Полный текст (485 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
حديث ما منكم أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو النار
...
قوله:
والمقصود هنا أنه لابد من الإيمان بالقدر، فإن الإيمان بالقدر من تمام التوحيد، كما قال ابن عباس: "هو نظام التوحيد" فمن وحد الله وآمن بالقدر، تم توحيده، ومن وحد الله وكذب بالقدر نقص توحيده، ولابد من
стр. 422
الإيمان بالشرع وهو الإيمان بالأمر والنهي والوعد والوعيد، كما بعث الله بذلك رسله وأنزل كتبه، والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا، فإنه لابد له من حركة يجلب بها منفعته وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يميز له بين الأفعال التي تنفعه والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده فلا يمكن للآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه وما يتركونه وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم، بل الإنسان المنفرد لابد له من فعل وترك، فإن الإنسان همام حارث كما قال النبي ﷺ : "أصدق الأسماء حارث وهمام" وهو معنى قولهم "متحرك بالإرادات" فإذا كان له إرادة فهو متحرك بها ولابد أن يعرف ما يريده، هل هو نافع له أو ضار وهل يصلحه أو يفسده وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم، كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم وبعضهم يعرفه بالاستدلال الذي يهتدون إليه بعقولهم، وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانها وهدايتهم لهم.
ش: يعني والحاصل مما تقدم أنه لابد من الإيمان بقدر الله السابق وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها وأن الله علم ما سيكون كله قبل أن يكون، كما أنه لابد من الإيمان بما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله من أوامر ونواهي ووعد ووعيد وأن ذلك هو النهج الصحيح والسبيل المستقيم، وأنه لا حجة لأحد على الله في ترك مأمور أو فعل محظور، كما روى البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ ببقيع الغرقد في جنازة فقالت: "ما منكم أحد إلا قد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. فقالوا: يا رسول لله أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل؟، قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة" ثم قرأ قوله تعالى:
стр. 423
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ، وفي الصحيح أيضا أنه قيل له: "يا رسول الله أعُلم أهل الجنة من أهل النار؟، فقال: نعم، فقيل له: ففيم العمل؟، قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، قال الشيخ في بيان معنى هذا الحديث: "فبين النبي ﷺ أن الله علم أهل الجنة من أهل النار وأنه كتب ذلك ونهاهم أن يتكلوا على هذا الكتاب ويدَعو العمل كما يفعله الملحدون وقال: "كل ميسر لما خلق له" وإن أهل السعادة ميسرون لعمل أهل السعادة وأهل الشقاوة ميسرون لعمل أهل الشقاوة وهذا من أحسن ما يكون من البيان وذلك أن الله يعلم الأمور على ما هي عليه وقد جعل للأشياء أسبابا تكون بها فيعلم أنها تكون بتلك الأسباب كما يعلم أن هذا يولد له بأن يطأ امرأة فيحبلها، فلو قال هذا إذا علم الله أنه يولد لي فلا حاجة إلى الوطء كان أحمق لأن الله علم أن سيكون بما يقدره من الوطء وكذلك إذا علم أن هذا ينبت له زرع بما يسيقه من الماء ويبذره من الحب، فلو قال إذا علم أن سيكون فلا حاجة إلى بذر كان جاهلا ضالا لأن الله علم أن سيكون بذلك، وكذلك إذا علم الله أن هذا يشبع بالأكل وهذا يروى بالشرب وهذا يموت بالقتل فلابد من الأسباب التي علم الله أن هذه الأمور تكون بها، وكذلك إذا علم أن هذا يكون سعيدا في الآخرة وهذا شقيا في الآخرة، قلنا: ذلك لأنه يعمل بعمل الأشقياء فالله علم أنه يشقى بهذا العمل، فلو قيل هو شقي وإن لم يعمل كان باطلا لأن الله لا يدخل النار أحدا إلا بذنبه كما قال تعالى: ﴿لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فأقسم أنه يملؤها من إبليس وأتباعه ومن اتبع إبليس فقد عصى الله تعالى ولا يعاقب الله العبد على ما علم أنه يعمله حتى يعمله، ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن أطفال المشركين: "قال الله أعلم بها كانوا عاملين" يعني أن الله يعلم ما يعملون لو بلغوا، وقد روي أنهم في القيامة يبعث إليهم رسول فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار فيظهر ما علمه فيهم من الطاعة والمعصية، وكذلك الجنة خلقها الله لأهل الإيمان به
стр. 424
وطاعته فمن قدر أن يكون منهم يسَّره للإيمان والطاعة، فمن قال إني داخل الجنة سواء كنت مؤمنا أو كافرا إذا علم أني من أهلها كان مفتريا على الله في ذلك فإن الله إنما علم أنه يدخلها بالإيمان فإذا لم يكن معه إيمان لم يكن هذا هو الذي علم الله أنه يدخل الجنة، بل من لم يكن مؤمنا بل كافرا فإن الله يعلم أنه من أهل النار لا من أهل الجنة، ولهذا أمر الناس بالدعاء والاستعانة بالله وغير ذلك من الأسباب، ومن قال أنا لا أدعو ولا أسأل اتكالا على القدر كان مخطئا أيضا لأن الله جعل الدعاء والسؤال من الأسباب التي ينال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره ورزقه، وإذا قدر للعبد خيرا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء. وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره بأسباب، يسوق المقادير إلى المواقيت، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب والله خالق الأسباب والمسببات، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب فإن الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء في الفرج بل كم من أنزل ولم يولد له بل لابد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربيه في الرحم وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع، وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة بل هو سبب ولهذا قال النبي ﷺ : "إنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول لله. قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"، أما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونحوها من النصوص فهذه (باء السبب) أي بسبب أعمالكم والذي نفاه النبي ﷺ : (باء المقابلة) كما يقال: اشتريت هذا بهذا، فالمعنى ليس العمل عوضا وثمنا كافيا في دخول الجنة بل لابد من عفو الله وفضله ورحمته فبعفوه يمحو السيئات ورحمته يأتي بالخيرات وبفضله يضاعف البركات، وقد سبق آنفا نظير لهذا البحث فيما نقلناه عن الشيخ رحمه الله تعالى، وحينئذ فالإيمان بالقدر أحد دعائم الإيمان فمن لم يؤمن بقدر لله لم يوحد الله، وفي هذا المقام يقول حبر الأمة فيما صح عنه: "القدر نظام التوحيد" يعني قوامه الذي يرتكز عليه، ولما كان الإنسان مضطرا في دروب سيره إلى الله وفي معاشه وفي حياته إلى نور يضيء له
стр. 425
السبيل: "اقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها" قال في شرح الطحاوية: "ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان أحدهما: تعريف الطريق الموصل إليه وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه. والثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم، ولهذا سمى الله ما أنزل على رسوله روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه ونورا لتوقف الهداية عليه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ ، وإذا فشرع الله هو الشفاء من كل داء وهو عدله بين عباده الملائم لأحوالهم في أي زمان وفي أي مكان، والأمم المتناحرة في هذه الأزمان والتي لا تخرج من فتنة إلا لتدخل في مثلها أو تزيد لا نجاة لها من تخبطها وتعثرها إلا بالرجوع إلى نور الله وشرعه وصراطه المستقيم، يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه جاهلية القرن العشرين: "لا مخلص للناس من جاهليتهم وضلالهم وحيرتهم، وقلقهم واضطرابهم وتمزق حياتهم وأفكارهم ومشاعرهم إلا بالإسلام ولم يكن للناس مخلص من الجاهلية في تاريخهم كله إلا بالإسلام بمعناه الواسع الشامل الإسلام الذي جاء به نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم وقد اكتمل الإسلام في دين الله الأخير: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينا﴾ ، وهذا الإسلام في صورته الأخيرة المكتملة: هو العلاج الوحيد لكل جاهليات الأرض ولهذه الجاهلية الحديثة على وجه التخصيص، إن الإسلام هو الذي يعطي الوضع الصحيح لكل ما انحرفت به الجاهلية في التصور والسلوك، في السياسة والاجتماع والاقتصاد، في الأخلاق والفن وعلاقات الجنس وكل شيء في حياة
стр. 426
الإنسان" انتهى. ووجه اضطرار الإنسان في حياته الدنيا إلى الشرع ليميز به بين ما يضره وما ينفعه: أن الله قد خلقه وركبه على صورة لا تصلح حياتها وبقائها إلا بالغذاء وهداه إلى التماسه بفطرته، وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله، فله تفكير وهمة وقدرة يستطيع بها على العمل، وحركته وإرادته يحتاج معهما إلى التوجيه السليم فلا يمكن لأحد من بني ادم أن يعيش عيشة هانئة مستقرة إلا باتباعه لشرع الله الذي يعرفه بمصالحه، ويحرضه على هدايته ويأخذ بحجزه عن النار ويدله على طريق النجاة، وليس المعنى أن الشرع إنما يحتاج له المجتمع بشكله العام في فض منازعات العباد وتنظيم أحوالهم من حيث أنه لابد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طبائعهم الحيوانية من العدوان والظلم، بل كل فرد محتاج إلى نور الله وهدايته في تحصيل منافعه ودفع مضاره، ولإضاءة السبيل له حتى يفرق بين ما يصلح شأنه وما يفسده من معاملات وعبادات. فالشرع هو الذي يميز له بين الأمرين، على أن هناك من الأمور التي يحتاج لها الناس في معاشهم ما قد يعرفه الإنسان بمقتضى فطرته التي خلق عليها كمعرفته كيف يبذر وكيف يحصد وكيف يلقح، وكما يعرف الصبي ثدي أمه ويتناول الغذاء منه، ومنها ما قد يعرف عن طريق التجارب والاستدلال بالأقيسة العقلية على حصول النتائج ومنها ما لا يمكن معرفته إلا عن طريق الوحي من كتاب أو سنة، وحينئذ فالإنسان بما جبله الله عليه وما ركبه فيه من طبائع محتاج إلى الأخذ بيده إلى ما ينفعه وحجزه عما يضره فإنه متحرك مريد وحارث وهمام، وحديث أصدق الأسماء حارث وهمام أخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي وهب الجثمي ولفظه: "تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة".
