلم، وأن يعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء أن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وهذا هو الأصل الثاني. ومن قبيل الرضا بالمقدور ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في احتجاج آدم وموسى ﵉ لما قال له موسى: "أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وعلمك أسماء كل شيء، لما أخرجتنا ونفسك من الجنة؟، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وخط لك التوراة بيده فبكم وجدت مكتوبا علي قبل أن أخلق ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾

стр. 461

قال بأربعين عاما (كما في رواية مسلم) قال فحج آدم موسى"، فآدم ﵇ أنما حج موسى لأن موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة بسبب أكله من الشجرة، لم يكن لومه لأحق حق الله في الذنب فإن آدم كان قد تاب من الذنب فتاب عليه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ، وموسى ومن هو دون موسى يعلم أنه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب، وآدم أعلم بالله من أن يحتج بالقدر على الذنب وموسى ﵇ أعلم بالله تعالى من أن يقبل هذه الحجة فإن هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لإبليس عدو آدم وحجة لفرعون عدو موسى وحجة لكل كافر وفاجر ولبطل أمر الله ونهيه، بل إنما كان القدر حجة لآدم على موسى لأنه لام غيره لأجل المصيبة التي حصلت له بفعله ذلك، وتلك المصيبة كانت مكتوبة وقد قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ . وحينئذ فالعباد مأمورون باتباع المأمور وترك المحذور والصبر على المقدور وعدم ملاحظة القدر المحض بدون اتباع الأمر والنهي خلافا لأولئك الصوفية الذين شهدوا القدر وتوحيد الربوبية وغابوا عن الفرق الإلهي الديني الشرعي الذي يفرق بين محبوب الحق ومكروهه. وبالمراعاة الصحيحة لقدر لله وشرعه يصير الإنسان عابدا حقيقة فيكون مع الذين أنعم الله عليهم من أنبياء وصديقين وشهداء وصالحين وكفى بهذه الصحبة غبطة وسعادة.

стр. 462

الأصلان اللذان لابد منهما في عبادة الله ... قوله: وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع، كقوله في أم الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ، وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ

стр. 463

بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ . فالعبادة إنما هي لله والاستعاذة والاستعانة لا تكون إلا بالله ولذلك كان النبي ﷺ يقول عند الأضحية: "اللهم منك ولك" فما لم يكن بالله لا يكون، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن لله لا ينفع ولا يدوم. ش: يقول الشيخ أن من الأصلين الواجبين في باب القدر: الاستعانة بالله وعبادته والإنابة إليه وقد جمعهما الله في مواضع عديدة من كتابه كما في آية الفاتحة وهود والشورى والطلاق، وحينئذ فالعبادة إنما هي لله والاستعاذة والاستعانة لا تكون إلا بالله ولذلك كان النبي ﷺ يقول عند ذبح الأضحية: "اللهم منك ولك" كما في الحديث الذي رواه أبو داود والبيهقي وابن ماجه عن جابر ﵁ ولفظه: "ضحى رسول الله ﷺ يوم عيد بكبشين، فقال حين وجههما: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم منك ولك عن محمد وأمته". والله سبحانه هو المعطي والمنعم المتفضل كما أنه المانع، وحينئذ فما لم يكن بالله لا يكون فإنه لا تحول من حال إلى حال إلا بالله العلي العظيم، وأي مسعى أو عمل لا يكون لله فإنه غير نافع لصاحبه ومآله إلى الذهاب والزوال، فإن ما عند العباد فانٍ، وما عند الله باقٍ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ . الأصلان اللذان لا بد منهما في عبادة الله قوله: ولابد في عبادته من أصلين أحدهما إخلاص الدين والثاني موافقة أمره الذي بعث به رسله، ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: "اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا"، قال الفضيل في قوله تعالى: " ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ قال أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟، فقال: إذا كان العمل

