← Фикх общий

Фикх общий · id 7264

الدراري المضية شرح الدرر البهية

الشوكاني

Полный текст (477 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

غسل كل عضو ثلاث مرات وبين أن الواجب مرة واحدة وأما عدم مشروعية تثليث الرأس فإن الأحاديث الواردة بتثليث سائر الأعضاء وقع التصريح فيها بإفراد مسح الرأس ولا تقوم الحجة بما ورد في تثليثه.

стр. 37

فصل في انتقاض الوضوء ويتنقض بما خرج من الفرجين من عين أو ريح وبما يوجب الغسل ونوم المضطجع وأكل لحم الإبل والقيء ونحوه ومس الذكر. أما انتقاض الوضوء بما خرج من الفرجين فقد وردت الأدلة بذلك مثل حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" وقد فسره أبو هريرة لما قال له رجل ما لحدث؟ قال: فساء أو ضراط ومعنى الحديث أعم مما فسره به أبو هريرة ولكنه نبه بالأخف على الأغلظ. ولا خلاف في انتقاض الوضوء بذلك وكذلك لا خلاف في انتقاضه بما يوجب الغسل في الجماع. وأما انتقاضه بنوم المضطجع فوجهه أن الأحايث الواردة بانتقاض الوضوء بالنوم كحديث "من نام فليتضأ" مقيدة بما ورد أن النوم الذي ينتقض به الوضوء هو نوم المضطجع وقد روى من طرق متعددة والمقال: الذي فيها ينجبر بكثرة طرقها وبذلك يكون الجمع بين الأدلة المختلفة وفي ذلك ثمانية مذاهب قد استوفيتها في شرح المنتقى وذكرت في الأحاديث المختلفة وتخريجها وترجيح ما هو الراجح. وأما انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل فوجهه قوله ﷺ لما قيل له أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم" وهو في الصحيح من حديث جابر بن سمره وقد روى أيضا من طريق غيره وقد ذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء واستدلوا بالأحاديث التي نسخت الأحاديث الواردة في الوضوء مما

стр. 38

مست١ النار ولا يخفى أنه لم يصرح في شيء منها بلحوم الإبل حتى يكون الوضوء منها منسوخا وقد ذهب إلى انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية ويحيى بن يحيى وابن المنذر وابن خزيمة والبيهقي وحكى عن أصحاب الحديث وحكى عن جماعة من الصحابة كما قال: النووى قال: البيهقي عن بعض أصحابنا عن الشافعي أنه قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به قال: البيهقي قد صح فيه حديثان حديث جابر بن سمره وحديث البراء. وأما انتقاض الوضوء بالقي فوجهه ماروى عنه ﷺ أنه قاء فتوضأ أخرجه أحمد وأهل السنن قال: الترمذي هو أصح شيء في الباب وصححه ابن منده وليس فيه مايقدح في الاحتجاج به ويؤيده أحاديث منها حديث عائشة عنه ﷺ "من أصابه قئ او رعاف أو قلس أومذى فلينصرف فليتوضأ" إسناده إسمعيل بن عياش وفيه مقال: وفي الباب عن جماعة من الصحابة والمجموع ينتهض للاستلال به وقد ذهب إلى ذلك العتره وأبو حنيفة وأصحابه وذهب الشافعي وأصحابه والناصر والصادق والباقر إلى أنه غير ناقص. وأجابوا عن أحاديث الوضوء من القيء بأن المراد بها غسل اليدين ولايخفى أن الحقيقة الشرعية مقدمة والمراد بنحوالقئ هو القلس والرعاف والخلاف في القلس كالخلاف في القئ قال: الخليل وهو ماخرج من الحلق ملء الفم أو دونه وليس بقئ وفي النهاية القلس ما خرج من الجوف ثم ذكر مثل كلام الخليل وأما الرعاف فقد ذهب إلى أنه ناقض أبو حنيفة وأبو يوسف،

стр. 39

ومحمد والقاسمية وأحمد بن حنبل واسحاق وقيدوه بالسيلان وذهب ابن عباس والناصر ومالك والشافعي وروى عن ابن أبي أوفى وأبي هريرة وجابر بن زيد وابن المسيب ومكحول وربيعة إلى أنه غير ناقض وأجابوا عن دليل الأولين بما فيه من المقال: وبالمعارضة بمثل حديث "أن النبي ﷺ احتجم فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه" رواه الدارقطني وفي إسناده صالح بن مقاتل وهو ضعيف ويجاب عن الأول بأنه ينتهض بمجموع طرقه وعن المعارضة بأنها غير صالحة للاحتجاج وبأن دم الرعاف غير دم الحجامة فلا يبعد أن يكون لخروجه من الأعماق تأثير في النقض. وأما انتقاض بمس الذكر فقد دل على ذلك الحديث بسرة بنت صفوان "أن النبي ﷺ قال: من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ" رواه أحمد وأهل السنن ومالك والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن الجارود وصححه أحمد والترمذي والدارقطني ويحيى بن معين والبيهقي والحازمي وابن خزيمة وابن حبان قال: البخاري هو أصح شيء في هذا الباب. وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة منهم جابر وأبو هريرة وأم حبيبة وعبد الله بن عمرو وزيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص وعائشة وابن عباس وابن عمر والنعمان بن بشير وأنس وأبي بن كعب ومعاوية ابن أبي حيده وقبيصة وأروى بنت أنيس وحديث بسرة بمجرده أرجح من حديث طلق بن علي عند أهل السنن مرفوعا بلفظ الرجل يمس ذكره أعليه وضوء؟ فقال ﷺ : "إنما١ هو بضعة منك" فكيف إذا انضم إلى حديث

стр. 40

بسرة أحاديث كثيرة كما أشرنا إليه ومن مال إلى ترجيح حديث طلق لم يأت بطائل وقد ذهب إلى انتقاض الوضوء بمس الذكر جماعة من الصحابة والتابعين والأئمة ومالوا إلى العمل بحديث بسرة لتأخر إسلامها وذهب إلى خلاف ذلك جماعة كذلك والحق الانتقاض وقد ورد ما يدل على أنه ينتقض الوضوء بمس الفرج وهو أعم من القبل والدبر كما أخرجه ابن ماجه من حديث أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول " من مس فرجه فليتوضأ" وصححه أحمد وأبو زرعة وقال: ابن السكن لا أعلم له علة وأخرج الدارقطني من حديث عائشة مرفوعا "إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ" وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله العمري وفيه مقال: وأخرج أحمد والترمذي والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ" وفي إسناده بقية بن الوليد ولكنه صرح بالتحديث.

