Полный текст (477 стр.). Показаны 456–477 · переход к 461.
стр. 456
اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٦] وثبت في الصحيحين وغيرهما إن الفرار من الزحف هو من السبع الموبقات ولا خلاف في الجمله وإن اختلفوا في مسوغات الفرار وقد جوز الله سبحانه الفرار إلى فئه وأما التحرف للقتال فهو وإن كان فيه تولية الدبر لكنه ليس بفرار على الحقيقة.
وأما كونه يجوز تبييت الكفار فلحديث الصعب بن جثامة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم ثم قال: "هم منهم" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث سلمة بن الأكوع قال: بيتنا هوازن مع أبي بكر الصديق وكان أمره علينا رسول الله ﷺ والبيات هو الغارة بالليل قال: الترمذي وقد رخص قوم من أهل العلم في الغارة بالليل وكرهه بعضهم قال: أحمد وإسحاق لا بأس أن يبيت العدو ليلا.
وأما جواز الكذب في الحرب فلما ثبت عند مسلم ﵀ من حديث جابر أن رسول الله ﷺ لما بعث محمد بن مسلمة ليقتل كعب بن الأشرف فقال: يا رسول الله فأذن لي فأقول قال: قد فعلت يعني يأذن له أن يخدعه بمقال: ولو كان كذبا كما وقع منه في هذه القصة وهي أيضا في البخاري وأخرج مسلم رحمه الله تعالى أم كلثوم بنت عقبه قالت: لم أسمع النبي ﷺ يرخص في شيء من الكذب مما يقول الناس إلا في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها وهكذا الكذب المذكور هنا هو التعريض والتلويح بوجه من الوجوه ليخرج عن الكذب الصراح كما قاله جماعة من أهل العلم.
وأما جواز الخداع في الحرب فلما في الصحيحين من حديث جابر قال قال: رسول الله ﷺ "الحرب خدعة" وفيهما من حديث أبي هريرة قال: سمى النبي ﷺ "الحرب خدعة" قال: النووي: واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد.
стр. 457
فصل في تقسيم الغنائم
وما غنمه الجيش كان لهم أربعه أخماسه وخمسه يصرفه الإمام في مصارفه فيأخد الفارس من الغنيمة ثلاثة أسهم والراجل سهما ويستوي في ذلك القوي والضعيف ومن قاتل ومن لم يقاتل ويجوز تنفيل الإمام بعض الجيش وللإمام الصفي وسهمه كأحد الجيش ويرضخ من الغنيمة لمن حضر ويؤثر المؤلفين إن رأى في ذلك صلاحا وإذا رجع ما أخده الكفار من المسلمين كان لمالكه ويحرم الإنتفاع بشيء من الغنيمة قبل القسمة إلا الطعام والعلف ويحرم الغلول ومن جملة الغنيمة الأسرى ويجوز القتل أو الفداء أو المن.
أقول: أما كون ما غنمه الجيش كان لهم أربعه أخماسة وخمسه يصرفه الإمام في مصارفة فلقوله: تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال:٤١] الآية ومن ذلك ما ورد في القرآن الكريم في الفئ والغنيمة وأخرج أبو داود والنسائي من حديث عمرو بن عبسة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم فلما سلم أخد وبرة من جنب البعير ثم قال: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس مردود فيكم" وأخرج نحوه أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت وحسنه ابن حجر وأخرج نحوه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي ومالك والشافعي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحسنه أيضا ابن حجر وروى نحو ذلك من حديث جبير بن مطعم والعرباض بن سارية.
وأما كونه للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم فلما ورد في ذلك من الأحاديث منها حديث بن عمر في الصحيحين وله ألفاظ فيها التصريح بأن النبي ﷺ أسهم للفارس وفرسه ثلاثه أسهم وللراجل سهما وفيهما معنى ذلك حديث أنس ﵁ ومن حديث عروة البارقي ومنها حديث الزبير
стр. 458
نحو ذلك عند أحمد ورجاله رجال الصحيح وحديث أبي رهم عند الدارقطني وأبي يعلى والطبراني ومن حديث أبي هريرة عند الترمذي والنسائي ومن حديث جرير عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره وحديث عتبة بن عبد عند أبي داود وحديث جابر وأسماء بنت يزيد عند أحمد وفي الباب أحاديث وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الفارس يأخذ له ولفرسه سهمين والراجل سهما وتمسكوا بحديث مجمع ابن حارثة عند أحمد وأبي داود قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما". وهذا الحديث في إسناده ضعف وقال: أبو داود إن فيه وهما وإنه قال: ثلثمائة فارس وإنما كانوا مائتين.