стр. 464

خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل"، والخالص: أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة، ولهذا ذم الله المشركين في القرآن على اتباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدين الذي لم يأذن به الله من عبادة غيره وعبادته بما لم يشرعه من الدين. كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ ، كما ذمهم على أنهم حرموا ما لم يحرمه الله. والدين الحق: أنه لا حرام إلا ما حرم الله ولا دين إلا ما شرعه. ش: يعني فإن دين الإسلام مبني على أصلين أحدهما أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيء. والثاني: أن يعبد بما شرعه على لسان نبيه ﷺ وهذان هما حقيقة قولنا أشهد أن لا إله إلا لله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فالإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وإجلالا، والله له حق لا يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله ولا يطاع إلا الله، وكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد ﷺ بما شرعه الله من واجب ومستحب فليس بمسلم، ولابد في جميع الواجبات والمستحبات أن تكون خالصة لله رب العالمين كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ ، فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله ورسوله والعبادات البدنية والمالية والإحسان إلى عباد الله هو مأمور بأن يفعله خالصا لله صوابا على السنة، والشاهد من كلام الخليفة الراشد هو أن العمل لا يكون مقبولا إلا إذا خلا من شوائب الشرك والبدع وكذلك الشاهد من تفسير الفضيل للآية الكريمة هو أن العبادة لها ركنان هما الإخلاص والمتابعة. ومن أجل ما ذكر نجد الله جل وعلا قد ذم المشركين

стр. 465

لصرفهم العبادة أو شيئا منها لغير لله أو عبادتهم إياه بغير ما شرعه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ كما في آية الشورى. كما ذمهم على أنهم حرموا ما لم يحرمه كما في قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ الآية. فالحرام ما حرمه الله والحلال هو ما أحله، كما أن الدين هو ما أنزل به كتبه وأرسل به رسله. وعمر بن الخطاب هو أبو حفص العدوي الفاروق وزير رسول الله ﷺ ومن أيد الله به الإسلام وفتح به الأمصار وهو الصادق الملهم الذي جاء عن المصطفى ﷺ أنه قال: "لو كان بعدي نبي لكان عمر"، وهو الذي فر منه الشيطان وأعلى به الإيمان، وأعلن الأذان. وقد استشهد ﵁ في أواخر الحجة من سنة ٣٢ وعاش نحوا من ستين سنة، والفضيل بن عياض هو الإمام القدوة أبو علي التميمي اليربوعي المروزي شيخ الحرم حدث عن منصور بن المعتمر وحصين بن عبد الرحمن وعطاء بن السائب وطبقتهم بالكوفة وروى عنه ابن المبارك ويحي القطان والقعنبي وخلق كثير وكان ربانيا قانتا ثقة، قال هارون الرشيد: ما رأيت في العلماء أهيب من مالك ولا أورع من الفضيل. توفي يوم عاشوراء سنة سبع وثمانين ومائة وقد نيف على الثمانين رحمة الله عليه.

стр. 466

الناس في عبادة الله والاستعانة به أربعة أقسام قوله: ثم إن الناس في عبادته واستعانتهم به على أربعة أقسام: فالمؤمنون المتقون هم له وبه يعبدونه ويستعينونه وحده، وطائفة تعبده من غير استعانة ولا صبر فتجد عند أحدهم تحريا للطاعة والورع ولزوم السنة، ولكن ليس لهم توكل ولا استعانة ولا صبر بل فيهم عجز وجزع، وطائفة: فيهم استعانة وتوكل وصبر من غير استقامة على الأمر ولا متابعة للسنة، فقد