стр. 41

باب أحكام الغسل يجب بخروج المنى لشهوة ولو بتفكر وبالتقاء الختانين وبالحيض وبالنفاس وبالاحتلام مع وجود بلل وبالموت وبالإسلام. أما وجوب الغسل بخروج المنى لشهوة فقد دلت على ذلك الأدلة الصحيحة كأحاديث "الماء من الماء" وأحاديث "في المنى الغسل١" وصدق اسم الجنابة على ماكان كذلك وقد قال الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] ولا أعلم في ذلك خلافا وإنما وقع الخلاف المشهور بين الصحابة وكذلك بين من بعدهم هل يجب الغسل بالتقاء الختانين من دون خروج منى أم لا يجب إلا بخروج المنى والحق الأول لحديث "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل٢" أخرجه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأخرج نحوه مسلم وأحمد والترمذي وصححه من حديث عائشة فهذان الحديثان وما ورد في معناهما ناسخان لما كان في أول الإسلام من أن الغسل إنما يجب بخروج المنى

стр. 42

ويدل على ذلك حديث أبي كعب قال: "إن الفتيا التي كانوا يقولون الماء من الماء رخصة كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعدها١". وأخرج مسلم رحمه الله تعالى من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها "أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل وعائشة جالسة فقال: رسول الله ﷺ "إني لأفعل أنا وهذه ثم نغتسل". وأما وجوبه بالحيض فلا خلاف في ذلك وقد دل عليه نص القرآن ومتواتر السنة وكذلك وقع الإجماع على وجوبه بالنفاس وكذلك وقع الإجماع على وجوبه بالاحتلام إلا ما يحكى عن النخعي ولكنه إنما يجب إذا أوجد المحتلم بللا كما في حديث عائشة قالت: "سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما فقال: يغتسل وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل فقال: لا غسل عليه" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ورجاله رجال الصحيح إلا عبد الله بن عمر العمري وفيه مقال: خفيف وأخرج نحوه أحمد والنسائي من حديث خولة بنت حكيم. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى وغيرهما من حديث أم سلمة "أن أم سليم قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت قال: "نعم إذا رأت الماء" وهذه الأحاديث ترد على من أعتبر أن يحصل للمحتلم شهوة ويتيقن ذلك. وأما وجوبه بالموت فالمراد وجوب ذلك على الأحياء إذ لا وجوب بعد الموت من الواجبات المتعلقة بالبدن أي يجب على الأحياء أن يغسلوا من مات وقد حكى المهدي في البحر والنووي الإجماع على وجوب غسل الميت وناقش في ذلك بعض المتأخرين كالجلال مناقشة واهية وسيأتي الكلام على غسل الميت وصفته وتفاصليه إن شاء الله تعالى.

стр. 43

وأما وجوبه بالإسلام فوجهه ما أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود وابن حبان وابن خزيمة عن قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره رسول الله ﷺ أن يغتسل بماء وسدر وصححه ابن السكن. وأخرج أحمد وعبد الرزاق والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان من حديث أبي هريرة أن ثمامة أسلم فقال: النبي ﷺ "اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل" وأصله في الصحيحين وليس فيهما الأمر بالاغتسال بل فيهما أنه اغتسل وقد ذهب إلى الوجوب أحمد بن حنبل وأتباعه وهو مذهب الهادي وأتباعه وذهب الشافعي إلى عدم الوجوب وبه قال المنصور بالله: والحق الأول ويؤيده ما وقع منه ﷺ من الأمر بالغسل عند الإسلام لواثلة بن الأسقع وقتادة الرهاوي كما أخرجه الطبراني وأمره أيضا لعقيل بن أبي طالب كما أخرجه الحاكم في تاريخ نيسابور وفي أسانيده مقال.

стр. 44

فصل في كيفية الغسل والغسل الواجب، هو أن يفيض الماء على جميع بدنه أو ينغمس فيه مع المضمضة والاستنشاق والدلك لما يمكن دلكه ولا يكون شرعيا إلا بالنية لرفع موجبه وندب تقديم غسل أعضاء الوضوء إلا القدمين ثم التيامن. أقول: الغسل لغة وشرعا هو ما ذكر وقد يقع النزاع في دخول الدلك في مسمى الغسل ولكن لا يخفي أن مجرد بل الثوب أو البدن من دون الدلك لا يسمى غسلا كما يفهم ذلك من الاستعمالات العربية وكما يفيد ذلك ما تقدم في بول الصبي "أنه صلى الله عليه وسلم١ أتبعه الماء ولم يغسله" وهو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره.

стр. 45

وأما المضمضة والاستنشاق فقد ثبتا في الغسل من فعله ﷺ ووجه الوجوب ما قدمناه في الوضوء وأما كونه لا يكون شرعيا إلا بالنية فلما قدمناه في الوضوء أيضا. وأما ما تقديم غسل أعضاء الوضوء إلا القدمين فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما:"أنه كان ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمنيه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض على سائر جسده ثم يغسل رجليه" وهو من حديث عائشة. وورد في الصحيحين وغيرهما من حديث ميمونة بلفظ: "أنه ﷺ أفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمنيه على شماله فغسل مذاكيره ثم دلك يده بالأرض ثم مضمض واستنشق ثم غسل وجهه ويديه ثم غسل رأسه ثلاثا ثم أفرغ على جسده ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه" وثبت عنه ﷺ "أنه كان لا يتوضأ بعد الغسل" كما أخرجه أحمد وأهل السنن وقال: الترمذي حسن صحيح وأخرجه البيهقي أيضا بأسانيد جيدة وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا "أنه قال: لما سئل عن الوضوء بعد الغسل وأي وضوء أعم من الغسل" وروي عن حذيفة أنه قال: أما يكفي أحدكم أن يغتسل من قرنه إلى قدميه حتى يتوضأ وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة ومن

стр. 46

بعدهم حتى قال: أبو بكر ابن العربي أنه لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث وهكذا نقل الإجماع ابن بطال ويتعقب بأنه قد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء وهو قول أكثر العترة. وأما كون تقديم أعضاء الوضوء غير واجب فلأنه يصدق الغسل ويوجد مسماه بالإفاضة على جميع البدن من غير تقديم. وأما التيامن فلثبوته عنه ﷺ قولا وفعلا عموما وخصوصا فمن العموم ما ثبت في الصحيح "أنه ﷺ كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهورره وفي شأنه كله" ومن الخصوص ما ثبت في الصحيحين وغيرهما "أنه بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر في الغسل" وقد ثبت من قوله: ما يفيد ذلك ولا خلاف في استحباب التيامن.