وأما كونه يستوى في ذلك القوي والضعيف ومن قاتل ومن لم يقاتل فلحديث ابن عباس عند أبي داود والحاكم وصححه أبو الفتح في الاقتراح على شرط البخاري أن رسول الله ﷺ قسم غنائم بدر بالسواء بعد وقوع الخصام بين من قاتل ومن لم يقاتل ونزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١] وأخرج نحوه أحمد برجال الصحيح من حديث عبادة بن الصامت وأخرج أحمد من حديث سعد بن مالك قال: قلت يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم ويكون سهمه وسهم غيره سواء قال: "ثكلتك أمك ابن أم سعد وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" وأخرجه البخاري أيضا والنسائي عن مصعب ابن سعد قال: "رأى سعد أن له فضلا على من دونه" فقال: النبي "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" وأخرج نحوه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححة.
وأما كونه يجوز تنفيل بعض الجيش فلما أخرجه مسلم ﵀ وغيره من أن النبي ﷺ أعطى سلمة بن الأكوع سهم الفارس وسهم الراجل جميعها له وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وعزاه المنذري في مختصر السنن
стр. 459
إلى مسلم رحمه الله تعالى: أن النبي ﷺ نفل سعد ابن أبي وقاص يوم بدر سيفا" وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. وحكى بعض أهل العلم الإجماع عليه واختلف العلماء هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس وقد ورد في تنفيل السرية حديث حبيب بن أبي سلمة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه وصححه ابن الجارود وابن حبان والحاكم أن النبي ﷺ نفل الربع بعد الخمس في بدأته ونفل الثلث بعد الخمس في رجعتة" وأخرج نحوه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه ابن حبان من حديث عبادة ابن الصامت وأخرج أحمد وأبو داود وصححه الطحاوي من حديث معن ابن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نفل إلا بعد الخمس". وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان ينفل بعد أن يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسمة عامه الجيش والخمس في دلك كله وفيهما أنه نفل بعض السرايا بعيرا بعيرا وفي الباب أحاديث.
وأما كون للإمام الصفي وسهمه كأحد الجيش فلحديث يزيد بن عبد الله بن الشخير عند أبي داود والنسائي وسكت عنه أبو داود والمنذري قال: كنا بالمريد إذ دخل رجل معه قطعة أديم فقرأناها فإذا فيها "من محمد رسول الله ﷺ إلى بني زهير بن قيس إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأديتم الخمس من المغنم وسهم النبي ﷺ وسهم الصفي أنتم آمنون بأمان الله ورسوله" فقلنا من كتب هذا قال: رسول الله ﷺ قال المنذري: ورواه بعضهم عن يزيد بن عبد الله وسمى الرجل النمر بن تولب وأخرج أبو داود عن الشعبي مرسلا قال: كان للنبي ﷺ سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا وإن شاء أمة وإن شاء فرسا يختاره قبل الخمس وأخرج أبو داود من حديث ابن عون مرسلا نحوه وأخرج أحمد والترمذي وحسنه من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر وأخرج أبو داود من حديث عائشة قالت: كانت صفية من الصفي وأخرج أبو داود من حديث أنس نحوه ويعارضه ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس أيضا قال:
стр. 460
صارت صفية لدحية الكلبي ثم صارت لرسول الله ﷺ وفي رواية أنه اشتراها منه بسبعة أرؤس.
وأما كونه يرضخ من الغنيمة لمن حضر فلحديث ابن عباس وغيره أنه سأله سائل عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم إذا حضرا البأس فأجاب إنه لم يكن لهما سهم معلوم إلا أن يحذيا من غنائم القوم وفي لفظ أن النبي ﷺ كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة.
وأما السهم فلم يضرب لهن وأخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عمر مولى أبي اللحم أنه شهد خيبر مع مواليه فأمر له ﷺ من حرثي المتاع وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع النبي ﷺ غزوة خيبر سادسة ست نسوة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث إلينا فجئنا فرأينا فيه الغضب فقال: مع من خرجتن وبإذن من خرجتن فقلنا يا رسول الله خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ومعنا دواء للجرحى ونناول السهام ونسقي السويق قال: قمن فانصرفن حتى إذا فتح الله عليه خيبرا أسهم لنا كما أسهم للرجال قال: فقلت لها يا جدة وما كان ذلك قالت: تمرا وفي إسناده رجل مجهول وهو حشرج وقال: الخطابي إسناده ضعيف لا تقوم به الحجة وأخرج الترمذي عن الأوزاعي مرسلا قال: أسهم النبي ﷺ للصبيان بخيبر وحديث حشرج كما عرفت ضعيف وهذا مرسل فلا ينتهضان لمعارضة ما تقدم وقد حمل الإسهام هنا على الرضخ جمعا بين الأحاديث وقد اختلف أهل العلم في ذلك فذهب الجمهور إلى أنه لا يسهم للنساء والصبيان بل يرضخ لهم فقط إن رأى الإمام ذلك.
