← Фикх общий

Фикх общий · id 7264

الدراري المضية شرح الدرر البهية

الشوكاني

Полный текст (477 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأخرج البيهقي وابن عدى من حديث عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقاد مملوك من مالكه ولا ولد من والده" وفي إسناده عمر ابن عيسى السلمي وهو منكر الحديث كما قال: البخاري وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا: "لا يقتل حر بعبد" وفي إسناده جويبر وغيره من المتروكين وأخرج البيهقي عن علي قال: "من السنه لا يقتل حر بعبد" وفي إسناده جابر الجعفي وهو متروك وأخرج البيهقي من حديث على نحو حديث عمرو بن شعيب وفي الباب أحاديث تشهد لهذه وتقويها. وأما كونه لا يقتل المسلم بالكافر فلحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يقتل مسلم بكافر" أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم وصححه وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر وأخرج البخاري وغيره عن علي أنه قال له أبو جحيفة هل عندكم من الوحي ما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحب وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة قلت وما في هذه الصحيفة قال: "المؤمنون تتكافأ دمائهم وفكاك الأسير وأن لا يقتل المسلم بالكافر" وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يقتل المسلم بالكافر الحربى وأما الذمي فذهب إلى ذلك الجمهور ولم يات من ذهب إلى قتل المسلم بالذمي بما يصلح للإستدلال به. وأما كونه لا يقتل الأصل بالفرع فلحديث "لا يقتل الوالد بالولد" أخرجه الترمذي من حديث عمر وفي إسناده الحجاج بن أرطأة ولكن له طريق أخرى عن أحمد والبيهقي والدارقطني ورجال إسنادها ثقات وأخرج نحوه الترمذي أيضا من حديث سراقة وفي إسنادهما ضعف وأخرجه أيضا من حديث ابن عباس وقد أجمع أهل العلم على ذلك لم يخالف فيه إلا البتي ورواية عن مالك. وأما كونه يثبت القصاص في الأعضاء ونحوها والجروح مع الإمكان

стр. 422

فلقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:٤٥] إلى آخر الآية وهي وإن كانت حكاية عن بني إسرائيل فقد قرر ذلك النبي ﷺ كما في حديث أنس في الصحيحين وغيرهما أن الربيع كسرت ثنية جارية فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص وأما تقييد ذلك بالإمكان فلأن بعض الجروح قد يتعذر الاقتصاص فيها كعدم إمكان الاقتصار على مثل ما في المجنى عليه وخطاب الشرع محمول على الإمكان من دون مجاوزة للمقدار الكائن في المجني عليه فإن كان لا يمكن إلا بمجاوزة للمقدار وبمخاطرة أو أضرار فالأدلة الدالة على تحريم دم المسلم وتحريم الإضرار به بما هو خارج عن القصاص مخصصه لدليل الإقتصاص. وأما كونه يسقط بإبراء أحد الورثه ويلزم نصيب الآخرين من الدية فلما تقدم من كون أمر القصاص إلى الورثة وأنهم بخير النظرين فإذا أبرأوا من القصاص سقط وإن أبرأ أحدهم سقط لأنه لا يتبعض ويستوفي الورثة نصيبهم من الدية وأخرج أبو داود من حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة" والمراد بالمقتتلين أولياء المقتول وينحجزوا أي ينكفوا عن القود بعفو أحدهم ولو كان امرأة وأما قوله: الأول فالأول أي الأقرب فالأقرب هكذا فسر الحديث أبو داود وفي إسناده حصن بن عبد الرحمن ويقال: ابن محصن أبو حذيفة الدمشقي قال: أبو حاتم الرازي لا أعلم من روى عنه غير الأوزاعي ولا أعلم أحدا نسبه وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قضى أن المرأة تعقل عصبتها من كانوا ولا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها وإن قتلت فعقلها بين ورثتها وهم يقتلون قاتلها وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد فقوله: وهم يقتلون قاتلها يفيد ان ذلك حق لهم يسقط بإسقاطهم أو إسقاط بعضهم وقد ذهب إلى ذلك العترة والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه.

стр. 423

وأما كونه إذا كان صغير انتظر في القصاص بلوغه فدليله ما قدمناه من أن ذلك حق لجميع الورثة ولا اختيار للصبي قبل بلوغه. وأما كونه يهدر ما سببه من المجني عليه فلحديث عمران بن حصين في الصحيحين وغيرهما أن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثنياته فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقال: "يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل لا دية لك" وفيهما أيضا من حديث يعلى ابن أمية نحوه وإلى ذلك ذهب الجمهور. وأما كونه إذا أمسك رجل وقتل آخر قتل القاتل وحبس الممسك فلحديث ابن عمر عند الدارقطني عن النبي ﷺ قال: "إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك" وهو من طريق الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ورواه معمر وغيره عن إسماعيل قال: الدارقطني والارسال أكثر وأخرجه أيضا البيهقي ورجح المرسل وقال: إنه غير محفوظ قال: ابن حجر رجاله ثقات وصححه ابن القطان وأخرج الشافعي عن علي أنه قضى في رجل قتل رجلا متعمدا وأمسكه آخر قال: يقتل القاتل ويحبس الآخر في السجن حتى يموت وقد ذهب إلى ذلك العترة والحنفية والشافعية ويؤيدة قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] وبالجملة فقتل القاتل مندرج تحت الأدلة المثبتة للقصاص وأما حبس الممسك فذلك نوع من التعزير استحقه بسبب إمساكه للمقتول وقد روى عن النخعي ومالك والليث انه يقتل الممسك كالمباشر لأنهما شريكان. وأما كون في قتل الخطأ الدية والكفارة فلنص الكتاب العزيز على ما في النظم القرآني من القيود والتفاصيل وقد وقع الإجماع على وجوب الدية والكفارة في الجمله وإن وقع الخلاف في بعض الصور كوجوب الكفارة من ماله معروف فمن لم

стр. 424

يوجبها جعل إيجابها من باب خطاب التكليف فقال: لا تجب إلا على مكلف ومن أوجبها جعله من باب خطاب الوضع وهكذا المجنون والكفارة هي ما ذكره الله تعالى من تحرير الرقبة وما بعده من الإطعام١ والصوم وأما الدية فسيأتي بيانها وبيان دية الخطأ الذي هو شبه العمد. وأما كون دية الخطا على العاقلة وهم العصبة فلحدجيث أبي هريرة في الصحيحين قال: قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد او أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها وفي لفظ لهما وقضى بدية المرأة على عاقلتها وفي مسلم وغيره من حديث جابر قال: كتب رسول الله ﷺ على كل بطن عقولة وأخرج أبو داود وابن ماجه أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد فجعل رسول الله ﷺ دية المقتول على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها فقال: عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال: رسول الله ﷺ " ميراثها لزوجها وولدها" وصححه النووي وفي إسناده مجالد وهو ضعيف وقد تقدم حديث عمرو بن شعيب قريبا وفيه أن رسول الله ﷺ قضى أن يعقل المرأة عصبتها الحديث وقد أجمع العلماء على ثبوت العقل وإنما اختلفوا في التفاصيل وفي مقدار ما يلزم كل واحد من العاقلة.

стр. 425

كتاب الديات مقدار الدية ... كتاب الديات دية الرجل المسلم مائة من الإبل أو مائتا بقرة أو ألفا شاة أو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم أو مائتا حلة وتغلظ دية العمد وشبهه بأن يكون المائة من الإبل في بطون أربعين منها أولادها ودية الذمي نصف دية المسلم ودية المرأة نصف دية الرجل والأطراف وغيرها كذلك في الزائد على الثلث وتجب الدية كاملة في العينين والشفتين واليدين والرجلين والبيضتين وفي الواحدة منها نصفها وكذلك تجب كاملة في الأنف واللسان والذكر والصلب وأرش المأمومة والجائفة ثلث دية المجني عليه وفي المنقلة عشر الدية ونصف عشرها وفي الهاشمة عشرها وفي كل سن نصف عشرها وكذا في الموضحة وما عدا هذه المسماة فيكون أرشه بمقدار نسبته إلى إحدها تقريبا وفي الجنين إذا خرج ميتا الغرة وفي العبد قيمته وأرشه بحبسها. أقول: أما تقدير الدية بما ذكر فلحديث عطاء بن أبي رباح عن النبي ﷺ وفي رواية عطاء عن جابر عن النبي ﷺ قال: فرض رسول الله ﷺ في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاة ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة رواه أبو داو د مسندا ومرسلا وفيه عنعنة محمد بن إسحاق وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله ﷺ أن من كان عقله في البقر مائتي بقرة ومن كان عقله في الشاء ألفي شاة وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد تكلم فيه غير واحد ووثقه جماعة وفي حديث عمرو بن حزم أن في النفس الدية مائة من الإبل وقد تقدم تخرجه في قتل الرجل بالمرأة وفيه أيضا وعلى أهل الذهب ألف دينار وأخرج أبو