стр. 467

يمكن أحدهم ويكون له نوع من الحال باطنا وظاهرا، ويعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول ولكن لا عاقبة له، فإنه ليس من المتقين والعاقبة للتقوى، فالأولون لهم دين ضعيف ولكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز، وهؤلاء لأحدهم حال وقوة، ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر واتبع فيه السنة. وشر الأقسام من لا يعبده ولا يستعينه فهو لا يشهد أن عمله لله ولا أنه بالله. ش: لما بين المؤلف أنه لابد في باب القدر مع الصبر من عبادة الله والاستعانة به وأن الله قد قرن بينهما في مواضع عديدة من كتابه وأن العبادة لا تستقيم ولا تصح إلا بالإخلاص والمتابعة، ذكر بعد ذلك أن الناس في عبادة الله والاستعانة به أصناف أربعة أحدها - وهو المحمود - من جمع بين عبادة الله والاعتماد عليه فاستعان بالله واستقام على طاعته وهؤلاء هم الذين حققوا قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ فاستعانوا به على طاعته وشهدوا أنه إلههم الذي لا يجوز أن يعبد إلا إياه واعتقدوا أنه ربهم الذي ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع وفهموا معنى قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ، وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ، وقوله: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ ، والثاني: من عنده تعبد وورع وتحر لاتباع الشرع ولكن عنده إلى جانب ذلك ضعف وخور فلا صبر له وليس عنده استعانة بالله ولا توكل عليه وهؤلاء هم قوم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي ويشاهدون إلهية الرب سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه غير ناظرين إلى جانب القضاء والقدر والتوكل والاستعانة، فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله ولشعائره يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان لأن الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجوء إليه هي التي تقوي العبد وتيسر

стр. 468

عليه الأمور وقد فقدوها، وإنما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع وقد جاء وصف النبي ﷺ بأنه المتوكل كما فى الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله ﷺ صفته في التوراة: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للآدميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء فافتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا بأن يقولوا لا إله إلا الله"، ولهذا روي أن حملة العرش إنما أطاقوا حمله بقولهم لا حول ولا قوة إلا بالله. وفى صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم الخليل حين ألقي في النار وقالها محمد ﷺ حين ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُم﴾ "، وحينئذ فأهل العبادة والاستعانة بالله هم المؤمنون المتقون حقا، والثالث: من عنده استعانة بالله وتوكل عليه وعدم جزع، ولكن ليس عنده استقامة على طاعة الله بل هو معرض عن أوامره ومرتكب لنواهيه مشاهد لربوبية الحق غير ناظر إلى حقيقة أمره ونهيه ورضاه وغضبه، وهذا حال كثير من المتصوفة، وقوله: "فقد يمكن أحدهم ويكون له نوع من الحال باطنا وظاهرا ويعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول ولكن لا عاقبة له فإنه ليس من المتقين والعاقبة للتقوى" معناه أن هذا الصنف من الناس قد يحصل له ما لا يحصل للصنف الثاني، من العلم بالكونيات والقدرة على التأثير فيها بالحال والقلب كالأحوال الفاسدة من العين والسحر، وكالاطلاع على سيئات العباد وركوب السباع والاجتماع بالجن والمشي على الماء وأمثال ذلك، وكثير من هؤلاء يبنون أحوالهم على منامات وأذواق وخيالات يحتقدونها كشفا؟ وهي خيالات غير مطابقة وأوهام غير صادقة: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ ، وهؤلاء كثيرا ما يسلبون أحوالهم، وقد يعودون بأنواع من المعاصي

стр. 469

والفسوق، بل كثير منهم يرتد عن الإسلام لأن العاقبة للتقوى ومن لم يقف عند أمر الله ونهيه فليس من المتقين فهم يقعون في بعض ما وقع المشركون فيه، تارة في بدعة يظنونها شرعة، وتارة في الاحتجاج بالقدر على الأمر، والله تعالى لما ذكر ما ذم به المشركين في سورة الأنعام ذكر ما ابتدعوه من الدين وجعلوه شرعة كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ، واعلم أن الكشف والتأثير منه ما هو محمود نافع ومنه ما هو مذموم ضار، كما أنهما قد يقعان للمؤمن الطائع وقد يقعان للمنافق والفاجر، فالأول هو علم الدين والعمل به والأمر به، بأن يؤتى الإنسان من علم الدين والعمل به ما يستعمل به الكشف والتأثير الكوني بحيث تقع الخوارق الكونية تابعة للأوامر الدينية، أو أن تخرق له العادة في الأمور الدينية بحيث ينال من العلوم الدينية ومن العمل بها ومن الأمر بها ومن طاعة الخلق فيها ما لم ينله غيره في مطرد العادة، فهذا أعظم الكرامات والمعجزات وهو حال نبينا محمد ﷺ وأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأمثالهم من المؤمنين المتقين. والثاني: كمخاطبة الشياطين، للمستغيث بغير الله من غائب وميت وقضائهم حوائجهم ودفعهم عنهم بعض ما يضرهم فيظن أحدهم أن الولي أو الميت هو الذي فعل ذلك فيقول أحدهم هذا سر المستغاث به وحاله وإنما هو الشيطان تمثل به ليضل المشرك المستغيث به فقد تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم كما كان ذلك في أصنام مشركي العرب. قال الشيخ ﵀: ومن هؤلاء من يأتي إلى قبر الشيخ الذي يشرك به ويستغيث به فينزل عليه من الهواء طعام أو نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة شيخه وإنما ذلك كله من الشياطين، وهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان، وقوله: "فالأولون لهم دين ضعيف ولكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز وهؤلاء لأحدهم حال وقوة ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر واتبع فيه السنة"