стр. 427
اتفاق الناس على ان الفعل يلائم الفاعل او ينافره يعلم بالعقل
...
قوله:
وفي هذا المقام تكلم الناس في أن الأفعال، هل يعرف حسنها وقبيحها بالعقل، أم ليس فيها حسن ولا قبيح يعرف بالعقل؟ كما بسط في غير هذا الموضع وبينما وقع في هذا الموضع من الاشتباه فإنهم اتفقوا على أن كون الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يعلم بالعقل، وهو أن يكون الفعل سببا لما يحبه الفاعل ويلتذ به، أو سببا لما يبغضه ويؤذيه، وهذا القدر يعلم بالعقل تارة، وبالشرع أخرى وبهما جميعا لكن معرفة ذلك على وجه التفصيل، ومعرفة الغاية التي تكون عاقبة الأفعال من السعادة والشقاوة في الدار الآخرة لا تعرف إلا بالشرع فيما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر وأمرت به من تفاصيل الشرائع لا يعلمه الناس بعقولهم كما أن ما أخبرت به الرسل من تفاصيل أسماء الله وصفاته لا يعلمه الناس بعقولهم وإن كانوا قد يعلمون بعقولهم جمل ذلك، وهذا التفصيل الذي يحصل به الإيمان وجاء به الكتاب هو ما عليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْي﴾ ، ولكن طائفة توهمت أن للحسن والقبح معنى غير هذا وأنه يعلم بالعقل وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا فكلا الطائفتين اللتين أثبتتا الحسن والقبح العقليين أو الشرعيين وأخرجتاه عن هذا القسم غلطت.
ش: يعني وفى باب قدر الله وأمره ونهيه تنازع الناس من أهل السنة والجماعة، من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، فالحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنبلية يقولون بتحسين العقل وتقبيحه، فالأفعال فيها الحسن والقبيح ويعرف ذلك بالعقل عند هؤلاء، أما كثير من الشافعية والمالكية والحنبلية فينفون ذلك، فالأفعال ليس فيها حسن ولا قبيح ولا
стр. 428
يمكن معرفة ذلك بالعقل عند هؤلاء. وقد أشبع الشيخ رحمه لله البحث في هذه المسألة في كثير من كتبه، وبين هناك ما وقع في مسألة التحسين والتقبيح من الخفاء والاشتباه وما وقع فيها من الغلط والنزاع. وقد اتفق الفريقان على أن الحسن والقبح إذا فسرا بكون الفعل نافعا للفاعل ملائما له أو كونه ضارا للفاعل منافرا له أمكن معرفته بالعقل، وهذا حق فإن جميع الأفعال التي أوجبها الله تعالى وندب إليها هي نافعة لفاعليها ومصلحة لهم، وجميع الأفعال التي نهى الله عنها هي ضارة لفاعليها ومفسدة لهم، والحمد والثواب المترتب على طاعة الشارع نافع للفاعل ومصلحة له والذم والعقاب المترتب على معصيته ضار للفاعل ومفسدة له، فالله تعالى عليم حكيم علم بما تتضمنه الأحكام من المصالح فأمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي والمأمور والمحذور من مصالح العباد ومفاسدهم، وحينئذ فكون الفعل سببا لما يحبه الفاعل ويلتذ به أو سببا لما يبغضه ويؤذيه يُعلم تارة بالعقل وتارة بالشرع وقد يعلم بالشرع والعقل جميعا، لكن معرفة الملائم والمنافر على وجه التفصيل ومعرفة النهاية التي هي نتيجة وثمرة الأفعال من نعيم أو عذاب على وجه التفصيل ومعرفة تفصيل ما شرعه من الشرائع وما أخبر به من حقائق الآخرة وحقائق أسمائه وصفاته معرفة ذلك بالتفصيل لا تمكن إلا عن طريق النصوص وإن كان الناس قد يعرفون ذلك بعقولهم بصفة إجمالية، وهذا التفصيل الذي يحصل به الإيمان بما خبر الله به وورد به النص هو ما عنت آية الشورى وآية سبأ وآية الأنبياء وأمثالهن من النصوص. لكن المعتزلة وأتباعهم أثبتوا حسنا وقبحا لا يعود إلى الفاعل منه حكم يقوم بذاته، إذ عندهم لا يقوم بذاته لا وصف ولا فعل بمعنى أنهم يقولون بالتحسين والتقبيح ويجعلون ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له ولا يجعلون الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء منها، والأشاعرة وأتباعهم يقولون إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل للأحكام، بل القادر أمر بأحد المتماثلين دون
стр. 429
الآخر لمحض الإرادة لا لحكمة ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر، ويقولون إنه يجوز أن يأمر بالشرك وينهى عن عبادته وحده ويجوز أن يأمر بالظلم والفواحش وينهى عن البر والتقوى، وليس المعروف في نفسه معروفا ولا المنكر في نفسه منكرا عندهم، بل إذا قال: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ فإنما يعبر عن ذلك بما يلائم الطبائع وذلك لا يقتضي عندهم كون الرب يحب المعروف ويبغض المنكر، فهذا القول ولوازمه باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والفقهاء مع مخالفته أيضا للمعقول الصريح، فإن الله نزه نفسه عن الفحشاء فقال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ، كما نزه نفسه عن التسوية بين الخير والشر فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ، وعلى قولهم: لا فرق في التسوية بين هؤلاء وهؤلاء وبين تفضيل بعضهم على بعض، وليس تنزيهه عن أحدهما بأولى من تنزيهه عن الآخر، والحاصل أن المعتزلة وأتباعهم زعموا أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع، والأشعرية ونحوهم ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع، وهذا معنى قول المؤلف: "ولكن طائفة توهمت أن للحسن والقبح معنى غير هذا وأنه يعلم بالعقل، وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا فكلا الطائفتين اللتين أثبتتا الحسن والقبح العقليين أوالشرعيين وأخرجتاه عن هذا القسم غلطت"، فالطائفة الأولى هي المعتزلة ومن تبعهم، والطائفة الثانية هي الأشاعرة ومن تبعهم والأولى تفسر الحسن القبح بغير معنى الملائم والمنافر وتعتقد أن ذلك إنما يثبت بالعقل دون الشرع، والثانية نفت الحسن والقبح العقليين وأثبتت الحسن والقبح
стр. 430
الشرعيين وفسرته بغير الملائم والمنافر.