стр. 47

فصل في غسل الجمعة ويشرع لصلاة الجمعة وللعيدين ولمن غسل ميتا وللإحرام ولدخول مكة. أما مشروعية لصلاة الجمعة فلحديث "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر وقد تلقت الأمة هذا الحديث بالقبول ورواه عن نافع نحو ثلاثمائة نفس ورواه من الصحابة غير ابن عمر نحو أربعة عشرين صحابيا وقد ذهب إلى وجوبه جماعة قال: النووي حكى وجوبه عن طائفة من السلف حكوه عن بعض الصحابة وبه قال: أهل الظاهر وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار ومالك وحكاه الخطابي عن الحسن البصري وحكاه ابن حزم عن جمع من الصحابة ومن بعدهم وذهب الجمهور إلى أنه مستحب واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم ﵀.

стр. 48

تعالى بلفظ "من توضأ فأحسن وضوءه ثم أتي الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام " وبحديث سمره "أن النبي ﷺ قال: "من توضأ للجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فذلك أفضل" أخرجه أحمد وأبوداود والنسائي والترمذي وفيه مقال: مشهور وهو عدم سماع الحسن من سمره وغير ذلك من الأحاديث قالوا: وهي صارفة للأمر إلى الندب ولكنه إذا كان ما ذكروه صالحا لصرف الأمر فهو لا يصلح لصرف مثل قوله ﷺ : "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وقد استوفيت الكلام على حكم غسل الجمعة في شرح المنتقى١ فليرجع إليه. ولا يخفى أن تقييد الغسل

стр. 49

بالمجيء للجمعة يدل على أنه للصلاة١ لا لليوم. وأما مشروعية غسل العيدين فقد روي من فعله صلى من حديث الفاكة بن سعد أنه ﷺ كان يغتسل يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر" أخرجه أحمد وابن ماجه والبزار والبغوي وأخرج نحوه ابن ماجه من حديث ابن عباس وأخرجه البزار من حديث أبي رافع وفي أسانيدها ضعف ولكنه يقوي بعضه بعضا ويقوي ذلك آثار عن الصحابة جيدة. وأما مشروعية ذلك لمن غسل ميتا فوجهه ما أخرجه أحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة مرفوعا "من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ" وقد روى من طرق وأعل بالوقف وبأن في إسناده صالحا مولى التوأمة ولكنه قد حسنه الترمذي وصححه ابن القطان وابن حزم وقد روى من غير طريق وقال الحافظ ابن حجر: هو لكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنا فإنكار النووي على الترمذي تحسينه معترض وقال الذهبي: هو أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء وذكر الماوردي أن بعض أصحاب الحديث خرج لهذا الحديث مائة وعشرين طريقا وقد روى نحوه عن على عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن أبي شيبه وأبي يعلي والبزار والبيهقي وعن حذيفة عند البيهقي قال ابن أبي حاتم: والدارقطني لا يثبت وعن عائشة من فعله ﷺ عند أحمد وأبي داود وقد ذهب إلى الوجوب على وأبو هريرة والإمامية ورواية عن الناصر وذهب الجمهور إلى أنه مستحب قالوا: وهذا الأمر مذكور في الحديث السابق مصروف عن الوجوب بحديث "إن ميتكم يموت طاهرا فحسبكم أن تغسلوا أيديكم" أخرجه البيهقي وحسنه ابن حجر ولحديث "كنا نغسل الميت

стр. 50

فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل" أخرجه الخطيب عن ابن عمر وصحح ابن حجر أيضا إسناده ولما وقع من الفتيا من الصحابة لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر ﵁ لما غسلته فقالت لهم: "إن هذا يوم شديد البرد وأنا صائمة فهل علي من غسل قالوا لا" رواه مالك في الموطأ. وأما مشروعيته للإحرام فلحديث زيد بن ثابت "أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل" أخرجه الترمذي والدارقطني والبيهقي والطبراني وحسنه الترمذي وضعفه العقيلي ولعل وجه التضعيف كون عبد الله بن يعقوب المدني في إسناده قال ابن الملقن في شرح المنهاج: لعل الترمذي حسنه لأنه عرف عبد الله بن يعقوب أي عرف حاله وفي الباب عن عائشة عند أحمد وعن أسماء عند مسلم وقد ذهب إلى استحباب غسل الإحرام الجمهور وقال: الناصر أنه واجب وقال: الحسن البصري ومالك أنه محتمل. وأما مشروعية الغسل لدخول مكة فلما أخرجه مسلم رحمه الله تعالى عن ابن عمر "أنه كان لا يدخل مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا" ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله وأخرج البخاري معناه قال في الفتح: قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند الجميع العلماء وليس في تركه عندهم فدية وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء.

стр. 51

باب أحكام التيمم يسباح به مايستباح بالوضوء والغسل لمن لا يجد الماء أو خشي الضرر من استعماله وأعضاؤه الوجه ثم الكفان يمسحهما مرة واحدة بضربة ناويا مسميا ونواقضه نواقض الوضوء. أقول: حكم التيمم مع العذر المسوغ له حكم الوضوء لمن يكن جنبا وحكم الغسل لمن كان جنبا١ يصلي به ما يصلي المتوضئ بوضوئه ويستبيح به ما يستبيحه المغتسل بغسله فيصلي به الصلوات المتعددة ولا ينتقص بفراغ من صلاة ولا باشتغال بغيره ولا بخروج وقت على ما هو حق والخلاف في ذلك معروف والأدلة الواردة بمشروعية التيمم عند عدم الماء ثابتة كتابا وسنة. وأما التيمم لخشية الضرر من الماء فلما أخرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني من حديث جابر قال: "خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون له رخصة في التيمم فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك فقال: " قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما

стр. 52

شفاء العي السؤال إنما كان يكفية أن يتيم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده" وقد تفرد به الزبير١ بن خريق وليس بالقوى وقد صححه ابن السكن وروى من طريق أخرى عن ابن عباس وقد ذهب إلى مشروعية التيمم للعذر الجمهور وذهب أحمد ابن حنبل٢ وروى عن الشافعي في قوله: له أنه لا يجوز التيمم لخشية الضرر ولا أدري كيف صحة ذلك عنهما فإن هذا الحديث يؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء:٤٣] الآية وكذلك حديث المسح على الجبائر المروي عن علي ﵁ وكذلك حديث عمرو بن العاص لما بعثه رسول الله ﷺ في غزوة ذات السلاسل فاحتلم في ليلة باردة فتيمم وصلى بأصحابه فلما قدموا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جنب" فقال: ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] فتيممت ثم صليت فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا رواه أحمد والدارقطني وابن حبان والحاكم وأخرجه البخاري تعليقا.

