المجلد الأول
كتاب الطهارة
باب في أحكام المياه
اقسام المياه
...
باب في أحكام المياه
والماء طاهر مطهر لا يخرجه عن الوصفين إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه من النجاسات وعن الثاني ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة ولا فرق بين قليل وكثير وما فوق القلتين وما دونهما ومتحرك ساكن ومستعمل وغير مستعمل.
هذا الباب قد اشتمل على مسائل.
الأولى: كون الماء طاهرا مطهرا ولا خلاف في ذلك وقد نطق بذلك الكتاب والسنة وكما دل الدليل على كونه طاهرا مطهرا وقام على ذلك الإجماع كذلك يدل على ذلك الأصل والظاهر والبراءة فإن أصل عنصر الماء طاهر مطهر بلا نزاع وكذلك الظهور يفيد ذلك والبراءة الأصلية عن مخالطة النجاسة له مستصحبة.
قوله: لا يخرجه عن الوصفين. أي عن وصف كونه طاهرا وعن وصف كونه مطهرا.
قوله: إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه١ من النجاسات. هذه المسألة الثانية من مسائل الباب وهي أنه لا يخرج الماء عن الوصفين إلا ما غير أحد أوصافه الثلاثة من النجاسات لا من غيرها وهذا المذهب هو أرجح المذاهب وأقواها
стр. 2
والدليل عليه ما أخرجه أحمد وصححه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه.
وصححه أيضا يحيى بن معين وابن حزم من حديث أبي سعيد قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعه١ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله ﷺ : "الماء الطهور لا ينجسه شيء" وقد أعله ابن القطان٢ باختلاف في اسم الراوي له عن أبي سعيد واسم أبيه وليس ذلك بعلة فقد اختلف في أسماء كثير من الصحابة والتابعين على أقوال ولم يكن ذلك موجبا للجهالة على ابن القطان نفسه قال: بعد ذلك الإعلال وله طريق أحسن من هذه ثم ساقها عن أبي سعيد وقد قامت الحجة بتصحيح من صححه من أولئك الأئمة وله شواهد.
منها من حديث سهل بن سعد عند الدارقطني ومن حديث ابن عباس عند أحمد وابن خزيمه وابن حبان ومن حديث عائشة عند الطبراني في الأوسط وأبي يعلي والبزار وابن السكن كلها مثل حديث أبي سعيد.
وأخرجه بزيادة الاستثناء الدارقطني من حديث ثوبان بلفظ: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه".
стр. 3
وأخرجه أيضا مع الزيادة ابن ماجه والطبراني من حديث أبي أمامه بلفظ: "إن الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه" وفي سندهما من لا يحتج به وقد اتفق أهل الحديث على ضعف هذه الزيادة لكنه قد وقع الإجماع على مضمونها كما نقله ابن المنذر وابن الملقن في البدر المنير والمهدي في البحر فمن كان يقول بحجية الإجماع كان الدليل عنده على ما أفادته تلك الزيادة هو الإجماع ومن كان لا يقول بحجية الإجماع كان هذا الإجماع مفيدا لصحة تلك الزيادة لكونها قد صارت مما أجمع على معناه١ وتلقى القبول فالاستدلال بها لا بالإجماع.
قوله: وعن الثاني ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة.
هذه المسألة الثالثة من مسائل الباب ووجه ذلك أن الماء الذي شرع لنا التطهر به هو الماء المطلق الذي لم يضف إلى شيء من الأمور التي تخالطه فإن خالطه شيء أوجب إضافته إليه كما يقال: ماء ورد ونحوه فليس هذا الماء المقيد بنسبته إلى الورد مثلا هو الماء المطلق الموصوف بأنه طهور في الكتاب العزيز لقوله: ﴿مَاءً طَهُوراً﴾ وفي السنة المطهرة بقوله: "الماء طهور" فخرج بذلك عن كونه مطهرا ولم يخرج به عن كونه طاهرا لأن الفرض أن الذي خالطه طاهر واجتماع الطاهرين لا يوجب خروجهما عن الوصف الذي كان مستحقا لكل واحد منهما قبل الاجتماع.
قوله: لا فرق بين قليل وكثير هذه المسألة الرابعة من مسائل الباب والمراد بالقلة والكثرة ما وقع من الاختلاف في ذلك بين أهل العلم بعد إجماعهم على أن ما غيرت النجاسة أحد أوصافه الثلاثة ليس بطاهر فقيل إن الكثير ما بلغ
стр. 4
قلتين والقليل ما كان دونهما لما أخرجه أحمد وأهل السنن والشافعي وابن خزيمه وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي وصححه الحاكم على شرط الشيخين من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" وفي لفظ أحمد: "لم ينجسه شيء" وفي لفظ لأبي داود: "لم ينجس" وأخرجه بهذا اللفظ ابن حبان والحاكم وقال: ابن منده إسناد حديث القلتين على شرط مسلم انتهى ولكنه حديث قد وقع الإضطراب في إسناده ومتنه بما هو مبين في مواطنه وقد أجاب من أجاب عن دعوى الاضطراب وقد دل هذا الحديث على أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث وإذا كان دون القلتين فقد يحمل الخبث ولكنه كما قيد حديث "الماء طهور لا ينجسه شيء" بتلك الزيادة التي وقع الاجماع عليها كذلك يقيد حديث القلتين بها فيقال: إنه لايحمل الخبث إذابلغ قلتين في حال من الأحوال إلا في حال تغير بعض أوصافه بالنجاسة فإنه حينئذ قد حمل الخبث بالمشاهده وضروة الحس فلامنافاة بين حديث القلتين وبين تلك الزيادة المجمع عليها وأما ما كان دون القلتين فهو مظنة لحمل الخبث.
وليس فيه أنه يحمل الخبث قطعا وبتا ولا أن يحمله من الخبث يخرجه عن الطهورية لأن الخبث المخرج عن الطهورية هو خبث خاص وهو الموجب لتغير أحد أوصافه أو كلها لا الخبث الذي لم يغير.