стр. 431
المعتزلة لا يثبتون حكمة تعود إلى الله تعالى فيما خلقه وأمر به
...
قوله:-
ثم إن كلتا الطائفتين لما كانت تنكر أن يوصف الله بالمحبة والرضا والسخط والفرح ونحو ذلك، مما جاءت به النصوص الإلهية، ودلت عليه الشواهد العقلية تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ما هو منه قبيح، هل ذلك ممتنع لذاته، وأنه لا يتصور قدرته على ما هو قبيح أو أنه سبحانه منزه عن ذلك، لا يفعله لمجرد القبح العقلي الذي أثبتوه؟ على قولين والقولان في الانحراف من جنس القولين المتقدمين، أولئك لم يفرقوا في خلقه وأمره بين الهدى والضلال، والطاعة والمعصية والأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار، والرحمة والعذاب، فلا جعلوه محمودا على ما فعله من العذاب أو ما تركه من الظلم ولا ما فعله من الإحسان والنعمة، وما تركه من التعذيب والنقمة والآخرون نزهوه بناء على القبح العقلي الذي أثبتوه، ولا حقيقة له وسووه بخلقه فيما يحسن ويقبح وشبهوه بعباده فيما يأمر به وينهى عنه.
ش: يعني أن المعتزلة وأتباعهم، والأشاعرة وأتباعهم بناء على قول الطائفة الأولى أن الله فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة تعود إلى الخلق من غير أن يعود إليه من ذلك حكم أو يقوم به فعل أو نعت، وقول الطائفة الثانية أن الله خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعلة ولا داع ولا باعث بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة وبناء على نفيهم صفة المحبة والبغض والغضب والرضاء والسخط والفرح ونحو ذلك من الصفات التي ينفيها كل من الطائفتين مما دل عليه نصوص الكتاب والسنة وشهدت به البراهين العقلية، بناء على كل ما سبق تنازعوا في عدم وقوع الظلم من الله، هل ذلك ممتنع لذاته وليس ممكنا ولا مقدورا أم أنه ممتنع على الله لمجرد القبح العقلي فقط؟، وكل من هذين القولين باطل وهما في
стр. 432
البطلان كالقولين الماضيين لهاتين الطائفتين في الحسن والقبح، مع أنهم جميعا متفقون على أن الله لا يفعل ما هو قبيح، والأشاعرة وأتباعهم بناء على نفيهم حكمة الله في خلقه وأمره، لم يفرقوا بين ما شاء وبين ما أمر به، بمعنى أنهم لم يميزوا بين ما هو هدى تترتب عليه السعادة ويمدح فاعله ويكون صاحبه من المؤمنين الأبرار، وبين ما هو ضلال يترتب عليه الشقاء، ويكون صاحبه من الكفار أو الفجار، وبناء على قولهم إن الظلم ممتنع على الله وأنه لا يتصور قدرته عليه جعلوا الله غير محمود على ما فعله من الإحسان والرحمة وغير محمود على ما تركه من العقاب والنقمة، وهذا عين قول الجبرية، ولا ريب في شناعة هذا القول وبطلانه فإن الله تعالى هو الذي يعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل ويغني ويفقر ويضل ويهدي ويسعد ويشقي، وهو سبحانه حكم عدل لا يضع الشيء إلا في موضعه الذي يناسبه ويقتضيه العدل والمصلحة وهو سبحانه لا يفرق بين متماثلين ولا يساوي بين مختلفين فلا يعاقب إلا من يستحق العقوبة فيضعها موضعها لما في ذلك من الحكمة ولا يعاقب أهل البر والتقوى، أما المعتزلة ومن تبعهم فلم يثبتوا حكمة تعود إلى الله فيما خلقه وأمر به وإنما أثبتوا حكمة تعود إلى المخلوق فقط، ولم يثبتوا الحسن والقبح بالمعنى الذي يثبته الشرع ويشهد به العقل بل قاسوه على خلقه فيما يحسن ويقبح وجعلوا يوجبون على الله سبحانه ما يوجبون على العبد ويحرمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد ويسمون ذلك العدل والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته وعدله، والحاصل: أنهم قاسوا الله على خلقه بقولهم ما حسن من المخلوق حسن من الخالق وما قبح من المخلوق قبح من الخالق فهم مشبهة الأفعال وهذا باطل كما أن تمثيل الخالق بالمخلوق في الصفات باطل. وقوله: "والآخرون نزهوه بناء على القبح العقلي الذي أثبتوه ولا حقيقة له" يعني أن المعتزلة تقول الكفر والفسوق والعصيان أفعال قبيحة، والله منزه عن فعل القبائح فلا تكون فعلا له، قالوا ولا يمكن إثبات كونه
стр. 433
سبحانه عدلا لا يظلم إلا بالقول بأنه لم يرد وجود الكفر والفسوق والعصيان ولا شاءها بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئته وإرادته، كما فعلوه بغير إذنه وأمره وقد رد عليهم سلف الأمة وأئمة السنة بأن الله خالق كل شيء وأنه ماشاء كان وما لم يشأ لم يكن، يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأن العباد لهم مشيئة وقدرة فيفعلون بمشيئتهم وقدرتهم، كما قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ... الآية﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ، وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ، لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فكل شيء واقع بقدرته ومشيئته ولا يكون في ملكه ما لا يريد، وهو سبحانه لا يرضى لعباده الكفر ولا يحب إلا ما تعلق بالإرادة الدينية المتضمنة لرضاه وقد يريد ما يبغضه ويأباه إرادة كونية تتعلق بما قدره وقضاه وله في جميع خلقه حكمة بالغة، قال الشيخ ﵀: الحكمة تتضمن شيئين أحدهما: تعود إليه سبحانه يحبها ويرضاها. الثاني: إلى عباده هي نعمة عليهم يفرحون بها ويتلذذون بها وهذا في المأمورات وفى المخلوقات أما في المأمورات فإنه يحب الطاعة ويرضاها ويفرح بتوبة التائب أعظم فرح، فهو يفرح أعظم مما يفرح الفاقد لزاده وراحلته في الأرض المهلكة إذا وجدها بعد اليأس. كما أنه يغار أعظم من غيرة العباد، وغيرته أن يأتي العبد ما حرم عليه فهو يغار إذا فعل العبد ما نهاه ويفرح إذا تاب ورجع إلى ما أمر به، والطاعة عاقبتها سعادة الدنيا والآخرة وذلك مما يفرح به العبد المطيع فكان فيما أمر الله به من الطاعات عاقبة حميدة تعود إليه وإلى عباده، ففيها حكمة له ورحمة لعباده قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ، ففي الجهاد عاقبة محمودة للناس في الدنيا
стр. 434
يحبونها وهي النصر والفتح وفى الآخرة الجنة وفيه النجاة من النار. وقال تعالى في أول السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ، ففيه حكمة عائدة إلى الله تعالى وفيه رحمة للعباد وهي ما يصل إليهم من النعمة في الدنيا والآخرة وهكذا سائر ما أمر به، وكذلك ما خلقه سبحانه خلقه لحكمة تعود إليه يحبها، وخلقه لرحمة بالعباد ينتفعون بها. ثم قال ﵀: "ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه لا رب غيره ولا خالق سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، والعبد مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله، منهي عن معصية الله ومعصية رسوله، فإن أطاع كان ذلك نعمة وإن عصى كان مستحقا للذم والعقاب وكان لله عليه الحجة البالغة ولا حجة لأحد على الله تعالى وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته لكن يحب الطاعة ويأمر بها ويثيب أهلها ويكرمهم ويبغض المعصية وينهى عنها ويعاقب أهلها ويهينهم، وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعاصيه كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ، أي ما أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم به عليك وما أصابك من حزن وذل وشر فبذنوبك وخطاياك، فمن نظر إلى الحقيقة القدرية وأعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد كان مشابها للمشركين، ومن نظر إلى الأمر والنهي وكذب بالقضاء والقدر كان مشبها للمجوسيين، ومن آمن بهذا وبهذا: فإذا أحسن حمد الله تعالى وإذا أساء استغفر الله تعالى وعلم أن ذلك بقضاء الله وقدره فهو من المؤمنين، فإن آدم ﵇ لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهداه، وإبليس أصر واحتج فلعنه الله وأقصاه، فمن تاب كان آدميا، ومن أصر واحتج بالقدر كان إبليسيا. فالسعداء يتبعون أباهم والأشقياء يتبعون عدوهم إبليس" واعلم أن الظلم الذي تنزه الله عنه هو المذكور في مثل قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ أي لا يخاف أن يظلم فيحمل عليه من سيئات غيره ولا يهضم من
стр. 435
حسناته، وفي مثل قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وقول النبي ﷺ في حديث (البطاقة) الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما: "يجاء برجل من أمتي يوم القيامة فتنشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر، فيقال: هل تنكر من هذا شيئا؟، فيقول: لا يا رب، فيقال: ألك عذر، ألك حسنة؟، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم قال فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة – قال ﷺ فطاشت السجلات وثقلت البطاقة".