وأما كونه يؤثر المؤلفين إن رأى في ذلك في ذلك صلاحا فلحديث فلحديث أنس في البخاري وغيره أن النبي ﷺ قسم الغنائم في أشراف قريش تأليفا لهم وترك الأنصار والمهاجرين وهكذا ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود وغيره
стр. 461
أن النبي ﷺ أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك وأعطى أناسا من أشراف العرب والقصة مشهورة مذكورة في كتب السير بطولها والمراد بأشراف قريش أكابر مسلمة الفتح كأبي سفيان ابن حرب وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وحكيم ابن حزام وصفوان بن أمية.
وأما كونه إدا رجع ما أخده الكفار من المسلمين كان لمالكه فلحديث عمران بن حصين عند مسلم ﵀ وغيره أن العضباء ناقة رسول الله ﷺ أصيبت فركبتها امرأة من المسلمين ورجعت إلى رسول الله ﷺ وقد كانت نذرت أن تنحرها إذا نجاها الله عليها فقال: رسول الله ﷺ : "لا وفاء بندر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد" وأخرج البخاري وغيره عن ابن عمر أنه ذهب فرس له فأخذه العدو فظهر عليهم المسلمون فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ وأبق عبد له فلحق بأرض الروم وظهر عليهم المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ وفي رواية لأبي داود أن غلاما لابن عمر أبق إلى العدو فظهر عليهم المسلمون فرده ﷺ إلى ابن عمر ولم يقسم وقد ذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أن أهل الحرب لا يملكون بالغلبة شيئا من المسلمين ولصاحبه أخده قبل الغنيمة وبعدها وروى عن علي والزهري وعمرو بن دينار أنه لا يرد أصلا ويخنص به أهل الغنائم وروى عن عمر وسليمان بن ربيعة وعطاء والليثي ومالك وأحمد وآخرين إن وجده صاحبه قبل القسمة فهو أحق به وإن وجده بعد القسمة فلا يأخده إلا بالقيمة وقد روى عن ابن عباس والدارقطني مثل هذا التفصيل مرفوعا وإسناده ضعيف جدا وقد ذهب إلى هدا التفصيل الهدوية والفقهاء السبعة.
وأما كونه يحرم الإنتفاع بشيء من الغنيمه قبل القسمه إلا الطعام والعلف فلحديث رويفع ابن ثابت عند أحمد وأبي داود والدارمي والطحاوي وابن حبان أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن
стр. 462
يتناول مغنما حنى يقسم ولا يلبس ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه ولا أن يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه وفي إسناده محمد بن إسحاق وفيه مقال معروف وقال ابن حجر: أن رجال إسناده ثقات وقال: أيضا أن إسناده حسن وأخرج البخاري من حديث ابن عمر قال: كنا نصيب في مغازيل العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه وزاد أبو داود فلم يؤخد منهم الخمس وصحح هده الزياده ابن حبان وأخرج أبو داود والبيهقي وصححه من حديث ابن عمر أيضا أن جيشا غنموا في زمن رسول الله ﷺ طعاما وعسلا فلم يأخد منهم الخمس وأخرج مسلم ﵀ وغيره من حديث عبد الله ابن المغفل قال: أصبت جرابا من شحم يوم خيبر فالتزمنه فقلت لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسما وأخرج أبو داود والحاكم والبيهقي من حديث ابن أبي أوفى قال: أصبنا طعاما يوم خيبر وكان الرجل يجىء فيأخد منه مقدار ما يكفيه ثم ينطلق وأخرج أبو داود من حديث القاسم مولى عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: كنا نأكل الجرر في الغزو ولا نقسمه حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا وأخرجتنا مملوءة منه وقد تكلم في القاسم غير واحد وقد ذهب إلى جواز الانتفاع بالطعام والعلف للدواب بغير قسمة الجمهور سواء أذن الإمام أو لم يأذن وقال: الزهري لا يؤخذ شيء من الطعام ولا غيره وقال سليمان ابن موسى: يؤخذ إلا أن ينهى الإمام.
وأما كونه يحرم الغلول، فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغير هما في قصة العبد الذي أصابه سهم فقال: الصحابة هنيئا له الشهادة يا رسول الله فقال: "كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخدها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم" قال: ففرغ الناس فجاء رجل بشراك أو بشراكين فقال: يا رسول الله أصبت هذا يوم خيبر فقال: رسول الله ﷺ : "شراك أو شراكان من نار" وأخرج مسلم ﵀ من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم خيبر قتل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: فلان شهيد وفلان
стр. 463
شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد فقال: رسول الله ﷺ : "كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة" وأخرج البخاري وغيره من حديث ابن عمر قال: كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال: له كركرة فمات فقال رسول الله ﷺ : "هو في النار" فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءه قد غلها وقد قال: سبحانه ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١] وثبت في البخاري وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس على رقبته شاة" الحديث. وقد نقل النووي الاجماع على أنه من الكبائر وقد ورد في تحريق متاع الغال ما أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه وفي إسناده زهير بن محمد الخراساني وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي من حديث عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: "إذا وجدتم الغال قد غل فاحرقو متاعه واضربوه" وفي إسناده صالح بن محمد ابن زائدة تكلم فيه غير واحد.