وحاصله أن ما دل عليه مفهوم حديث القلتين من أن ما دونهما قد يحمل الخبث لايستفاد منه إلا أن ذلك المقدار إذا وقعت فيه نجاسة قد يحملها وأما أنه يصير نجسا خارجا عن كونه طاهرا فليس في هذا المفهوم ما يفيد ذلك ولا ملازمة بين حمل الخبث والنجاسة١ المخرجة عن الطهورية لأن الشارع قد نفى
стр. 5
النجاسة عن مطلق الماء كما في حديث أبي سعيد المتقدم وما يشهد له ونفاها عن الماء المقيد بالقلتين كما في حديث عبد الله بن عمر المتقدم أيضا وكان النفي بلفظ هو أعم صيغ العام فقال: في الأول لا ينجسه شيء وقال: في الثاني أيضا كما في تلك الرواية لم ينجسه شيء فأفاد ذلك أن كل ماء يوجد على وجه الأرض طاهر إلا ما ورد فيه التصريح بما يخصص هذا العام مصرحا بأنه يصير الماء نجسا كما وقع في تلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها فإنها وردت بصيغة الاستثناء من ذلك الحديث فكانت من المخصصات المتصلة بالنسبة إلى حديث أبي سعيد ومن المخصصات المنفصلة بالنسبة إلى حديث عبد الله بن عمر على قول الراجح في الأصول وهو أنه يبني العام على الخاص مطلقا فتقرر بهذا أنه لا منافاة بين مفهوم حديث القلتين وبين سائر الأحاديث بل يقال: فيها ما دون القلتين إن حمل الخبث حملا استلزم تغير ريح الماء أو لونه أو طعمه فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروج عن الطهورية وإن حمل حملا لا يغير أحد تلك الأوصاف فليس هذا الحمل مستلزما للنجاسة وقد ذهب إلى تقدير القليل بما دون القلتين والكثير بهما الشافعي وأصحابه ومن أهل البيت الناصر والمنصور بالله وذهب إلى تقدير القليل بما يظن استعمال النجاسة باستعماله والكثير بما لا يظن استعمال النجاسة باستعماله ابن عمر ومجاهد ومن أهل البيت الهادي والمؤيد بالله وأبو طالب وقد روى أيضا عن الشافعية والحنفية وأحمد بن
стр. 6
حنبل ولا أدري هل تصح هذه الرواية أم لا فإن مذاهب هؤلاء مدونة في كتب أتباعهم من أراد الوقوف عليها راجعها واحتج أهل هذا المذهب بمثل قوله: تعالى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] وبخبر الاستيقاظ وخبر الولوغ وأحاديث النهي عن البول في الماء الدائم وهي جميعها في الصحيح ولكنها لا تدل على المطلوب ولو فرضنا أن لشيء منها دلالة بوجه ما كان ما أفادته تلك الدلالة مقيدا بما تقدم لأن التعبد إنما هو بالظنون الواقعة على الوجه المطابق للشرع على أنه لا يبعد أن يقال: إن العاقل لا يظن استعمال النجاسة باستعمال الماء إلا إذا خالطت الماء بجرمها أو بريحها أو بلونها أو بطعمها مخالطة ظاهرة توجب ذلك الظن ولاشك ولا ريب أن ما كان من الماء على هذه الصفة نجس لأن المخالطة إن كانت بالجرم فالمتوضئ مستعمل لعين النجاسة وإن كانت المخالطة بالريح أو اللون أو الطعم فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجحناه.
والحاصل أنهم إن أرادوا بقولهم: إن ظن استعمال النجاسة باستعماله فهو القليل وإن لم يظن فهو الكثير ما هو أعلم من بين النجاسة وريحها ولونها وطعمها فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجحناه إلا من جهة أن هؤلاء اعتبروا المظنة وأهل المذهب الأول اعتبروا المئنة ولكن لا يخفي أن المظنة إذا كانت هي الصادرة من غير أهل الوسوسة والشكوك فهي لا تكاد تخالف المئنة في مثل هذا الموضع وإن أرادوا استعمال العين فقط وعدم استعمال العين فقط فهو مذهب مستقل غير ذلك المذهب ولكن الظاهر أنهم أرادوا المعنى الأول ويدل على ذلك أنه قد وقع الإجماع على أن ما غير لون الماء أو ريحه أو طعمه من النجاسات أوجب تنجيسه كما تقدم تقريره فأهل هذا المذهب من جملة القائلين بذلك لدخولهم في الإجماع بل هو مصرح بحكاية الإجماع في البحر كما تقدم فتقرر بهذا أنهم يردون المعنى الأول أعنى الأعم من العين والريح واللون والطعم ثبوتا وانتفاء وحينئذ فلا مخالفة بين المذهبين لأن أهل المذهب الأول لا يخالفون في أن استعمال المطهر لعين النجاسة مع الماء
стр. 7
موجب لخروج الماء عن الطهورية خروجا زائدا على خروجه عند استعمال ما فيه مجرد الريح أواللون أو الطعم فتأمل هذا فهو مفيد بل مجموع ما أشتمل عليه هذا البحث في الجمع بين المذاهب المختلفة في الماء وبين الأدلة١ الدالة عليها على
стр. 8
هذه الصورة التي لخصتها مما لم أقف عليه لأحد من أهل العلم وهذه المسألة١ هي من المضايق التي يتعثر في ساحاتها كل محقق ويتبلد عند تشعب طرائقها كل مدقق وقد حررتها في سائر مؤلفاتي تحريرات مختلفة لهذه العلة وأطلت الكلام عليها في طيب النشر.
وقد استدل بعض أهل العلم لهذا المذهب بمثل حديث: "استفت قلبك ولو أفتاك المفتون" ومثل حديث: "دع ما يريبك إلا ما لا يريبك" ولا يستفاد منها إلا أن التورع عند الظن من الإقدام أولى وأهل هذا المذهب يوجبون العمل بذلك الظن حتما وجزما وقد عرفت أن أدلة المذهب الأول على الوجه الذي لخصناه تدل على المذهب الثاني فإبعاد النجعة إلى مثل حديث: "استفت قلبك ودع ما يريبك" ليس كما ينبغي فإن قيل أنه قصد الإستدلال على مجرد العمل بالظن من غير نظر إلى هذه المسالة فيقال: أدلة العمل بالظن في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأكثر منها أدلة النهي عن العمل به وهكذا التعويل على حديث الولوغ والإستيقاظ نحو ذلك لا يفيد وقد حكى تحديد الماء الكثير أقوال منها أن الكثير من المستبحر وقيل ما إذا حرك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر وقيل ما كان مساحة مكانه كذا وقيل غير ذلك وهذه الأقوال ليس عليها أثارة من علم بل هي خارجة عن باب الرواية المقبولة والدراية المعقولة.
стр. 9
قوله: ومتحرك وساكن وجه ذلك أن سكونه وإن كان قد ورد النهي عن التطهر به حاله فإن ذلك لا يخرجه عن كونه طهورا لأن وصف كونه طهورا بمجرد تحركه.
وقد دلت الأحاديث على أنه لا يجوز التطهير بالماء الساكن ما دام ساكنا١ كحديث أبي هريرة عند مسلم ﵁ وغيره أن النبي ﷺ قال: "لايغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" فقالوا: يا أبا هريرة كيف يفعل قال: يتناوله تناولا وفي لفظ لأحمد وأبى داود: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابه" وفي لفظ للبخاري: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" وفي لفظ للترمذي: "ثم يتوضأ منه" وغير هذه الروايات التي يفيد مجموعها النهي عن البول في الماء الدائم على إنفراده والنهي عن الإغتسال فيه على انفراده والنهي عن مجموعة الأمرين ولا يصح أن يقال: إن روايتي الإنفراد مقيدتان بالإجتماع لأن البول في الماء على انفراده لا يجوز فأفاد أن هذا الإغتسال أوالوضوء في الماء الدائم من دن بول فيه غير جائز فمن لا يجد إلا ماء ساكنا وأراد أن يتطهر منه فعليه أن يحتال قبل ذلك بأن يحركه حتى يخرج من وصف كونه ساكنا ثم يتوضأ منه وأما أبو هريرة فقد حمل النهي على الإنغماس في الماء الدائم ولهذا لما سئل كيف يفعل قال: يتناوله تناولا ولكنه لا يتم ذلك في الوضوء فإنه لا إنغماس فيه بل هو يتناوله تناولا من الإبتداء فالأولى تحريك الماء قبل الشروع في الطهارة ثم يتطهر به.
وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ما دلت عليه هذه الروايات فلم يفرقوا بين المتحرك والساكن ومنهم من قال: أن هذه الروايات محمولة على الكراهة فقط ولا
стр. 10
وجه لذلك وقد قيل إن المستبحر مخصوص من هذا بالإجماع والراجح أن الماء الساكن١ لا يحل التطهر به مادام ساكنا فإذا تحرك عاد له وصفه الأصلي وهو كونه مطهرا وهذه هي المسألة الخامسة من مسائل الباب.