стр. 436
خطأ من شهد الربوبية العامة فقط
...
قوله:
فمن نظر إلى القدر فقط وعظم الفناء في توحيد الربوبية، ووقف عند الحقيقة الكونية لم يميز بين العلم والجهل والصدق والكذب والبر والفجور، والعدل والظلم والطاعة والمعصية والهدى والضلال والرشاد والغي، وأولياء الله وأعدائه وأهل الجنة والنار، وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتاب الله ودينه وشرائعه فهم مخالفون أيضا لضرورة الحس والذوق وضرورة العقل والقياس، فإن أحدهم لابد أن يلتذ بشيء فيميز بين ما يأكل ويشرب وما لا يأكل ولا يشرب، وبين ما يؤذيه من الحر والبرد وما ليس كذلك، وهذا التمييز بين ما ينفعه ويضره هو الحقيقة الشرعية الدينية، ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوي عنده الأمران دائما فقد افترى وخالف ضرورة الحس ولكن قد يعرض للإنسان في بعض الأوقات عارض كالسكر والإغماء ونحو ذلك مما يشغله عن الإحساس ببعض الأمور، فإما أن يسقط إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه فهذا ممتنع، فإن النائم لم يفقد إحساس نفسه بل يرى في منامه ما يسوؤه تارة وما يسره أخرى، فالأحوال التي يعبر عنها بالاصطلام- كالفناء والسكر ونحو ذلك- إنما تنشأ عن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي مع نقص صاحبها لضعف تمييزه لا تنتهي إلى حد يسقط فيه
стр. 437
التمييز مطلقا، ومن نفى التمييز في هذا المقام مطلقا وعظم هذا المقام فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية قدرا وشرعا، وغلط في خلق الله وفي أمره، حيث ظن وجود هذا ولا وجود له، وحيث ظن أنه ممدوح ولا مدح في عدم التمييز وفقدان العقل والمعرفة.
ش: يقول الشيخ إن من احتج بالقدر وشاهد الربوبية العامة فقطلم يفرق بين المأمور والمحظور والمؤمنين والكافرين وأهل الطاعة وأهل المعصية ولم يفرق بين النبي الصادق والمتنبىء الكاذب وأولياء الله وأعدائه وهكذا سائر الأضداد بل يشهدون وجه الجمع من جهة كون الكل بقضاء الله وقدره وإرادته العامة ولا ريب أن الله تعالى خالق كل شيء ومليكه، والقدر هوقدرة الله وهو المقدر لكل ما هو كائن، لكن هذا لا ينفي حقيقة الأمر والنهي والوعد والوعيد، وأن من الأفعال ما ينفع صاحبه فيحصل له به نعيم ومنها ما يضر صاحبه فيحصل له به عذاب، والجميع سواء من جهة المشيئة والربوبية، لكن هناك فرقا آخر من جهة الحكمة والأوامر الإلهية ونهاية الأمور، وحينئذ فالإنسان لابد أن يجوع ويعطش فلا يسوي بين الخبز والشراب وبين الملح الأجاج والعذب الفرات، بل لابد أن يفرق بينهما ويقول هذا طيب وهذا ليس بطيب، فمن الأمور ما هو ملائم للإنسان نافع له يحصل له به اللذة ومنها ما هو مضاد له ضار يحصل له به الألم وهذا الفرق معلوم بالحس والعقل والشرع، مجمع عليه بين الأولين والآخرين فما دام الإنسان حيا فلابد أن يفرق بين ما ينفعه وينعمه ويسره وبين ما يضره ويشقيه ويؤلمه، وهذا حقيقة الأمر والنهي فإن الله تعالى أمر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم، فقد بعث الرسل بتكميل الفطرة فأرشدوا الخلق إلى ما ينالون به النعيم في الآخرة وينجون به من العذاب، ومن لم يدرك هذا الفرق فإن كان لسبب أزال عقله هو به معذور، وإلا كان مطالبا بما فعله من الشر وما تركه من الخير، وإذاً فهذا الصنف من الناس مع مخالفتهم ما هو معلوم بالضرورة من الدين فهم مخالفون لما هو معلوم بالضرورة من
стр. 438
الحس والعقل، وكونه يفرق بين النافع والضار معناه أنه يستطيع التمييز بين أمر الله وخلقه، فإن الشرع قد فصل له ما ينفعه وما يضره، ومن زعم أن أحدا من الناس يصل به الأمر إلى درجة لا يميز فيها بين هذه المتضادات فقد ضل وافترى، وإن كان الإنسان قد يأتي عليه أحيانا ما يجعله في حالة يضعف فيها تمييزه ويقل فيها إدراكه ووعيه، كحالة السكران والمغمى عليه، هذا شيء مسلم به ولكن مع ذلك فإن إحساسه لا يذهب كله بل يبقى معه شيء من شعوره وإدراكه، فإما أن يذهب تمييزه نهائيا فهذا غير صحيح، وقوله:"ونحو ذلك" يعني كحالة النائم فإن النائم مع أنه أعظم نقصا من حالة السكران والمغمى عليه فإنه لا يذهب إحساسه كله بل يدرك ويشعر بأمور يراها في نومه مما قد يسوؤه أو يسره، فالأحوال التي تعبر عنها الصوفية بالاصطلام إنما تنشأ من عدم إحساس أصحابها ببعض الأمور ولكنها مع نقص حالة أصحابها فهي لا تصل إلى حالة يسقط معها التمييز سقوطا كاملا، ومن ادعى سقوط التمييز سقوطا تاما وعظم الفناء في مشاهدة الربوبية فقد غلط غلطا شنيعا وقصر في أمر الله وشرعه تقصيرا يخرجه إلى كفر أعظم منه في اليهود والنصارى، فإن هؤلاء مع كفرهم يقرون بنوع من الأمر والنهي والوعد والوعيد، بخلاف هؤلاء المباحية المسقطة للشرائع مطلقا، فإنهم يقولون أن العارف إذا صار في هذا المقام لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة، لشهوده الربوبية العامة والقيومية الشاملة، وحينئذ فمن ادعى سقوط التمييز سقوطا تاما فقد غلط غلطا بينا في تفريقه بين خلق الله وأمره وفي اعتقاده أن عمله هذا ممدوح فإنه لا وجود لهذا ولا مدح في عدم العلم وسقوط المعرفة، وهذا حال المتأخرين من الصوفية. قال الشيخ: "وأما أئمة الصوفية، والمشايخ المشهورون من القدماء: مثل الجنيد بن محمد وأتباعه، والشيخ عبد القادر وأمثاله، فهؤلاء من أعظم الناس لزوما للأمر والنهي، وتوصية بذلك وتحذيرا من المشي مع القدر، فالشيخ عبد القادر كلامه كله يدور على اتباع المأمور وترك المحذور، والصبر على المقدور، ولا يثبت طريقا تخالف ذلك أصلا، لا هو
стр. 439
ولا عامة المشائخ المقبولين عند المسلمين، وكان يحذر عن ملاحظة القدر المحض بدون اتباع الأمر والنهي، كما أصاب أولئك الصوفية الذين شهدوا القدر وتوحيد الربوبية، وغابوا عن الفرق الإلهي الديني الشرعي المحمدي. الذي يفرق بين محبوب الحق ومكروهه"، والأحوال هي أعمال القلوب التي تسميها الصوفية مقامات أو منازل السائرين إلى الله أو مقامات العارفين، وفيها ما هو من الإيمان وفيها ما هو من وحي الشيطان، والذوق: هو مباشرة الحاسة الظاهرة أو الباطنة للملائم والمنافر، قال ابن القيم: "ولا يختص ذلك بحاسة الفم في لغة القرآن بل ولا في لغة العرب"، قال الله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ، وقال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ، وقال: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولا" فأخبر أن للإيمان طعما وأن القلب يذوقه كما يذوق طعم الطعام والشراب "والاصطلام": هو شهود القيومية العامة والفناء في شهود توحيد