стр. 426

داود من حديث ابن عباس أن رجلا من بنى عدى قتل فجعل النبي ﷺ ديته اثنى عشر ألفا وأخرجه الترمذي مرفوعا ومرسلا وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب تعن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين قال: كان كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: ألا إن الإبل قد غلت قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنى عشر ألفا وعلى أهل البقر مائتى بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة ولا يخفى أن هذا لا يعارض ما تقدم فقد وقع التصريح فيه برفع ذلك إلى النبي ﷺ وقد اختلف أهل العلم في مقادير الدية والحق ما ثبت من تقدير الشارع كما ذكرناه. وأما كونها تغلظ دية العمد وشبهه أن يكون المائة من الإبل في بطون أربعين منها أولادها فلحديث عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ خطب يوم فتح مكة فقال: "ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه دية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون من ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبخاري في تاريخه وساق اختلاف الرواة فيه وأخرجه لأيضا الدارقطني وأخرج أحمد وأبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "عقل شبه العمد مغلظ كالعمد ولا يقتل صاحبه وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فيكون دما في غير ضغينة ولا حمل سلاح" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبخاري في التاريخ والدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط أو العصا فيه مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها" وصححه ابن حبان وابن القطان وأخرج هذا الحديث من تقدم ذكره من حديث ابن عمر وفي الباب أحاديث وقد ذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين إلى أن القتل على ثلاثة أضرب عمد وخطأ وشبه عمد ففي العمد القصاص وفي الخطأ الدية وفي شبه العمد وهو ما كان بما مثله لا يقتل في العادة كالعصا والسوط والإبرة مع كونه قاصدا لقتل دية مغلظة وهي مائة من الإبل منها أربعون في بطونها

стр. 427

أولادها. وممن ذهب إلى هذا زيد بن علي والشافعية والحنفية وأحمد وإسحاق وقال مالك والليث والهادي: أن القتل ضربان: عمد وخطأ فالخطأ ما وقع بسبب من الأسباب أو من غير مكلف أو غير قاصد للمقتول ونحوه أو للقتل بما مثله لا يقتل في العادة والعمد ما عداه والأول لا قود فيه وقد حكى صاحب البحر الإجماع على هذا مع كون مذهب الجمهور على خلافه. وأما كون دية الذمي نصف دية المسلم فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "عقل الكافر نصف دية المسلم" أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وابن الجارود وصححه وأخرجه أيضا ابن ماجه بنحوه وأخرج ابن حزم من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: " دية المجوسي ثمانمائة درهم" وأخرجه أيضا الطحاوي والبيهقي وابن عدي وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف وأخرج الشافعي والدارقطني والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر يجعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف ودية المجوسي ثمانمائة وقد ذهب إلى كون دية الذمي نصف دية المسلم مالك وقال: الشافعي إن دية الكافر أربعة آلاف درهم كذا روى عنه والذي في منهاج النووي أن دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم قال: شارحه المحلى أنه قال: بذلك عمر وعثمان وابن مسعود وحكى في البحر عن زيد بن علي والقاسمية وأبي حنيفة أن دية المجوسي كالذمي كدية الثوري والزهري وزيد بن علي وأبو حنيفة والهدوية إلى أن دية الذمي كدية المسلم وروى عن أحمد أن ديته مثل دية المسلم إن قتل عمدا وإلا فنصف الدية احتج القائلون بتنصيف دية الذمي بالنسبة غلى دية المسلم بما تقدم واحتج القائلون بأنها كدية المسلم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢] ويجاب بأن هذا الإطلاق مقيدا بما ثبت عنه ﷺ من كونها على النصف من دية المسلم. وأما كون دية المرأة نصف دية الرجل والأطراف وغيرها كذلك في الزائد على الثلث فلحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته" أخرجة النسائي

стр. 428

والدارقطني وصححة ابن خزيمه وأخرج البيهقي من حديث معاذ عن النبي ﷺ قال: "دية المرأة نصف دية الرجل" قال: البيهقي إسناده لا يثبت مثله وأخرج ابن أبي شيبة والبهيقي عن علي ﵁ أنه قال: "دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل" وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة عن عمر وقد أفاد الحديث المذكور أن دية المرأة على النصف من دية الرجل وأن أرشها إلى الثلث من الدية مثل أرش الرجل وقد وقع الخلاف في ذلك بين السلف والخلف وأخرج مالك في الموطأ والبهيقي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: سألت سعيد بن المسيب كم في أصبع المرأة قال: عشر من الإبل قلت فكم في الأصبعين قال: عشرون من الإبل قلت فكم في ثلاث أصابع قال: ثلاثون من الإبل قلت فكم في أربع قال: عشرون من الإبل قلت حتى عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها قال: سعيد أعراقي أنت؟ قلت بل عالم متثبت أو في الأمور متعلم قال: هي السنة يا ابن أخي. وأما كونها تجب الدية كاملة في الأمور المذكورة فلحديث عمرو بن حزم الذي تقدم تخريجة وتصحيحة وفيه "أن في الأنف إذا أوعب جدعة الدية وفي السان وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية وفي الذكر الدية وفي الصلب الدية وفي العينين الدية وفي الرجل الواحدة الدية نصف الدية وفي المأمومة ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية وفي المنقلة خمس عشر من الإبل وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل وفي السن خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل وأخرج أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قضى في الأنف إذا جدع كله بالعقل وإذا جدعت أرنبته فنصف العقل وقضى في العين نصف العقل والرجل نصف العقل واليد نصف العقل وأما المأمومة ثلث العقل والمنقله خمسة عشر من الإبل" وقد أخرجه أبو داود وابن ماجه بدون ذكر العين والمنقلة وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد تكلم فيه جماعة ووثقه جماعة وأخرج الترمذي وصححه من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: دية أصابع اليدين والرجلين

стр. 429

سواء عشر من الإبل لكل أصبع وأخرج نحوه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي موسى وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " في كل أصبع عشر من الإبل وفي كل سن خمس من الإبل والأصابع سواء والأسنان سواء" وأخرج أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن الجارود وصححاه من حديث عمرو ابن شعيب أيضا عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال "في المواضح خمس من الإبل" وفي البخاري وغيره من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "هذه وهذه يعني الخنصر والإبهام سواء وأخرج أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الأسنان سواء الثنية والضرس سواء" والمراد بالمأموة الجناية التي بلغت أم الدماغ أو الجلدة الدقيقة التي عليها وإلى إيجاب ثلث الدية فيها ذهب علي وعمر والحنيفة والشافعية والمراد بالجائفة الجناية التي تبلغ الجوف وإلى إيجاب ثلث الدية فيها ذهب الجمهور والمراد بالمنقلة التي تنقل العظام عن أماكنها وقد ذهب إلى إيجاب خمس عشرة ناقة فيها على وزيد ابن ثابت والعترة والشافعية والحنفية والمراد بالهاشمة التي تهشم العظم وقد أخرج الدارقطني والبهيقي وعبد الرزاق من حديث زيد بن ثابت أن النبي ﷺ أوجب في الهاشمة عشرا من الإبل وقد قيل أنه موقوف لكن لذلك حكم الرفع في المقادير والمراد بالموضحة التي تبلغ العظم ولا تهشم وقد اختلف في المنقلة والهاشمة والموضحة هل هذا الأرش هو بالنسبة إلى الرأس فقط أم في الرأس وغيره والظاهر أن عدم الإستفصال في مقام الإحتمام ينزل منزلة العموم في المقال: كما تقرر في الأصول. وأما كون ماعدا هذه الجنايات التي ورد الشرع بتقديرها يقدر أرشة بحسبها منسوبا إليها فلأن الجناية قد لزم أرشها بلا شك إذ لا يهدر دم المجنى عليه بدون سبب ومع عدم ورود الشرع بتقدير الأرش لم يبق إلا التقدير بالقياس على تقدير الشارع وبيان ذلك أن الموضحة إذا كان أرشها نصف عشر الدية كما