قوله: مستعمل وغير مستعمل. هذه المسأله السادسة من مسائل الباب وقد وقع الاختلاف بين أهل العلم في الماء المستعمل لعبادة من العبادات هل يخرج بذلك عن كونه مطهرا أم لا فحكى عن أكثر العترة وأحمد بن حنبل والليث والأوزاعي والشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنهما وأبي حنيفة في رواية عنه أن الماء المستعمل غير مطهر واستدلوا بما تقدم من حديث النهي عن التطهر به ليست كون ذلك الماء مستعملا بل كونه ساكنا وعلة السكون لا ملازمة بينها وبين الإستعمال واحتجوا أيضا بما ورد من النهي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة ولا تنحصر علة ذلك في الإستعمال كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله فلا يتم الاستدلال بذلك لإحتماله ولو كانت العلة الاستعمال لم يختص النهي بمنع الرجل من الوضوء بفضل المرأة وبالعكس بل كان النهي سيقع من الشارع لكل أحد عن كل فضل ومن جملة ما استدلوا به أن السلف كانوا يكملون الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا تساقط منه وهذه حجة ساقطة لا ينبغي التعويل على مثلها في إثبات الأحكام الشرعية فعلى هذا المستدل أن يوضح هل كان هذا التكميل يفعله جميع السلف أو بعضهم والأول باطل والثاني لا ندري من هو فليبين لنا من هو على أنه لا حجة إلا الإجماع عند من يحتج بالإجماع وقد استدلوا بأدلة هي أجنبية عن محل النزاع مثل حديث غسل اليد بعد الاستيقاظ قبل إدخالها الإناء ونحوه فالحق أن المستعمل طاهر مطهر عملا بالأصل وبالأدلة الدالة على
стр. 11
أن الماء طهور. وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف والخلف ونسبه ابن حزم إلى عطاء وسفيان الثوري وأبي ثور وجميع أهل الظاهر ونقله غيره عن الحسن البصري والزهري والنخعي ومالك والشافعي وأبي حنيفة في إحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين
стр. 12
فصل في أحكام النجاسات
والنجاسات هي غائط الإنسان مطلقا وبوله إلا الذكر١ الرضيع ولعاب كلب وروث ودم حيض ولحم خنزير وفيما عدا ذلك خلاف والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه.
أما نجاسة بول الآدمي وغائطه فبالأدلة الصحيحة المفيدة للقطع بذلك بل نجاستهما من باب الضرورة الدينية كما لا يخفى على من له اشتغال بالأدلة الشرعية وبما كان عليه الأمر في عصر النبوة ولا يقدح في ذلك التخفيف في تطهيرهما في بعض الأحوال.
أما الغائط فكما في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وطيء الأذى بخفيه فطهورهما التراب" رواهما أبو داود وابن السكن والحاكم والبيهقي وقد اختلف فيه على الأوزاعي.
وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى
стр. 13
خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما" وقد اختلف في وصله وإرساله ورجح أبو حاتم في العلل الموصول.
وأخرج أهل السنن عن أم سلمة مرفوعا بلفظ: "يطهره ما بعده" وعن أنس عند البيهقي بسند ضعيف بنحوه وكذلك عن أمرأة من بني عبد الأشهل عند البيهقي أيضا فإن جعل التراب مع المسح مطهرا لذلك لا يخرجه عن كونه نجسا بالضرورة إذ اختلاف وجه التطهير لايخرج النجس عن كونه نجسا.
وأما التخفيف في تطهير البول فكما ثبت أن النبي ﷺ أمر بأن يراق على بول الأعرابي ذنوبا من ماء وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وأنس وأما ما عدا غائط الآدمي وبوله من الأبوال والأزبال فلم يحصل الاتفاق على شيء في شأنها والأدلة مختلفة فورد في بعضها ما يدل على طهارته كأبوال الإبل فإنه ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ أمر العرنين بأن يشربوا من أبوال الإبل ومن ذلك حديث: "لا بأس ببول ما يؤكل لحمه" وهو حديث ضعيف أخرجه الدارقطني من حديث جابر والبراء وفي إسناده عمرو بن الحصين العقلي وهو ضعيف جدا وورد ما يدل على نجاسة الروث كما أخرجه البخاري وغيره أنه قال: ﷺ في الروثة: "إنها ركس" والركس النجس وقد نقل التيمى أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير ولكنه زاد ابن خزيمة في روايته: "إنها ركس إنها روثة حمار" ولايخفى عليك أن الأصل في كل شيء أنه طاهر لأن القول بنجاسته يستلزم تعبد العباد بحكم من الأحكام والأصل عدم ذلك والبراءة قاضية بأنه لا تكليف بالمحتمل حتى يثبت ثبوتا ينقل عن ذلك وليس من أثبت الأحكام المنسوبة إلى الشرع بدون دليل بأقل إثما ممن أبطل ما قد ثبت دليله من الأحكام فالكل إما من التقول على الله تعالى بما لم يقل أو من إبطال ما قدم شرعه لعباده بلا حجة١
стр. 14
وأما تقييد البول بكونه بعد أيام الرضاع فلحديث "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والبزار وابن خزيمه من حديث أبي السمح خادم رسول الله ﷺ وصححه الحاكم.
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه من حديث على أن رسول الله ﷺ قال: "بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية يغسل" وأخرجه أيضا ابن ماجه وأبو داود بإسناد صحيح عن على موقوفا.
وأخرج أحمد وأبو داود ابن ماجه وابن خزيمه وابن حبان والطبراني من حديث أم الفضل لبانة بنت الحارث قالت: بال الحسين ابن علي في حجر النبي ﷺ فقلت يارسول الله أعطني ثوبك والبس ثوبا غيره حتى أغسله فقال: "إنما ينضح من بول الذكر ويغسل من بول الأنثى".
وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أم قيس بنت محصن "أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله".
стр. 15
وفي صحيح البخاري من حديث عائشة قالت: "أتي رسول الله ﷺ بصبي يحنكه فبال عليه فأتبعه الماء".
وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى عنها قالت: "كان يؤتى بالصبيان فيبرك١ عليهم ويحنكهم فأتى بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله". فهذا تصريح بأنه لم يغسله فيكون إتباعه الماء إما مجرد النضح كما وقع في الحديثين الآخرين أو مجرد صب الماء عليه من دون غسل.
وبالجملة فالتصريح منه ﷺ بالقول بما هو الواجب في ذلك هو الأولى بالاتباع لكونه كلاما مع أمته فلا يعارضه ما وقع من فعله على فرض أنه مخالف للقول وقد ذهب إلى الاكتفاء بالنضح في بول الغلام لا الجارية جماعة منهم علي وأم سلمه والثوري والأوزاعي والنخعي وداود وابن وهب وعطاء والحسن والزهري وأحمد وإسحاق ومالك في رواية وهذا هو الحق الذي لا محيص عنه.
وذهب بعض أهل العلم وقد حكي عن مالك والشافعي والأوزاعي إلى أنه يكفي النضح فيهما وهذا فيه مخالفة لما وقع في هذه الأحاديث الصحيحة من التفرقة بين الغلام والجارية.
وذهبت الحنفية وسائر الكوفيين وهو محكى عن العترة إلى أنهما سواء في وجوب الغسل وهذا المذهب كالذي قبله في مخالفة الأدلة وقد استدل أهل هذا المذهب الثالث بالأدلة الواردة في نجاسة البول على العموم ولا يخفاك أنها مخصصة بالأدلة الخاصة المصرحة بالفرق بين بول الجارية والغلام وأما ما قيل من قياس بول الغلام على بول الجارية فلا يخفاك أنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار وقد شذ ابن حزم فقال: انه يرش من بول الذكر أي ذكر كان وهو إهمال للقيد المذكور سابقا بلفظ بول الغلام الرضيع ينضح والواجب حمل المطلق على المقيد.