الربوبية وقوله: "بل يرى في منامه ما يسؤوه تارة وما يسره أخرى"، معناه أن الإنسان الحي غير فاقد للإحساس فقدانا تاما حتى حالة غيبوبته عما حوله من المحسوسات فإنه أحيانا يشاهد وهو نائم ما يزعجه ويؤلمه وهي المرائي السيئة وأحيانا يشاهد ما يسره ويفرح به قلبه وهي المرائي الصالحة، روى مسلم في صحيحه، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لأعرابي جاءه فقال: "إني حلمت أن رأسي قطع، فأنا أتبعه. فزجره النبي ﷺ ، وقال: لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام" وفي رواية: "أن أعرابيا قال: يا رسول الله، رأيت في المنام: كان رأسي ضرب، فتدحرج، فاشتددت في أثره فقال رسول الله ﷺ : لا تحدث بتلاعب الشيطان بك في منامك"، وقال: سمعت رسول الله ﷺ بعد يخطب، فقال: "لا يحدثن أحدكم بتلاعب الشيطان به في منامه" زاد في رواية "فضحك النبي ﷺ "، وروى مسلم وأبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رأيت الليلة - وفى رواية - رأيت
стр. 440
ذات ليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، وأتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت: أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب" وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم الحلم يكرهه فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله منه، فلن يضره"، وفى رواية قال أبو سلمة: "إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني، حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان، فإذا رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا، وليتعوذ بالله من الشيطان وشرها، ولا يحدث بها أحدا، فإنها لن تضره"، هذه رواية البخاري ومسلم وأخرجه في الموطأ وزاد بعد قوله: "لن تضره إن شاء الله" قال أبو سلمة: "إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أباليها"، وعن أبي سعيد الخدري ﵁: "أن رسول الله ﷺ قال " إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره" أخرجه البخاري والترمذي.
стр. 441
قول بعض الصوفية أريدأن لا أريد
...
قوله:
وإذا سمعت بعض الصوفية يقول: أريد أن لا أريد، أو أن العارف لا حظ له وأنه يصير كالميت بين يدي الغاسل ونحو ذلك فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه ومن أراد بذلك، أنه تبطل إرادته بالكلية، وأنه لا يحس باللذات والألم، والنافع والضار، فهذا مكابر مخالف لضرورة الحس والعقل ومن مدح هذا فهو مخالف لضرورة الدين والعقل.
стр. 442
ش: يقول المؤلف إذا بلغك أن بعض مشائخ الصوفية يعبر بقولهأريد أن لا أريد كقول أبي يزيد الصوفي: أو إن العارف ليس له من نفسه أمر ونحو ذلك من العبارات وذلك كقول الشيخ عبد القادر "علامة فناء إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مرادا قط فلا يكن لك غرض ولا تقف لك حاجة ولا مرام لأنك لا تريد مع إرادة الله سواها"، إذا سمعت هذه العبارات المروية عن بعض فضلاء الصوفية فاعلم أن مقصودهم أن لا يريد المريد شيئا إلا أن يكون مأمورا بإرادته، فقوله: "علامة فناء إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مرادا قط" معناه أنك لا تريد مرادا لم تؤمر بإرادته فأما ما أمر الله ورسوله بإرادتك إياه فإرادته إما واجب وإما مستحب وترك إرادة هذا إما معصية وإما نقص. وهكذا قولهم "ينبغي أن يكون الإنسان كالميت بين يدي الغاسل" ليس معناه أن لا تكون له إرادة أصلا وهذا معنى قول المؤلف: "فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه"، وحينئذ فلا يجوز حمل كلام المشائخ المستقيمين، على ترك الإرادة مطلقا فإن هذا غلط فاحش، وذلك أن الحي لابد له من إرادة، فإن الإرادة التي يحبها الله ورسوله ويأمر بها أمر إيجاب وأمر استحباب لا يدعها إلا كافر أو عاصي إن كانت واجبة، وإن كانت مستحبة كان تاركها تاركا لما هو خير له، والله تعالى قد وصف الأنبياء والصديقين بهذه الإرادة فقال تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ ، وحينئذ فالله يأمر بإرادته وإرادة ما يأمر به وينهى عن إرادة غيره وإرادة ما نهى عنه، فهما إرادتان إرادة يحبها الله ويرضاها وإرادة لا يحبها الله ولا يرضاها، وأما من اعتقد أنهم فرغوا من الإرادة مطلقا ولم يبق لهم مراد وأن هذا المقام هو أكمل المقامات وأن من قام بهذا فقد قام بالحقيقة القدرية الكونية من اعتقد هذا الاعتقاد أو نسبه
стр. 443
للشيوخ الفضلاء فقد ضل ضلالا مبينا، وإذا فالذين يغلطون ويظنون أن الحقيقة القدرية يجب الاسترسال معها دون مراعاة الحقيقة القدرية الدينية التي تتصمن مرضاة الرب ومحبته وأمره ونهيه ظاهرا وباطنا هؤلاء بالإضافة إلى مخالفتهم لما شرع الله فهم مخالفون أيضا للحس والعقل، فإن الجائع يفرق بين الخبز والشراب والعطشان يفرق بين الماء والسراب فيحب ما يشبعه ويرويه دون ما لا ينفعه، ومن اعتقد هذا الاعتقاد أو مدح هذا الطريق فهو مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، فقد ذم الله من حرم ما لم يحرمه، أو شرع ما لم يشرعه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْط﴾ ، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
والنسبة في الصوفية إلى الصوف لأنه غالب لباس الزهاد وقد قيل هو نسبة إلى (صوفة بن مراد) قبيلة من العرب كانوا يجاورون حول البيت وأما من قال هو نسبة إلى "الصفة" فقد قيل كان حقه أن يقال "صُفِّية"، وكذلك من قال نسبة إلى "الصفا" قيل له كان حقه أن يقال "صفائية"، ولو كان مقصورا لقيل "صفوية"، ومن قال نسبة إلى الصف المقدم بين يدي الله، قيل له: كان حقه أن يقال: "صفية"، ولا ريب أن هذا يوجب النسبة والإضافة إذا أعطي الاسم حقه من العربية، قال الشيخ: "وقد تكلم بهذا الاسم قوم من الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره وقد تكلم به أبو سليمان الداراني وغيره، وأما الشافعي فالمنقول عنه ذم الصوفية، وقد ذم طريقهم طائفة من أهل العلم من أصحاب احمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وقد مدحه آخرون، والتحقيق فيه أنه مشتمل على الممدوح والمذموم كغيره من الطرق وأن المذموم منه قد يكون اجتهاديا وقد لا يكون، وأنهم في ذلك بمنزلة الفقهاء في الرأي فإنه قد ذم الرأي من العلماء طوائف كثيرة وفي المتسميين بذلك من أولياء الله وصفوته وخيار عباده ما لا يحصى عدده إلا الله"، وقد سبقت الإشارة إلى
стр. 444
ذلك في المثل الأول عند قول الشيخ: "وقد يدخل في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب".