وأما كون من جملة الغنيمة الأسرى فلا خلاف في ذلك.
وأما كونه يجوز القتل والفداء والمن فلقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧] وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤] وقد ثبت عن رسول الله ﷺ القتل للأساري وأخذ الفداء منهم والمن عليهم ثبوتا متواترا في وقائع ففي يوم بدر قتل بعضهم وأخد الفداء من غالبهم وأخرج البخاري من حديث جبير ابن مطعم أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له" وفي مسلم من حديث أنس أنه ﷺ أخذ الثمانين النفر الذين هبطوا عليه وأصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم ثم إن النبي ﷺ أعتقهم فأنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح:٢٤] الآية وقد ذهب الجمهور إلى أن
стр. 464
الإمام يفعل ماهو الأحوط للإسلام والمسلمين في الأسرى فيقتل أو يأخذ الفداء أو يمن وقال: الزهري ومجاهد وطائفة لا يجوز أخد الفداء من أسرى الكفار أصلا وعن الحسن وعطاء لا يقتل الأسير بل يخير المن والفداء وعن مالك لا يجموز المن بغير فداء وعن الحنفية لا يجوز المن أصلا لا بفداء ولا بغيره
стр. 465
فصل في استرقاق العرب وعدمه
ويجوز استرقاق العرب وقتل الجاسوس وإدا أسلم الحربي قبل القدرة عليه أحرز أمواله وإذا أسلم عبد لكافر صار حرا والأرض المغنومة أمرها إلى الإمام فيفعل الأصلح من قيمتها أو تركها مشتركة بين الغانمين أو بين جميع المسلمين ومن أمنه أحد المسلمين صار أمنا والرسول كالمؤمن ويجوز مهادنة الكفار ولو بشرط وإلى أجل أكثره عشر سنين ويجوز تأييد المهادنة بالجزية ويمنع المشركون وأهل الذمة من السكون في جزيرة العرب.
أقول: أما كونه يجوز استرقاق العرب فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرعما أنه كان عند عائشة سبية من بني تميم فقال رسول الله ﷺ : "أعتقيها فإنها من ولد إسمعيل" وأخرج البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: حين جاء وفد هوزان مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فقال: رسول الله ﷺ " أحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال" الحديث وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أن جويرية بنت الحارث من سبي المصطلق كاتبت عن نفسها ثم تزوجها رسول الله ﷺ على أن يقضي كتابها فلما تزوجها قال: الناس أصهار رسول الله ﷺ فأرسلوا ما بأيديهم من السبي أخرجه أحمد من حديث عائشة وقد ذهب إلى جواز
стр. 466
استرقاق العرب الجمهور وحكى في البحر عن العترة والحنفية أنه لا يقبل مشركي العرب الأ الإسلام أوالسيف واستدل بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥] الآية ولا يخفي أنه لا دليل في الآية على المطلوب ولو سلم ذلك كان ما وقع منه ﷺ مخصصا لذلك وقد صرح القرآن الكريم بالتخير بين المن والفداء فقال: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤] ولم يفرق بين عربي وعجمي واستدلوا بما أخرجه الشافعي والبيهقي أن النبي ﷺ قال يوم حنين: "لو كان الإسترقاق جائزا على العرب لكان اليوم إنما هو أسرى" وفي إسناده الواقدي وهو ضعيف جدا ورواه الطبراني من طريق أخرى فيها يزيد بن عياض وهو أشد ضعفا من الواقدي وقد خصت الهدوية عدم جواز الاسترقاق بذكور العرب لا بإناثهم وقد أخذ رسول الله ﷺ الفدية من ذكور العرب في بدر وهو فرع الاسترقاق وأما قتل الجاسوس فلحديث سلمة بن الأكوع عند البخاري وغيره قال: أتى النبي ﷺ عين وهو في سفر فجلس عند بعض أصحابه يتحدث ثم انسل فقال النبي ﷺ : "اطلبوه فاقتلوه" فسبقهم إليه فقتله فنفلني رسول الله ﷺ سلبه وهو متقن على قتل الجاسوس الحربي.