стр. 430

ثبت عن الشارع نظرنا إلى ما هو دون الموضحة من الجناية فإن أخدت الجناية نصف اللحم وبقي نصفة إلى العظم كان أرش هذه الجناية نصف أرش الموضحة وإن أخدت ثلثة كان الأرش ثلث الموضحة ثم هكذا وكذلك إذا كان المأخودة بعض الأصابع كان أرشة بنسبه ما أخذ من الأصبع إلى جميعها فأرش نصف الأصبع نصف عشر الدية ثم كذلك وهكذا الأسنان إذا ذهب نصف ألسن كان أرشه نصف أرش السن ويسلك هذا في الأمور التي تلزم فيها الدية كاملة كالأنف إذا كان الذاهب نصفة ففيه نصف الدية والذكر ونحو ذلك فهذا أقرب المسالك إلى الحق ومطابقة العدل وموافقة الشرع. وأما كون في الجنين إذا خرج ميتا الغرة فلحديث أبي هريرة في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمه وهو ثابت في الصحيحن بنحو هذا من حديث المغيرة ومحمد بن مسلمة والغرة بضم المعجمة وتشديد الراء وأصلها البياض في وجة الفرس وهنا في العبد أو الأمة كأنه عبر بالغرة عن الجسم بكمالة وأما إذا خرج الجنين حيا ثم مات من الجناية ففيه الدية أو القود وهذا في الجنين الحر والخلاف في الغرة طويل قد اسوفيته في شرح المنتقى. وأما كون في المملوك قيمتة أو أرشه بحسبها فلا خلاف في ذلك وإنما اختلفوا إذا جاوزت قيمة دية الحر هل تلزم الزيادة أم لا والأولى اللزوم وأرش الجناية عليه منسوب من قيمته فما كان فيه في الحر نصف الدية أو ثلثها أو عشرها ونحو ذلك ففيه في العبد نصف القيمة أو ثلثها أو عشرها ونحو ذلك. وأما الدابة إذا قتلها قاتل ففيها قيمتها وإذا جنى عليها كان الأرش مقدار نقص قيتها بالجناية وهذا وإن لم يقم عليه دليل بخصوصه فهو معلوم من الأدله الكليه لأن العبد وسائر الدواب من جمله ما يملكه الناس فمن أتلفه كان الواجب عليه قيمته ومن جنى عليه جنايه تنقصه كان الواجب عليه أرش النقص كما لو جنى على غير مملوكه من غير الحيوانات وكان الأولى أن يكون المملوك كسائر الدواب يجب في الجناية عليه نقص القيمة.

стр. 431

باب القسامة ... باب ماجاء في القسامة إذا كان القاتل من جماعة محصورين ثبتت وهي خمسون يمينا يختارهم ولي القتيل والدية إن نكلوا عليهم وإن حلفوا سقطت وإن التبس الأمر كانت من بيت المال. أقول: أما كون القسامة خمسين يمينا فلقوله ﷺ : "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا" وهو في الصحيحين من حديث سهل بن أبي حثمة. وأما كون الدية إن نكلوا عليهم وإن حلفوا فما أخرجه مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان عن يسار عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهليه وقد ثبت أنهم في الجاهلية كانوا يخيرون المدعى عليهم بين أن يحلفوا خمسين يمينا أو يسلموا الدية كما في القسامة التي كانت في بني هاشم كما أخرجة البخاري والنسائي من حديث ابن عباس وهي قصة طويلة وفيها أن القاتل كان معينا وأن أبا طالب قال له: اختر منا إحدى ثلاث إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله فإن أبيت قتلناك به فأتى قومه فأخبرهم فقالوا نحلف فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم كانت قد ولدت منه فقالت: يا أبا طالب أحب أن تجير ابني هذا الرجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان ففعل فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب أردت خمسين أن يحلفوا مكان مائة من الإبل فيصيب كل رجل منهم بعيران إن هذان البعيران فاقبلهما مني ولا

стр. 432

تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلها وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا قال ابن عباس: فوالذي نفسى بيده ما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف. وأما كون الديه مع التباس الأمر تكون من بيت فلحديث سهل بن أبي حثمه قال: انطلق عبد الله بن سهل ومحيص بن مسعود إلى خبير وهو يومئذ صلح فتفرقا فأتى محيصه إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا فدفنه ثم قدم المدينه فانطلق عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: "كبر كبر" وهو أحدث القوم فسكت فتكلما فقال: "أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم"؟ فقالوا وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا"؟ فقالوا كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ﷺ من عنده وهو في الصحيحين وغيرهما وفي لفظ فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة وقد اختلف أهل العلم في كيفية القسامة اختلافا كثيرا وما ذكرناه هو أقرب إلى الحق وأوفق لقواعد الشريعة المطهرة وقد وقع في رواية من حديث سهل المذكور أن النبي ﷺ قال: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمتة" فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف. وقد أخرج أحمد والبيهقي عن أبي سعيد قال: وجد رسول الله ﷺ قتيلا بين قريتين فأمر رسول الله ﷺ فذرع ما بينهما فوجد أقرب إلى أحد الجانبين بشبر فألقى ديته عليهم قال: البهيقي تفرد به أبو إسرائيل عن عطية ولا يحتج بهما وقال العقلي: هذا الحديث ليس له أصل وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبه والبهيقي عن الشعبي أن قتيلا وجد بين وداعة وشاكر فأمرهم عمر ابن الخطاب أن يقيسوا ما بينهما فوجدوه إلى وداعة أقرب وأحلفهم خمسين يمينا كل رجل ما قتله ولا علمت قاتلا ثم أغرمهم الدية فقالوا: يا أمير المؤمنين لا أيماننا دفعت عن أموالنا ولا أموالنا دفعت عن أيماننا فقال: عمر كذلك الحق وأخرج نحوه الدارقطني والبهيقي عن سعيد ابن المسيب وفيه أن عمر قال: إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم ﷺ قال:

стр. 433

البهيقي رفعه إلى النبي ﷺ منكرا وفيه عمر بن صبيح أجمعوا على تركه وقال الشافعي: ليس بثابت إنما رواه الشعبي عن الحارث الأعور وهذا لا تقوم به حجة لضعف إسناده على فرض رفعة وأما مع عدم الرفع فليس في ذلك حجة ورد بإسناد صحيح أو غير صحيح فالرجوع إلى قسامة الجاهلية التي قررها النبي ﷺ هو الصواب وقد تقدم ذكرها وقد أخرج أبو داود من حديث أبي سلمه ابن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من الأنصار أن النبي ﷺ قال لليهود وبدأ بهم: "يحلف منكم خمسون رجلا" فأبوا فقال: للأنصار: " استحلفوا" فقالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله؟ فجعلها رسول الله ﷺ دية على اليهود لأنه وجد بين أظهرهم وهذا إذا صح لا يخالف ما ذكرناه من وجوب الدية على المتهمين إذا لم يحلفوا ولكن مخالف لما ثبت في الصحيحين إن كانت هذه القصة هي تلك القصة وقد قال: بعض أهل العلم إن هذا الحديث ضعيف لا يلتفت إليه.

стр. 434

كتاب الوصية تجب على من له ما يوصي فيه ولا تصح ضرارا ولا لوارث ولا في معصية وهي بالقرب من الثلث ويجب تقديم قضاء الدين ومن لم يترك ما يقضي دينه قضاه السلطان من بيت المال. أقول: أما وجوب الوصية على من له ما يوصي فلحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: ماحق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه وقد ذهب إلى الوجوب عطاء والزهري وأبو مجلز وطلحة بن مصرف وآخرون وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم وبه قال: إسحاق وداود وأبو عوانة وابن جرير وذهب الجمهور إلى أن الوصيه مندوبة وليست بواجبة ويجاب عنه بحديث الباب فإنه يفيد الوجوب. وأما كونها لا تصح ضرارا فلحديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار" ثم قرأ أبو هريرة ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ﴾ [النساء:١٢] إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء:١٣] أخرجة أبو داود والترمذي وأخرج أحمد وابن ماجه معناه وقالا فيه وقد وثقه أحمد بن حنبل ويحي بن معين وأخرج سعيد ابن منصور موقوفا بإسناد صحيح عن ابن عباس الإضرار في الوصية من الكبائر وأخرجه النسائي مرفوعا بإسناده رجاله ثقات والآيه الكريمة مغنية عن غيرها ففيها تقيد الوصية المأذون بها بعدم الضرار وقد روى جماعة من الأئمة الإجماع على بطلان وصية الضرار. وأما كونها لا تصلح لوارث فلما روى عن عمر وخارجة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اعطى كل ذي حق حقة فلا وصية لوارث" وأخرجه

стр. 435

أحمد وابن ماجه والنسائي والترمذي والدارقطني والبهيقي وصححة الترمذي وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنة من حديث أبي أمامة وفي إسناده إسماعيل بن عياش وهو قوي إذا روى عن الشاميين وهذا الحديث من رواية عنهم لأنه رواه عن شرحبيل ابن مسلم وهو شامي ثقة وقد حسنه الحافظ أيضا وقد أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس قال: ابن حجر رجاله ثقات ولفظه لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة وأخرج الدارقطني من حديث عمرو بن سعد عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة" قال: في التلخيص إسناده ورواه وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه وعن جابر عند الدارقطني وعن علي عنده أيضا وقد قال الشافعي إن هذا المتن متوافر فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازى من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي ﷺ قال عام الفتح: "لا وصية لوارث" ويأثرونه عمن حفظوا عنه ممن لقوه من أهل العلم فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد انتهى فيكون هذا الحديث مقيدا لقوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢] وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. وأما كونه لا تصح في معصية فلحديث أبي الدرداء عند أحمد والدارقطني عن النبي ﷺ قال: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها الله زيادة لكم في أعمالكم" وأخرجه ابن ماجه والبزاز والبهيقي من حديث أبي هريرة وفي إسناده ضعف وأخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي من حديث أبي أمامة وإسناده ضعيف وأخرجه العقيلي في الضعفاء من حديث أبي بكر الصديق وفيه متروك وأخرجه ابن السكن وابن قانع وأبو نعيم والطبراني من حديث جابر بن عبد الله السلمي وهو مختلف في صحبته وهي تنتهض بمجموعها وقد دلت على أن الإذن بالوصية بالثلث إنما هو لزيادة الحسنات والوصية في المعصية معصية وقد نهى الله عباده عن معاصيه في كتابه وعلى لسان رسول الله ﷺ فلو لم يرد ما يدل على تقيد الوصيه بغير المعصية