стр. 470

يعني أن الصنف الثاني وهو من عنده عبادة وليس له صبر ولا استعانة، له دين ضعيف ومع ضعفه فهو باق مستمر إن لم يغلب على صاحبه الكسل والخمول، وأما هذا الصنف فعنده عمل وصبر ولكن لا يبقى معه من أعماله إلا ما كان على مقتضى شرع الله الذي أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، قال ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". والرابع: وهو شر الأصناف من يعرض عن عبادة لله والاستعانة به فلا يلاحظ أنه خلق لعبادة لله ولا يدرك أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، في حين أن العبادة هي الغاية التي خلق الجن والإنس من أجلها فالعبد لا يكون مطيعا لله ورسوله فضلا أن يكون من خواص أوليائه المتقين إلا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وفى حين أن العبد عاجز عن الاستقلال في جلب مصالحه ودفع مضاره ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى لا حول ولا قوة إلا بالله فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحذورات والصبر على المقدورات كلها، فالصبر واجب على المؤمن حتما وفي الصبر خير كثير، فإن الله أمر به ووعد عليه جزيل الأجر قال : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ، وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ . قوله: فالمعتزلة ونحوهم من القدرية، الذين أنكروا القدر هم في تعظيم الأمر والنهي والوعد والوعيد، خير من هؤلاء الجبرية القدرية، الذين يعرضون عن الشرع والأمر والنهي، والصوفية هم في القدر ومشاهدة توحيد الربوبية خير من المعتزلة ولكن فيهم من فيه نوع بدع مع إعراض عن بعض الأمر والنهي والوعد والوعيد حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة توحيد الربوبية والفناء في ذلك ويصيرون أيضا معتزلة لجماعة المسلمين

стр. 471

ش: يقول الشيخ إذا عرف كل ما تقدم من التفصيل في بحث القدر فليعلم أن القدرية المعتزلة - وهم نفاة القدر - هم من جهة تعظيم أوامر الله ونهيه واحترام وعد الله ووعيده أفضل من القدرية المجبرة وهم الذين يغلون في إثبات القدر حتى يسلبوا العبد قدرته واختياره كما سبق بيان ذلك. فإن المجبرة بسلبهم قدرة العبد واختياره لم يعظموا شرع الله ووعده ووعيده بل أعرضوا عن ذلك، وهؤلاء الصوفية المجبرة هم من جهة ملاحظتهم القضاء والقدر وعموم المشيئة أفضل من أولئك المعتزلة حيث قالوا إن العبد يخلق أفعال نفسه، على أن في الصوفية المجبرة من هو متلبس بشيء من البدع وفيه إعراض عن بعض أوامر الله ونهيه وعدم اكتراث بوعيده حتى يصل بهم الحال إلى أن يجعلوا مشاهدة الربوبية العامة والاستغراق في ملاحظتها هو الغاية المطلوبة من توحيد الله، وبهذا يكونون بمنأى عن جماعة المسلمين، وفي حيز عن شرع الله، وينطبق عليهم بهذا الاعتبار وصف المعتزلة على أن بدعتهم قد تكون أشنع وأخبث من بدعة القدرية المعتزلة. وكل من نفاة القدر والمحتجين به كان منشؤهم ومنطلق بدعتهم هو البصرة بالعراق.