стр. 53

وأما كون أعضائه الوجه والكفين فلما ورد من الأحاديث الصحيحة قولا وفعلا وقد أشار بالعطف بثم إلى الترتيب بين الوجه والكفين وأما الاقتصار على الكفين فلكون الأحاديث الصحيحة مصرحة بذلك منها حديث عمار ابن ياسر "أن النبي ﷺ أمره بالتيمم للوجه والكفين" أخرجه الترمذي وغيره وصححه. ومنها ما في الصحيحين من حديث عمار أيضا أن النبي ﷺ قال له: "إنما كان يكفيك هكذا وضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجه وكفيه" وفي لفظ للدارقطني "إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ثم تنفخ فيهما ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين" وقد ذهب إلى أنه يقتصر من اليدين على الكفين عطاء ومكحول والأوزعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وعامة أصحاب الحديث هكذا في شرح مسلم وذهب الجمهور إلى أن المسح في التيمم إلى المرفقين وذهب الزهري إلى أنه يجب المسح إلى الإبطين وقال: الخطابي أنه لم يختلف أحد من أهل العلم في أنه لا يلزم١ مسح ما وراء المرفقين والحق ما ذهب إليه الأولون لأن الأدلة التي استدل بها الجمهور منها ما لا ينتهض للاحتجاج به كحديث ابن عمر عند الدارقطني والحاكم والبيهقي مرفوعا بلفظ "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" وفي إسناده علي بن ظبيان قال الدارقطني: وثقة ابن القطان وهشيم وغيرهما وقال الحافظ: هو ضعيف ضعفه ابن القطان وابن معين وغير واحد وأما ما ورد فيه لفظ اليدين كما وقع في بعض روايات من حديث عمار فالمطلق يحمل على المقيد بالكفين واحتج الزهري بما ورد في رواية من حديث عمار أيضا بلفظ "إلى الآباط" وقد نسخ ذلك كما قال الشافعي: وأما كون التيمم ضربة واحدة فلأن ذلك هو الثابت في الأحاديث الصحيحة ولم يثبت ما يخالف ذلك من وجه صحيح وقد ذهب إلى كون التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين الجمهور وذهب جماعة من الأئمة والفقهاء

стр. 54

إلى أن الواجب ضربتان للوجه وضربة لليدين وذهب ابن المسيب وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاث ضربات ضربة للوجه وضربة للكفين وضربة للذراعين وأما كونه ناويا مسميا فلما تقدم في الوضوء لأنه بدلا عنه وأدلة النية شاملة لكل عمل. وأما كون نواقضه نواقض الوضوء فلما ذكرنا من البدلية ومن أثبت للتيمم شيئا من النواقض لم يثبت في الوضوء لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ولم نجد دليلا تقوم به الحجة يصلح لذلك فالواجب الاقتصار على نواقض الوضوء. وأما وجود الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة بالتيمم فقد صرح النبي ﷺ لمن لم يعد الصلاة من الرجلين اللذين سألاه بعد أن صلياها بالتيمم ثم وجدا الماء إن الذي لم يعد فقد أصاب السنة والحديث معروف وأما قوله للذي أعاد: "لك الأجر مرتين" فلكونه قد كرر العبادة معتقدا وجوب ذلك فكان له الأجر الآخر لذلك وليس المراد ههنا إلا الإجزاء وسقوط الوجوب وقد أفاد ذلك قوله ﷺ "أصبت السنة" مع ما في إصابة السنة من الخير والبركة والتعريض بأن ما عدا ذلك مخالف للسنة كما لا يخفى. وأما القول بأن من أسباب التيمم تعذر استعمال الماء وخوف سبيله ونحو ذلك فلا يخفى أن هذه داخلة تحت ما ذكرناه من عدم الماء وخشية الضرر من استعماله فإن من تعذر عليه استعمال الماء فهو عادم للماء إذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع فمن كان يشاهد ماء في قعر بئر يتعذر عليه الوصول إليه بوجه من الوجوه فهو عادم وهكذا خوف السبيل الذي يسلك إلى الماء وهكذا من كان ينجسه ولا محالة إذا استعمله وهكذا من كان يحتاجه للشرب فهو عادم له بالنسبة إلى الوضوء وأما ما قيل من أن فوات الصلاة باستعمال الماء وإدراكها بالتيمم سبب من أسباب التيمم فليس على ذلك دليل بل الواجب استعمال الماء وهو أن كان تراخيه عن تأدية الصلاة إلى ذلك الوقت لعذر مسوغ للتأخير كالنوم والسهو ونحوهما فلم يوجب الله تعالى عليه إلا تأدية الصلاة في ذلك

стр. 55

الوقت بالطهور الذي أوجبه الله تعالى عليه وإن كان التراخي لا لعذر إلى وقت لو استعمل الوضوء فيه لخرج الوقت فعليه الوضوء وقد باء بإثم المعصية وأما ما قيل من الطلب إلى مقادير محدودة فليس على ذلك حجة نيرة.

стр. 56

باب أحكام الحيض لم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة وكذلك الطهر فذات العادة المتقررة تعمل عليها وغيرها ترجع إلى القرائن فدم الحيض يتميز من غيره فتكون حائضا إذا رأت دم الحيض ومستحاضة إذا رأت غيره فهي كالطهارة وتغسل أثر الدم وتتوضأ لكل صلاة والحائض لا تصلي ولا تصوم ولا توطأ حتى تغتسل بعد الطهر وتقضي الصيام. أقول: ما ورد في تقدير أقل الحيض والطهر وأكثرهما إما موقوف ولا تقوم به حجة أو مرفوع ولا يصح فلا تعويل على ذلك ولا رجوع إليه بل المعتبر لذات العادة المتقررة١ هو العادة وغير المعتادة تعمل بالقرائن المستفادة من الدم وقد صح في غير حديث اعتبار الشارع للعادة كحديث "إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" أخرجه