стр. 436

لكانت الأدلة الداله على المنع من معصية الله تعالى مقيدة للمنع من الوصية في المعصية. وأما كون الوصية في القرب تكون من الثلث فلحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما قال: "لو أن الناس غضوا من الثلث فإن رسول الله ﷺ قال: "الثلث والثلث كثير" ومثله حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال له "الثلث كثير أو كبير" لما قال: له أأتصدق بثلثى مالى؟ قال: "لا" قال: فالشطر؟ قال: "لا" قال: فالثلث قال: "الثلث والثلث كثير أو كبير إنك لأن تذر ورثتك أغنياء خير لهم من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" وهو في الصحيحين وغيرهما وقد ذهب الجمهور إلى المنع من الزيادة على الثلث ولو لم يكن للموصي وارث وجوز الزيادة مع عدم الوارث الحنفية وإسحاق وشريك وأحمد في رواية وهو قول علي وابن مسعود واحتجوا بأن الوصية مطلقة في الآية فقيدتها السنة بمن له وارث فبقي من لا وارث له على الإطلاق وحكاه في البحر عن العترة وقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي زيد الأنصاري أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته ليس له مال غيرهم فأقرع بينهم رسول الله ﷺ فأعتق اثنين وأرق أربعة وفي لفظ لأبي داود أنه قال ﷺ لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين وقد أخرج الحديث مسلم ﵀ وغيره من حديث عمران بن حصين وفي لفظ لأحمد أنه جاء ورثته من الأعراب فأخبروا رسول الله ﷺ بما صنع فقال: "أو فعل لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه". وأما كونه يجب تقديم قضاء الديون فلحديث سعد الأطول عند أحمد وابن ماجه بإسناد رجاله رجال الصحيح أن أخاه مات وترك ثلثمائة درهم وترك عيالا قال: فأردت أن أنفقها على عياله فقال النبي ﷺ : "إن أخاك محتبس بدينه فاقض عنه" فقال: يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة قال: "فأعطها فإنها محقة" وليس في ذلك خلاف وقد دل عليه قوله: تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]

стр. 437

وأما كون من مات ولم يترك ما يقضي دينه قضاه السلطان من بيت المال فلحديث أبي هريرة في الصحيحين أنه قال ﷺ في خطبته "من خلف مالا أو حقا فلورثته ومن خلف كلا أو دينا فكله إلي ودينه علي" وأخرج نحوه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والدارقطني من حديث جابر وأخرجه أيضا البيهقي والدارقطني من حديث أبي سعيد وأخرجه الطبراني من حديث سلمان وأخرجه ابن حبان في ثقاته من حديث أبي أمامة.

стр. 438

كتاب المواريث هي مفصلة في كتاب العزيز ويجيب الابتداء بذوي الفروض المقدرة وما بقي فللعصبة والأخوات مع البنات عصبة ولبنت الابن مع البنت السدس تكملة الثلثين وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين والجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم وهو للجد مع من لا يسقطه ولا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا مع الابن أو ابن الإبن أؤ الأب وفي ميراثهم مع الجد خلاف ويورثون مع البنات إلا الإخوة لأم ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين وأولو الأرحام يتوارثون وهم أقدم من بيت المال فإن تزاحمت الفرائض فالعول ولا يرث ولد الملاعنة والزانية إلا من أمه وقرابتها والعكس ولا يرث المولود إلا إذا استهل وميراث العقيق لمعتقة ويسقط بالعصبات وله الباقي بعد ذوي السهام ويحرم بيع الولاء ووهبته لا توارث بين أهل ملتين ولا يرث القاتل من المقتول. أقول: اعلم أن المواريث المفصلة في الكتاب العزيز معروفة لم نتعرض هنا لذكرها واقتصرنا هنا على ما ورد في السنه والاجماع ولم نذكر ما كان لا مستند له إلا محض الرأي كما جرت به عادتنا في هذا الكتاب فليس مجرد الرأي مستحقا للتدوين فلكل عالم رأيه واجتهاده مع عدم الدليل ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر وإذا عرفت هذا اجتمع لك مما في الكتاب العزيز وما ذكرناه ههنا جميع علم الفرائض الثابت بالكتاب والسنه فإن عرض لك من المواريث مالم يكن فيهما فاجتهد فيه رأيك عملا بحديث معاذ المشهور. وأما كونه يجب الابتداء بذوي الفروض المقدرة وما بقي فللعصبة فلحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "الحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" والمراد بالفرائض هنا الأنصباء

стр. 439

المقدرة وأهلها هم المستحقون لها بالنص وما بقي إعطاء ذوي الفرائض فرائضهم فهو لأولى رجل ذكر. وأما كون الأخوات مع البنات عصبة أي يأخدن ما بقي من غير تقدير كما يأخذ الرجل بعد فروض أهل الفرائض فلحديث ابن مسعود عند البخاري وغيره أن النبي ﷺ قضى في بنت وبنت ابن وأخت بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت وقد أفاد هذا أن لبنت الإبن مع البنت السدس تكملة الثلثين. وأما كون للأخت لأب السدس مع الأخت لأبوين تكملة الثلثين فقد قيل إن ذلك مجمع عليه. وأما كون للجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم فلحديث قبيصة بن ذؤيب عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وصححة وابن حبان والحاكم قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر ﵁ فسألته ميراثها فقال: مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنه رسول الله ﷺ شيئا فارجعي حتى أسأل فسأل الناس فقال: المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله ﷺ فأعطاها السدس فقال: هل معك غيرك فقام محمد ابن مسلمة الأنصاري فقال: مثل ما قال: المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر فسألته ميراثها فقال: مالك في كتاب الله شيء ولكن هو ذلك السدس فإن اجمتمعتما فهو بينكما وأيكما خلت به فهو لها قال ابن حجر: وإسناده صحيح لثقة رجاله إلا أن صورته مرسله فإن قبيصه لا يصح سماعة من الصديق ولا يمكن شهوده القصة قاله ابن عبد البر وقد اختلف في مولده والصحيح أنه ولد عام الفتح فيبعد شهوده القصة وأخرج عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وابن منده في مستخرجة والطبراني في الكبير من حديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما وهو من رواية إسحاق بن يحي عن عبادة ولم يسمع منه وأخرج أبو داود والنسائي من حديث

стр. 440

بريدة أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم وصححة ابن السكن وابن خزيمة وابن الجارود الله ﵎ ﵅ الرب وقواه ابن عدي وفي إسناده عبيد الله العتكي وهو مختلف فيه وأخرج الدارقطني عن عبد الرحمن بن يزيد مرسلا قال: أعطى رسول الله ﷺ ثلاث جدات السدس ثنتين من قبل الأب وواحدة من قبل الأم وأخرجه أبو داود أيضا في المراسيل عن إبراهيم النخعي وأخرجه أيضا البيهقي من مرسل الحسن وأخرجه الدارقطني من طرق عن زيد بن ثابت وفي الباب آثار غير ما ذكر قال: في البحر مسألة فرضهن يعني الجدات السدس وإن كثرن إدا استوين وتستوى أم الأم وأم الأب لا فصل بينهما فإن اختلفن سقط الأبعد بالأقرب ولا يسقطهن إلا الأمهات والأب يسقط الجدات من جهتة والأم من الطرفين. وأما كون للجد السدس مع من لا يسقطه فلحديث عمران ابن حصين أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إن ابن ابني مات فما لي من ميراثة قال: "لك السدس" فلما أدبر دعاه فقال: "لك سدس آخر" فلما أدبر دعاه فقال: "إن السدس الآخر طعمة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححة وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن الحسن أن عمر سأل عن فريضة رسول الله ﷺ في الجد فقام معقل ابن يسار المزني فقال: قضى فيها رسول الله ﷺ فقال: ماذا قال: السدس قال: مع من قال: لا أدري قال: لا دريت فما تغنى إذن وهو منقطع لأن الحسن لم يسمع من عمر وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحها حديث الحسن عن معقل وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم اختلافا كثيرا ورويت عنهم قضايا متعددة وقد دل الدليل على أنه يستحق السدس وأنه فرضة فإذا صار إليه زيادة عليه فهو طعمة وذلك كما في حديث عمران وإنما قيدنا استحقاقه للسدس بعدم المسقط لأنه إذا كان معه من يسقطه كالأب فلا شيء له وهكذا إذا كان مع الجد من يسقطه فله الميراث كله. وأما كونه لا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا مع الإبن أو ابن الإبن أو الأب فلا خلاف في ذلك بين أهل العلم.

