← Фикх общий

Фикх общий · id 7264

الدراري المضية شرح الدرر البهية

الشوكاني

Полный текст (477 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤] وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو قطعي من قطعيات الشريعة. وأما كون فرض غير المشاهد ومن في حكمه استقبال الجهة فلأن ذلك هو الذي يمكنه ويدخل تحت استطاعته ولم يكلفه الله تعالى ما لا يطيق كما صرح بذلك في كتابه العزيز وقد جعل النبي ﷺ مابين المشرق والمغرب قبلة كما في حديث أبي هريرة عند الترمذي وابن ماجه وورد مثل ذلك عن الخلفاء الراشدين وقد استقبل النبي ﷺ الجهة بعد خروجه من مكة وشرع للناس ذلك.

стр. 72

باب كفيية الصلاة كيفية الصلاة ... باب كفيية الصلاة لا تكون شرعية إلا بالنية وأركانها كلها مفترضة إلا قعود التشهد الأوسط والاستراحة ولا يجب من أذكارها إلا التكبير والفاتحة في كل ركعة ولو كان مؤتما والتشهد الأخير والتسليم وماعدا ذلك فسنن وهي الرفع في المواضع الأربعة والضم والتوجه بعد التكبيرة والتعوذ والتأمين وقراءة غير الفاتحة معها والتشهد الأوسط والأذكار الواردة في كل ركن والاستكثار من الدعاء بخير الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرد١. أقول أما كون الصلاة لا تكون شرعية إلا بالنية فلما تقدم في الوضوء. وأما افتراض أركانها فلكونها ماهية الصلاة التي لا يسقط التكليف إلا بفعلها وتعدم الصورة المطلوبة بعدمها وقد تكون ناقصة بنقصان بعضها وهي القيام فالركوع فالاعتدال فالسجود فالاعتدال فالسجود فالاعتدال فالقعود للتشهد وقد بين الشارع صفاتها٢ وهيئاتها وكان يجعلها قربيا من السواء كما ثبت في الصحيح عنه.

стр. 73

وأما عدم وجوب قعود التشهد الأوسط فلكونه لم يأت في الأدلة ما يدل على وجوبه بخصوصه كما ورد في قعود التشهد الأخير فإن الأحاديث التي فيها الأوامر بالتشهد قد اقترنت بما يفيد أن المراد التشهد الأخير. فإن قلت قد ذكر التشهد الأوسط في حديث المسيء كما في رواية لأبي داود من حديث رفاعة ولم يذكر فيه التشهد الأخير. قلت لا تقوم الحجة بمثل ذلك ولا يثبت به التكليف العام والتشهد الأخير وإن لم يثبت ذكره في حديث المسيء فقد وردت به الأوامر وصرح الصحابة بافتراضه. وأما عدم وجوب قعدة الاستراحة فلكونه لم يأت دليل يفيد وجوبها وذكرها في حديث المسيء وهم كما صرح بذلك البخاري. وأما كون التكبير واجبا فلقوله: تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:٣] ولقوله: ﷺ في حديث المسيء "إذا قمت إلى الصلاة فكبر" ولما ورد من أن تحريم الصلاة التكبير. وأما وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة فلقوله: ﷺ في حديث المسيء "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" وفي لفظ من حديث المسيء لأبي داود "ثم اقرأ بأم الكتاب" وكذلك في لفظ منه لأحمد وابن حبان بزيادة "ثم اصنع ذلك في كل ركعة" بعد قوله: "ثم اقرأ بأم القرآن" فكان ذلك بيانا لما تيسر وورد ما يفيد وجوب الفاتحة في غير حديث المسيء كأحاديث "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وهي صحيحة ويدل على وجوبها في كل ركعة ما وقع في

стр. 74

حديث المسيء فإنه ﷺ وصف له ما يفعل في كل ركعة وقد أمره بقراءة الفاتحة فكانت من جملة ما يجب في كل ركعة كما أنه يجب فعل ما أقترن بها في كل ركعة ورد ما يفيد ذلك من لفظه ﷺ فإنه قال للمسيء: "ثم افعل ذلك في الصلاة كلها١" وهو في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: ذلك بعد أن وصف له ما يفعل في الركعة الواحدة لا في جملة الصلاة فكان ذلك قرينة على أن المراد بالصلاة كل ركعة تماثل تلك الركعة من الصلاة. وأما وجوب الفاتحة في كل ركعة على المؤتم فلما ورد من الأدلة الدالة على أن المؤتم يقرؤها خلف الإمام كحديث: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب" ونحوه ولدخول المؤتم تحت هذه الأدلة المقتضية لوجوب الفاتحة في كل ركعة من كل مصل٢.

стр. 75

وأما وجوب التشهد الأخير فلورود الأمر به في الأحاديث الصحيحية وألفاظه معروفة وقد ورد بألفاظ من طريق جماعة من الصحابة وفي كل تشهد ألفاظ تخالف التشهد الآخر والحق الذي لا محيص عنه أنه يجزئ المصلي بأن يتشهد بكل واحد من تلك التشهدات الخارجة من مخرج صحيح وأصحها التشهد الذي علمه النبي ﷺ ابن مسعود وهو ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديثه بلفظ: "التحيات لله والصلوات والطبيات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" وفي بعض ألفاظه "إذا قعد أحدكم فليقل". وأما الصلاة على النبي ﷺ التي يفعلها المصلي في التشهد فقد وردت بألفاظ وكل منها ما صح منها أجزأ ومن أصح ما ورد ما ثبت في الصحيح بلفظ: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" وورد ما يفيد وجوب التعوذ من أربع كما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جنهم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات وشر المسيح الدجال" وورد نحو ذلك من حديث عائشة وهو في الصحيحين وغيرهما فيكون هذا التعوذ من تمام التشهد ثم يتخير المصلى بعد ذلك من الدعاء أعجبه كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله ﷺ .