стр. 472

دين الله هو ما بعث به رسله ... قوله: إنما دين الله ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم، وهو طريق أصحاب رسول الله ﷺ خير القرون وأفضل الأمة، وأكرم الخلق على الله تعالى بعد النبيين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فرضي عن السابقين الأولين رضا مطلقا ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقد قال النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة خير القرون القرن

стр. 473

الذين بعث فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب رسول الله ﷺ ، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"، وقال حذيفة بن اليمان ﵄: "يا معشر القراء، استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم. ضلالا بعيدا"، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "خط لنا رسول الله ﷺ خطا وخط لنا خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: "هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ، وقد أمرنا سبحانه أن نقول في صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ، وقال النبي ﷺ : "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون" وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه والنصارى عبدوا الله بغير علم ولهذا كان يقال: "تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون"، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ، قال ابن عباس ﵄: "تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة وقرأ هذه الآية"، وكذلك قوله تعالى: ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فأخبر أن هؤلاء مهتدون مفلحون وذلك خلاف المغضوب عليهم والضالين. فنسأل الله أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم

стр. 474

الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ش: يعني أن ما عليه المبتدعة والملاحدة من جبرية وقدرية وجهمية ومعتزلة وغيرهم ممن زاغ عن سبيل المؤمنين ليسوا على هدى ولا شرع من الله، وإنما دين الله هو ما شرعه في كتابه العزيز، "الذي فيه نبأ ما قبلنا وخبر ما بعدنا وحكم ما بيننا الذي هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به اللسنة ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولاتنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم"، كما قال ذلك الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ فيما رواه أبو عيسى الترمذي ﵀، وكذلك دين الله هو ما سنه رسول الله ﷺ فقد شرع الشرائع وسن السنن بإذن ربه ووحيه، لا من تلقاء نفسه كما شهد لله له بذلك في قوله ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ، وعلى هذا النهج المستقيم درج الصحابة ﵃ أجمعين يستضيؤون بمشكاة القرآن فيهديهم أقوم الطريق ويتحاكمون إليه وإلى سنة رسول الله ﷺ ، ولقد مدحهم سبحانه وأثنى عليهم حيث قبلوا عن رسول الله ما بلغه إليهم وهم المهاجرون والأنصار الذين ضرب بهم المثل في التوراة والإنجيل والقرآن فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية، وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية، فهم حجة الله على خلقه بعد رسول الله ﷺ يؤدون عن رسوله ما أدى إليهم لأنه بذلك أمرهم فقال: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب"،

стр. 475

ولقد مدحهم رسول الله ﷺ كما في الحديث الذي رواه مسلم عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا - ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن"، وروى مسلم أيضا بسنده عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته"، ومعنى الخيرية في الأحاديث راجعة لفضيلة أهل ذلك القرن في العلم والإيمان والأعمال الصالحة التي يتنافس فيها المتنافسون ويتفاضل فيها العاملون، فقد غلب الخير وكثر أهله واعتز فيها السلام والإيمان وكثر فيها العلم والعلماء ثم الذين يلونهم فضلوا على من بعدهم لظهور الإسلام فيهم وكثرة الداعي إليه والراغب فيه والقائم به وما ظهر فيه من البدع أنكر واستعظم وأزيل كبدعة الخوارج والقدرية والرافضة، فهذه البدع وإن كانت قد ظهرت فأهلها في غاية الذل والمقت والهوان ويكثر القتل فيمن عاند منهم ولم يتب. والمشهور في الروايات أن القرون المفضلة ثلاثة الثالث دون الأولين في الفضل لكثرة البدع فيه، لكن العلماء متوافرون والإسلام فيه ظاهر والجهاد فيه قائم، وإذاً فالشاهد من آية براءة وحديث عمران بن حصين هو مدح أصحاب رسول الله ﷺ والثناء عليهم، لاستقامتهم على أمر الله وتمسكهم بهدي رسول الله. وقوله: "فرضي الله عن السابقين رضا مطلقا ورضي عن التابعين لهم بإحسان" معناه أن الله أوجب لجميع أصحاب النبي ﷺ الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطا لم يشرطه فيهم وهو اتباعهم إياهم بإحسان، فالصحابة حصل لهم بصحبتهم للرسول ﷺ إيمان ويقين لم يشركهم فيه من بعدهم، ومعنى الذين اتبعوهم بإحسان الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة وليس المراد بهم التابعين اصطلاحا، وهم كل من أدرك الصحابة ولم يدرك النبي ﷺ ، بل