стр. 441

وأما كون في ميراث الإخوة مع الجد خلاف فلعدم ورود الدليل الذي تقوم به الحجة فذهب جماعة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر إلى أن الجد أولى من الإخوة وذهب جماعة منهم علي وابن مسعود وزيد ابن ثابت إلى أن الجد يقاسم الإخوة والخلاف في المسألة يطول فمن قال: إنه يسقط الإخوة قال: إنه يطلق عليه اسم الأب وأجاب الآخرون بأنه مجاز لا تقوم به الحجة ووقع الخلاف في كيفية المقاسمه كما هو مبين في كتب الفرائض. وأما كون الإخوة لا يرثون مع البنات إلا الإخوة لأم فلحديث جابر عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه والحاكم قال: جاءت امرأة سعد ابن الربيع إلى رسول الله ﷺ بابنتيها من سعد فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك شهيدا في أحد وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا بمال فقال: يقضى الله في ذلك فنزلت آية الميراث فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك" فهذا دليل على ميراث الإخوة مع البنات. وأما الإخوة لأم فلا يرثون مع البنت لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ [النساء:١٢] الآية وهي في الأخوة كما في بعض القراءات. وأما كونه يسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين فلحديث علي قال: إنكم تقرءون هذه الآية ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢] وأن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخية لأبيه أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي والحاكم وفي إسناده الحارث الأعور ولكنه قد وقع الإجماع على ذلك والمراد بالأعيان الإخوة لأبوين والمراد ببني العلات الإخوة لأب ويقال: للإخوة لأم الأخياف. وأما كون أولى الأرحام يتوارثون فلقوله تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ

стр. 442

أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب:٦] فإنها تفيد أنه إذا مات ميت ولا وارث له إلا من هو من ذي رحمه وهو من عدا العصبات وذوي السهام في مصطلح أهل الفرائض فإنه يرثة وقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء:٧] ولفظ الرجال والنساء والأقربين يشمل ذوي الأرحام ومما يؤيد ذلك حديث المقدام ابن معدي كرب عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والنسائي والحاكم وابن حبان وصححاه عن النبي ﷺ قال: "من ترك مالا فلورثته وأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرث والخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث عمر عن النبي ﷺ بلفظ "والخال وارث من لا وارث له" وأخرجه بهدا اللفظ من حديث عائشة الترمذي والنسائي والدارقطني وحسنه الترمذي وأعله الدارقطني بالاضطراب وأخرجه عبد الرزاق عن رجل من أهل المدينه وأخرجه العقيلي وابن عساكر عن أبي الدرداء وأخرجه ابن النجار عن أبي هريرة كلها مرفوعة وهو حديث له طرق أقل أحواله أن يكون حسنا لغيره ومن ذلك حديث "ابن أخت القوم منهم" وهو حديث صحيح ومن ذلك ما ثبت من جعله ﷺ ميراث ابن الملاعنه لورثة أمه وهم لا يكونون إلا ذوي الأرحام والكلام على هذه الأحاديث مبسوط في شرح المنتقى ويمكن إن يقال: أن حديث "فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر" يدل على أن الذكور من ذوي الأرحام أولى من الإناث فيكون حديث نفي ميراث العمة والخالة مفيدا لهذا المعنى ومقويا له مع حديث " الخال وارث" وبذلك يجمع بين الأحاديث وقد قال: بمثل ذلك أبو حنيفة وقد اختلف في ذلك الصحابة فمن بعدهم وإلى توريث ذوي الأرحام ذهب الجمهور وهذه الأدله كما تفيد إثبات التوارث بين ذوي الأرحام تفيد تقديمهم على بيت المال ومما يؤيد ذلك حديث عائشة عند أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي أن مولى للنبي ﷺ خر من عذق نخلة فمات فأتى به النبي ﷺ فقال: "هل له من نسب أو رحم"؟ فقالوا:

стр. 443

لا قال: "اعطو ميراثه بعض أهل قريته" فقوله: "أو رحم"؟ فيه دليل على تقديم ميراث ذوي الأرحام على الصرف إلى بيت مال المسلمين وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما من الآخر فنسخ ذلك آية الأنفال فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب:٦] وفي إسناده علي بن الحسين ابن واقد وفيه مقال: وأخرجه أيضا الدارقطني وأخرج نحوه ابن سعد عن أبي الزبير وفي ذلك دليل على أن الآية في توريث ذوي الأرحام محكمة وبها نسخ ماكان من الميراث بالمحالفة. وأما ثبوت العول عند تزاحم الفرائض فذلك هو الحق الذي لا يمكن الوفاء بما أمر الله به إلا بالمصير إليه وقد أوضحت هذا في رسالة مستقلة سميتها "إيضاح القول في إثبات مسألة العول" ودفعت جميع ما قاله النافون للعول. وأما كونه لا يرث ولد الملاعنه والزانية إلا من أمه وقرابتها والعكس فلحديث سهل بن سعد في الصحيحين وغيرهما في حديث الملاعنه أن ابنها كان ينسب إلى أمه فجرت السنه أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها وأخرجه أبو داود من حديث عمرو بن سعيد عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه جعل ميراث ابن الملاعنه لأمه ولورثتها من بعدها وفي إسناده ابن لهيعة وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث واثلة ابن الأسقع أن النبي ﷺ قال: إن المرأة تجوز ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عنه قال: الترمذي حسن غريب وفي إسناده عمرو بن رويبه التغلبي وفيه مقال: وقد صحح هذا الحاكم وأخرج أحمد وأبو داود من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " لا مساعاة في الإسلام ومن ساعى في الجاهلية فقد ألحقتة بعصبته ومن ادعى ولدا من غير رشده فلا يرث ولا يورث" وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال: رسول الله ﷺ " أيما رجل عاهر بحرة أو أمه فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث" وفي إسناده أبو محمد عيسى بن موسى القرشي الدمشقي قال:

стр. 444

البيهقي ليس بمشهور وأخرج أبو داود من حديث عمرو ابن شعيب أيضا عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قضى أن كل مستحلق ولد زنا لأهل أمه من كانوا حرة أو أمه وذلك فيما استحلق في أول الإسلام وفي إسناده محمد بن راشد المكحول الشامي وفيه مقال: وقد أجمع العلماء على أن ولد الملاعنة وولد الزنا لا يرثان من الأب ولا من قرابتة ولا يرثونهما وأن ميراثهما يكون لأمهما ولقرابتها وهما يرثان منها. وأما كونه لا يرث المولود إلا إذا استهل فلحديث أبي هريرة عند أبي داود عن النبي ﷺ قال: إذا استهل المولود ورث وفي إسناده محمد بن إسحاق وفيه مقال: معروف وقد روى عن ابن حبان تصحيحه وأخرج أحمد في روايه ابن عبد الله في المسند عن المسور بن مخرمة وجابر بن عبد الله قال: قضى رسول الله ﷺ لا يرث الصبي حتى يستهل وأخرجه أيضا الترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي بلفظ: "إذا استهل السقط صلى عليه وورث" وفي إسناده إسماعيل ابن مسلم وهو ضعيف قال: الترمذي وروى مرفوعا والموقوف أصح وبه جزم النسائي وقال الدارقطني في العلل: لا يصح رفعة والموار بالاستهلال صدور ما يدل على حياة المولود من صياح أو بكاء أو نحو ذلك ولا خلاف بين أهل العلم في اعتبار الاستهلال في الإرث. وأما كون ميراث العتيق لمعتقه ويسقط بالعصبات ولد الباقي مع ذوي السهام فلحديث: "الولاء لمن أعتق" وهو ثابت في الصحيح وأخرج أحمد عن قتادة عن سلمى بنت حمزة أن مولاها مات وترك ابنته فورث النبي ﷺ ابنته النصف وورث يعلى النصف وكان ابن سلمى ورجال أحمد رجال الصحيح ولكن قتادة لم يسمع من سلمى بنت حمزة وأخرجه أيضا الطبراني وأخرج الدارقطني من حديث ابن عباس أن مولى لحمزة توفي وترك ابنته وابنه حمزة فأعطى النبي ﷺ ابنته النصف وابنه حمزة النصف وأخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابنه حمزة وكذا أخرجه النسائي وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي

стр. 445

ليلى وهو ضعيف وقد وقع الاختلاف في اسم ابنه حمزة فقيل سلمى وقيل فاطمة وفي الحديثين دليل على أن لذوي سهام العتيق سهامهم والباقي للمعتق أو لعصبته وقد وقع الخلاف فيمن ترك ذوي أرحامه ومعتقة فروى عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس أن مولى العتاق لا يرث ذوي الأرحام وذهب غيرهم إلى أنه يقدم على ذوي الأرحام ويأخذ الباقي بعد ذوي السهام ويسقط بالعصبات وقد روى أن المولى كان لحمزة واستدل به من قال: إنه يكون لذوي سهام المعتق الباقي لذوي سهام العتيق والصحيح أنه مولى ابنة حمزة وقد أخرج ابن أبي شيبه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "ميراث الولاء للأكبر من الذكور ولا ترث النساء من الولاء إلا ولاء من أعتقن" وأخرج البيهقي عن علي وعمر وزيد بن ثابت أنهم كانوا لا يورثون النساء من الولاء إلا ولاء من أعتقن وأخرج البرقاني على شرط الصحيح عن هزيل بن شرحبيل قال: جاء رجل إلى عبد الله بن الزبير فقال: إني أعتقت عبدا وجعلتة سائبة فمات وترك مالا ولم يدع وارثا فقال: عبد الله إن أهل الإسلام لا يسيبون وإنما كان أهل الجاهليه يسيبون وأنت ولي نعمته ولك ميراثه وإن تأثمت أو تحرجت في شيء فنحن نقبله ونجعله في بيت المال. وأما كونه يحرم بيع الولاء وهبته فلحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الولاء وهيته وفي الباب أحاديث قد تقدم بعضها منها حديث: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب" وقد صححة ابن حبان والبيهقي من حديث ابن عمر أيضا وقد ذهب الجمهور إلى عدم جواز بيع الولاء وهبته وخالف في ذلك مالك وتقدمه بعض الصحابة. وأما كونه لا توارث بين أهل ملتين فلما أخرجة أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني وابن السكن من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتوارث أهل ملتين شيئا" وأخرج الترمذي من حديث جابر

стр. 446

مثله من دون لفظ شيء وفي إسناده ابن أبي ليلى وأخرج البخاري وغيره من حديث أسامة عن النبي ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" وهو أيضا في مسلم وأخرج البخاري وغيره حديث "وهل ترك لنا عقيل من رباع"؟ وكان عقيل وطالب كافرين وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يرث المسلم من الكافر ولا الكافر من المسلم والخلاف في توارث الملل الكفريه المختلفه وعموم حديث عبد الله ابن عمرو وجابر يقتضي عدم التوارث. وأما كونه لا يرث القاتل من المقتول فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "لا يرث القاتل شيئا" أخرجه أبو داود والنسائي وأعله الدارقطني وقواه ابن عبد البر وأحرج مالك في الموطأ وأحمد وابن ماجه والنسائي والشافعي وعبد الرزاق والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي ﷺ يقول ليس لقاتل ميراث وفيه انقطاع وأخرج الدارقطني من حديث ابن عباس مرفوعا "لا يرث القاتل" شيئا وفي إسناده كثير بن مسلم وهو ضعيف وأخرج البيهقي عنه حديثا آخر بلفظ من قتل قتيلا فإنه لا يرثة وإن لم يكن له وارث غيره وفي لفظ وإن كان والده أو ولده وفي إسناده عمرو بن برق وهو ضعيف وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ القاتل لا يرث وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروه وهو ضعيف وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا وهي تدل على أنه لا يرث القاتل من غير فرق بين العامد والخاطيء وبين الدية وغيرها من مال المقتول وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفه وأكثر أهل العلم وقال مالك والنخعي والهادوية: إن قاتل الخطأ يرث من المال دون الدية وهو تخصيص بغير مخصص ويرده على الخصوص ما أخرجه الطبراني أن عمرو بن شيبة قتل امرأتة خطأ فقال: النبي ﷺ : "اعقلها ولا ترثها" وما أخرجه البيهقي أن عديا الجدامي كانت له امرأتان اقتتلتا فرمى إحداهما فماتت فلما قدم رسول الله ﷺ أتاه فذكر له ذلك فقال له رسول الله ﷺ : "اعقلها ولا ترثها" وأخرج البيهقي أيضا أن رجلا رمى بحجر فأصاب أمه فطالب في

стр. 447

ميراثها فقال النبي ﷺ حقك من ميراثها الحجر وأغرمه الدية ولم يعطه شيئا وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة مصرحة بذلك ساقها البيهقي وغيره. أما إرث المماليك من بعضهم البعض أو من مواليهم فقد قيل إنه وقع الاجماع على أن الرق من موانع الإرث وفي دعوى الإجماع نظر فإن الخلاف في كون العبد يملك أو لا يملك معروف ومقتضى ذلك إثبات الميراث وليس في المقام ما يدل على عدم الإرث وقد ورد من حديث ابن عباس أن رجلا مات على عهد رسول الله ﷺ ولم يترك وارثا إلا عبدا فأعطاه ميراثه أخرجه أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي وقد قيل إنه صرف إليه ذلك صرفا وهو خلاف الظاهر.

стр. 448

كتاب الجهاد والسير مدخل ... كتاب الجهاد والسير الجهاد فرض كفايه مع كل بر وفاجر أذا أذن الأبوان وهو مع إخلاص النيه يكفر الخطايا الا الدين ويلحق به حقوق الآدمي ولا يستعان فيه بالمشركين إلا لضرورة ويجب على الجيش طاعة أميرهم إلا في معصية الله وعليه مشاورتهم والرفق بهم وكفهم عن الحرام ويشرع للإمام إذا أراد غزوا أن يوري بغير ما يريده وأن يذكي العيون ويستطلع الأخبار ويرتب الجيوش وينخد الرايات والألويه وتجب الدعوه قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال إما الإسلام أو الجزية أو السيف ويحرم قتل النساء والاطفال والشيوخ الا لضرورة والمثلة والإحراق بالنار والفرار من الزحف إلا إلى فئة ويجوز تبييت الكفار والكذب في الحرب والخداع. أقول: الجهاد قد ورد في فضله والترغيب فيه من الكتاب والسنه ما هو معروف وقد أفرد ذلك بالتأليف جماعة من أهل العلم وقد أمر الله بالجهاد بالأنفس والأموال وأوجب على عباده أن ينفورا إليه وحرم عليهم التثاقل عنه وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وثبت عنه ﷺ أنه قال: "الجنة تحت ظلال السيوف" كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى وابن أبي أوفى وثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: "من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار وثبت عنه ﷺ أنه قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها" كما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد وأخرج أهل السنن وصححه الترمذي من حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة" فناهيك بعمل يوجب الله الجنه لصاحبه ويحرمه على النار ويكون مجرد الغدو إليه والرواح منه خير من الدنيا وما فيها.

стр. 449

وأما كونه فرض كفاية فلما أخرجة أبو داود عن ابن عباس قال: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة:٣٩] ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة:١٢٠] إلى قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ نسختها الآية التي تلها ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] وقد حسنه ابن حجر قال: الطبري يجوز أن يكون ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة:٣٩] خاصا والمراد به من استنفره النبي ﷺ فامتنع قال: ابن حجر والذي يظهر أنها مخصوصة وليست بمنسوخة وقد وافق ابن عباس على دعوى النسخ عكرمة والحسن البصري كما روى ذلك الطبري عنهما ومن الأدله الدالة على أنه فرض كفاية أنه كان ﷺ يغزو تارة بنفسه وتارة يرسل غيره ويكتفي ببعض المسلمين وقد كانت سراياه ﷺ وبعوثه متعاقبة والمسلمون بعضهم في الغزو وبعضهم في أهله وإلى كونه فرض كفاية ذهب الجمهور وقال: الماوردي أنه كان فرض عين على المهاجرين دون غيرهم وقال: السهيلي كان عينا على الأنصار وقال: ابن المسيب أنه فرض عين وقال: قوم أنه فرض عين في زمن الصحابة. وأما كونه مع كل بر وفاجر فلأن الأدلة الدالة على وجوب الجهاد من الكتاب والسنة وعلى فضيلته والترغيب فيه وردت غير مقيدة بكون السلطان أو أمير الجيش عادلا بل هذه فريضة من فرائض الدين أوجبها الله على عبادة المسلمين من غير تقيد بزمن أو مكان أو شخص أو عدل أو جور فتخصيص وجوب الجهاد يكون السلطان عادلا ليس عليه أثارة من علم وقد يبلي الرجل الفاجر في الجهاد مالا يبليه البار العادل وقد ورد بهذا الشرع كما هو معروف وأخرج أحمد في المسند في روايه ابن عبد الله وأبو داود وسعيد ابن منصور من حديث أنس قال: قال: رسول الله ﷺ : "ثلاث من أصل الايمان الكف عمن قال لا إله إلا الله لا تكفره بذنب ولا تخرجة عن الإسلام بعمل والجهاد ماض مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل" ولا يعتبر في الجهاد إلا أن يقصد المجاهد بجهاده أن تكون كلمة الله هي العليا كما ثبت في حديث أبي موسى في الصحيحين وغيرهما قال: سئل