стр. 76

وأما وجوب التسليم فلكون النبي ﷺ جعله تحليل الصلاة فلا تحليل لها إلا به فأفاد ذلك وجوبه وأن لم يرد في حديث المسيء. وأما كون ما عدا ما تقدم سننا فلأنه لم يرد فيها وجوبها من أمر بالفعل أو نهي عن الترك غير مصروفين عن المعنى الحقيقي أو وعيد شديد يفيد الوجوب ولا ذكر شيء منها في حديث المسيء إلا على وجه لا تقوم به الحجة أو قد تقوم به وورد ما يفيد أنه غير واجب. وأما مشروعية الرفع في المواضع الأربعة وهي عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الاعتدال من الركوع والموضع الرابع عند القيام إلى الركعة الثالثة فقد دلت على ذلك الأدلة الصحيحة وأما عند التكبير فقد روى ذلك عن النبي ﷺ نحو خمسين رجلا من الصحابة منهم العشرة المبشرة بالجنة ورواه كثير من الأئمة عن جميع الصحابة من غير استثناء وقال: النووي في شرح مسلم أنها اجتمعت الأمة على ذلك عند تكبيرة الإحرام وإنما اختلفوا فيما عدا ذلك وقد ذهب إلى وجوبه داود الظاهري وأبو الحسن أحمد بن سيار والنيسابوري والأوزاعي والحميدي وابن خزيمة وأما الرفع عند الركوع وعند الاعتدال منه رواه زيادة عن عشرين نفسا من الصحابة وقال: محمد بن نصر المروزي أنه أجمع علماء الأمصار على ذلك إلا أهل الكوفة وأما الرفع عند القيام إلى الركعة الثالثة فهو ثابت في الصحيح من حديث ابن عمر وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه أيضا أحمد بن حنبل من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم١.

стр. 77

وأما الضم لليدين اليمنى على اليسرى حال القيام إما على الصدر أو تحت السرة أو بينهما فقد رواه عن النبي ﷺ نحو ثمانية عشر صحابيا حتى قال: ابن عبد البر أنه لم يأت فيه عن النبي ﷺ خلاف. وأما التوجه فقد وردت فيه أحاديث بألفاظ مختلفة يجزئ التوجه بواحد منها إذا خرج من مخرج صحيح وأصحها الاستفتاح المروى من حديث أبي هريرة ﵁ وهو في الصحيحين وغيرهما بل قد قيل أنه تواتر لفظا وهو "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد". وأما كونه بعد التكبيرة فلم يأت في ذلك خلاف عن النبي ﷺ بل كل من روى عنه الاسيتفتاح روى أنه بعد التكبيرة. وأما التعوذ فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ كان يفعله بعد

стр. 78

الاستفتاح قبل القراءة ولفظه "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" كما أخرجه أحمد وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري. وأما التأمين فقد ورد به نحو سبعة عشر حديثا وربما تفيد أحاديثه الوجوب على المؤتم إذا أمن إمامه كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما بلفظ "إذا أمن الإمام فأمنوا" فيكون ما في المختصر مقيدا بغير المؤتم إذا أمن إمامه وقد ذهب إلى مشروعيته جمهور أهل العلم ومما يؤكد مشروعيته كون فيه إغاظة لليهود لما أخرجه ابن ماجه والطبراني من حديث عائشة مرفوعا "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين". وأما قراءة غير الفاتحة معها فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي قتادة "أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأولين بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب" وورد ما يشعر بوجوب قرآن مع الفاتحة من غير تعيين كحديث أبي هريرة "أن النبي ﷺ أمره أن يخرج فينادى لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا" وقد أعلها البخاري في جزء القراءة وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد بلفظ "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر" قال: ابن سيد الناس وإسناده صحيح ورجاله ثقات وقال: الحافظ بن حجر إسناده صحيح وأخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد بلفظ "لا صلاة لمن لم لا يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة وهو حديث ضعيف١ وهذه الأحاديث لا تقصر عن إفادة إيجاب قرآن مع الفاتحة من غير تقييد بل مجرد

стр. 79

الآية الواحدة يكفي. وأما زيادة على ذلك كقراءة سورة مع الفاتحة في كل ركعة من الأوليين فليس بواجب فيكون ما في المختصر مقيدا بما فوق الآية. وأما التشهد الأوسط فلم يرد فيه ألفاظ تخصه بل يقول فيه ما يقول في التشهد الأخير ولكنه يسرع بذلك وقد روى أحمد والنسائي من حديث ابن مسعود قال: إن محمدا قال: "إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع به ربه عزوجل" ورجاله ثقات وأخرجه الترمذي بلفظ "علمنا رسول الله ﷺ إذا قعدنا في الركعتين" فالتقييد بالقعود في كل ركعتين يفيد أن هذا التشهد هو التشهد الأوسط ولكن ليس فيه ما ينفي زيادة الصلاة على النبي ﷺ وقد شرعها رسول الله ﷺ في التشهد الأخير مقترنة بالسلام على النبي ﷺ كما ورد بلفظ "قد علمنا كيف السلام عليك فكيف الصلاة" وهو في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وفي رواية من حديث ابن مسعود "فكيف نصلي عليك إذا صلينا في صلاتنا" وإنما لم يكن التشهد الأوسط واجبا ولا قعوده لأن النبي ﷺ تركه سهوا فسبح الصحابة فلم يعد له بل استمر وسجد للسهو فلو كان واجبا لعاد له عند ذهاب السهو بوقوع التنبه من الصحابة فلا يقال: أن سجود السهو يكون لجبران الواجب كما يكون لجبران غير الواجب لأنا نقول محل الدليل ههنا١ هو عدم العود لفعله بعد التنبه على السهو.

стр. 80

وأما الأذكار الواردة في كل ركن فهي كثيرة جدا منها تكبير الركوع والسجود والرفع والخفض كما دل عليه حديث ابن مسعود قال: رأيت النبي ﷺ يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود" أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وأخرج نحوه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث عمران بن حصين ﵁ وأخرجا نحوه من حديث أبي هريرة ﵁ وفي الباب أحاديث إلا عند الارتفاع من الركوع فإن الإمام والمنفرد يقولان سمع الله لمن حمده والمؤتم يقول اللهم ربنا لك الحمد وهو في الصحيح من حديث أبي موسى. وأما ذكر الركوع فهو سبحان ربي العظيم وذكر السجود سبحان ربي الأعلى ويدعوا بعد ذلك بما أحب من المأثور وغيره وأقل ما يستحب من التسبيح في الركوع والسجود ثلاث لحديث ابن مسعود "أن النبي ﷺ قال: "إذا ركع أحدكم فقال: في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإذا سجد فقال: في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وفي إسناده انقطاع. وأما ذكر الاعتدال من الركوع فقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل١ الثناء والمجد أحق٢ ما قال العبد وكلّنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد".