стр. 16
قوله: ولعاب الكلب. قد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا" وثبت أيضا عندهما وغيرهما مثله من حديث عبد الله بن مغفل فدل ذلك على نجاسة لعاب الكلب وهو المطلوب هنا والكلام في الخلاف بين من عمل بظاهر هذه الأدلة ومن اكتفى بالتثليث معروف وليس ذلك مما يقدح في كونه نجسا لأن محل الدليل على النجاسة هو أيجاب الغسل وهكذا لا يتعلق بما نحن بصدده زيادة التغليظ بالترتيب كما وقع في أحاديث الباب في الصحيحين وغيرهما فإن المقصود هنا ليس إلا إثبات كون اللعاب نجسا لا بيان كيفية تطهيره فلذلك موضع آخر.
قوله: وروث. الدليل على نجاسة الروث ما تقدمت الإشارة إليه من قوله ﷺ في الروث: "إنها ركس" والركس في اللغة النجس فالروثة نجس وهو المطلوب وقد قدمنا كلام التيمى في تخصيص ذلك بروث الخيل والبغال والحمير.
قوله: ودم الحيض. الدليل على ذلك ما ثبت عند أحمد وأبي داود والترمذي من حديث خولة بنت يسار قالت: يارسول الله ليس لي إلاثوب واحد وأنا حيض فيه قال: فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه قالت: يا رسول الله إن لم يخرج أثره قال: "يكفيك الماء ولايضرك أثره" وفي إسناده ابن لهيعة.
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمه وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن مرفوعا بلفظ: "حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر" قال: ابن القطان إسناده في غاية الصحة.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إحدنا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع قال: "تحته ثم تقرضه بالماء ثم تنضخه ثم تصلي فيه" فالأمر بغسل دم الحيض وحكه
стр. 17
بضلع يفيد ثبوت نجاسته وإن اختلف وجه تطهيره فذلك لا يخرجه عن كونه نجسا.
وأما سائر الدماء فالأدلة فيها مختلفة مضطربة والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة أو المساوية ولو قام الدليل على رجوع الضمير في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥] إلى جميع ما تقدم في الآية الكريمة من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير لكان ذلك مفيدا لنجاسة١ الدم المسفوح والميته ولكنه لم يرد ما يفيد ذلك بل النزاع كائن في رجوعه إلى الكل أو إلى الأقرب والظاهر رجوعه إلى الأقرب وهو لحم الخنزير لإفراد الضمير ولهذا جزمنا ههنا بنجاسة لحم الخنزير دون الميتة والدم الذي ليس بدم الحيض ولاسيما وقد ورد في الميتة ما يفيد أنه لا يحرم منها إلا أكلها كما ثبت في الصحيح بلفظ: "إنما حرم من الميتة أكلها" ومن رام تحقيق الكلام في الخلاف الواقع في مثل هذا الضمير المذكور في الآية فليرجع إلى ما ذكره أهل الأصول في الكلام على القيد بعد جملة مشتملة على أمور متعددة.
قوله: ولحم الخنزير. الدليل على نجاسته ما قدمنا قريبا من الآية الكريمة.
стр. 18
قوله: وفيما عدا ذلك خلاف والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه.
أقول: أعلم أن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهرة وجزئياتها ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم والأصل البراءة من ذلك ولاسيما من الأمور التي تعم بها البلوى وقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى السكوت١ عن الأمور التي سكت الله عنها وأنها عفو فما لم يرد فيه شيء من الأدلة الدالة على نجاسته فليس لأحد من عباد الله أن يحكم بنجاسته بمجرد رأى فاسد أو غلظ في الاستدلال كما يدعيه بعض أهل العلم من نجاسة ما حرمه الله زاعما أن النجاسة والتحريم متلازمان وهذا الزعم من أبطل الباطلات فالتحريم للشيء لا يدل على نجاسته بمطابقة ولا تضمن ولا التزام فتحريم الخمر والميتة والدم لا يدل على نجاسة ذلك وكأن الشارع قد علم وقوع مثل هذا الغلط لبعض أمته فأرشدهم إلى ما يدفعه قائلا "إنما حرم من الميتة أكلها" ولو كان مجرد تحريم شيء مستلزما لنجاسته لكان قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى آخره دليلا على نجاسة النساء المذكورات في الآية والمسلم لا ينجس حيا ولا ميتا كما ثبت ذلك عنه ﷺ في الصحيح وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها وهي طاهرة بالاتفاق كالأنصاب والأزلام وما يسكر من النباتات والثمرات بأصل الخلقة.
فإن قلت: إذا كان التصريح بنجاسة شيء أو رجسيته أو ركسيته يدل على
стр. 19
أنه نجس كما قلت في نجاسة الروث ولحم الخنزير فكيف لم تحكم بنجاسة الخمر لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة:٩٠] .
قلت: لما وقع الخمر ههنا مقترنا بالأنصاب والأزلام كان ذلك قرينه صارفه لمعنى١ الرجسية إلى غير النجاسة وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] لما جاءت الأدلة الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين كما ورد في أكل ذبائحهم وأطعمتهم والتوضؤ في آنياتهم والأكل فيها وإنزالهم المسجد كان دليلا على أن المراد بالنجاسة المذكورة في الآية غير الشرعية بل قد ورد البيان من الشارع لذلك بما لا يحتاج إلى زيادة فقال: في وفد ثقيف لما أنزلهم المسجد "ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء إنما أنجاسهم على أنفسهم" فهذا يدل على أن تلك النجاسة حكمية لا حسية والتعبد إنما هو بالنجاسات الحسية وأما ما ورد فيه ما يدل على نجاسته ولكنه قد عورض بما هو أرجح منه فلا شك أنه يتعين العمل بالأرجح فإن عورض بما يساويه فالأصل عدم التعبد بما يتضمن ذلك الحكم حتى يرد موردا خالصا عن شوب المعارضة أو راجحا على ما عارضه.
وبالجملة فالواجب على المنصف أن يقوم مقام المنع ولا يتزحزح عن هذا المقام إلا بحجة شرعية وقد أوضحت في مصنفاتي كشرح المنتقى وحاشية الشفاء هذه المباحث المتعلقة بالنجاسة بما لا يحتاج الناظر في ذلك إلى النظر في غيره فليراجع.
стр. 20
فصل تطهير النجاسات
ويطهر ما تنجس بغسله حتى لا يبقى عين ولا لون ولا ريح ولا طعم والنعل بالمسح والاستحالة مطهرة لعدم وجود الوصف المحكوم عليه وما لا يمكن غسله فبالصب عليه أو النزح منه حتى لا يبقى للنجاسة أثر والماء هو الأصل في التطهير فلا يقوم غيره مقامه إلا بأذن من الشارع.
أقول: تطهير النجاسات إن ورد فيه شيء عن الشارع كان الواجب الاقتصار في صفة التطهير على ذلك الوارد من دون مخالفة بزيادة عليه أو نقصان كما ورد في أن النعل إذا تلوث بالنجاسة طهر بمسحه وقد تقدم ما يدل على ذلك وتقدم أيضا ما ورد في كيفية تطهير ما ينجس بدم الحيض وبلعاب الكلب.