وأما المعاهد والذمى فقال: مالك والأوزعي ينتقص عهده بذلك وأخرج أحمد وأبو داود عن فرات بن حبان أن النبي ﷺ أمر بقتله وكان عينا لأبي سفيان وحليفا لرجل من الأنصار فهو بحلقة من الأنصار فقال: إني مسلم فقال: رجل من الأنصار يارسول الله إنه يقول إنه مسلم فقال: رسول الله ﷺ إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم قرات بن خبان وفي إسناده أبو همام الدلال محمد بن محبب ولا يحتج بحديثه وهو يرويه عن سفيان ولكنه قد روى الحديث المذكور عن سفيان بشر بن السرى وهو ممن اتفق على الاحتجاج به البخاري ومسلم رحمهما الله ورواه عن الثوري ايضا عباد ابن الأزرق العباداني وهو ثقه.
وأما كونه إذا اسلم الحربي قبل القدره عليه أحرز ماله فلحديث صخر بن
стр. 467
عيلة أن النبي ﷺ قال: "إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وماله" أخرجة أحمد وأبو داود ورجاله ثقات وفي لفظ أن القول إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم وأخرج أبو يعلى من حديث أبي هريرة مرفوعا "من أسلم على شيء فهو له" وضعفه ابن عدي بياسين الزيات الراوي له عن أبي هريرة قال: البيهقي إنما يروى عن ابن أبي مليكة عن عروة مرسلا وقد أخرجه عن عروة مرسلا سعيد بن منصور برجال ثقات أن النبي ﷺ حاصر بني قريضة فأسلم ثعلبة وأسيد بن سعية فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار ومما يدل على ذلك الحديث الصحيح الثابت من طرق أن النبي ﷺ قال: " إذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وقد ذهب الجمهور إلى أن الحربي إذا أسلم طوعا كانت له جميع أمواله في ملك فلا فرق بين من أسلم في دار الحرب أو في دار الإسلام.
وأما كونه إذا أسلم عبد الكافر صار حرا فلحديث ابن عباس عند أحمد وابن أبي شيبة قال: أعتق رسول الله ﷺ يوم الطائف من خرج إليه من عبيد المشركين وأخرجه أيضا سعيد بن منصور مرسلا وقصة أبي بكرة في تدليه من حصن الطائف مذكورة في صحيح البخاري ورواه أبو داود عن الشعبي عن رجل من ثقيف قال: سألنا رسول الله ﷺ أن يرد إلينا أبا بكرة وكان مملوكنا فأسلم قبلنا فقال: "لا هو طليق رسوله" وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث علي قال: خرج عبدان إلى رسول الله ﷺ يوم الحديبية قبل الصلح فكتب إليه مواليهم فقالوا: والله يا محمد ما خرجوا إليك رغبه في دينك إنما خرجوا هربا من الرق فقال: ناس صدقوا يا رسول الله ردهم إليهم فغضب رسول الله ﷺ وقال: "ما أراكم تنتبهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب أعناقكم على هذا" وأبى أن يردهم وقال: "هم عتقاء الله " وأخرج أحمد عن أبي سعيد الأعشم قال: قضى رسول الله ﷺ في العبد إذا جاء وأسلم ثم جاء مولاه فأسلم أنه حر وإذا جاء المولى ثم جاء العبد بعد ما أسلم مولاه فهو أحق به وهو مرسل.
стр. 468
وأما كون الأرض المغنومة أمرها إلى الإمام يفعل الأصلح من تلك الوجوه فلأن النبي ﷺ قسم أرض قريظة والنضير بين الغانمين وقسم نصف أرض خيبر بين المسلمين وجعل النصف الآخر لما ينزل به الوفود والأمور ونوائب الناس كما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث بشير بن يسار عن رجل من الصحابة وأخرج أيضا نحوه أبو داود من حديث سهل بن أبي حثمة وقد ترك الصحابة ما غنموه من الأرض مشتركة بين جميع المسلمين يقسمون خراجها بينهم وقد ذهب إلى ماذكرناه جمهور الصحابة ومن بعدهم وعمل عليه الخلفاء الراشدون وأخرج مسلم ﵀ وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أيما قرية أتيتموها فأقمتم فيها فسهمكم فيها وأيما قرية عصت الله ورسوله فخمسها لله ورسوله ثم هي لكم".
وأما كون من أمنه أحد المسلمين صار آمنا فلحديث علي ﵁ عند أحمد وأبي داود والنسائي والحاكم عن النبي ﷺ قال: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظ "يد المسلمين على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويجير عليهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم" وأخرجه ابن حبان في صحيحة من حديث ابن عمر مطولا وأخرجه ابن ماجه من حديث معقل بن يسار مختصرا بلفظ المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤعم وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة مختصرا أيضا وأخرجه مسلم رحمة الله من حديث أبي هريره أيضا بلفظ "إن ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" وهو في الصحيحين من حديث علي ﵁ وأخرجه البخاري من حديث أنس وفي الباب أحاديث وقد أجمع أهل العلم على أن من أمنه أحد من المسلمين صار آمنا قال: ابن المنذر أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة انتهى.