стр. 81

وأما ذكر ما بين السجدتين فقد روى الترمذي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين "اللهم أغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني" والأحاديث في الأذكار الكائنة في الصلاة كثيرة جدا فينبغي الاستكثار من الدعاء في الصلاة بخيري الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرد١ كما أشرنا إليه المختصر واعلم أن هذا الباب يحتمل البسط وليس المراد هنا إلا الإشارة إلى ما يحتاج إليه وقد ذكرنا هذه المسائل في شرح المنتقى وأوردنا كل ما يحتاج إليه على وجه لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره

стр. 82

فصل في مبطلات الصلاة وتبطل الصلاة بالكلام وبالاشتغال بما ليس منها وبترك شرط أو ركن عمدا. أقول: أما بطلانها بالكلام فلحديث زيد بن أرقم في الصحيحين وغيرهما قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ

стр. 83

قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وهكذا حديث ابن مسعود في الصحيحين وغيرهما بلفظ "إن في الصلاة لشغلا" وفي رواية لأحمد والنسائي وأبي داود وابن حبان في صحيحه "إن الله يحدث من أمره ما يشاء وأنه قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة" ولا خلاف بين أهل العلم أن من تكلم عامدا عالما فسدت صلاته وإنما الخلاف في كلام الساهي ومن لم يعلم بأنه ممنوع فأما من لم يعلم فظاهر حديث معاوية بن الحكم السلمي الثابت في الصحيح أنه لا يعيد وقد كان شأنه ﷺ أن لا يحرج على الجاهل ولا يأمره بالقضاء في غالب الأحوال بل يقتصر على تعليمه وعلى إخباره بعدم جواز ما وقع منه وقد يأمره بالإعادة كما في حديث المسيء١ وأما كلام الساهي والناسي فالظاهر أنه لا فرق بينه٢ وبين العامد العالم في إبطال الصلاة. وأما بطلان الصلاة بالاشتغال بما ليس منها فذلك مقيد بأن يخرج به المصلي عن هئية الصلاة كمن يشتغل مثلا بخايطة أو نجارة أو مشي كثير أو التفات طويل أو نحو ذلك وسبب بطلانها بذلك أن الهيئة المطلوبة من المصلى قد

стр. 84

صارت بذلك الفعل متغيرة عما كانت عليه حتى صار الناظر لصاحبها لا يعده مصليا. وأما بطلانها بترك شرط كالوضوء فلأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط وأما بطلانها بترك الركن فلكون ذهابه يوجب خروج الصلاة عن هيئتها المطلوبة وإذا ترك الركن فما فوقه سهوا وإن كان قد خرج من الصلاة كما وقع منه ﷺ في حديث ذي اليدين فإنه سلم على ركعتين ثم أخبر بذلك فكبر وفعل الركعتين المتروكتين. وأما ترك ما لم يكن شرطا ولا ركنا من الواجبات فلا تبطل به الصلاة لأنه لا يؤثر عدمه في عدمها بل حقيقة الواجب ما يمدح فاعله ويذم تاركه وكونه يذم لا يستلزم أن صلاته باطلة والحاصل أن الشروط للشيء هي التي تثبت بدليل يدل على انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط نحو أن يقول الشارع من لم يفعل كذا فلا صلاة له أو يأتي عن الشارع ما هو تصريح بعدم الصحة أو بعدم القبول والإجزاء أو يثبت عنه النهي عن الإتيان بالمشروط بدون الشرط لأن النهي١ يدل على الفساد المرادف للبطلان على ما هو الحق وأما كون الشيء واجبا فهو يثبت بمجرد طلبه من الشارع ومجرد الطلب لا يستلزم زيادة على كون الشيء واجبا فتدبر هذا تسلم من الخبط والخلط.

стр. 85

فصل "من تجب عليهم الصلاة " ولا تجب على غير المكلف وتسقط عمن عحز عن الإشارة أو أغمي عليه حتى حرج وقتها ويصلي المريض قائما ثم قاعدا ثم على جنب. أقول: أما سقوطها على من ليس مكلف فلأن خطاب التكليف لا يتناول غير مكلف ولا خلاف في ذلك في الواجبات الشرعية وأما ما ورد من تعويد الصبيان وتمرينهم فالخطاب في ذلك للمكلفين والوجوب عليهم لا على الصغار وأما سقوط الصلاة بالعجز عن الإشارة فلأن إيجابها على المريض مع بلوغه إلى ذلك الحد هو من تكليف ما لا يطاق ولم يكلف الله سبحانه أحدا فوق طاقته وكذلك من أغمي عليه حتى خرج وقتها فلا وجوب عليه لأنه غير مكلف في الوقت١. وأما كون المريض يصلي قائما ثم قاعدا ثم على جنب فلحديث عمران بن الحصين عند البخاري وأهل السنن وغيرهم قال: "كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى حنب" وقد نطق بمضمون ذلك القرآن الكريم٢.

стр. 86

باب صلاة التطوع هي أربع قبل الظهر وأربع بعدها وأربع قبل العصر وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل صلاة الفجر وصلاة الضحى وصلاة الليل وأكثرها ثلاث عشرة ركعة يوتر في آخرها وتحية المسجد والاستخارة وركعتان بين كل آذان وإقامة. أما مشروعية الأربع قبل الظهر والأربع بعده والأربع قبل العصر فلما ثبت في ذلك من حديث أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى أربع ركعات قبل الظهر وأربعا بعدها حرمه الله على النار" رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا" وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان وابن خزيمة. وأما الركعتان بعد المغرب وبعد العشاء وقبل الفجر فلما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر قال: حفظت عن رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الغداة وأخرج نحوه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه وأحمد والترمذي وصححه من حديث عبد الله بن شقيق عن عائشة وأخرج نحوه مسلم ﵀ وأهل السنن من حديث أم حبيبة ولا ينافي هذا ما تقدم من الدليل الدال على مشروعية أربع قبل الظهر وأربع بعده لأن هذه زيادة مقبولة وثبت