стр. 57

البخاري رحمه الله تعالى وغيره من حديث عائشة ﵂ وأخرج مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديثها نحو ذلك وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أم سلمة "أنها استفتت النبي ﷺ في امرأة تهراق الدم فقال: لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر فتدع الصلاة" وهو حديث صالح للاحتجاج به وكذلك حديث زينب بنت جحش "أن النبي ﷺ قال: في المستحاضة تجلس أيام أقرائها" أخرجه النسائي والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وأما الرجوع إلى القرائن المستفادة من الدم فلحديث فاطمة بنت أبي حبحش "أنها كانت تستحاض فقال: لها النبي ﷺ إن كان دم الحيض فإنه أسود يعرف فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق" أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم وأخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي والحاكم أيضا بزيادة "فإنما هو داء عرض أو ركضة من الشيطان أو عرق انقطع" فالمستحاضة وهي التي يستمر خروج الدم منها تعمل على العادة المتقررة فتكون فيها حائضا يثبت لها فيه أحكام الحائض وفي غير أيام العادة طاهرا لها حكم الطاهر كما أفادت ذلك الأحاديث الصححية الواردة من غير وجه فإذا لم تكن لها عادة متقررة كالمبتدأة والملتبسة عليها عاداتها فإنها ترجع إلى التمييز فإن دم الحيض أسود يعرف كما قال: ﷺ فتكون إذا رأت دما كذلك الحائض وإذا رأت دما ليس كذلك طاهرا وقد أطال الناس الكلام في هذا الباب في غير طائل وكثرت فيه التفريعات والتدقيقات والأمر أيسر من ذلك وأما كون المستحاضة تغسل أثر الدم فلقوله: ﷺ في حديث عائشة الثابت في الصحيح "فاغسلي عنك الدم وصلي" وقد ورد ما يفيد معنى ذلك من غير وجه. وأما كونها تتوضأ لكل صلاة فذلك هو الذي ورد من وجه معتبر وإذا جمعت بين الصلاتين فأخرت الأولى إلى آخر وقتها وقدمت الثانية في أول وقتها كان لها أن تصليهما بوضوء واحد ولم يأت في شيء من الأحاديث

стр. 58

الصحيحة إيجاب الغسل لكل صلاة ولا لكل صلاتين ولا في كل يوم بل الذي صح إيجاب الغسل عند انقضاء وقت حيضها المعتاد أو عند انقضاء ما يقوم مقام العادة من التمييز بالقرائن كما في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما بلفظ "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" وأما ما في صحيح مسلم رحمه الله تعالى "أن أم حبيبة كانت تغتسل لكل صلاة" فلا حجة في ذلك لأنها فعلته من جهة نفسها ولم يأمرها ﷺ بذلك بل قال لها: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي" فإن ظاهر هذه العبارة أنها تغتسل بعد المكث قدر ما كانت تحبسها الحيضة وذلك هو الغسل الكائن عند إدبار الحيضة وليس فيه ما يدل على أنها تغتسل لكل صلاة وقد ورد الغسل لكل صلاة من طرق لا تقوم بمثلها الحجة ولاسيما مع معارضتها لما ثبت في الصحيح ومع ما في ذلك من المشقة العظمية على النساء الناقصات العقول والأديان والشريعة سمحة سهلة ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وأما كون الحائض لا تصلي ولا تصوم فلما ورد في ذلك من الأدلة الصحيحة كحديث "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد وهو مجمع عليه. وأما كونها لا توطأ فذلك نص الكتاب العزيز قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] والأحاديث في ذلك كثيرة منها قوله: ﷺ "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" وهو في الصحيح وهو مجمع على تحريم ذلك ليس فيه خلاف وتحريم الصلاة والصوم على الحائض وكذلك وطؤها هو إلى غاية هي الغسل بعد الطهر كما صرحت بذلك الأدلة. وأما كونها تقضي الصيام فلحديث عائشة بلفظ: "فنؤمر بقضاء الصيام ولا نؤمر بقضاء الصلاة" وهو في الصحيحين وغيرهما. وقد نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع المسلمين على ذلك وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج

стр. 59

أنهم كانوا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة وليقدح في إجماع الأمة مخالفة هؤلاء الذين هم كلاب النار.

стр. 60

فصل في أحكام النفاس والنفاس أكثره أربعون يوما ولا حد لأقله وهو كالحيض. أقول: أما كون أكثره أربعين يوما فلحديث أم سلمة قالت: "كان النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوما" أخرجه أحمد أبو داود والترمذي والدارقطني والحاكم وللحديث طرق يقوي بعضهما بعضا وإلى ذلك ذهب الجمهور وقد قيل إن أكثره ستون يوما وقيل سبعون يوما وقيل خمسون وقيل نيف وعشرون يوما والحق الأول. وأما كونه لا حد لأقله فلم يأت في ذلك دليل بل مادام الدم باقيا كانت المرأة نفساء فإن انقطع قبل الأربعين انقطع عنها حكم النفاس فإن جاوز دمها الأربعين عاملت نفسها معاملة المستحاضة إذا جاوزت أيام العادة المتقررة. وأما كون النفاس كالحيض في تحريم الوطء وترك الصيام والصلاة فلا خلاف في ذلك وكذلك لا تقضي النفساء الصلاة وفي رواية لأبي داود من حديث أم سلمة قالت: "كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس" وقد تقدم الإجماع على ذلك في الحائض وهو في النفاس إجماع كذلك ولعل الخوارج يخالفون هنا كما خالفوا هناك ولا يعتد بهم.

стр. 61

كتاب الصلاة أوقات الصلاة ... كتاب الصلاة أول وقت الظهر الزوال وآخره مصير ظل الشيء مثله سوى فئ الزوال وأول وقت العصر وآخره مادامت الشمس بيضاء نقية وأول وقت المغرب غروب الشمس وآخره ذهاب الشقف الأحمر وهو أول العشاء وآخره نصف الليل وأول الفجر إذا انشق الفجر وآخره طلوع الشمس ومن نام عن صلاته أو سها عنها فوقتها حين يذكرها ومن كان معذورا وأدرك ركعة فقد أدركها والتوقيت واجب والجمع لعذر جائز والتيمم وناقض الصلاة أو الطهارة يصلون كغيرهم من غير تأخير وأوقات الكراهة بعد الفجر حتى ترفع الشمس وعند الزوال وبعد العصر حتى تغرب. أقول: أما تعيين أول الأوقات وآخرها فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة من تعليم جبريل ﵇ له ﷺ ومن تعليمه صلى لمن سأله عن ذلك وغير ذلك من أقواله وأفعاله. وأما كون آخر وقت العصر مادامت الشمس بيضاء نقية فإذا اصفرت خرج وقت العصر فلما ورد في ذلك من الأحاديث منها حديث ابن عمر قال: "قال رسول الله ﷺ : وقت صلاة الظهر ما لم تحضر العصر ووقت صلاة العصر مالم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب مالم يسقط نور الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل ووقت صلاة الفجر مالم تطلع الشمس" أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود ولا يخالف١