стр. 450

رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. وأما اعتبار إذن الأبوين فلحديث عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد فقال: "أحي والداك"؟ قال: نعم قال: "ففيهما فجاهد" وفي روايه لأحمد وأبي داود وابن ماجه قال: يا رسول الله إني جئت أريد الجهاد معك ولقد أتيت وإن والدي يبكيان قال: "فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما" وقد أخرج هدا الحديث مسلم رحمه الله تعالى من وجه آخر وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد أن رجلا هاجر إلى النبي ﷺ من اليمن فقال: "هل لك أحد باليمن"؟ فقال: أبواي فقال: "أذنا لك"؟ قال: لا فقال: "ارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما" وصححه ابن حبان وأخرج أحمد والنسائي والبيهقي من حديث معاوية ابن جاهمة السلمى أن جاهمة أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال: "هل لك من أم"؟ قال: نعم قال: "ألزمها فإن الجنة عند رجليها" وقد اختلف في إسناده اختلافا كثيرا وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجب استئذان الأبوين في الجهاد ويحرم إذا لم يأذنا أو أحدهما لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية قالوا: وإذا تعين الجهاد فلا إذن ويدل على ذلك ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن أفضل الأعمال فقال: "الصلاة" قال: ثم مه قال: "الجهاد" قال: فإن لي والدين قال: "آمرك بوالديك خيرا" قال: والذي بعثك نبيا لأجاهدن ولأتركنهما قال: "فأنت أعلم" قالوا وهو محمول على الجهاد فرض العين أي حيث يتعين على من له أبوان أو أحدهما توفيقا بين الحديثين. وأما كون الجهاد مع إخلاص النية يكفر الخطايا إلا الدين فلحديث أبي قتادة عند مسلم ﵀ وغيره أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله هل تكفر عني خطاياي قال رسول الله ﷺ "نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك" وأخرج مثله

стр. 451

أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة وأخرج مسلم وغيره من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدين فإن جبريل ﵇ قال: لي ذلك" وأخرج الترمذي نحوه من حديث أنس وحسنه ويلحق بالدين كل حقوق الآدمين من غير فرق بين دم أو عرض أو مال إذا لا فرق بينهما. وأما كونه لا يستعان في الجهاد بالمشركين إلا لضرورة فلقوله ﷺ من أراد الجهاد معه من المشركين "ارجع فلن أستعين بمشرك" فلما أسلم استعان به وهو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث أبي هريرة وأخرج أحمد والشافعي والبيهقي والطبراني نحوه من حديث حبيب ابن عبد الرحمن عن أبيه عن جده ورجال إسناده ثقات وأخرج أحمد والنسائي من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ "لا تستضيئوا بنار المشركين" وفي إسناده أزهر بن راشد وهو ضعيف وبقية إسناده ثقات وأخرج الشافعي من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ استعان بناس من اليهود يوم خيبر وأخرجه أبو داود في مراسيله من حديث الزهري وأخرجه أيضا الترمدي مرسلا وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث ذي مخبر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستصالحون الروم صلحا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم" وقد ذهب جماعة من العلماء إلى عدم جواز الإستعانة بالمشركين وذهب آخرون إلى جوازها وقد استعان النبي ﷺ بالمنافقين في يوم أحد وانخزل عنه عبد الله بن أبي بأصحابه وكذلك استعان بجماعة منهم في يوم حنين وقد ثبت في السير أن رجلا يقال: له قزمان خرج مع النبي ﷺ يوم أحد وهو مشرك فقتل ثلاثه من بني عبد الدار حملة لواء المشركين حتى قال: رسول الله ﷺ : "إن الله ليأزر هذا الدين بالرجل الفاجر". وخرجت خزاعة مع النبي ﷺ على قريش عام الفتح وهم مشركون فيجمع بين الأحاديث بأن الإستعانة بالمشركين لا تجوز إلا لضرورة لا إذا لم تكن ثم ضرورة.

стр. 452

وأما كونه يجب على الجيش طاعة أميرهم إلا في معصية الله فلحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] قال: نزلت في عبد الله ابن حذافة بن قيس ابن عدي بعثه رسول الله ﷺ في سرية أخرجه أحمد وأبو داود وهو في الصحيحين وفيهما أيضا من حديث علي قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبا فجمعوا ثم قال: أوقدوا نارا فأوقدوا ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا وتطيعوا فقالوا: بلى قال: فادخلوها فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا إنما فررنا إلى رسل الله من النار فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لو دخلوا لم يخرجوا منها أبدا" وقال: "لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعورف" والأحاديث في هذا الباب مثيرة وفيها التصريح بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وإنما تجب طاعة الأمراء مالم يأمروا بمعصية الله. وأما كون على الأمير مشاورة الجيش والرفق بهم وكفهم عن الحرام فلدخول ذلك تحت قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقد كان رسول الله ﷺ يشاور الغزاة معه في كل ما ينوبه ووقع منه في غير موطن وأخرج مسلم وغيره من حديث أنس أن النبي ﷺ شاور أصحابه لما بلغه إقبال أبي سفيان والقصة مشهورة وأجاب عليه سعيد بن عبادة بقوله: والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها وأخرج أحمد والشافعي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: مارأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابة من رسول الله ﷺ وأخرج مسلم ﵀ وغيره من حديث عائشه قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم من ولى من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به" وأخرج مسلم رحمه الله تعالى أيضا من حديث معقل

стр. 453

ابن يسار عن النبي ﷺ قال: "ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجتهد لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل الجنة" وأخرج أبو داود من حديث جابر قال: كان وسول الله ﷺ يتخلف في السير فيزجي الضعيف ويردف ويدعو لهم وأخرج أحمد وأبو داود من حديث سهل معاذ عن أبيه قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة وكذا فضيق الناس الطريق فبعث رسول الله ﷺ مناديا فنادى "من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له" وفي إسناده إسمعيل ابن عياش وسهل بن معاذ ضعيف وقد جاءت الأدله المفيدة للقطع بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحق الناس بذلك الأمراء. وأما كونه يشرع للإمام إذا أراد غزوا أن يورى بغير ما يريده فلحديث كعب بن مالك عن النبي ﷺ أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها وهو في الصحيحين وغيرهما. وأما كونه يشرع له أن يذكي العيون فلحديث جابر في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب "من يأتيني بخبر القوم"؟ فقال الزبير: أنا الحديث وثبت في صحيح مسلم ﵀ وغيره أن النبي ﷺ بعث عينا ينظر عير أبي سفيان وثبت أنه بعث من يأتيه بمقدار جيش المشركين يوم بدر وغيره وكان يأمر من يستطلع أخبار العدو ويقف في المواضع التي بينه وبينهم وذلك مدون في الكتب الموضوعة في السير والغزوات. وأما كونه يشرع له أن يرتب الجيوش ويتخذ الرايات والألوية فقد وقع منه ﷺ من ترتيب جيوشه عند ملاقاته للعدو ما هو مشهور فكان يأمر بعضا يقف في هذا المكان وآخرين في المكان الآخر وقال للرماه يوم أحد: أنهم يقفون حيث عينه لهم ولا يفارقون ذلك المكان ولو تخطفه هو ومن معه الطير" وقد كانت رايات كما في حديث ابن عباس عند الترمذي وأبي داود قال كانت راية رسول الله ﷺ سوداء ولواؤه أبيض وأخرج أبو داود من حديث سماك بن حرب عن رجل من قومه عن آخر منهم قال: رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء وفي إسناده مجهول وأخرج أهل السنن والحاكم وابن حبان من حديث

стр. 454

جابر أن النبي ﷺ دخل مكة ولواؤه أبيض وفي حديث الحارث بن حسان أنه رأى في مسجد النبي ﷺ رايات سوداء أخرجه الترمذي وابن ماجه ورجاله رجال الصحيح وفي الباب أحاديث. وأما كونها تجب الدعوة قبل القتال إلى إحدى الثلاث الخصال المذكورة فلحديث سليمان بن بريدة عن أبيه عند مسلم ﵀ وغيره قال: كان رسول الله ﷺ "إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله غزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا ولدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهم ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم وادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وإخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم الذي يجرى على المسلمين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم" الحديث وقد ذهب الجمهور إلى وجوب تقديم الدعوة لمن لم تبلغهم الدعوة ولا تجب لمن قد بلغتهم وذهب قوم إلى الوجوب مطلقا. وأما كونه يحرم قتل النساء والأطفال والشيوخ إلا لضرورة فلحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض معازي النبي ﷺ فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان" وأخرج أبو داود من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقتلوا شيخا فانيا ولا صبيا ولا امرأة" وفي إسناده خالد بن القرز وفيه مقال: وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث رباح ابن ربيع أنه قال ﷺ : "لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا" والعسيف الأجير وأخرج أحمد من