وأما العبد فأجاز أمانة الجمهور.
стр. 469
وأما الصبي فقال: ابن المنذر أجمع أول العلم على أمان الصبي غير جائز انتهى وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف.
وأما كون الرسول كالمؤمن فلحديث ابن مسعود عند أحمد وأبي داود والنسائي والحاكم أن رسول الله ﷺ قال: لرسولي مسيلمة "لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما" وأخرج أحمد وأبو داود من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي أن رسول الله ﷺ قال لهما: "والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" وقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان وصححه أن رسول الله ﷺ قال لأبي رافع لما بعثته قريش إليه: فقال: يا رسول الله لا أرجع إليهم فقال: له رسول الله ﷺ "إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد ولكن ارجع إليهم فإن كان في قلبك الذي فيه الآن يعني الإسلام فارجع".
وأما كونه تجوز مهادنة الكفار ولو بشرط وإلى أجل أكثره عشر سنين فلحديث أنس عند مسلم ﵀ وغيره أن قريشا صالحوا النبي ﷺ فاشترطوا عليه أن من جاء منكم لا نرده عليكم ومن جاء منا رددتموه علينا فقالوا: يا رسول الله أتكتب هذا قال: "نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا" وهو في البخاري وغيره من حديث المسور بن مخرمة ومروان مطولا وفيه أن مدة الصلح بينه ﷺ وبين قريش عشر سنين وقد اختلف أهل العلم في جواز مصالحة الكفار على رد من جاء منهم مسلما وفعله ﷺ يدل على جواز ذلك ولم يثبت ما يقتضي نسخه.
وأما قدر مدة الصلح فذهب الجمهور إلى أنه يجوز أن يكون أكثر من عشر سنين لأن الله سبحانه قد أمرنا بمقاتلة الكفارفي كتابه العزيز فلا يجوز مصالحتهم بدون شيء من جزية أو نحوها ولكنه لما وقع ذلك من النبي ﷺ كان دليلا على الجواز إلى المدة التي وقع عليها الصلح ولا تجوز الزيادة عليها رجوعا إلى الأصل وهو وجوب مقاتلة الكفار ومناجزتهم الحرب وقد قيل أنها لا تجوز مجاوزة أربع سنين وقيل ثلاثة سنين ولا تجوز مجاوزة سنتين.
стр. 470
وأما كونه يجوز تأييد المهادنة بالجزية فلما تقدم من أمره ﷺ بدعاء الكفار إلى ثلاث خصال منها الجزية وحديث عمرو بن عوف الأنصاري في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء ابن الحضرمي وأخرج أبو عبيدة عن الزهري مرسلا قال: قبل رسول الله ﷺ الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا وأخرج أبوداود من حديث أنس أن النبي ﷺ بعث خالدا إلى أكيدر دومة فأخده فأتوا به فحقن دمه وصالحه على الجزية وأخرج أبو عبيد في كتاب الأموال عن الزهري أن أول من أعطى الجزية أهل نجران وكانوا نصارى وقد جعل النبي ﷺ على أهل اليمن على كل حالم دينارا كل سنة أو قيمته من المعافر يعني أهل الذمة منهم رواه الشافعي في مسنده عن عمر بن عبد العزيز وهو ثابت في حديث معاذ المشهور عند أبي داود وأخرج البخاري وغيره من حديث المغيرة ابن شعبة أنه قال: لعامل كسرى أمرنا رسول الله ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية وأخرج البخاري عن ابن أبي نجيح قال: قلت لمجاهد ماشأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار قال: جعل ذلك من قبيل اليسار وقد وقع الإتفاق على أنها تقبل الجزية من كفار العجم من اليهود والنصارى والمجوس وقال: مالك والأوزعي وفقهاء الشام أنها أقبل من جميع الكفار من العرب وغيرهم وقال: الشافعي بأن الجزية تقبل من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ويلحق بهم المجوس في ذلك وقد استدل من لم يجوز أخذها إلا من العجم فقط بما وقع في حديث ابن عباس عند أحمد والترمذي وحسنه أن النبي ﷺ قال لقريش: "أنه يريد منهم كلمه تدين لهم بها العرب وتؤدى إليهم بها العجم الجزية يعني كلمة الشهادة" وليس هذا مما ينفي أخذ الجزية من العرب ولا سيما مع قوله ﷺ في حديث سليمان ابن بريدة المتقدم: "وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال" وفيها الجزية.