وبالجملة فكل ما علمنا الشارع كيفية تطهيره كان علينا أن نقتصر على تلك الكيفية وأما ما ورد فيه عن الشارع أنه نجس ولم يرد فيه بيان كيفية تطهيره فالواجب علينا إذهاب تلك العين حتى لا يبقى لها ريح ولا لون ولا طعم لأن الشيء الذي يجد الإنسان ريحه أو طعمه قد بقي فيه جزء من العين وإن لم يبق جرمها أو لونها إذ انفصال الرائحة لا يكون إلا عن وجود شيء من ذلك الشيء الذي له الريح وكذلك وجود الطعم لا يكون إلا عن وجود شيء عن ذلك الشيء الذي له طعم وإذا استحال الشيء إلى شيء آخر حتى كان ذلك الشيء الآخر مخالفا للشيء الأول لونا وريحا وطعما كاستحالة العذرة رمادا فقد فُقد الوصف الذي وقع الحكم من الشارع بالنجاسة عليه وهذا هو الحق والخلاف في ذلك معروف وما كان لا يمكن غسله من المتنجسات كالأرض
стр. 21
والبئر فتطهيره بالصب عليه والنزح منه حتى لا يوجد للنجاسة أثر لأنها لو كانت باقية لكان التعبد بإذهابها باقيا ولكن هذا إنما يكون في مثل النجاسة التي لها جرم ولون وأما مثل البول فقد ورد عن الشارع أن تطهيره بأن يصب عليه ذنوب من ماء فإذا وقع ذلك صارت الأرض المتنجسة بالبول طاهرة.
وأما كون الأصل في التطهير هو الماء فقد وصف بذلك الكتاب والسنة وصفا مطلقا غير مقيد بل قوله ﷺ : "الماء طهور" يرشد إلى ما ذكرنا إرشاد يشهد له قواعد علم المعاني وعلم الأصول فإذا ثبت الشارع أن تطهير شيء من المتنجسات يكون بغير الماء كمسح النعل بالأرض ونحو ذلك كان الماء غير متعين في تطهير تلك النجاسة بخصوصها ويتعين فيما عداها وهذا هو الحق وقد ذهب بعض الجمهور إلى أن الماء هو المتعين في تطهير النجاسات وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يجوز التطهير بكل مائع طاهر وإليه ذهب الداعي من أهل البيت ويرد على الجمهور بما ثبت عن الشارع تطهيره بغير الماء إن كانوا يقولون إن الماء يتعين في مثل ذلك ويرد على أبي حنيفة ومن معه بأن إثبات مطهر لم يرد الشارع أو تطهير على غير الصفة الثابتة عنه مدفوع.
стр. 22
باب قضاء الحاجة
على المتخلي الاستتار حتى يدنو من الأرض والبعد أو دخول الكنيف وترك الكلام والملابسة لما له حرمة وتجنب الأمكنة التي منع عن التخلي فيها شرع أو عرف وعدم الاستقبال والاستدبار للقبلة وعليه الاستجمار بثلاثة أحجار طاهرة أو ما يقوم مقامها ويندب الاستعاذة عند الشروع والاستغفار والحمد بعد الفراغ.
أقول أما مشروعية الاستتار حتى يدنو من الأرض عند قضاء الحاجة فلما ورد من الأدلة على وجوب ستر العورة عموما وخصوصا إلا عند الضرورة ومنها قضاء الحاجة فلا يكشف عورته إلا عند القعود.
وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي ومن حديث أبي هريرة بلفظ "من أتي الغائط فليستتر".
وأما البعد فلما أخرجه أهل السنن وصححه الترمذي من حديث جابر قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في السفر فكان لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى" ولفظ أبي داود "كان إذا أراد البراز انطلق حتى لايراه أحد" ورجاله رجال الصحيح إلاإسماعيل بن عبد الملك الكوفي ففيه مقال يسير وأما إذا أراد أن يقضي الحاجة في البيان وهناك كنيف فليس عليه إلا أن يدخله وإن قرب من الناس لما سيأتي من حديث ابن عمر.
وأما ترك الكلام فلحديث: "لايخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك" أخرجه أحمد أبو داود وابن ماجه
стр. 23
من حديث أبي سعيد وأخرج نحوه ابن السكن وصححه من حديث جابر.
وأما ترك الملابسة لما له حرمة فلحديث أنس عند أهل السنن وصححه الترمذي والمنذري وابن دقيق العيد بلفظ: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه". لم يأت فيه من ضعفه بما تقوم به الحجة١ في التضعيف.
وأما تجنب الأمكنة التي منع عن التخلي فيها شرع أو عرف فقد ورد في ذلك أحاديث منها حديث أبي هريرة عند مسلم رحمه الله تعالى وأحمد وأبي داود قال: "اتقوا اللاعنين قالوا: وما اللاعنان يارسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم".
ومن حديث معاذ بن جبل عند أبي داود وابن ماجه والحاكم وابن السكن وصححاه قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل" وقد أعل بأنه من رواية أبي سعيد الحميري عن معاذ ولم يسمع منه وفي الباب أحاديث فيها مقال.
ومن الأمكنة التي نهى الشارع عنها الجحر لحديث عبد الله بن سرجس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الحجر أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم والبيهقي وقد أعل أنه من رواية قتادة
عنه ولم يسمع منه ولكنه قد صحح سماعه منه علي بن المديني وصحح الحديث ابن خزيمة وابن السكن.
ومنها: ما أخرجه أحمد أهل السنن من حديث عبد الله بن المغفل عن النبي ﷺ قال: "لايبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه".
стр. 24
ومنها ما أخرجه مسلم وأحمد والنسائي وابن ماجه عن جابر أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الماء الراكد.
وأما المنع من التخلي في المواضع التي منع منها عرف الناس فوجهه أنهم يتأذون بذلك وما كان ذريعة إلى ما لا يحل فهو لا يحل.
وأما المنع من الاستقبال والاستدبار للقبلة فقد ورد في ذلك أحاديث منها ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي أيوب بلفظ: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستبدورها ولكن شرقوا أو غربوا" وأخرج نحوه مسلم ﵀ وغيره من حديث أبي هريرة ومن حديث سلمان أيضا وابن ماجه وابن حبان ومن حديث عبد الله ابن الحارث بن جزء وأبو داود من حديث عبد الله بن مغفل والدارمي في مسنده من حديث سهل بن حنيف وقد أختلف أهل العلم في ذلك على ثمانية أقوال استوفيناها في شرح المنتقى.
وقد استدل من لم يمنع من ذلك بما أخرجه الجماعة من حديث ابن عمر قال: "رقيت يوما في بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة" وجعلوا هذا الحديث ناسخا لأحاديث النهي.
ومن جملة ما أستدلوا به حديث جابر عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه وابن ماجه والبزار وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني نقال: "نهى النبي ﷺ أن نستقبل القبلة ببول" فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها وقد نقل الترمذي عن البخاري تصحيحه وصححه أيضا ابن السكن وحسنه أيضا البزار ولا يخفى أنه قد تقرر في الأصول أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة فما وقع منه ﷺ لا يعارض النهي عن الاستقبال والاستدبار للقبلة.
فإن قلت حديث عائشة عند أحمد وابن ماجه قالت: ذكر لرسول الله ﷺ أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال: "أو قد فعلوها حولوا مقعدتي قبل القبلة".
стр. 25
قلت: لو صح هذا لكان صالحا للنسخ لأن النبي ﷺ فعله لقصد التشريع ولمخالفة من كان يكره الاستقبال ولكنه لم يصح فان إسناده خالد بن أبي الصلت قال: ابن حزم هو مجهول وقال: الذهبي في الميزان في ترجمة خالد بن أبي الصلت أن هذا الحديث منكر وقد استدل من خصص المنع من الاستقبال والاستدبار للقبلة بالفضاء بما أخرجه أبو داود والحاكم عن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول إليها فقلت أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن ذلك فقال: بلى إنما نهي عن هذا في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس وقد حسن الحافظ في الفتح إسناده ولكنه إنما يكون هذا دليلا إذا كان قد سمع من النبي ﷺ ما يفيد تخصيص ذلك النهي السابق وأما إذا مستنده إنما هو مجرد فهمه من فعله ﷺ في بيت حفصة فلا يكون هذا الفهم حجة ومع هذا الاحتمال لا ينتهض للاستدلال.