стр. 87

في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ﷺ لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر١" وثبت في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديثها "أن ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها" وفيهما أحاديث كثيرة. وأما صلاة الضحى فالأحاديث فيها متواترة عن جماعة من الصحابة وأقلها ركعتان كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما وأكثرها أثنا عشر ركعة كما دلت على ذلك الأدلة. وأما صلاة الليل فالأحاديث فيها صحيحة متواترة لا يتسع المقام لبسطها وأكثرها ثلاث عشرة ركعة يوتر في آخرها بركعة إما منفردة أو منضمة إلى شفع قبلها وقد كان ﷺ يصلي صلاة الليل على أنحاء محتلفة فتارة يصلي ركعتين ركعتين ثم يوتر بعدها بركعة وتارة يصلي أربعا أربعا وتارة يجمع بين زيادة على الأربع وذلك كله سنة ثابتة. وأما مشروعية تحية المسجد فلحديث "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" أخرجه الجماعة من حديث أبي قتادة وفي ذلك أحاديث كثيرة وقد وقع الاتفاق على مشروعية تحية المسجد وذهب أهل الظاهر إلى

стр. 88

أنهما واجبتان وذلك غير بعيد وقد حققت المقام في شرح المنتقى وفي رسالة مستقلة. وأما مشروعية صلاة الاستخارة ففيها أحاديث كثيرة. منها: حديث جابر عند البخاري وغيره بلفظ: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقذرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فأقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه وأقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به قال: ويسمى حاجته". وأما مشروعية الركعتين بين آذان وإقامة فلحديث "بين كل أذانين صلاة" قال: ذلك ثلاث مرات ثم قال: "لمن شاء" وهو حديث صحيح والمراد بالأذانين الأذان والإقامة تغليبا كالقمرين والعمرين.

стр. 89

باب صلاة الجماعة هي من آكد السنن وتنعقد باثنين وإذا كثر الجمع كان الثواب أكثر وتصح بعد المفضول والأولى أن يكون الإمام من الحيار ويؤم الرجل بالنساء لا العكس والمفترض بالمنفل والعكس وتجب المتابعة في غير مبطل ولا يؤم الرجل قوما هم له كارهون ويصلى بهم صلاة أخفهم ويقدم السلطان ورب المنزل والا قرأ ثم لأعلم ثم الأسن وإذا اختلت صلاة الإمام كان ذلك عليه لا على المؤتمين وموقفهم حلفه إلا الواحد فعن يمنيه وإمامة النساء وسط الصف ويقدم صفوف الرجال ثم الصبيان ثم النساء والأحق بالصف الأول أولو الأحلام والنهى وعلى الجماعة أن يسووا صفوفهم وأن يسدوا الخلل ويقيموا الصف الأول ثم الذي يليه ثم كذلك. أما كونها من آكد السنن، فلما ورد فيها من الترغبيات حتى أنه ﷺ صرح بأنها تزيد على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة كما في الصحيحين ووقع منه الإخبار بأنه قد هم بأن يحرق على المتحلفين دورهم ولازمها ﷺ من الوقت الذي شرعها الله فيه إلى أن قبضه الله إليه ولم يرخص ﷺ في تركها لمن سمع النداء١ فإنه سأله الرجل الأعمى أن يصلي في بيته فرخص له فلما ولى

стр. 90

دعاه فقال: هل تسمع النداء قال: نعم قال: فأجب" وكل ما ذكرناه ثابت في الصحيح وثبت في الصحيح أيضا عن ابن مسعود " أنه قال: لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف". وأما انعقاد الجماعة باثنين فليس في ذلك خلاف وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس أنه صلى بالليل مع النبي ﷺ وجده وقعد عن يساره فأداره إلى يمنيه". وأما كثرة الثواب إذا كثر الجمع فقد ثبت عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله" أحرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه ابن السكن والعقيلي والحاكم وأما صحة الجماعة بعد المفضول فقد صلى ﷺ بعد أبي بكر١ وبعد غيره من الصحابة كما في الصحيح ولعدم وجود دليل يدل على أنه يكون الإمام أفضل والأحاديث التي فيها "لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه" ونحوها ولا تقوم بها الحجة وعلى فرض أنها تقوم بها الحجة فليس فيها إلا المنع من إمامة من كان ذا جرأة في دينه وليس فيها المنع من إمامة المفضول وقد عورض ذلك بأحاديث تتضمن الإرشاد إلى الصلاة خلف كل بر وفاجر وخلف من قال: لا إله إلا الله وهي ضعيفة وليست بأضعف مما عارضها والأصل أن الصلاة عبادة يصح تأديتها خلف كل مصل إذا قام بأركانها وأذكارها على وجه لا تخرج به الصلاة عن الصورة المجزئة وإن كان الإمام غير متجنب للمعاصي ولا متورع عن كثير مما يتورع عنه غيره ولهذا أن الشارع إنما اعتبر حسن القراءة والعلم والسنن ولو لم يعتبر الورع والعدالة فقال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء

стр. 91

فأعلمهم بالسنة فإن كانوا سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا" أخرجه مسلم ﵀ وغيره من حديث ابن مسعود وفي حديث مالك بن الحويرث "وليؤمكما أكبركما" وهو في الصحيحين وغيرهما وقد استخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة مرتين فصلى بهم وهو أعمى والحاصل أن الشارع اعتبر الأفضلية في القراءة والعلم والسنة وقدم الهجرة وعلو السن فلا ينبغي للمفضول في مثل هذه الأمور أن يؤم الفاضل إلا بإذنه ولا اعتبار بالفضل في غير ذلك. وأما أولوية أن يكون الإمام من الخيار فلحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم" رواه الدارقطني وأخرج الحاكم في ترجمة مرثد الغنوي عنه ﷺ : "إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم". وأما كونه يؤم الرجل بالنساء لا العكس فلحديث أنس في الصحيحين وغيرهما "أنه صف هو واليتيم وراء النبي ﷺ والعجوز من روائهم" وقد أخرج الإسماعيلى عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ إذا رجع من المسجد صلى بنا" وقد كانت النساء يصلين خلفه ﷺ في مسجده وليس في صلاة النساء خلف الرجل مع الرجال نزاع وإنما الخلاف في صلاة الرجل بالنساء فقط ومن زعم أن ذلك لا يصح فعليه الدليل وأما عدم صحة إمامة المرأة بالرجل فلأنها عورة وناقصة عقل ودين والرجال قوامون على النساء " ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" كما ثبت في الصحيح ومن ائتم بالمرأة فقد ولاها أمر صلاته وأما كونه يؤم المفترض بالمنتفل والعكس فلا خلاف١ في صحة صلاة