стр. 445
لفناء يراد به ثلاثة أمور
قوله:
و الفناء يراد به ثلاثة أمور أحدها: الفناء الديني الشرعي الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب وهو أن يفنى عما لم يأمره الله به بفعل ما أمره الله به فيفنى عن عبادة غير الله بعبادته وعن طاعة غير الله بطاعته وطاعة رسوله، وعن التوكل على غيره بالتوكل عليه، وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ، فهذا كله مما أمر الله به ورسوله.
وأما الفناء الثاني: وهو الذي يذكره بعض الصوفية فهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى، فيفنى بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته بحيث يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى فهذا حال ناقص قد يعرض لبعض السالكين وليس هو من لوازم طريق الله ولهذا لم يعرف مثل هذا للنبي ﷺ ولا السابقين الأولين ومن جعل هذا نهاية السالكين فهو ضال ضلالا مبينا وكذلك من جعله من لوازم طريق الله فهو مخطىء خطأ فاحشا بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك. وأما الثالث: فهو الفناء عن وجود السوى بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق وأن الوجود فيهما واحد بالعين"، فهذا قول أهل الالحاد والاتحاد الذين هم أضل العباد.
стр. 446
ش: الفناء مصدر فني يفنى فناء إذا اضمحل وتلاقى وعدم، وقد
يطلق على ما تلاشت قواه وأوصافه مع بقاء عينه كما قال الفقهاء لا يقتل في المعركة شيخ فان. وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ أي هالك ذاهب وأما معناه في كلام الصوفية فيراد به ثلاثة أمور الفناء عن إرادة السوى، والفناء عن شهود السوى والفناء عن وجود السوى، وقد بين المؤلف، الأول بقوله: "أحدها الفناء الديني الشرعي الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وهو أن يفنى عن ما لم يأمره الله به بفعل ما أمره الله به" ومعنى هذا أن القلب يفنى عن إرادة ما سوى الرب وهو في الحقيقة عبادة القلب وتوكله واستعانته وتألهه وإنابته وتوجهه إلى الله وحده لا شريك له، وليس لأحد خروج عن هذا، وهو ترجمة قول لا إله إلا لله وقول النبي ﷺ : "لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن"، وبهذا الفناء يكون العبد غير متبع هواه بغير هدى من الله بل يكون على هدى مستقيم، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما يوضح ذلك آية براءة وحديث أنس الذي رواه البخاري ومسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه" وهذا في الجملة هو أول الدين وآخره وهو حقيقة الإخلاص وليس لأحد خروج عنه. وبين الثاني بقوله: "فهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله بحيث يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى" يعني أن الواحد منهم يغيب عن سوى مشهوده فيغيب حتى عن نفسه وشهودها لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره وبموجوده عن وجوده وبمحبوبه عن حبه، وهذا الفناء هو الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين ويعدونه الغاية، وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاري كتابه "منازل السائرين" وجعله الدرجة الثالثة في كل باب من أبوابه، وليس مراد القوم فناء وجود ما سوى الله في الخارج بل مرادهم فناؤه عن شهودهم وحسهم، وقد يغلب شهود القلب لمحبوبه ومذكوره حتى يغيب به ويفنى به فيظن أنه اتحد به
стр. 447
وامتزج بل يظن أنه هو نفسه كما يحكى "أن محبوبا وقع في اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال: أنا وقعت فأنت ما الذي أوقعك؟، فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني"، وصاحب هذا الحال إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطا في ذلك وأن الحقائق متميزة في ذاتها، فالرب رب والعبد عبد والخالق خالق بائن عن المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا شك أن شهود العبد قيامه بالعبودية أكمل في العبودية من غيبته عن ذلك، فإن أداء العبودية في حال غيبة العبد عنها وعن نفسه بمنزلة أداء السكران والنائم. وأداؤها في حال كما يقظته وشعوره بتفاصيلها وقيامه بها أتم وأكمل وأقوى عبودية، قال ابن القيم: "فتأمل حال عبدين في خدمة سيدهما أحدهما يؤدي حقوق خدمته في حال غيبته عن نفسه وعن خدمته لاستغراقه بمشاهدة سيده، والآخر يؤديها في حال كمال حضوره وتمييزه وإشعار نفسه بخدمة السيد وابتهاجها بذلك فرحا بخدمته وسرورا والتذاذا منه واستحضارا لتفاصيل الخدمة ومنازلها وهو مع ذلك عامل على مراد سيده منه لا على مراده من سيده فأي العبدين أكمل" ولاشك أن هذا حال ناقص يحصل أحيانا لبعض السائرين إلى الله وليس هذا الحال الناقص من مقتضيات سلوك الدرب الموصل إلى الله بل ذلك عارض يعرض لبعض الناس فيكون به أدنى مرتبة من غيره ﴿فإن هذا لم يكن للنبي ﷺ ولا حالا من أحواله، ولهذا في ليلة المعراج لما أسرى به وعاين ما عاين مما أراه الله إياه من آياته الكبرى لم تعرض له هذه الحال بل كان كما وصفه لله بقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ، وكذلك الصحابة ﵃ وهم سادات العارفين زائمة الواصلين المقربين وقدوة السالكين لم يكن منهم من ابتلي بذلك ولا شم له رائحة ولم يخطر على قلبه فلو كان هذا الفناء كمالا لكانوا هم أحق به وأهله وكان لهم منه ما لم يكن لغيرهم"، وحينئذ فهذا الفناء هو كما قال الشيخ: "هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض فيكون من جعله نهاية السالكين ضالا ضلالا مبينا كما أن من جعله من لوازم طريق
стр. 448
الله فهو مخطىء خطأ فاحشا، وإذاً فأولى الناس بالله وكتبه ورسله ودينه هم المؤمنون بالحقيقة الدينية والكونية المعطون كل حقيقة حظها من العبادة. والسلوك سلوكان: سلوك الأبرار أهل اليمين وهو أداء الواجبات وترك المحرمات باطنا وظاهرا. والثاني: سلوك المقربين السابقين وهو فعل الواجب والمستحب بحسب الإمكان وترك المكروه والمحرم كما قال النبي ﷺ : "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وكلام الشيوخ الكبار، كالشيخ عبد القادر وغيره يشير إلى هذا السلوك، ولهذا يأمرون بما هو مستحب غير واجب وينهون عما هو مكروه غير محرم، وطريق الخاصة طريق المقربين أن لا يفعل العبد إلا ما أمر به ولا يريد إلا ما أمر الله ورسوله بإرادته، وهو ما يحبه الله ويرضاه". وبين الثالث بقوله: "هو الفناء عن وجود السوى بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق وأن الوجود فيهما واحد بالعين"، يعني أن الملاحدة القائلين بوحدة الوجود وأنه ما ثم غير، وأن غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة ونفي التكثر والتعدد، لا يفرقون بين كون وجود المخلوقات بالله وبين كون وجودها هو عين وجوده فليس عندهم فرقا بين العالمين ورب العالمين، وإذا فهؤلاء الزنادقة يجعلونه عين الموجودات وحقيقة الموجودات وأنه لا وجود لغيره، لا بمعنى أن قيام الأشياء ووجودها به كما قال النبي ﷺ : "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا لله باطل"، فإنهم لو أرادوا ذلك لكان ذلك هو الشهود الصحيح، لكنهم يريدون أنه عين الموجودات وهذا كفر وضلال، وقد سبق بيان هذا في الكلام على القاعدة الخامسة عند قول المؤلف: "حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود".
стр. 449
مخالفة الجبرية للعقل والقياس
...
قوله:
وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس، فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يطرد قوله فإنه إذا كان مشاهدا للقدر من غير تمييز بين المأمور والمحظور فعومل بموجب ذلك مثل أن يُضرب ويُجاع حتى يبتلى بعظيم الأوصاف والأوجاع فإن لام من فعل ذلك به وعابه، فقد نقض قوله وخرج عن أصل مذهبه، وقيل له هذا الذي فعله بك مقتضي مقدور، فخلق الله وقدره ومشيئته متناول لك وله وهو يعمكما فإن كان القدر حجة لك فهو حجة لهذا، وإلا فليس بحجة لا لك ولا له، فقد تبين بضرورة العقل فساد قول من ينظر إلى القدر ويعرض عن الأمر والنهي.