وأما كونه يمنع المشركون وأهل الذمة من السكون ي حزيرة العرب
стр. 471
فلحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ أوصى عند موته بثلاث: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة" والشك من سليمان الأحول وأخرج مسلم ﵀ وغيره من حديث عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول " لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما" وأخرج أحمد من حديث عائشة أن آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال: "لا يترك بجزيرة العرب دينان" وهو من رواية ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنها والأدلة هذه قد دلت على إخراج كل مشرك من جزيرة العرب سواء كان ذميا أو غير ذمي وقيل إنما يمنعون من الحجاز فقط استدلالا بما أخرجه أحمد والبيهقي من حديث أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به ﷺ : "أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب" وهذا لا يصلح لتخصيص العام لما تقرر في الأصول من أن التخصيص بموافق العام لا يصح وقد حكى ابن حجر في فتح البارى عن الجمهور أن الذي يمنع منه المشركون من جزيرة العرب هو الحجاز خاصة قال: وهو مكة والمدينة وما والاهما لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم الجزيرة وعن الحنفية يجوز مطلقا إلا المسجد الحرام وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة وقال: الشافعي لا يدخلون الحرم أصلا إلا بإذن الإمام وذهب الهدوية إلى أنه يجوز الإذن لهم بسكون جزيرة العرب لمصلحة المسلمين.
стр. 472
فصل في قتال البغاة حتى يعودوا إلى الحق
"ويجب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحق ولا يقتل أسيرهم ولا يتبع مدبرهم ولا يجاز على جريحهم ولا تغنم أموالهم"
أقول: أما وجوب قتلا البغاة فلقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩] فأوجب سبحانه قتال الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله ولا فرق بين أن يكون البغي من أحد من المسلمين على إمامهم أو على طائفة منهم.
وأما كونه لا يقتل أسيرهم إلى آخر ما ذكرناه فلما أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: "يا ابن أم عبد ما حكم من بغى من أمتي؟ قال: الله ورسوله أعلم فقال: رسول الله ﷺ : "لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم" وفي لفظ "ولا يذفف على جريحهم ولا يغنم منهم" سكت عنه الحاكم وقال: ابن عدي هذا الحديث غير محفوظ وقال: البيهقي ضعيف وقال: صاحب بلوغ المرام أن الحاكم صححه فوهم لأن في إسناده كوثر بن حكيم وهو متروك وصح عن على من طرق نحوه موقوفا والصحيح أن نادى بذلك منادي على يوم صفين ولم يثبت الرفع وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي من طريق عبد خير عن على بلفظ نادى منادي على يوم الجمل ألا لا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم وأخرج سعيد بن منصور عن مروان بن الحكم قال: صرخ صارخ لعلي ﵁ يوم الجمل لا يقتلن مدبر ولا يذفف على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقي السلاح فهو آمن وأخرج أحمد في رواية الأثرم واحتج به عن الزهري قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فأجمعوا أن لا يقاد أحد ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه. وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال:
стр. 473
شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يلبسون قتيلا وأخرج البيهقي عن علي أنه قال: يوم الجمل إن ظفرتم على القوم فلا تطلبوا مدبرا ولا تجيزوا على جريح وانظروا إلى ما حضروا به الحرب من آله فاقبضوه وما سوى ذلك فهو لورثتهم قال: البيهقي هدا منقطع والصحيح أنه لم يأحذ منه شيئا ولم يسلب قتيلا ويؤيد جميع هذه الآثار أن الأصل في دماء المسلمين وأموالهم الحرمة فلا يحل شيء منها إلا بدليل شرعي والمراد بالإجازة على الجريح والإجهاز والتذفيف أن يتم قتله ويسرع فيه وما حكاه الزهري من الإجماع على عدم القود يدل على أنه لاقصاص في أيام الفتنة.
وقد أخرج هذا الأثر عن الزهري والبيهقي بلفظ هاجست الفتنة الأولى فأدركت يعني الفتنة رجالا ذوي عدد من أصحاب النبي ﷺ ممن شهد معه بدرا وبلغنا أنهم يرون أن هذا أمر الفتنة لا يقام فيه على رجل قاتل في تأويل القرآن قصاص فيمن قتل ولا حد في سبي امرأة سبيت ولا يرى عليها حد ولا بينها وبين زوجها ملاعنة ولا يرى أن يقذفها أحد إلا جلد الحد ويرى أن ترجع إلى زوجها الأول بعد أن تعتد عدتها من زوجها الآخر ويرى أن يرثها زوجها الأول انتهى.
قال: في البحر ولا يجوز سبيهم ولا اغتنام مايجلبوا به إجماعا لبقائهم على الملة وحكى عن أكثر العتره أنه يجوز اغتنام ماجلبوا به من مال وآله حرب وحكى عن النفس الزكية والحنفية أنه لا يغنم منهم شيء
стр. 474
فصل في وجوب طاعة الإمام
وطاعة الأئمة واجبة إلا في معصية الله ولا يجوز الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة ولم يظهروا كفرا بواحا ويجب الصبر على جورهم وبذل النصيحة لهم وعليهم الذب عن المسلمين وكف يد الظالم وحفظ
стр. 475
ثغورهم وتدبيرهم بالشرع في الأبدان والأديان والأموال وتفريق أموال الله في مصارفها وعدم الاستئثار بما فوق الكفاية بالمعروف والمبالغة في إصلاح السيرة والسريرة.