стр. 476

هم من جملة من يدخل تحت الآية فتكون (مِن) في قوله (من المهاجرين) على هذا للتبعيض وقيل أنها للبيان فيتناول المدح جميع الصحابة ويكون المراد بالتابعين من بعدهم من الأمة، والمهاجرون جمع مهاجر، وأصل المهاجرة عند العرب: أن ينتقل الإنسان من البادية إلى المدن والقرى، والمراد به في الشريعة: من فارق أهله ووطنه وجاء إلى بلد الإسلام وقصد النبي ﷺ رغبة فيه وإيثارا، ثم هي عموما الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام وأثر ابن مسعود في وصف الصحابة ﵃ أجمعين رواه رزين بن معاوية العبدري، ومثله ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمه أنه قال: "عليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة فإن السنة إنما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم فأنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا ولهم كانوا على كشفها أقوى وبالفضل لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حدثَ حدثٌ بعدهم فما أحدثه إلا من ابتغى غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم ﷺ وتلقاه عنه من تبعهم بإحسان ولقد وصفوه منه ما يكفي وتكلموا منه بما يشفي فمن دونهم مقصر ومن فوقهم مفرط، لقد قصر دونهم أناس فجفوا وطمح آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم"، وأثر حذيفة رواه البخاري، ومعشر القراء المراد بهم علماء القرآن والسنة، وقوله: "فقد سبقتم" قيل الرواية الصحيحة بفتح السين والباء، والمشهور ضم السين وكسر الباء، والمعنى على الأول اسلكوا طريق الاستقامة لأنكم أدركتم أوائل الإسلام فاستمسكوا بالكتاب والسنة لتسبقوا إلى خير، إذ من جاء بعدكم وإن عمل بعملكم لا يصل إلى سبقكم إلى الإسلام، وعلى الثانية سبقكم المتصفون بتلك الاستقامة إلى الله فكيف ترضون لنفوسكم هذا التخلف المؤدي إلى

стр. 477

انحراف عن سنن الاستقامة يمينا وشمالا الموجب للهلاك الأبدي، وحذيفة هو ابن اليمان صاحب سر رسول الله ﷺ ، شهد أحدا وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين مات بالمدائن سنة ٣٦هـ. وقول عبد الله بن مسعود ﵁: "خط لنا رسول الله ﷺ خطا الخ" رواه الإمام أحمد في المسند، قال محمد بن نصر المروزي في كتابه السنة قال الله عزوجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ فأخبر الله أن طريقه واحد مستقيم وأن السبل كثيرة تصد من اتبعها عن طريقه المستقيم ثم بين لنا النبي ﷺ ذلك بسنته. وروى بسنده عن أبي وائل عن عبد الله قال: "خط لنا رسول الله ﷺ خطا ثم قال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه وقرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآية"،فحذرنا الله ثم رسوله المحدثات والأهواء الصادة عن اتباع أمر الله وسنة نبيه ﷺ ، ثم أخبرنا النبي ﷺ أن الله لا يدع عبده المؤمن مع ما بين له في كتابه وسنة نبيه حتى يعضه وينبهه بما يخطر بقلبه ليعتصم بذلك من دعاء الشياطين إلى الصد عن سبيله وعن طريق مرضاته، وروى بسنده عن النواس بن سمعان رضي لله عنه عن رسول الله ﷺ قال: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سور فيه أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تتعوجوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد فتح شيء من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه" فالصراط: الإسلام والستور: حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوقه واعظ في قلب كل مسلم. وروى بسنده عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل﴾ قال البدع والشبهات، وروى أبو بكر محمد بن الحسين الآجري في كتابه الشريعة بسنده عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر الكلاعي قالا دخلنا على العرباض بن