ش: يعني أن هؤلاء المتصوفة المجبرة الناظرين إلى الحقيقة القدرية والمشيئة العامة غير مشاهدين لأمر الله ونهيه ولا مفرقين بين ما يحبه الله ويبغضه، ليسوا على قاعدة مستمرة ولا رأي ثابت بل هم متناقضون مخالفون للحقائق العقلية والاعتبارات الصحيحة. فإنه لا يوجد أحد يحتج بالقدر في ترك الواجب وفعل المحرم إلا وهو متناقض لا يجعله حجة في مخالفة هواه بل يعادي من آذاه وإن كان محقا ويحب من وافقه على غرضه وإن كان عدوا لله، فيكون حبه وبغضه وموالاته ومعاداته بحسب هواه وغرضه وذوق نفسه، لا بحسب أمر الله ونهيه، ولا يمكن أن يجعل القدر حجة لأحد فإن هذا مستلزم للفساد الذي لا صلاح معه والشر الذي لا خير فيه، إذ لو جاز أن يحتج كل أحد بالقدر لما عوقب معتد ولا اقتص من ظالم ولا أخذ لمظلوم حقه من ظالمه، ولفعل كل أحد ما يشتهيه من غير معارض يعارضه فيه، وحينئذ فكلام هؤلاء ساقط ورأيهم متهافت مخالف لما هو معلوم بضرورة العقل والقياس، فإن الجائع يفرق بين الخبز والشراب، والعطشان يفرق بين الماء والسراب فيحب ما يشبعه ويرويه دون ما لا ينفعه والجميع مخلوق لله تعالى. قال الشيخ: "ومن المعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين فإن هؤلاء قولهم
стр. 450
متناقض لا يمكن أحد منهم أن يعيش به ولا تقوم به مصلحة أحد من الخلق، ولا يتعاشر عليه اثنان، فإن القدر إن كان حجة فهو حجة لكل أحد وإلا فليس حجة لأحد، فإذا قدر أن الرجل ظلمه ظالم أو شتمه شاتم أو أخذ ماله أو أفسد أهله أو غير ذلك فمتى لامه أو ذمه أو طلب عقوبته أبطل الاحتجاج بالقدر، وإذا فقوله: "فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يطرد قوله ... الخ " معناه: أن هؤلاء المتصوفة المشركية المدعين التحقيق والمعرفة، متناقضون مخالفون للشرع والعقل والذوق، فإنهم لا يسوون بين من أحسن إليهم وبين من ظلمهم ولا يسوون بين العالم والجاهل والقادر والعاجز ولا بين الطيب والخبيث، وهؤلاء المجبرة لا يقفون لا مع القدر ولا مع الأمر، بل كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أيَّ مذهب يوافق هواك تمذهب به، وبهذا يتضح فساد قولهم وشناعة رأيهم وأنه مخالف للنهج المستقيم، والأوصاب: هي الأمراض واحدها وصب.
стр. 451
المؤمن مأمور بأن يفعل المأمور ويترك المحذور
...
قوله:
والمؤمن مأمور بأن يفعل المأمور ويترك المحظور، ويصبر على المقدور كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئا﴾ ، وقال في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، فالتقوى فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار﴾ ، فأمره مع الاستغفار بالصبر، فإن العباد لابد لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم. قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة"، وقال: "أنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة"، وكان يقول: "اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وهزلي وجدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما
стр. 452
أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر"، وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه فاجتباه ربه فتاب عليه وهداه وعن إبليس أبي الجن أنه أصر متعلقا بالقدر، فلعنه وأقصاه فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه ومن أشبه أباه فما ظلم، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً، لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ، ولهذا قرن الله سبحانه بين التوحيد والاستغفار في غير آية كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إله إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ، وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ، وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره: "يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"، وقد ذكر الله سبحانه عن ذي النون أنه ﴿نَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إله إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وقال النبي ﷺ : "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه".
ش: يعني أن الناظرين إلى القدر المعرضين عن الشرع قد أخطئوا الصواب واتبعوا غير سبيل المؤمنين فإن واجب المؤمن الذي فرضه الله عليه، هو فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه والصبر على ما قدره لله وقضاه من المصائب، كما في آية آل عمران وآية يوسف، وإذا فحقيقة تقوى الله هي فعل المأمور واجتناب المحظور والصبر على المقدور كما في آية غافر، فقد أمر الله فيها بفعل الطاعات والصبر والندم والإقلاع والعزم على ترك الذنوب وطلب العفو من الرحمن الرحيم، والعباد كلهم مأمورون بأن يتوبوا إلى الله
стр. 453
ويستغفروه قال تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم"، وقوله ﷺ : "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم"، أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي لله عنه، وقوله ﵊: "إنه ليغان على قلبي" رواه مسلم من حديث أبي بردة عن الأغر المزني. وقوله ﷺ : "يغان على قلبي" معناه هو كما قال في فتح الباري عن عياض: "المراد (باِلغَين) فترات عن الذكر الذي شأنه أن يداوم عليه فإذا فتر عنه لأمر عد ذلك ذنبا فاستغفر عنه"، وقيل هو شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس، وقيل هو السكينة التي تغشى قلبه والاستغفار لإظهار العبودية لله والشكر لما أولاه، وقال الشيخ الهروردي: "لا يعتقد أن الغين فيه حالة نقص بل هو كمال أو تمة كمال ثم مثل لذلك بجفن العين حين يسبل ليدفع القذى عن العين مثلا فإنه يمنع العين من الرؤية فهو من هذه الحيثية نقص وفي الحقيقة هو كمال"، وقوله ﷺ : "اللهم اغفر لي خطئي" رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى ﵁. وقوله: "وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه فاجتباه ربه فتاب عليه وهداه وعن إبليس أبي الجن أنه أصر متعلقا بالقدر فلعنه وأقصاه فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه ومن أشبه أباه فما ظلم" يعني كما في قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ، وكما في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا
стр. 454
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ، قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ، قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ، وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ، قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، وحينئذ فمن ارتكب معاصي الله وتمرد عن طاعته وأصر على ارتكابه المحرمات فقد أشبه عدو أبيه، ومن جعل أباه قدوة له وإماما فسار سيرته واتبع أثره فقد ربح وفاز بسعادة الدنيا والآخرة، كما أن الذي يشبه أباه في خلقته أو سجاياه لم يظلم أمه لأنه جاء على مثال أبيه الذي ينسب إليه، وذلك أنه لو خالف أباه لنسب الناس أمه إلى الزنا وهذا القول مقتبس من بيت رؤبة ابن العجاج يمدح به عدي بن حاتم الطائي وأصله:
بأبه اقتدى عدي في الكرم ... ومن يشابه أبه فما ظلم
والشاهد من آية الأحزاب أن الله سبحانه عفو كريم، رؤوف بعباده رحيم، يتوب على من تاب وأقلع عن المعاصي وأناب، ومن أجل أن التوبة تمحو الذنب وتقضي عليه نجد أن الله ﵎ قد ذكر في كتابه العزيز، الاستغفار من الذنوب إلى جانب الأمر بتوحيده وطاعته كما في آية القتال وحم السجدة وهود، والعدو اللدود حريص على إغواء الناس وإضلالهم فهو يتحسر على أنهم أهلكوه بالذكر وطلب الغفران، وإنه حين رأى منهم ذلك لجأ إلى طريقة ينفذ منها إلى غرضه وهي بث الفرقة
стр. 455
والاختلاف بينهم في الآراء والمذاهب، كما في الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم، وقوله "وغيره": يعني وقد رواه أيضا أبو يعلى بسنده عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول لله ﷺ : "عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فأكثروا منهما فإن إبليس قال إنما أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالإغواء فهم يحسبون أنهم مهتدون" وقد روى الطبراني وابن مردويه عن عبد بن عمرو عن النبي ﷺ :"أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الاستغفار - ثم قرأ- ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إله إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ " وفى ذلك كله حث على كثرة الذكر والاستغفار: ومعنى قوله: "فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا" أن أهل البدع والشبهات من هذه الأمة مصرون على ما هم عليه لاعتقادهم أنهم مصيبون، وهذا متناول لكل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطىء وعمله مردود كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ وقد فسر الله سبحانه في آية الكهف الأخسرين أعمالا بالذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا أي عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أي يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون، والله جل وعلا يجيب دعاء الداعين ويسمع استغاثة الملهوفين ويتوب على التائبين كما حكى الله ذلك في قصة ذي النون في سورة الأنبياء.