стр. 92

المفترض بالمنتفل وأما العكس فلحديث معاذ "أنه كان يؤم قومه بعد أن يصلي تلك الصلاة بعد النبي ﷺ " وهي في الصحيحين وغيرهما وأما صلاة المنتفل بعد المنتفل فكما فعله ﷺ في صلاة الليل وصلى ابن عباس وكذلك صلاته بأنس واليتيم والعجوز وغير ذلك والكل ثابت في الصحيح. وأما كونها تجب المتابعة للإمام في غير مبطل فلحديث "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" وهو ثابت في الصحيح من حديث أبي هريرة وأنس وجابر وثابت خارج الصحيح عن جماعة من الصحابة وورد الوعيد على المخالفة كحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه إلى رأس حمار أو يحول صورته صورة حمار" أخرجه الجماعة ولا يتابعه في شيء يوجب بطلان صلاته نحو أن يتكلم أو يفعل أفعالا تخرجه عن صورة المصلي ولا خلاف في ذلك. وأما كونه لا يؤم الرجل قوما هم له كارهون فلحديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان يقول: "ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة من تقدم قوما وهم له كارهون ورجل أتى الصلاة دبارا ورجل اعتبد محرر" أخرجه أبو داود وابن ماجه وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وفيه ضعف. وأخرج الترمذي من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وإمام قوم وهم له كارهون" وقد حسنه الترمذي وضعفه البيهقي. قال

стр. 93

النووي في الخلاصة والأرجح قول الترمذي وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة يقوي بعضها بعضا. وأما كونه يصلي بهم صلاة أخفهم فلما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء" وفي الباب أحاديث صحيحة واردة في التخفيف. وأما كونه يقدم السلطان ورب المنزل فلما ثبت في الصيحيحين من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو مرفوعا "لا يؤمن الرجل الرجلَ في سلطانه" وفي لفظ "لا يؤمن الرجل الرجلَ في أهله ولا سلطانه" وورد تقييد جواز ذلك بالإذن وفي لفظ لأبي داود "لا يؤم الرجل في بيته". وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن مالك بن الحويرث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم". وأما تقديم الأقرأ ثم الأعلم ثم الأسن فلما في حديث أبي مسعود بلفظ يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا" وهو في الصحيح وإنما لم نذكر الهجرة في المختصر لأنه لا هجرة بعد الفتح كما في الحديث الصحيح. وأما كونها إذا اختلت صلاة الإمام كان ذلك عليه لا على المؤتمين فلحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يصلون بكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم" أخرجه البخاري وغيره وأخرج ابن ماجه من حديث سهل ابن سعد نحوه. وأما كون موقف المؤتمين خلف الإمام إلا واحد فعن يمنيه فلحديث جابر بن عبد الله "إنه صلى مع النبي ﷺ فجعله عن يمينه ثم جاء آخر فقام عن يسار

стр. 94

النبي ﷺ فأخذ بأيديهما فدفعهما حتى أقامها خلفه" وهو في الصحيح وقد كان هذا فعله وفعل أصحابه في الجماعة يقف الواحد عن يمين١ الإمام والاثنان فما زاد خلفه وقد ذهب الجمهور إلى وجوب ذلك وقال: سعيد بن المسيب أنه مندوب فقط وروى عن النخعي أن الواحد يقف خلف الإمام. وأما كون إمامة النساء وسط الصف فلما روى من فعل عائشة أنها أمت النساء فقامت وسط الصف" أخرجه عبد الرزاق والدراقطني والبيهقي وابن شيبة والحاكم وروى مثل ذلك عن أم سلمة أخرجه الشافعي وابن شيبة وعبد الرزاق والدارقطني.

стр. 95

وأما تقديم صفوف الرجال ثم الصبيان ثم النساء فلحديث أن مالك الأشعري أن النبي ﷺ كان يجعل الرجال قدام الغلمان والغلمان خلفهم والنساء خلف الغلمان. أخرجه أحمد وأخرج بعضه أبو داود وفي إسناده شهر ابن حوشب ويؤيده ما في الصحيحين من حديث أنس "أنه قام هو واليتيم خلف النبي ﷺ وأم سليم خلفهم" وأما الأحق بالصف الأول هم أولو الأحلام والنهى فلحديث أبي مسعود الأنصاري الثابت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "ليلنى١ منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي والنسائي قال: كان رسول الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه". وأما كون على الجماعة أن يسووا صفوفهم ويسدوا الخلل فلما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "وسطوا الإمام وسدوا الخلل" وفي الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة" عنه أيضا في الصحيحين "كان رسول الله ﷺ يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: "تراصوا واعتدلوا" وثبت في الصحيح من حديث النعمان بن بشير أنه قال ﷺ : "عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم". وأما كونهم يتمون الصف الأول ثم الذي يليه فلما ورد من الأحاديث الصحيحة من أمره ﷺ بإتمام الصف الأول ثم الذي يليه ثم كذلك فالسنة ألا يقف المؤتم في الصف الثاني وفي الصف الأول سعة ثم لا يقف في الصف الثالث وفي الصف الثاني سعة ثم كذلك وورد أيضا "أن الوقوف يمنة الصف أولى وأفضل".

стр. 96

باب سجود السهو سجود السهو هو سجدتان قبل التسليم أو بعده بإحرام وتشهد وتحليل ويشرع لترك مسنون وللزيادة ركعة سهوا وللشك في العدد وإذا سجد الإمام تابعه المؤتم. أقول: أما كون السجود يكون على التحيير إما قبل التسليم من الصلاة أو بعده فوجهه أن النبي ﷺ صح عنه أنه سجد قبل التسليم وصح عنه أنه سجد بعده , أما ما صح عنه مما يدل على أنه قبل التسليم فحديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا شك أحدكم فلم يدر أواحدة صلى أم اثنتين فليجعلها واحدة وإذا لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها اثنتين وإذا لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليجعلها ثلاثا ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين" وفي الباب أحاديث منها ما هو في صحيح كحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك جانبا وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم" ومنها ما هو في غير الصحيحين وأما ماصح عنه مما يدل على أنه بعد التسليم فكحديث ذي اليدين الثابت في الصحيحين فإن فيه أنه ﷺ سجد بعد ما سلم" وحديث ابن مسعود وهو في الصحيحين وغيرهما مرفوعا بلفظ "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب وليتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين" وحديث المغيرة بن شعبة:

стр. 97

أنه صلى بقوم فترك التشهد الأوسط فلما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم وقال: "هكذا صنع بنا رسول الله ﷺ " رواه أحمد والترمذي وصححه وحديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ صلى الظهر خمسا فقيل له أزيد في الصلاة فقال: "لا وما ذاك"؟ فقالوا صليت خمسا فسجد سجدتين بعدما سلم" فهذه الأحاديث المصرحة بالسجود تارة قبل التسليم وتارة بعده تدل على أنه يجوز جميع ذلك ولكنه ينبغي في موارد النصوص أن يفعل كما أرشد إليه الشارع فيسجد قبل التسليم فيما أرشد إلى السجود فيه قبل التسليم ويسجد بعد التسليم فيما أرشد إلى السجود فيه بعد التسليم وما عدا ذلك هو بالخيار والكل سنة وفي المسألة مذاهب قد بسطتها في شرح المنتقى. وأما كون سجود السهو بإحرام وتشهد وتحليل قفد ثبت عنه ﷺ أنه كبر وسلم" كما في حديث ذي اليدين الثابت في الصحيح وفي غيره من الأحاديث وأما التشهد فلحديث عمران بن الحصين أن النبي صلى الله علي هو سلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم" أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ابن حبان وصححه والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين وقد روى نحو ذلك من حديث المغيرة وابن مسعود وعائشة. وأما كونه يشرع لترك مسنون فلحديث سجوده ﷺ لترك التشهد الأوسط ولحديث "لكل سهو سجدتان" والكلام فيه معروف١ ونحو ذلك إذا كان ذلك المسنون تركه المصلي سهوا لأنه أثبت أن سجود السهو فيه ترغيم للشيطان كما في حديث أبي سعيد الثابت في الصحيح ولا يكون الترغيم إلا مع السهو لأنه من قبل الشيطان وأما مع العمد فهو من قبل المصلي وقد فاته ثواب تلك السنة.

стр. 98

وأما كونه يشرع للزيادة ولو ركعة سهوا فللحديث المتقدم وما دون الركعة بالأولى. وأما للشك في العدد ففيه الأحاديث المتقدمة المصرحة بأن من شك في العدد بنى على اليقين وسجد للسهو. وأما متابعة المؤتم لإمامه في سجود السهو١ فلأن ذلك من تمام الصلاة ولأنه كان يسجد الصحابة إذا سجد النبي ﷺ وقد ورد الأمر بمتابعة الإمام كما سبق٢.

стр. 99

باب القضاء للفوائت إن كان الترك عمدا لا لعذر فدين الله أحق أن يقضى وإن كان لعذر فليس بقضاء بل أداء في وقت زوال العذر إلا صلاة العيد ففي ثانية. أقول قد اختلف أهل العلم في قضاء الفوائت المتروكة لا لعذر فذهب الجمهور إلى وجوب القضاء وذهب داود الظاهري وابن حزم وبعض أصحاب الشافعي وحكاه في البحر عن ابني الهادي والأستاذ ورواية عن القاسم والناصر إلى أنه لا قضاء على العامد غير المعذور بل قد باء بإثم ما تركه من الصلاة وإليه ذهب شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية ولم يأت الجمهور بدليل يدل على ذلك ولم أجد دليلا لهم من كتاب ولا سنة إلا ما ورد في حديث الخثعمية حيث قال لها النبي ﷺ : "فدين الله أحق أن يقضى" وهو حديث صحيح وفيه من العموم الذي يفيده المصدر المضاف ما يشمل هذا الباب فهذا الدليل ليس بأيدي الموجبين سواه وقد اختلف أهل الأصول هل القضاء يكفي فيه دليل وجوب المقضي أم لابد من دليل جديد يدل على وجوب القضاء؟ والحق لا بد من دليل جديد لأن إيجاب القضاء هو تكليف مستقل غير تكليف الأداء ومحل الخلاف هو الصلاة المتروكة لغير عذر عمدا. وأما إذا كان الترك لعذر من نوم أو سهو أو نسيان أو اشتغال بملاحمة القتال مع عدم إمكان صلاة الخوف والمسايفة فإنه يجب تأدية تلك الصلاة المتروكة عند زوال العذر وذلك وقتها وفعلها فيه أداء كما يفيد ذلك أحاديث "من نام عن صلاته أو سها عنها فوقتها حين يذكرها" وقد تقدمت في أول

стр. 100

كتاب الصلاة وفي ذلك خلاف والحق أن ذلك هو وقت الأداء لا وقت القضاء للتصريح منه ﷺ أن وقت الصلاة المنسية أو التي نام المصلى وقت الذكر وأما المتروكة لغير نوم وسهو كمن يترك الصلاة لاشتغاله بالقتال كما سبق فقد شغل النبي ﷺ وأصحابه يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر وما صلاهما إلا بعد هوى من الليل كما أخرجه أحمد والنسائي من حديث أبي سعيد وهو في الصحيحين من حديث جابر وليس فيه ذكر الظهر بل العصر فقط. وأما كون صلاة العيد المتروكة لعذر وهو عدم العلم بأن ذلك اليوم يوم عيد تفعل في اليوم الثاني ولا تفعل في يوم العيد بعد خروج الوقت إذا حصل العلم بأن ذلك اليوم يوم عيد فلحديث عمير بن أنس عن عمومة له أنه غم عليهم الهلال فأصبحوا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم والخطابي وابن حجر في بلوغ المرام.

стр. 101

باب صلاة الجمعة تجب على مكلف إلا المرأة والعبد والمسافر والمريض وهي كسائر الصلوات لا تخالفها إلا في مشروعية الخطبتين قبلها ووقتها وقت الظهر وعلى من حضرها أن لا يتخطى رقاب الناس وأن ينصت حال الخطبتين وندب له التبكير والتطيب والتجمل والدنو من الإمام ومن أدرك ركعة منها فقد أدركها وهي في يوم العيد رخصة. أقول: صلاة الجمعة فريضة من فرائض الله سبحانه وقد صرح بذلك كتاب الله وما صح من السنة المطهرة كحديث أنه ﷺ هم بإحراق من يتخلف عنها" وهو في الصحيح من حديث ابن مسعود وكحديث أبي هريرة "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" أخرجه مسلم وغيره ومن ذلك حديث حفصة مرفوعا "رواح الجمعة واجب على كل محتلم" أخرجه النسائي بإسناد صحيح وحديث طارق بن شهاب "الجمعة حق واجب على كل مسلم" أخرجه أبو داود وسيأتي وقد واظب عليها النبي ﷺ من الوقت الذي شرعها الله فيه إلى أن قبضه الله وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين وقال: ابن العربي الجمعة فرض بإجماع الأمة وقال: ابن قدامة في المغني أجمع المسلمون على وجوب الجمعة وإنما الخلاف هل هي من فروض الأعيان أو من فروض الكفايات ومن نازع في فريضة الجمعة فقد أخطأ ولم يصب. وأما كونها لا تجب على المرأة والعبد والمسافر والمريض فلحديث "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أوصبي أو