وأما الاستجمار بثلاثة أحجار طاهرة فوجهه ما في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث سلمان أن النبي ﷺ نهى عن الاستجمار بأقل من ثلاث أحجار وعن الاستنجاء برجيع أوعظم. وأخرج أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجه والدراقطني وقال: إسناده صحيح حسن من حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه" وأخرج نحوه أبوداود والنسائي من حديث أبي هريرة وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروثة والرمة وأخرج ابن خزيمة وابن حبان والدرامي وأبو عوانة في صحيحه والشافعي من حديث أبي هريرة أيضا بلفظ: "وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار" وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا وإذا لم توجد الأحجار فغيرها يقوم مقامها للضروة ما لم يكن ذلك الغير مما ورد النهي عنه كالروثة والرجيع والعظم فإنه لا يجوز ولا يجزئ.
стр. 26
وأما مشروعية الاستعاذة عند الشروع فوجهه ما أخرجه الجماعة من حديث انس قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وقد روى سعيد بن منصور في سننه أنه كان ﷺ يقول: "بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وإسناده على شرط مسلم.
وأما الحمد والاستغفار بعد الفراغ فوجه ذلك ما أخرجه ابن ماجه بإسناد صالح من حديث أنس قال: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد الله الذي أذهب عني الأذى" وأخرج نحوه النسائي وابن السني من حديث أبي ذر ورمز السيوطي لصحته.
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" وصححه ابن حبان وابن خزيمة والحاكم.
стр. 27
باب أحكام الوضوء
أحكام الوضوء
...
باب أحكام الوضوء
يجب على كل مكلف أن يسمي إذا ذكر ويتمضمض ويستنشق ثم يغسل جميع وجهه ثم يديه مع مرفقيه ثم يمسح رأسه مع أذنيه ويجزئ مسح بعضه والمسح على العمامة ثم يغسل رجليه مع الكعبين وله المسح على الخفين ولا يكون وضوءا شرعيا إلا بالنية لاستباحة الصلاة.
أقول: أما وجوب التسمية فوجهه ما ورد من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي في العلل والدارقطني والبيهقي وابن السكن والحاكم وليس في إسناده ما يسقطه عن درجة الاعتبار وله طرق أخرى من حديثه عند الدارقطني والبيهقي وأخرج نحوه أحمد وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد ومن حديث أبي سعيد وأخرج آخرون نحوه من حديث عائشة وسهل بن سعد وأبو سبرة وأم سبرة وعلي وانس ولا شك ولا ريب أنها جمعيا تنتهض للاحتجاج بها بل مجرد الحديث الأول ينتهض لأنه حسن فكيف إذا عضد بهذه الأحاديث الواردة في معناه ولا حاجة للتطويل في تخريجها فالكلام عليها معروف وقد صرح الحديث بنفي وضوء من لم يذكر اسم الله وذلك يفيد الشرطية التي يستلزم عدمها العدم فضلا عن الوجوب فإنه أقل ما يستفاد منه.
стр. 28
وأما تقييد الوجوب بالذكر١ فهو للجمع٢ بين هذه الأحاديث وحديث "من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه" أخرجه الدراقطني والبيهقي من حديث ابن عمر وفي إسناده متروك وأخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن مسعود وفي إسناده أيضا متروك ورواه أيضا الدارقطني والبيهقي من حديث أبي هريرة وفيه ضعيفان وهذه الأحاديث لا تنتهض للاستدلال بها وليس فيها دلالة على المطلوب من أن الوجوب ليس إلا على الذاكر ولكنه يدل على ذلك أحاديث عدم المؤاخذة على السهو والنسيان وما يفيد ذلك من الكتاب العزيز فقد اندرجت تلك الأحاديث الضعيفة تحت هذه الأدلة الكلية ولا يلزم مثل ذلك في الأعضاء القطعية وبعد هذا كله ففي التقييد بالذكر إشكال٣.
وأما وجوب المضمضة والاستنشاق فوجهه أنهما من جملة الوجه الذي ورد القرآن الكريم بغسله وقد بين النبي ﷺ ما في القرآن بوضوئه المنقول إلينا ومن جملة ما نقل إلينا المضمضة والاستنشاق فأفاد ذلك أن الوجه المأمور بغسله من جملته المضمضة والاستنشاق وقد ورد الأمر بذلك كما أخرجه الدارقطني
стр. 29
من حديث أبي هريرة قال: "أمر رسول ﷺ بالمضمضة والاستنشاق".
وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أيضا أن النبي قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر". وثبت عند أهل السنن وصححه الترمذي من حديث لقيط بن صبره بلفظ "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" وأخرج النسائي من حديث سلمة بن قيس "إذا توضأت فانتثر" وأخرجه الترمذي أيضا وفي رواية من حديث لقيط بن صبرة المذكور "إذا توضأت فمضض" أخرجها أبو داود بإسناد صحيح وقد صحح حديث لقيط الترمذي والنووي وغيرهما ولم يأت من أعله بما يقدح فيه وقد ذهب إلى وجوب المضمضة والاستنشاق أحمد وإسحاق ومن أهل البيت القاسم والهادي والمؤيد بالله وبه قال: ابن أبي ليلى وحماد ابن سليمان وذهب جماعة من أهل العلم إلى الاسنتشاق واجب في الغسل والوضوء والمضمضة سنة فيهما، حكى هذا المذهب النووي في شرح مسلم عن أبي ثور وأبي عبيد وداود الظاهري وابن المنذر ورواية عن أحمد وقد روي غيره مثل ذلك عن أبي حنيفة والثوري وزيد بن علي وذهب مالك والشافعي والأوزاعي والليث والحسن البصري والزهري وربيعة ويحيى ابن سعد وقتادة والحكم بن عتيبة ومحمد بن جرير الطبري ومن أهل البيت الناصر إلى أنهما غير واجبتين واستدلوا على عدم الوجوب بحديث "عشر من سنن المرسلين" وهو حديث صحيح ومن جملتها المضمضة والاستنشاق ورد بأنه لم يرد بلفظ "عشر من السنن" بل بلفظ "عشر من الفطرة" وعلى فرض وروده بذلك اللفظ١ فالمراد بالسنة الطريقة وهي تعم الواجب لا ما وقع في اصطلاح أهل الأصول وهكذا يجاب عن استدلالهم بحديث ابن عباس بلفظ "المضمضة والاستنشاق سنة" أخرجه الدارقطني وإسناده ضعيف.
стр. 30
وأما وجوب غسل الوجه فلا خلاف فيه في الجملة وقد قام عليه الدليل كتابا وسنة والمراد بالوجه ما يسمى وجها عند أهل الشرع واللغة وأما وجوب غسل اليدين فهو نص القرآن الكريم والسنة المطهرة ولا خلاف في ذلك وإنما وقع الخلاف في وجوب غسل المرفقين معمها ومما يدل على وجوب غسلهما جميعا حديث جابر عند الدراقطني والبيهقي "أن النبي ﷺ أدار الماء على مرفقيه ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وفي إسناده القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه توضأ ثم غسل يديه حتى شرع في العضد ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وفي رواية للدارقطني من حديث عثمان "أنه غسل وجهه ويديه حتى مس أطراف العضدين".