стр. 62

ما وقع في هذا الحديث في آخر وقت صلاة العصر والعشاء ما ورد في بعض الأحاديث "أن آخر وقت العصر مصير ظل الشيء مثليه وآخر وقت العشاء ذهاب ثلث الليل" فإن هذا الحديث قد تضمن زيادة غير منافية للأصل، لأن وقت اصفرار الشمس هو متأخر عن المثلين إذ هي تبقى بيضاء نقية بعد المثلين وكذلك نصف الليل هو متضمن لزيادة غير منافية لما وقع في رواية بلفظ "ثلث الليل" على أن الرواية المتضمنة للزيادتين هي أصح من الأخرى. وأما كون وقت صلاة من نام عنها أو سها هو وقت الذكر فقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة كحديث أنس ﵁ عند البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى وغيرهما وحديث أبي هريرة رضي الله عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره وقد ورد هذا المعنى من غير وجه. وأما كون إدراك ركعة من الصلاة إدراك الصلاة فلما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة كحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك من الصبح ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" وهو في الصحيحين وغيرهما ونحو ذلك حديث عائشة عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره. وقد ثبت من حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما بلفظ "من أدرك ركعة من الصلاة فقد١ أدرك الصلاة" وهذا يشمل جميع الصلوات لا يخص٢ شيئا منها.

стр. 63

وأما تقييد ذلك بالمعذور فلأن الأوقات للصلوات قد عينها الشارع وحدد أوائلها وأواخرها بعلامات حسية وجعل ما بين الوقتين لكل صلاة هو الوقت لتلك الصلاة وجعل الصلاة المفعولة في غير هذه الأوقات المعينة صلاة المنافق وصلاة الأمراء الذين يميتون الصلاة كقوله: في حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيح قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله إلا قليلا". وكقوله: ﷺ لأبي ذر ﵁ "كيف أنت إذا كان عليك أمراء يميتون الصلاة أو يؤخرون الصلاة عن وقتها قلت فما تأمرني قال: "صل الصلاة لوقتها" الحديث ونحو ذلك وهكذا أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر فكان ما ذكرناه دليلا على أن إدراك الركعة في الوقت الخارج عن الأوقات المضروبة كوقت طلوع الشمس وغروبه وطلوع الفجر هو خاص بالمعذور كمن مرض مرضا شديدا لا يستطيع معه تأدية الصلاة ثم شفي وأمكنه إدراك ركعة وكالحائض إذا طهرت وأمكنها إدراك ركعة ونحو ذلك. وأما كون التوقيت واجبا فلما ورد في ذلك من الأوامر الصحيحة بتأدية الصلاة لوقتها والنهي عن فعلها في غير وقتها المضروب لها والجمع بين الصلاتين إذا كان صوريا وهو فعل الأولى في آخر وقتها والأخرى في أول وقتها فليس بجمع في الحقيقة لأن كل صلاة مفعولة في وقتها المضروب لها وإنما هو الجمع في الصورة ومنه جمعه ﷺ في المدينة من غير مطر ولا سفر كما في الصحيح من حديث ابن عباس وغيره فإنه وقع التصريح في بعض الروايات بما يفيد ذلك بل فسره من رواه بما يفيد أنه الجمع الصوري وقد

стр. 64

أوضحنا ذلك في رسالة مستقلة فالمراد بالجمع الجائز للعذر هو جمع المسافر والمريض وفي المطر كما وردت بذلك الأدلة الصحيحة وقد اختلف في جواز الجمع بين الصلاتين بغير هذه الأعذار ومع عدم العذر والحق عدم جواز ذلك. وأما كون المتيمم وناقص الصلاة كمن به مرض يمنعه من استيفاء بعض أركانها وناقص الطهارة كمن في بعض أعضاء وضوئه ما يمنعه من غسله بالماء ويصلون كغيرهم من غير تأخير فوجهه أنهم داخلون في الخطاب المشتمل على تعين الأوقات وبيان أولها وآخرها ولم يأت مايدل على أنهم خارجون عنها وأن صلاتهم لاتجزئ إلا في آخر الوقت ولم يعول من أوجب التأخير على شيء تقوم به الحجة بل ليس بيده إلا مجرد الرأي البحت كقوله: إن صلاتهم بدلية ونحو ذلك وهذا لا يغني من الحق شيئا. وأما كون أوقات الكراهة بعد الفجر حتى ترفع الشمس وعند الزوال وبعد العصر حتى تغرب الشمس فما ثبت في الصحيح عن جماعة من الصحابة مرفوعا من النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس وعند الزوال وورد في روايات أخر النهي عن الصلاة في الثلاثة الأوقات وقت الطلوع ووقت الزوال ووقت الغروب.

стр. 65

باب الأذان يشرع لأهل كل بلد أن يتخذوا مؤذنا ينادى بألفاظ الأذان المشروع عند دخول وقت الصلاة ويشرع للسامع أن يتابع المؤذن ثم تشرع الإقامة على الصفة الواردة. اعلم أن الأذان من شعائر الإسلام وقد اختلف في وجوبه والظاهر الوجوب لأمره ﷺ بذلك في غير حديث فيجب على أهل كل بلد أن يتخذوا مؤذنا ينادي بألفاظ الأذان المشروعة لإعلامهم بواقيت الصلاة والتمسك بشعائر الإسلام فقد كان الغزاة في أيام النبوة وما بعدها إذا جهلوا حال قرية تركوا حربهم حتى يحضر وقت الصلاة فإن سمعوا أذانا كفوا عنهم وإن لم يسمعوا قاتلوهم مقاتلة المشركين. وأما غير أهل البلد كالمسافر والمقيم بفلاة من الأرض فيؤذن لنفسه ويقيم وإن كانوا جماعة أذن لهم أحدهم وأقام وألفاظ الأذان قد ثبت في أحاديث كثيرة وفي بعضها اختلاف بزيادة ونقص وقد تقرر أن العمل على الزيادة التي لا تنافي المزيد فما ثبت من وجه صحيح مما فيه زيادة تعين قبوله كتربيع الأذان وترجيح الشهادتين ولا تطرح الزيادة إذا كانت أدلة الأصل أقوى منها لأنها لا تعارض حتى يصار إلى الترجيح كما وقع لكثير من أهل العلم في هذا الباب وغيره من الأبواب بل الجمع ممكن بضم الزيادة إلى الأصل وهو مقدم على الترجيح وقد وقع الأجماع على قبول الزيادة التي لم تكن منافية كما تقرر في الأصول وأدلة إفراد الإقامة أقوى من أدلة تشفيعها ولكن التشفيع مشتمل على زيادة خارجة

стр. 66

من مخرج صالح للاعتبار فكان العمل على أدلة التشفيع متعينا١. وأما مشروعية متابعة المؤذن فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن" وفي الباب عن جماعة من الصحابة بنحو هذا وورد مفصلا مبينا من حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال حي على الصلاة قال لاحول ولاقوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة " أخرجه مسلم رحمه الله تعالى وغيره وأخرج نحوه البخاري وقد أختار بعض العلماء الجمع عند الحيعلتين بين المتابعة للمؤذن والحوقلة وهو جمع حسن وإن لم يكن متعينا.