стр. 478

سارية ﵁ وهو مريض فقلنا له: إنا جئناك زائرين وعامدين ومقتبسين، فقال عرباض رضي لله عنه: "إن رسول الله ﷺ صلى صلاة الغداة ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول لله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا، قال: أوصيكم بتقوى الله والطاعة والسمع وإن عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي سيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" كما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وحينئذ فالشاهد من حديث ابن مسعود الحث على لزوم السنة والتحذير من سلوك سبيل البدعة وأن الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع، ولقد أمرنا الله جل وعلا أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فإنه إذ هدانا هذا الصراط أعاننا على طاعته وترك معصيته فلم يصبنا شر لا في الدنيا ولا في الآخرة، والذنوب من لوازم النفس وكل أحد محتاج إلى الهدى كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب، ولهذا أمر به في كل صلاة لفرط الحاجة إليه، قال الشيخ: "وإنما يعرف بعض قدره من اعتبر أحوال نفسه ونفوس الإنس والجن المأمورين بهذا الدعاء ورأى ما فيها من الجهل والظلم اللذين يقتضيان أن يدعو الإنسان بما حصل به شفاءها في الدنيا والآخرة فيعلم أن الله تعالى بفضله ورحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير المانعة من الشر"، وقوله ﷺ : "اليهود مغضوب عليهم" هذا الحديث رواه الترمذي، ولفظه عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد فقال: القوم هذا عدي بن حاتم، وجئت بغير أمان ولا كتاب فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد قال قبل ذلك إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي، قال: فقام بي فلقيته امرأة وصبي معها فقالا: إن لنا إليك حاجة فقام معهما حتى قضى حاجتهما ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره فألقت له الوليدة وسادة فجلس

стр. 479

عليها وجلست بين يديه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما يضيرك أيضيرك أن تقول لا إله إلا الله فهل تعلم من إله سوى الله؟، قال: قلت: لا. ثم تكلم ساعة ثم قال: ما يضيرك أن تقول الله أكبر، أو تعلم شيئا أكبر من الله؟، قال: قلت لا، قال: فإن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال، قال فقلت: فإني حنيف مسلم، قال: فرأيت وجهه ينبسط فرحا"، وكون اليهود مغضوب عليهم هو من جهة عدم العمل فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه قولا أو عملا وكون النصارى ضالين هو من جهة عملهم بلا علم فهم يجتهدون في أصناف من العبادات بلا شريعة من الله ويقولون على الله ما يعلمون. وهذا معنى قول الشيخ "وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه والنصارى عبدوا الله بغير علم" ومن أجل وصف اليهود والنصارى بما ذكر كان السلف ﵏ يقولون "احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون "، وذلك أن الأول يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه، والثاني: يشبه الضالين الذين يعلمون بغير علم، قال سفيان بن عينية: "من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى"، ومع أن الله قد حذرنا سبيل اليهود والنصارى فلابد من وقوع ما قدره الله وقضاه مما أخبر به رسوله ﷺ فيما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟، قال: فمن"، وفيما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟، قال: ومن الناس إلا أولئك". قال الشيخ ﵀: فأخبر ﷺ أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب ومضاهاة لفارس والروم وهم الأعاجم، وقد كان ﷺ ينهى عن التشبه بهؤلاء وليس هذا إخبارا عن جميع الأمة بل قد تواتر عنه أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة"، وأخبر ﷺ : "أن الله لا