أقول: أما وجوب طاعة الأئمة إلا في معصية الله تعالى فلقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] والأحاديث المتواترة في وجوب طاعة الأئمة منها ماأخرجة البخاري من حديث أنس مرفوعا اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسة زبيبة ماأقام فيكم كتاب الله وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عنه ﷺ من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عنه ﷺ على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وأما كونه لا يجوز الخروج عليهم ماأقاموا الصلاة ولم يظهروا كفرا بواحا فلحديث عوف بن مالك ﵁ عند مسلم ﵀ وغيره قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم" قال: قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عنذ ذلك قال: " لا ما أقاموا فيكم الصلاة إلا من ولى عليهم وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره مايأتي من معصية ولا ينزعن يدا عن طاعة" وأخرج مسلم ﵀ أيضا وغيره من حديث حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال: يكون بعدي أئمة لايهتدون بهديى ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنسان قال: قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع وأخرج مسلم رحمة الله أيضا من حديث عرفجة الأشجعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصامكم أو يفرق جماعتكم
стр. 476
فاقتلوه" وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان" والبواح بالموحدة والمهملة قال: الخطابي معنى قوله: بواحا ظاهرا وأخرج مسلم ﵀ من حديث أبي هريرة عنه ﷺ : "من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فميتتة جاهلية" وأخرج ﵀ نحوه أيضا عن ابن عمر وفي الصحيحين من حديث ابن عمر "من حمل علينا السلاح فليس منا" وأخرجناه أيضا من حديث أبي موسى ﵁ وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة وسلمه ابن الأكوع ﵄ والأحاديث في هذا الباب لا يتسع المقام لبسطها وقد ذهب إلى ماذكرنا جمهور أهل العلم وذهب بعض أهل العلم إلى جواز الخروج على الظلمة أو وجوبه تمسكا بأحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي أعم مطلقا من أحاديث الباب ولا تعارض بين عام وخاص ويحمل ما وقع من جماعة من أفاضل السلف على اجتهاد منهم وهم أتقى لله وأطوع لسنة رسول الله ﷺ ممن جاء بعدهم من أهل العلم.
وأما كونه يجب الصبر على جورهم فلما تقدم من الأحاديث وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهيلة" وفيها من حديث أبي هريرة مرفوها: "أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم" وأخرج أحمد من حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يا أبا ذر كيف بك عند ولاه يستأثرون عليك بهدا الفيء قال: والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي وأضرب حتى ألحقك قال: "أو لا أدلك على ما هو خير لك من ذلك تصبر حتى تلحقني" وفي الباب أحاديث كثيرة.
وأما وجوب بذل النصيحة لهم فلما ثبت في الصحيح من أن "الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمه المسلمين" من حديث تميم الداري بهدا اللفظ والأحاديث الواردة في مطلق النصيحة متواترة وأحق الناس بها الأئمة.
стр. 477
وأما كونه على الأئمة الذب عن المسلمين إلى آخر ما في المختصر فذلك معلوم من أدلة الكتاب والسنه الني لا يتسع المقام لبسطها ولا خلاف في وجوبها جميعا على الإمام وهذه الأمور هي التي شرع الله نصب الأئمة لها فمن أخل من الأئمة والسلاطين بشيء منها فهو غير مجتهد لرعينة ولا ناصح لهم بل غاش خائن وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: "مامن عبد يسترعيه الله رعية يوم يموت وهو غاش لرعيتة إلاحرم الله عليه الجنة" وفي لفظ لمسلم رحمه الله تعالى ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجتهد لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل الجنة وأخرج مسلم رحمة الله وغيره من حديث عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به" وبالجملة فعلى الإمام والسلطان أن يقتدي برسول الله ﷺ وبالخلفاء الراشدين في جميع ما يأني ويذر فإنه إن فعل ذلك كان اه ما لأئمة العدل من الترغيبات الثابت في الكتاب والسنة وحاصلها الفوز بنعم الدنيا والآخرة.
وإلى هنا انتهى تحرير ما أردنا بعونة الله فله الحمد كثيرا
في يوم السبت لاثنى عشر خلت من جمادى الآخرة سنة عشرين ومائتين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
انتهى كلام المؤلف سلمه الله تعالى فرغ من تحريره الحقير محمد بن أحمد الشاطبي عفا الله عنه وعن المؤمنين أجمعين يوم الأربعاء حادى عشر شهر شعبان عام "١٣٣٨" والحمد لله الذي بنعمتة تتم الصالحات