стр. 67

باب شروط الصلاة ويجب على المصلي تطهير ثوبه وبدنه ومكانه من النجاسة ويستر عورته ولا يشتمل الصماء ولا يسدل ولا يسبل ولا يكفت ولا يصلى في ثوب حرير ولا ثوب شهرة ولا مغصوب وعليه استقبال الكعبة إن كان مشاهدا لها أوفي حكم المشاهد وغير المشاهد يستقبل الجهة بعد التحري. أقول: أما تطهير الثياب فلنص القرآن ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] ولقوله: ﷺ لمن سأله "هل يصلي في الثوب الذي يأتي فيه أهله فقال: "نعم إلا أن يرى فيه شيئا فيغسله" أخرجه أحمد وابن ماجه ورجال إسناده ثقات ومثله عن معاوية قال: "قلت لأم حبيبة هل كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه قالت: نعم إذا لم يكن فيه أذى" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات ومنها حديث خلعه ﷺ للنعل أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وابن خزيمة وابن حبان وله طرق عن جماعة من الصحابة يقوي بعضها بعضا ومنها الأدلة المتقدمة في تعيين النجاسات أما تطهير البدن فلأنه أولى من تطهير الثوب ولما ورد من وجوب تطهيره وأما المكان فلما ثبت عنه ﷺ من رش الذنوب على بول الأعرابي ونحو ذلك وقد ذهب الجمهور إلى وجوب تطهير الثلاثة للصلاة وذهب جمع إلى أن ذلك شرط لصحة الصلاة وذهب آخرون إلى أنه سنة والحق الوجوب فمن صلى ملابسا لنجاسة عامدا فقد أخل بواجب وصلاته صحيحة وفي المقام أدلة مختلفة ومقالات طويلة وليس هذا محل بسطها.

стр. 68

وأما وجوب ستر العورة فلما وقع منه ﷺ من الأمر بسترها في كل الأحوال كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت يارسول الله عوراتنا ما نأتي منها ومانذر قال: "احفظ عورتك إلا من زوجك أو ماملكت يمينك" قلت فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال: "إن استطعت أن لايراها أحد فلا يرينها" قلت فإذا كان أحدنا خاليا قال: "الله ﵎ أحق أن يستحيا منه" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وعلقه البخاري وحسنه الترمذي وصححه الحاكم. ومن ذلك قوله ﷺ لعلي: "لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخد حي ولا ميت" أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم والبزار وفي إسناده مقال: ولكنه يعضده حديث محمد بن جحش١ قال: مر رسول الله ﷺ على معمر٢ وفخذاه مكشوفتان فقال: "يا معمر غط فخذيك فإن الفخذين عورة" أخرجه أحمد والبخاري في صحيحه تعلقيا وأخرجه أيضا في تاريخه والحاكم في المستدرك وروى الترمذي وأحمد والبخاري في صحيحه من حديث ابن عباس مرفوعا "الفخذ عورة" وأخرج نحوه مالك في الموطأ وأحمد وأبوداود والترمذي وابن حبان وصححه وعلقه البخاري وقد عارض أحاديث الفخذ أحاديث أخر وليس فيها إلا أنه ﷺ كشف عن فخذه يوم خيبر أو في بيته ولا يصلح ذلك لمعارضة ما تقدم٣ وورد في الركبة ما يفيد أنها تستر وما يخالف ذلك.

стр. 69

وأما المرأة فورد حديث "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم وقد روى موقوفا ومرفوعا من حديث عائشة ومن حديث أبي قتادة ومما يفيد وجوب ستر العورة أحاديث النهي عن الصلاة في الثوب الواحد ليس على عاتق المصلي منه شيء وفي بعضها فليخالف بين طرفيه وفي بعضها وإن كان ضيقا فأتزر به وكلها في الصحيح. وأما قوله: لا يشتمل الصماء فلحديث أبي هريرة "أن النبي ﷺ نهى أن يشتمل الصماء" وهو في الصحيحين وفي لفظ فيهما "وأن يشتمل في إزاره إذا ما صلى إلا أن يخالف بطرفيه على عاتقه" وأخرج نحوه الجماعة من حديث أبي سعيد واشتمال الصماء هو أن يجلل جسده بالثوب لا يرفع منه جانبا ولا يبقى ما يخرج منه يده. وأما قوله: ولا يسدل فلحديث النهي عن السدل في الصلاة وهو عند أحمد وأبي داود والترمذي والحاكم في المستدرك وفي الباب عن جماعة من الصحابة والسدل هو أسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جنبيه بين يديه بل يلتحف به ويدخل يديه من داخل١ فيركع ويسجد وهو كذلك. وأما قوله: ولايسبل فلما ورد من الأحاديث الصحيحة من النهي عن إسبال الإزار والمراد بالإسبال أن يرخي إزاره حتى يجاوز الكعبين.

стр. 70

وأما قوله: ولا يكفت فقد ورد النهي عن أن يكفت الرجل ثوبه أو شعره وأما كفت الثوب فكمن يأخذ طرف ثوبه فيغزر في حجزته أو نحو ذلك وأما كفت الشعر فنحو أن يأخذ خصلة مسترسلة فيكفتها في شعر رأسه أو يربطها بخيط إليه أو نحو ذلك. وأما قوله: ولا يصلي في ثوب حرير فالأحاديث في ذلك كثيرة كلها يدل على المنع من لبس الحرير الخالص وأما المشوب فالمذاهب في ذلك معروفة فبعض الأحاديث يدل على أنه إنما يحرم الخالص لا المشوب كحديث ابن عباس ﵄ عند أحمد وأبي داود قال: "إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من القز" قال: ابن عباس أما السدى والعلم فلا نرى به بأسا وبعضها يدل على المنع كما ورد في حلة السيراء فإنه غضب لما رأى عليا قد لبسها وقال: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشقها خمرا بين النساء" وهو في الصحيح والسيراء قد قيل أنها المخلوط بالحرير لا الحرير الخالص وقيل أنها الحرير الخالص المخططة وقيل غير ذلك ولكنه قد ورد في طريق من طرق هذا الحديث ما يفيد أنها غير خالصة فأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه والدورقي هذا الحديث بلفظ "قال: علي أهدي إلى رسول الله ﷺ حلة مسيرة إما سداها وأما لحمتها فذكر الحديث" وأما المنع من لبس ثوب الشهرة فلحديث "من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عمر وهذا الوعيد يدل على أن لبسه محرم في كل وقت فوقت الصلاة أولى بذلك وأما الثوب المصبوغ بالصفرة والحمرة فالأدلة في ذلك متعارضة فلهذا لم نذكره وقد أفردنا ذلك برسالة مستقلة وأما المنع من لبس الثوب المغصوب فلكونه ملك الغير وهو حرام بالإجماع وأما وجوب استقبال الكعبة على المشاهد ومن في حكمه فلأنه قد تمكن من اليقين فلا يعدل عنه إلى الظن والأحاديث المتواترة مصرحة بوجوب الاستقبال بل هو نص القرآن الكريم:

стр. 71

﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤] وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو قطعي من قطعيات الشريعة. وأما كون فرض غير المشاهد ومن في حكمه استقبال الجهة فلأن ذلك هو الذي يمكنه ويدخل تحت استطاعته ولم يكلفه الله تعالى ما لا يطيق كما صرح بذلك في كتابه العزيز وقد جعل النبي ﷺ مابين المشرق والمغرب قبلة كما في حديث أبي هريرة عند الترمذي وابن ماجه وورد مثل ذلك عن الخلفاء الراشدين وقد استقبل النبي ﷺ الجهة بعد خروجه من مكة وشرع للناس ذلك.

стр. 72

باب كفيية الصلاة كيفية الصلاة ... باب كفيية الصلاة لا تكون شرعية إلا بالنية وأركانها كلها مفترضة إلا قعود التشهد الأوسط والاستراحة ولا يجب من أذكارها إلا التكبير والفاتحة في كل ركعة ولو كان مؤتما والتشهد الأخير والتسليم وماعدا ذلك فسنن وهي الرفع في المواضع الأربعة والضم والتوجه بعد التكبيرة والتعوذ والتأمين وقراءة غير الفاتحة معها والتشهد الأوسط والأذكار الواردة في كل ركن والاستكثار من الدعاء بخير الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرد١. أقول أما كون الصلاة لا تكون شرعية إلا بالنية فلما تقدم في الوضوء. وأما افتراض أركانها فلكونها ماهية الصلاة التي لا يسقط التكليف إلا بفعلها وتعدم الصورة المطلوبة بعدمها وقد تكون ناقصة بنقصان بعضها وهي القيام فالركوع فالاعتدال فالسجود فالاعتدال فالسجود فالاعتدال فالقعود للتشهد وقد بين الشارع صفاتها٢ وهيئاتها وكان يجعلها قربيا من السواء كما ثبت في الصحيح عنه.

стр. 73

وأما عدم وجوب قعود التشهد الأوسط فلكونه لم يأت في الأدلة ما يدل على وجوبه بخصوصه كما ورد في قعود التشهد الأخير فإن الأحاديث التي فيها الأوامر بالتشهد قد اقترنت بما يفيد أن المراد التشهد الأخير. فإن قلت قد ذكر التشهد الأوسط في حديث المسيء كما في رواية لأبي داود من حديث رفاعة ولم يذكر فيه التشهد الأخير. قلت لا تقوم الحجة بمثل ذلك ولا يثبت به التكليف العام والتشهد الأخير وإن لم يثبت ذكره في حديث المسيء فقد وردت به الأوامر وصرح الصحابة بافتراضه. وأما عدم وجوب قعدة الاستراحة فلكونه لم يأت دليل يفيد وجوبها وذكرها في حديث المسيء وهم كما صرح بذلك البخاري. وأما كون التكبير واجبا فلقوله: تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:٣] ولقوله: ﷺ في حديث المسيء "إذا قمت إلى الصلاة فكبر" ولما ورد من أن تحريم الصلاة التكبير. وأما وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة فلقوله: ﷺ في حديث المسيء "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وفي لفظ من حديث المسيء لأبي داود "ثم اقرأ بأم الكتاب" وكذلك في لفظ منه لأحمد وابن حبان بزيادة "ثم اصنع ذلك في كل ركعة" بعد قوله: "ثم اقرأ بأم القرآن" فكان ذلك بيانا لما تيسر وورد ما يفيد وجوب الفاتحة في غير حديث المسيء كأحاديث "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وهي صحيحة ويدل على وجوبها في كل ركعة ما وقع في

стр. 74

حديث المسيء فإنه ﷺ وصف له ما يفعل في كل ركعة وقد أمره بقراءة الفاتحة فكانت من جملة ما يجب في كل ركعة كما أنه يجب فعل ما أقترن بها في كل ركعة ورد ما يفيد ذلك من لفظه ﷺ فإنه قال للمسيء: "ثم افعل ذلك في الصلاة كلها١" وهو في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: ذلك بعد أن وصف له ما يفعل في الركعة الواحدة لا في جملة الصلاة فكان ذلك قرينة على أن المراد بالصلاة كل ركعة تماثل تلك الركعة من الصلاة. وأما وجوب الفاتحة في كل ركعة على المؤتم فلما ورد من الأدلة الدالة على أن المؤتم يقرؤها خلف الإمام كحديث: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب" ونحوه ولدخول المؤتم تحت هذه الأدلة المقتضية لوجوب الفاتحة في كل ركعة من كل مصل٢.

стр. 75

وأما وجوب التشهد الأخير فلورود الأمر به في الأحاديث الصحيحية وألفاظه معروفة وقد ورد بألفاظ من طريق جماعة من الصحابة وفي كل تشهد ألفاظ تخالف التشهد الآخر والحق الذي لا محيص عنه أنه يجزئ المصلي بأن يتشهد بكل واحد من تلك التشهدات الخارجة من مخرج صحيح وأصحها التشهد الذي علمه النبي ﷺ ابن مسعود وهو ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديثه بلفظ: "التحيات لله والصلوات والطبيات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" وفي بعض ألفاظه "إذا قعد أحدكم فليقل". وأما الصلاة على النبي ﷺ التي يفعلها المصلي في التشهد فقد وردت بألفاظ وكل منها ما صح منها أجزأ ومن أصح ما ورد ما ثبت في الصحيح بلفظ: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" وورد ما يفيد وجوب التعوذ من أربع كما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جنهم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات وشر المسيح الدجال" وورد نحو ذلك من حديث عائشة وهو في الصحيحين وغيرهما فيكون هذا التعوذ من تمام التشهد ثم يتخير المصلى بعد ذلك من الدعاء أعجبه كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله ﷺ .
следующие страницы →