стр. 480

يجمع هذه الأمة على ضلالة وأن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته"، وإذاً فالفرقة والاختلاف لابد من وقوعهما في الأمة ولكن كان ﷺ يحذر أمته من ذلك لينجو من الوقوع فيه من شاء الله له السلامة، وهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك والذم لمن يفعله كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات فعلم أن مشابهة هذه الأمة لليهود والنصارى وفارس والروم مما ذمه الله ورسوله. قال الشيخ: "ولا يقال فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع ذلك فما فائدة النهي عنه، لأن الكتاب والسنة أيضا قد دلا على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق الذي بعث الله به محمدا ﷺ إلى قيام الساعة وأنها لا تجتمع على ضلالة، ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة وتثبيتها وزيادة إيمانها، والشاهد من آيتي طه والبقرة هو الحث على الاعتصام بحبل الله ولزوم الصراط المستقيم إذ في ذلك سعادة الدنيا والآخرة فلا ضلال في الدنيا ولا شقاء في الآخرة، بل إيمان ويقين ولذة واطمئنان وفوز وفلاح، وهذا بخلاف ما يحصل لليهود والنصارى ومن على شاكلتهم في الزيغ والإلحاد والكفر والعناد، مما وصفه الله بقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ ، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ، وأثر ابن عباس رواه بن أبي حاتم والبيهقي في الشعب ولفظه عن ابن عباس قال: "أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة، ثم قرأ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ، قال: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة"، وأخرج بن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس

стр. 481

قال: قال رسول الله ﷺ : "من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة وذلك أن الله يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ".

стр. 482

اشارة الشارح إلى أن الرسالة التدمرية لم تشرح قبله ... نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإخواننا في النسب والدين صحبة المنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، فإن هؤلاء قد هدوا صراطا مستقيما وحسن أولئك رفيقا، وهم الموعودون في مثل قوله سبحانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً، أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ ، وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ، وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ ، وبالله ثقتنا وعليه اعتمادنا ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وبعد: فإلى هنا ينتهي شرحي للتدمرية وهو جهد المقل، فأنا لا أدعي أنه هو كل ما تستحقه هذه الرسالة العظيمة، غير أنني أومن بأن ما لا يدرك كله لا يترك كله، ولكن قال الأوائل: "المؤلف مثل المكلف لا يخلو من المؤاخذة ولا يرفع عنه القلم"، وقالوا: "من ألف فقد استهدف، وأصم أذنا وإن كان لغيرها قد شنف"، لئن قالوا هذه المقالة وأمثالها فإنهم أيضا بلسان المقال أو بلسان الحال يقولون: "من تخوف ما ألف، ومن طلب الكمال فإنما طلب المحال"، على أنني أرجو أن يكون شرحي هذا فاتحة خير لشروح أخرى يتعرض أصحابها لجونب قد أكون قصرت فيها، ويكفيني ممن يأتي بعدي أن يعترف ويدعو بمثل ما اعترف ودعا به ابن مالك لسلفه ابن معطي حيث يقول: وهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجب ثنائي الجميلا والله يقضي بهبات وافرة ... لي وله في درجات الآخرة

стр. 483

هذا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله الطاهرين صلاة وسلاما دائمين متعاقبين ما دامت الأرض والسموات.

стр. 484

مراجع الكتاب - مجموع الفتاوى. - مجموع الرسائل. - منهاج السنة. - موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول. - الرد على المنطقيين. - شرح حديث النزول. - التوسل والوسيلة. - جواب أهل العلم والإيمان. - اقتضاء الصراط المستقيم: لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية١. - مناقب ابن تيمية لابن عبد الهادي. - شرح الطحاوية: لعلي بن علي بن محمد بن أبي العز الأذرعي الدمشقي. - مدارج السالكين. - مختصر الصواعق. - اجتماع الجيوش الإسلامية: للعلامة ابن قيم الجوزية. - الملل والنحل: للشهرستاني. - الفرق بين الفرق: لعبد القاهر البغدادي. - مقالات الإسلاميين: لأبي الحسن الأشعري. - نقض عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي.

стр. 485

- الرد على الجهمية له أيضا. - تذكرة الحفاظ: للذهبي. - وفيات الأعيان: لابن خلكان. - مقدمة ابن خلدون. - الإتقان في علوم القرآن: لجلال الدين السيوطي. - فتح القدير: للشيخ محمد بن علي الشوكاني. - فتح المجيد: للشيخ عبد الرحمن بن حسن. - معارج القبول للشيخ حافظ بن احمد الحكمي. - الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية: للشيخ زيد بن فياض. - التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد العزيز بن رشيد. - فتح رب البرية ملخص الفتوى الحموية: للشيخ محمد بن عثيمين.