стр. 102

مريض" أخرجه أبو داود من حديث طارق ابن شهاب عن النبي ﷺ وقد أخرجه الحاكم من حديث طارق عن أبي موسى قال: الحافظ وصححه غير واحد وفي حديث أبي هريرة وحديث جابر ذكر المسافر وفي الحديثين مقال: معروف والغالب أن المسافر لا يسمع النداء وقد ورد أن الجمعة على من سمع النداء كما في حديث ابن عمرو عند أبي داود. وأما كونها كسائر الصلوات لا تخالفها إلا في مشروعية الخطبة قبلها فلكونه لم يأت ما يدل على أنها تخالفها في غير ذلك وفي هذا الكلام إشارة إلى رد ما قيل أنه يشترط في وجوبها الإمام الأعظم والمصر الجامع والعدد المحصوص فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل يفيد استحبابها فضلا عن وجوبها فضلا عن كونها شروطا بل إذا صلى رجلان الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعة فقد فعلا ما يجب عليهما فإن خطب أحدهما فقد عملا بالسنة وإن تركا الخطبة فهي سنة فقط ولولا حديث طارق ابن شهاب المذكور قربيا من تقييد الوجوب على كل مسلم بكونه في جماعة ومن عدم إقامتها في زمنه ﷺ في غير جماعة لكان فعلها فرادى مجزئا كغيرها من الصلوات. وأما كون وقتها وقت الظهر فلكونها بدلا عنه وقد ورد ما يدل على أنها تجزئ قبل الزوال كما في حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه كان ﷺ يصلي الجمعة ثم يرجعون إلى القائلة يقيلون" وهو في الصحيح ومثله من حديث سهل بن سعد في الصحيحين وثبت في الصحيح من حديث جابر أن النبي ﷺ كان يصلى الجمعة ثم يذهبون إلى جمالهم فيرحونها حين تزول الشمس" وهذا فيه التصريح بأنهم صلوها قبل زوال الشمس وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل وهو الحق وذهب الجمهور إلى أن أول وقتها أول وقت الظهر. وأما كون على من حضرها أن لا يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة فلحديث عبد الله بن بسر قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال له رسول الله ﷺ : "اجلس فقد آذيت" أخرجه أحمد وأبو

стр. 103

داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وغيره ولحديث أرقم بن أبي الأرقم المخزومي "أن رسول الله ﷺ قال: الذي يتخطى رقاب يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبة في النار" أي أمعاءه أخرجه أحمد والطبراني في الكبير وفي إسناده مقال: وفي الباب أحاديث منها عن معاذ بن أنس عند الترمذي وابن ماجه قال: قال رسول الله ﷺ : من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جنهم وعن عثمان وأنس أيضا. وأما كونه ينصت حال الخطبتين فلحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت" وهو في الصحيحين وغيرهما وأخرج أحمد وأبو داود من حديث على قال: "من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت كان عليه كفل من الوزر ومن قال: صه فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له ثم قال: هكذا سمعت نبيكم ﷺ " وفي إسناده مجهول وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة١. وأما كونه يندب التبكير فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: "من أغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة

стр. 104

فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" وفي الباب أحاديث في مشروعة التبكير. وأما مشروعية التطيب والتجمل فلحديث أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه وإن كان له طيب مس منه" أخرجه أحمد وأبو داود وهو في الصحيحين بلفظ "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستن وأن يمس طيبا إن وجد" وأحرج أحمد والبخاري وغيرهما من حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما أستطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب الله له ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى" وأخرج أحمد وغيره من حديث أبي أيوب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحدا ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلى كان كفارة لما بينهما وبين الجمعة الأخرى" ورجال إسناده ثقات وفي الباب أحاديث. وأما كونه يندب الدنو من الإمام فلحديث سمرة عند أحمد وأبي داود أن النبي ﷺ قال: احضروا الذكر وادنوا من الأمام فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها" وفي إسناده انقطاع وفي الباب أحاديث. ومن جملة ما يشرع يوم الجمعة الغسل وقد تقدم الكلام عليه في باب الغسل. وأما كون من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدركها فلحديث "من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته" وله طرق كثيرة يصير بها حسنا لغيره وقد قدمنا أنها كسائر الصلوات وليست الخطبة بشرط من شروط الجمعة حتى يتوقف إدراك الصلاة على إدراك الخطبة وقد أوضحت

стр. 105

المقال: في أبحاث مطولة وقعت مع بعض الأعلام مشتملة على مايحتاج إليه في هذا البحث فليرجع إلى ذلك فهو مفيد جدا. وأما كونها في يوم العيد رحصة فلحديث زيد بن أرقم "أن النبي ﷺ صلى العيد في يوم جمعة ثم رخص في الجمعة فقال: من شاء أن يجمع فليجمع" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والحاكم وصححه على بن المدينى وأخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ "أنه قال: اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون" وقد أعل بالإرسال وفي إسناده أيضا بقية ابن الوليد١ وفي الباب أحاديث عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما وظاهر أحاديث الترخيص تشمل من صلى العيد ومن لم يصل بل روى النسائي وأبو داود أن ابن الزبير أيام خلافته لم يصل بالناس الجمعة بعد صلاة العيد فقال: ابن عباس لما بلغه ذلك أصاب السنة وفي إسناده مقال٢

стр. 106

باب صلاة العيدين هي ركعتان في الأولى سبع تكيبرات قبل القراءة وفي الثانية خمس كذلك ويخطب بعدها ويستحب التجمل والخروج إلى خارج البلد ومخالفة الطريق والأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى ووقتها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال ولا أذان فيها ولا إقامة. أقول: قد أحتلف أهل العلم هل صلاة العيد واجبة أم لا والحق الوجوب لأنه ﷺ مع ملازمته لها قد أمرنا بالخروج إليها كما في حديث أمره ﷺ للناس أن يغدوا إلى مصلاهم بعد أن أخبره الراكب برؤية الهلال وهو حديث صحيح وثبت في الصحيح من حديث أم عطية قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج في الفطر والأضحى العواتق والحيض ذوات الخدور" فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين والأمر بالخروج يقتضي الأمر