وذو النون هو يونس بن متى ولقب ذا النون لابتلاع الحوت له فإن النون من أسماء الحوت، والمراد بالظلمات ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، وكان نداؤه هو قوله: ﴿لا إله إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، ومعنى ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيها لك من أن يعجزك شيء، ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين يظلمون أنفسهم، قال الحسن وقتادة: "هذا القول من يونس اعتراف بذنبه وتوبة من خطيئته قال ذلك وهو في بطن الحوت"، ثم
стр. 456
أخبر الله سبحانه بأنه استجاب له فقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءه الذي دعانا به في ضمن اعترافه بالذنب ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ بإخراجنا له من بطن الحوت ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي نخلصهم من همومهم وقوله ﷺ : "دعوة أخي ذي النون ... الخ ". هذا الحديث رواه الترمذي وأحمد عن سعد بن أبي وقاص ولفظه سمعت رسول لله ﷺ يقول: "دعوة أخي ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها مسلم ربه في شيء إلا استجاب له"، وقد سمى ﷺ قول ذي النون "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" دعوة لأنها تتضمن نوعي الدعاء، فقوله: "لا إله إلا أنت" اعتراف بتوحيد الإلهية وتوحيد الإلهية أحد نوعي الدعاء فإن الإله هو المستحق لأن يدعى دعاء عبادة ودعاء مسألة، وقوله: "إني كنت من الظالمين" صيغة خبر يتضمن طلب المغفرة فإن الطالب السائل تارة يسأل بصيغة الطلب وتارة يسأل بصيغة الخبر، إما بوصف حاله وإما بوصف حال المسئول وإما بوصف الحالتين، كقول نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فهذا ليس صيغة طلب وإنما هو إخبار عن الله أنه إن لم يغفر له ويرحمه خسر، ولكن هذا الخبر يتضمن سؤال المغفرة، وكذلك قول آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ هو من هذا الباب، ومن ذلك قول موسى ﵇: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فإن هذا وصف لحاله بأنه فقير إلى ما أنزل الله إليه من الخير وهو متضمن لسؤال الله إنزال الخير.
وقريب من حديث ذي النون الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا لله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم".
والكرب: والكربة، الحزن والمشقة والغم الشديد، والمكروب:
стр. 457
لمهموم.
وابن أبي عاصم، هو عاصم ابن علي الحافظ الإمام الثقة سمع أباه وعكرمة ابن عمار وغيرهما وحدث عنه البخاري في صحيحه وأحمد بن حنبل وأبو حاتم الرازي وغيرهم توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين سنة ٢٢١هـ. وأبوه هو علي بن عاصم بن صهيب مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق وكان مولده سنة خمس ومائة وتوفى سنة ٢٠١هـ، كان حافظا حدث عنه أحمد ابن حنبل وأبو داود وغيرهما. وقوله: "وعن إبليس أبي الجن" معناه: أن الشيطان أصل الجن، كما أن آدم أصل البشر، وبذلك قال بعض السلف، وعليه فالاستثناء في الآيات التي فيها أمر الملائكة بالسجود لآدم منقطع. وقال الجمهور بل هو من الملائكة من حي يقال لهم الجن كما في آية الصافات، وعليه فالاستثناء في الآيات متصل. ومحل بسط ذلك كتب التفسير.
стр. 458
لابد للعبد في الأمر من أصلين وفي القدر من أصلين
...
ما يلزم على المسلم تحقيقه في باب الأمر والقدر
قوله:
وجماع ذلك، أنه لابد له في الأمر من أصلين ولابد له في القدر من اصلين، ففي الأمر، عليه الاجتهاد في امتثال الأمر علما وعملا، فلا يزال يجتهد في العلم بما آمر الله به والعمل بذلك ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في الأوامر وتعديه الحدود، ولهذا كان من المشروع أن يختم جميع الأعمال بالاستغفار فكان النبي ﷺ إذا صلى استغفر ثلاثا، وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ فقاموا بالليل وختموه بالاستغفار، وآخر سورة نزلت قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ ، وفي الصحيح عن عائشة: "أنه كان ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن".
وأما في القدر فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه
стр. 459
ويدعوه ويرغب إليه ويستعين به، ويكون مفتقرا إليه في طلب الخير وترك الشر وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدر عليه، ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى لما قال موسى: "يا آدم، أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لما أخرجتنا ونفسك من الجنة؟، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبكم وجدت مكتوبا علي من قبل أن أخلق: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ، قال: بكذا وكذا، فحج آدم موسى"، وذلك أن موسى لم يكن عتبه على آدم لأجل الذنب فإن آدم كان قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب وأن يستغفروا من المعائب كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ، فمن راعى الأمر والقدر- كما ذكر- كان عابدا لله مطيعا له مستعينا به متوكلا عليه، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
ش: يعني والقول الجامع للبحث السابق في باب شرع الله وقدره، أنه يجب على العبد في كل منهما أصلان، ففي الأمر عليه الاجتهاد في تحصيل العلم بأوامر الله وامتثالها وهذا هو الأصل الأول، وعليه أن يستغفر الله من زلاته وتقصيره في واجباته وترك المحرمات فلا يتعدى حدود لله وهذا هو الأصل الثاني، ومن أجل أن على العبد أن يفعل المأمور ويترك المحذور ويستغفر عن خطيئته، شرع أن تختم الأعمال بالاستغفار كما في الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن ثوبان ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، قيل للأوزاعي وهو أحد رواة الحديث: "كيف الاستغفار؟، قال: يقول أستغفر الله"، وفي آية آل عمران بين الله جل وعلا أن المتقين كانوا إذا تهجدوا بالليل ختموا تهجدهم بالاستغفار. فقال
стр. 460
سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ ، وكان آخر سورة نزلت هي سورة النصر وفيها أمر الله نبيه بالتسبيح والاستغفار، وقد روى ابن جرير بسنده عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول لله ﷺ يكثر من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه فقلت يا رسول الله أراك تكثر من قوة سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقال: خبرني ربي أني سأرى علامة من أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه فقد رأيتها"، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ - فتح مكة- ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ فقد أمر الله نبيه بعد أن بلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده وأتى بما أمر الله به مما لم يصل إليه أحد غيره أن يستغفر. وقوله: "وفي الصحيح" يعني وفي الحديث الصحيح فقد رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ كما تقدم بيانه، والشاهد منه استغفاره ﷺ وامتثاله ما أمر به في قوله سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ . وعليه في باب القدر أن يستعين بالله في فعل المأمور واجتناب المحذور ويرغب إلى الله فيلجأ إليه ويسأله المدد والعون والتأييد، وأن ييسر له اليسرى ويجنبه العسرى وهذا هو الأصل الأول، وعليه أن يصبر على ما قضاه الله وقدره عليه من المصائب والآلام فلا يجزع أو يتسخط بل يعلم أن ذلك من عند الله فيرضى ويسلم، وأن يعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء أن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وهذا هو الأصل الثاني. ومن قبيل الرضا بالمقدور ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في احتجاج آدم وموسى ﵉ لما قال له موسى: "أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وعلمك أسماء كل شيء، لما أخرجتنا ونفسك من الجنة؟، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وخط لك التوراة بيده فبكم وجدت مكتوبا علي قبل أن أخلق ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾
следующие страницы →