وأخرج البزار والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعا "ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه" وهذا بيان لما في القرآن فأفاد أن الغاية داخله فيما قبلها.
وأما وجوب مسح الرأس فلا خلاف فيه في الجملة وإنما وقع الخلاف هل المتعين مسح الكل أم يكفي البعض، وما في الكتاب العزيز قد وقع الخلاف في كونه يدل على مسح الكل أو البعض والسنة الصحيحة وردت بالبيان وفيها ما يدل على جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة "أنه ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة" وأخرج أبو داود من حديث انس أنه ﷺ أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة ولا يخفى أن قوله: تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] لا يفيد إيقاع المسح على جميع الرأس كما في نظائره من الأفعال نحو ضربت رأس زيد وضربت برأسه وضربت زيدا وضربت يد زيد فإنه يوجد المعنى اللغوي في جميع ذلك بوجود الضرب على جزء من الأجزاء المذكورة وهكذا ما في الآية وليس النزاع في مسمى الرأس لغة حتى يقال: أنه
стр. 31
حقيقة في جميعه بالنزاع في إيقاع المسح عليه وعلى فرض الإجمال فقد بينه الشارع تارة بمسح الجميع وتارة بمسح البعض بخلاف الوجه فإنه لم يقتصر على غسل بعضه في حال من الأحوال بل غسله جميعا وأما اليدان والرجلان فقد صرح فيهما للغسل والمسح.
فإن قلت إن المسح ليس كالضرب الذي مثلت به.
قلت: لا ينكر أحد من أهل اللغة أنه يصدق قول من قال: مسحت الثوب أو بالثوب أو مسحت الحائط أو الحائط على مسح جزء من أجزاء الثوب أو الحائط وإنكار مثل هذا مكابرة.
وأما مسح الأذنين مع الرأس فوجهه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى مسحهما مع مسح رأسه وقد ثبت عنه ﷺ بلفظ "الأذنان من الرأس" من طرق يقوي بعضها بعضا وأما المسح على العمامة أو غيرها مما هو على الرأس فقد ثبت عنه ﷺ من حديث عمرو ابن أمية الضمري عند البخاري وغيره ومن حديث بلال عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره ومن حديث المغيرة عند الترمذي١ وصححه وليس فيه المسح على الناصية بل هو بلفظ "ومسح على الخفين والعمامة" وفي الباب أحاديث غير هذه منها عن سلمان عند أحمد عن ثوبان عند أبي داود وأحمد أيضا.
والحاصل أنه قد ثبت المسح على الرأس والعمامة والكل صحيح ثابت وقد ورد في حديث ثوبان ما يشعر بالإذن بالمسح على العمامة مع العذر وهو عند أحمد وأبي داود أنه ﷺ بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب التساخين وفي إسناده راشد بن سعد قال
стр. 32
الخلال في علله أن أحمد قال: لا ينبغي أن يكون راشد بن سعد سمع من ثوبان لأنه مات قديما.
وأما وجوب غسل الرجلين مع الكعبين فوجهه ما ثبت عنه ﷺ في جميع الأحاديث الواردة في حكاية وضوئه فأنها جمعيها مصرحة بالغسل وليس في شيء منها أنه مسح إلا في روايات لا يقوم بمثلها الحجة ويؤيد ذلك قوله: ﷺ للماسحين على أعقابهم "ويل للأعقاب من النار" كما ثبت في الصحيحين وغيرهما ومما يؤيد ذلك وقوع الأمر منه ﷺ بغسل الرجلين كما في حديث جابر عند الدارقطني ويؤيده أيضا قوله: ﷺ "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" وهو حديث رواه أهل السنن وصححه ابن خزيمة ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص وكذلك قوله: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وكان في ذلك الوضوء قد غسل رجليه وكذلك قوله: للأعرابي "توضأ كما أمرك الله" ثم ذكر له صفة الوضوء وفيها غسل الرجلين وهذه أحاديث صحيحة معروفة وهي تفيد أن قراءة الجر إما منسوخة أو محمولة على أن الجر بالجوار، وقد ذهب إلى هذا الجمهور قال: النووي "ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به في الإجماع وقال: الحافظ في الفتح أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن على وابن عباس وأنس وقد ثبت الرجوع منهم عن ذلك وروى سعيد بن منصور عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين وقالت: الإمامية الواجب مسحهما وقال: محمد بن جرير والحسن البصري والجبائي أنه مخير بين الغسل والمسح وقال: بعض أهل الظاهر يجب الجمع بين الغسل والمسح ولم يحتج من قال: بوجوب المسح إلا بقراءة الجر وهي لا تدل على أن المسح متعين لأن القراءة الأخرى ثابتة بلا خلاف بل غاية ما تدل عليه هذه القراءة هو التخيير لو لم يرد عن النبي ﷺ ما يوجب الاقتصار على الغسل.
وأما وجوب غسل الكعبين مع القدمين فالكلام في ذلك كالكلام في المرفقين ولكنه لم يثبت في غسلهما عنه ﷺ مثل ما ثبت في المرفقين، وإذا تقرر
стр. 33
أنه لا يتم الواجب إلا بغسلهما ففي ذلك كفاية مغينة عن الاستدلال بدليل آخر وأما أن للمتوضئ أن يمسح على خفيه فوجهه ما ثبت تواترا عن النبي ﷺ من فعله وقوله: وقد قال: الإمام أحمد فيه أربعون حديثا وكذلك قال: غيره وقال: ابن أبي حاتم أنه رواه عن النبي ﷺ من الصحابة أحد وأربعون رجلا وقال: ابن عبد البر أربعون رجلا وقال: ابن منده الذين رووه من الصحابة عن النبي ثمانون رجلا ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك أنه قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف لأن كل من روى عنهم إنكاره فقد روى عنه إثباته وقد ذكر أحمد أن حديث أبي هريرة في إنكار المسح باطل وكذلك ما روي عن عائشة وابن عباس فقد أنكر الحفاظ ورووا عنهم خلافه وكذلك عن علي أنه قال: سبق الكتاب الخفين فهو منقطع فقد روى عنه مسلم والنسائي رحمهما الله تعالى القول بالمسح عليهما بعد موت النبي ﷺ وقد روى الإمام المهدي في البحر عن علي ﵁ القول بمسح الخفين وقد ثبت في الصحيح من حديث جرير أنه ﷺ مسح على الخفين وإسلام جرير كان بعد نزول المائدة لأن آية المائدة نزلت في غزوة المريسيع وقد روى المغيرة عن النبي ﷺ المسح على الخفين وأنه فعل ذلك في غزوة تبوك وتبوك متأخرة على المريسيع بالاتفاق وقد ذكر البزار أن حديث المغيرة هذا رواه عنه ستون رجلا وبالجملة فمشروعية المسح على الخفين أظهر من أن نطول الكلام عليها ولكنه لما كثر الخلاف فيها وطال النزاع اشتغل الناس بها حتى جعلها بعض أهل العلم من مسائل الاعتقاد وقد ورد توقيت المسح بثلاثة أيام للمسافر ويوم وليلة للمقيم١.
وأما كون الوضوء لا يكون شرعيا إلا بالنية فوجهه حديث "إنما الأعمال بالنيات" وهو في الصحيحين وغيرهما وورد من طريق بألفاظ فإن كان
стр. 34
المقدر١ عاما فهو يفيد أن لا يثبت العمل الشرعي إلا بها وإن كان خاصا فأقرب ما يقدر الصحة وهي تفيد٢ ذلك قال: في الفتح وقد اتفق العلماء على أن النية شرط في المقصد واختلفوا في الوسائل ومن ثم خالفت الحنفية في اشتراطها للوضوء وقد نسب القول بفرضية النية صاحب البحر إلى علي وسائر العترة والشافعي ومالك والليث وربيعة وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه.