стр. 107

بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب والرجال بذلك أولى من النساء. وأما كون التكبير في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الثانية خمس كذلك فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كبر في عيد ثنتي عشر تكبيرة سبعا في الأولى وخمسا في الثانية أخرجه أحمد وابن ماجه وقال أحمد: أنا أذهب إلى هذه قال العراقي: إسناده صالح ونقل الترمذي في العلل المفردة عن البخاري أنه قال: إنه حديث صحيح وفي رواية لأبي داود والدارقطني التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كليتهما وإسناد الحديث صالح وقد صححه البخاري وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الثانية خمسا قبل القراءة وقد حسنه الترمذي وأنكر عليه تحسينه لأن في إسناده كثير ابن عبد الله ابن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وهو متروك قال: النووي لعله اعتضد بشواهد وغيرها انتهى. قال العراقي: إن الترمذي إنما تبع في ذلك البخاري فقد قال في كتاب العلل المفرد: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح منه وبه أقول انتهى. وقد أخرجه ابن ماجه بدون ذكر القراءة وأخرجه الدارقطني وابن عدي والبيهقي وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال الشافعي وأبو داود: أنه ركن من أركان الكذب وقال: ابن حبان له نسحه موضوعة عن أبيه عن جده وأخرج ابن ماجه من حديث سعد القرظ المؤذن أن النبي ﷺ كان يكبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الآخرة خمسا قبل القراءة قال العراقي: وإسناده ضعيف وفي الباب أحاديث تشهد بذلك والجميع يصلح للاحتجاج به وفي المسألة عشرة مذاهب هذا أرجحها. وأما كون الخطبة بعد الصلوات فلما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى

стр. 108

المصلي وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم وإن كان يريد أن يقطع بعثا أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف" وفي الباب من حديث جابر عند مسلم وغيره وأول من خطب قبل الصلاة في العيد مروان وأنكر عليه ذلك. وأخرج النسائي وأبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن السائب قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: إنا نريد أن نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب. وأما كونه يستحب في العيد التجمل بالثياب فقد ثبت في الصحيحين أن عمر وجد حلة في السوق من إستبرق تباع فأخذها فأتى بها النبي فقال: يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد فقال: " إنما هذه لباس من لا خلاق له" وأخرج الشافعي عن شيخه إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يلبس برد حبرة في كل عيد" وشيخ الشافعي ضعيف ولكنه قد تابعه سعيد ابن الصلت عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن ابن عباس بمثله وأخرجه الطبراني وأخرج ابن خزيمة عن جابر أن النبي ﷺ كان يلبس البرد الأحمر في العيدين وفي الجمعة". وأما كونه يستحب الخروج إلى خارج البلد فلمواظبته ﷺ على ذلك وصلى بهم ﷺ صلاة العيد في المسجد لمطر وقع كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود وابن ماجه والحاكم وفي إسناده مجهول. وأما استحباب مخالفة الطريق فلحديث أبي هريرة عند البخاري وغيره قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق" وأخرج أبو داود وابن ماجه نحو من حديث ابن عمر وفي الباب أحاديث غير ما ذكر. وأما استحباب الأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى فلما ثبت في الصحيح من حديث أنس قال: كان النبي لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا" وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان

стр. 109

والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث بريدة قال: "كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع" وزاد أحمد "فيأكل من أضحيته" وفي الباب أحاديث. وأما كون وقتها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال فلما أخرجه أحمد بن الحسن البناء في كتاب الأضاحي من حديث جندب قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين والأضحى على قيد رمح" وأخرج أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله ابن بسر صاحب رسول الله ﷺ "أنه خرج مع الناس يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام وقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه" وذلك حين التسبيح أي حين وقت صلاة العيد وأخرج الشافعي مرسلا أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران أن عجل الأضحى وأخر الفطر" وفي إسناده إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي وهو ضعيف وقد وقع الإجماع على ما أفادته الأحاديث فإن كانت لا تقوم بمثلها الحجة وأما آخر وقت صلاة العيدين فزوال الشمس وإذا كان الغدو من بعد طلوع الشمس إلى الزوال كما قال: بعض أهل العلم فحديث أمره ﷺ للركب١ أن يغدو إلى مصلاهم يدل على ذلك قال: في البحر وهي بعد انبساط الشمس إلى الزوال ولا أعرف فيه خلافا. وأما كونه لا أذان فيها وإقامة فلما ثبت في الصحيح من حديث جابر بن سمرة قال: "صليت مع النبي ﷺ غير مرة ولا مرتين العيدين بغير أذان ولا إقامة وثبت في الصحيحين عن ابن عباس "أنه قال: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى" وفي الباب أحاديث٢.

стр. 110

باب صلاة الخوف قد صلاها رسول الله ﷺ على صفات مختلفة وكلها مجزئة وإذا اشتد الخوف والتحم القتال صلاها الراكب والراجل ولو إلى غير قبلة ولو بالإيماء. أقول: صلاة الخوف قد وردت على أنحاء مختلفة قيل على ستة عشر وقيل على سبعة عشر وقيل ثمانية عشر وقيل أقل من ذلك وقد صح منها أنواع. فمنها أنه صلىبكل طائفة ركعتين فكان للنبي ﷺ أربع وللقوم ركعتان وهذ الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث جابر. ومنها أنه صلى بكل طائفة ركعة فكان له ركعتان وللقوم ركعة وهذه الصفة أخرجها النسائي بإسناد رجاله ثقات. ومنها "أنه صلى بهم جميعا فكبر وكبروا وركع وركعوا ورفع ورفعوا ثم سجد وسجد معه الصف الذي يليه ثم قام الصف المؤخر في نحو العدو فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم وفعلوا كالركعة الأولى ولكنه قد صار الصف المؤخر مقدما والمقدم مؤخرا ثم سلم النبي ﷺ وسلموا جميعا" وهذه الصفة ثابته في صحيح مسلم ﵀ وغيره من حديث جابر ومن حديث أبي عياش الززقي عند أحمد وأبي داود والنسائي.
следующие страницы →