стр. 35
فصل
ويستحب التثليث في غير الرأس وإطالة الغرة والتحجيل وتقديم السواك وغسل اليدين إلى الرسغين ثلاثا قبل الشروع في غسل الأعضاء المتقدمة.
أما استحباب السواك فوجهه الأحاديث المتواترة من قوله ﷺ وفعله وليس في ذلك خلاف.
وأما إطالة الغرة والتحجيل فلثبوته في الأحاديث الصحيحة.
وأما غسل اليدين إلى الرسغين قبل الشروع في الوضوء فلحديث أوس ابن أوس الثقفي قال:"رأيت رسول الله ﷺ توضأ فاستوكف ثلاثا" أي غسل كفيه أخرجه أحمد والنسائي وثبت في الصحيحين من حديث عثمان "فأفرغ على كفيه ثلاث مرات يغسلهما" وثبت نحو ذلك عن جماعة من الصحابة يروونه عن النبي ﷺ .
وأما استحباب التثليث فوجهه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم
стр. 36
غسل كل عضو ثلاث مرات وبين أن الواجب مرة واحدة وأما عدم مشروعية تثليث الرأس فإن الأحاديث الواردة بتثليث سائر الأعضاء وقع التصريح فيها بإفراد مسح الرأس ولا تقوم الحجة بما ورد في تثليثه.
стр. 37
فصل في انتقاض الوضوء
ويتنقض بما خرج من الفرجين من عين أو ريح وبما يوجب الغسل ونوم المضطجع وأكل لحم الإبل والقيء ونحوه ومس الذكر.
أما انتقاض الوضوء بما خرج من الفرجين فقد وردت الأدلة بذلك مثل حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" وقد فسره أبو هريرة لما قال له رجل ما لحدث؟ قال: فساء أو ضراط ومعنى الحديث أعم مما فسره به أبو هريرة ولكنه نبه بالأخف على الأغلظ. ولا خلاف في انتقاض الوضوء بذلك وكذلك لا خلاف في انتقاضه بما يوجب الغسل في الجماع.
وأما انتقاضه بنوم المضطجع فوجهه أن الأحايث الواردة بانتقاض الوضوء بالنوم كحديث "من نام فليتضأ" مقيدة بما ورد أن النوم الذي ينتقض به الوضوء هو نوم المضطجع وقد روى من طرق متعددة والمقال: الذي فيها ينجبر بكثرة طرقها وبذلك يكون الجمع بين الأدلة المختلفة وفي ذلك ثمانية مذاهب قد استوفيتها في شرح المنتقى وذكرت في الأحاديث المختلفة وتخريجها وترجيح ما هو الراجح.
وأما انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل فوجهه قوله ﷺ لما قيل له أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم" وهو في الصحيح من حديث جابر بن سمره وقد روى أيضا من طريق غيره وقد ذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء واستدلوا بالأحاديث التي نسخت الأحاديث الواردة في الوضوء مما
стр. 38
مست١ النار ولا يخفى أنه لم يصرح في شيء منها بلحوم الإبل حتى يكون الوضوء منها منسوخا وقد ذهب إلى انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية ويحيى بن يحيى وابن المنذر وابن خزيمة والبيهقي وحكى عن أصحاب الحديث وحكى عن جماعة من الصحابة كما قال: النووى قال: البيهقي عن بعض أصحابنا عن الشافعي أنه قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به قال: البيهقي قد صح فيه حديثان حديث جابر بن سمره وحديث البراء.
وأما انتقاض الوضوء بالقي فوجهه ماروى عنه ﷺ أنه قاء فتوضأ أخرجه أحمد وأهل السنن قال: الترمذي هو أصح شيء في الباب وصححه ابن منده وليس فيه مايقدح في الاحتجاج به ويؤيده أحاديث منها حديث عائشة عنه ﷺ "من أصابه قئ او رعاف أو قلس أومذى فلينصرف فليتوضأ" إسناده إسمعيل بن عياش وفيه مقال: وفي الباب عن جماعة من الصحابة والمجموع ينتهض للاستلال به وقد ذهب إلى ذلك العتره وأبو حنيفة وأصحابه وذهب الشافعي وأصحابه والناصر والصادق والباقر إلى أنه غير ناقص.
وأجابوا عن أحاديث الوضوء من القيء بأن المراد بها غسل اليدين ولايخفى أن الحقيقة الشرعية مقدمة والمراد بنحوالقئ هو القلس والرعاف والخلاف في القلس كالخلاف في القئ قال: الخليل وهو ماخرج من الحلق ملء الفم أو دونه وليس بقئ وفي النهاية القلس ما خرج من الجوف ثم ذكر مثل كلام الخليل وأما الرعاف فقد ذهب إلى أنه ناقض أبو حنيفة وأبو يوسف،
стр. 39
ومحمد والقاسمية وأحمد بن حنبل واسحاق وقيدوه بالسيلان وذهب ابن عباس والناصر ومالك والشافعي وروى عن ابن أبي أوفى وأبي هريرة وجابر بن زيد وابن المسيب ومكحول وربيعة إلى أنه غير ناقض وأجابوا عن دليل الأولين بما فيه من المقال: وبالمعارضة بمثل حديث "أن النبي ﷺ احتجم فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه" رواه الدارقطني وفي إسناده صالح بن مقاتل وهو ضعيف ويجاب عن الأول بأنه ينتهض بمجموع طرقه وعن المعارضة بأنها غير صالحة للاحتجاج وبأن دم الرعاف غير دم الحجامة فلا يبعد أن يكون لخروجه من الأعماق تأثير في النقض.
وأما انتقاض بمس الذكر فقد دل على ذلك الحديث بسرة بنت صفوان "أن النبي ﷺ قال: من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ" رواه أحمد وأهل السنن ومالك والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن الجارود وصححه أحمد والترمذي والدارقطني ويحيى بن معين والبيهقي والحازمي وابن خزيمة وابن حبان قال: البخاري هو أصح شيء في هذا الباب.
وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة منهم جابر وأبو هريرة وأم حبيبة وعبد الله بن عمرو وزيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص وعائشة وابن عباس وابن عمر والنعمان بن بشير وأنس وأبي بن كعب ومعاوية ابن أبي حيده وقبيصة وأروى بنت أنيس وحديث بسرة بمجرده أرجح من حديث طلق بن علي عند أهل السنن مرفوعا بلفظ الرجل يمس ذكره أعليه وضوء؟ فقال ﷺ : "إنما١ هو بضعة منك" فكيف إذا انضم إلى حديث
стр. 40
بسرة أحاديث كثيرة كما أشرنا إليه ومن مال إلى ترجيح حديث طلق لم يأت بطائل وقد ذهب إلى انتقاض الوضوء بمس الذكر جماعة من الصحابة والتابعين والأئمة ومالوا إلى العمل بحديث بسرة لتأخر إسلامها وذهب إلى خلاف ذلك جماعة كذلك والحق الانتقاض وقد ورد ما يدل على أنه ينتقض الوضوء بمس الفرج وهو أعم من القبل والدبر كما أخرجه ابن ماجه من حديث أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول " من مس فرجه فليتوضأ" وصححه أحمد وأبو زرعة وقال: ابن السكن لا أعلم له علة وأخرج الدارقطني من حديث عائشة مرفوعا "إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ" وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله العمري وفيه مقال: وأخرج أحمد والترمذي والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ" وفي إسناده بقية بن الوليد ولكنه صرح بالتحديث.