стр. 455

حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع" وفي إسناده إبراهيم بن إسمعيل بن أبي حبيبة وهو ضعيف وقد وثقه أحمد وأخرج أحمد أيضا والإسماعيلي في مستخرجه من حديث كعب بن مالك عن عمه أن النبي ﷺ حين بعث إلى ابن أبي الحقيق بخيبر نهى عن قتل النساء والصبيان ورجاله رجال الصحيح وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث سمرة مرفوعا بلفظ "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" وقد قيل أنه وقع الاتفاق على المنع من قتل النساء والصبيان إلا إذا كان ذلك لضرورة كأن يتترس بهم المقاتلة أويقاتلون وقد أخرج أبو داود في المراسيل عن عكرمة أن النبي ﷺ مر بامرأة مقتولة يوم حنين فقال: "من قتل هذه"؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله غنمتها فأردفتها خلفي فلما رأت الهزيمة فينا أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها فلم ينكر عليه رسول الله ﷺ ووصله الطبراني في الكبير. وأما كونها تحرم المثلة فلما تقدم قريبا في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه عن جده وفيه "ولا تمثلوا" وأخرج نحو ذلك أحمد وابن ماجه من حديث صفوان بن عسال وأحاديث النهي عن المثله كثيرة. وأما تحريم الإحراق بالنار فلحديث أبي هريرة عند البخاري وغيره قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: "إن وجدتم فلانا وفلانا لرجلين فاحرقوهما بالنار" ثم قال: حين أردنا الخروج إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما". وأما تحريق الشجر والأصنام والمتاع فقد ثبت الإذن بذلك عن الشارع إذا كان فيه مصلحة. وأما تحريم الفرار من الزحف فقد نطق بذلك القرآن قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ

стр. 456

اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٦] وثبت في الصحيحين وغيرهما إن الفرار من الزحف هو من السبع الموبقات ولا خلاف في الجمله وإن اختلفوا في مسوغات الفرار وقد جوز الله سبحانه الفرار إلى فئه وأما التحرف للقتال فهو وإن كان فيه تولية الدبر لكنه ليس بفرار على الحقيقة. وأما كونه يجوز تبييت الكفار فلحديث الصعب بن جثامة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم ثم قال: "هم منهم" وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث سلمة بن الأكوع قال: بيتنا هوازن مع أبي بكر الصديق وكان أمره علينا رسول الله ﷺ والبيات هو الغارة بالليل قال: الترمذي وقد رخص قوم من أهل العلم في الغارة بالليل وكرهه بعضهم قال: أحمد وإسحاق لا بأس أن يبيت العدو ليلا. وأما جواز الكذب في الحرب فلما ثبت عند مسلم ﵀ من حديث جابر أن رسول الله ﷺ لما بعث محمد بن مسلمة ليقتل كعب بن الأشرف فقال: يا رسول الله فأذن لي فأقول قال: قد فعلت يعني يأذن له أن يخدعه بمقال: ولو كان كذبا كما وقع منه في هذه القصة وهي أيضا في البخاري وأخرج مسلم رحمه الله تعالى أم كلثوم بنت عقبه قالت: لم أسمع النبي ﷺ يرخص في شيء من الكذب مما يقول الناس إلا في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها وهكذا الكذب المذكور هنا هو التعريض والتلويح بوجه من الوجوه ليخرج عن الكذب الصراح كما قاله جماعة من أهل العلم. وأما جواز الخداع في الحرب فلما في الصحيحين من حديث جابر قال قال: رسول الله ﷺ "الحرب خدعة" وفيهما من حديث أبي هريرة قال: سمى النبي ﷺ "الحرب خدعة" قال: النووي: واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد.

стр. 457

فصل في تقسيم الغنائم وما غنمه الجيش كان لهم أربعه أخماسه وخمسه يصرفه الإمام في مصارفه فيأخد الفارس من الغنيمة ثلاثة أسهم والراجل سهما ويستوي في ذلك القوي والضعيف ومن قاتل ومن لم يقاتل ويجوز تنفيل الإمام بعض الجيش وللإمام الصفي وسهمه كأحد الجيش ويرضخ من الغنيمة لمن حضر ويؤثر المؤلفين إن رأى في ذلك صلاحا وإذا رجع ما أخده الكفار من المسلمين كان لمالكه ويحرم الإنتفاع بشيء من الغنيمة قبل القسمة إلا الطعام والعلف ويحرم الغلول ومن جملة الغنيمة الأسرى ويجوز القتل أو الفداء أو المن. أقول: أما كون ما غنمه الجيش كان لهم أربعه أخماسة وخمسه يصرفه الإمام في مصارفة فلقوله: تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال:٤١] الآية ومن ذلك ما ورد في القرآن الكريم في الفئ والغنيمة وأخرج أبو داود والنسائي من حديث عمرو بن عبسة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم فلما سلم أخد وبرة من جنب البعير ثم قال: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس مردود فيكم" وأخرج نحوه أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت وحسنه ابن حجر وأخرج نحوه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي ومالك والشافعي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحسنه أيضا ابن حجر وروى نحو ذلك من حديث جبير بن مطعم والعرباض بن سارية. وأما كونه للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم فلما ورد في ذلك من الأحاديث منها حديث بن عمر في الصحيحين وله ألفاظ فيها التصريح بأن النبي ﷺ أسهم للفارس وفرسه ثلاثه أسهم وللراجل سهما وفيهما معنى ذلك حديث أنس ﵁ ومن حديث عروة البارقي ومنها حديث الزبير

стр. 458

نحو ذلك عند أحمد ورجاله رجال الصحيح وحديث أبي رهم عند الدارقطني وأبي يعلى والطبراني ومن حديث أبي هريرة عند الترمذي والنسائي ومن حديث جرير عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره وحديث عتبة بن عبد عند أبي داود وحديث جابر وأسماء بنت يزيد عند أحمد وفي الباب أحاديث وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الفارس يأخذ له ولفرسه سهمين والراجل سهما وتمسكوا بحديث مجمع ابن حارثة عند أحمد وأبي داود قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما". وهذا الحديث في إسناده ضعف وقال: أبو داود إن فيه وهما وإنه قال: ثلثمائة فارس وإنما كانوا مائتين. وأما كونه يستوى في ذلك القوي والضعيف ومن قاتل ومن لم يقاتل فلحديث ابن عباس عند أبي داود والحاكم وصححه أبو الفتح في الاقتراح على شرط البخاري أن رسول الله ﷺ قسم غنائم بدر بالسواء بعد وقوع الخصام بين من قاتل ومن لم يقاتل ونزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١] وأخرج نحوه أحمد برجال الصحيح من حديث عبادة بن الصامت وأخرج أحمد من حديث سعد بن مالك قال: قلت يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم ويكون سهمه وسهم غيره سواء قال: "ثكلتك أمك ابن أم سعد وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" وأخرجه البخاري أيضا والنسائي عن مصعب ابن سعد قال: "رأى سعد أن له فضلا على من دونه" فقال: النبي "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم" وأخرج نحوه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححة. وأما كونه يجوز تنفيل بعض الجيش فلما أخرجه مسلم ﵀ وغيره من أن النبي ﷺ أعطى سلمة بن الأكوع سهم الفارس وسهم الراجل جميعها له وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وعزاه المنذري في مختصر السنن

стр. 459

إلى مسلم رحمه الله تعالى: أن النبي ﷺ نفل سعد ابن أبي وقاص يوم بدر سيفا" وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. وحكى بعض أهل العلم الإجماع عليه واختلف العلماء هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس وقد ورد في تنفيل السرية حديث حبيب بن أبي سلمة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه وصححه ابن الجارود وابن حبان والحاكم أن النبي ﷺ نفل الربع بعد الخمس في بدأته ونفل الثلث بعد الخمس في رجعتة" وأخرج نحوه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه ابن حبان من حديث عبادة ابن الصامت وأخرج أحمد وأبو داود وصححه الطحاوي من حديث معن ابن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نفل إلا بعد الخمس". وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان ينفل بعد أن يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسمة عامه الجيش والخمس في دلك كله وفيهما أنه نفل بعض السرايا بعيرا بعيرا وفي الباب أحاديث. وأما كون للإمام الصفي وسهمه كأحد الجيش فلحديث يزيد بن عبد الله بن الشخير عند أبي داود والنسائي وسكت عنه أبو داود والمنذري قال: كنا بالمريد إذ دخل رجل معه قطعة أديم فقرأناها فإذا فيها "من محمد رسول الله ﷺ إلى بني زهير بن قيس إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأديتم الخمس من المغنم وسهم النبي ﷺ وسهم الصفي أنتم آمنون بأمان الله ورسوله" فقلنا من كتب هذا قال: رسول الله ﷺ قال المنذري: ورواه بعضهم عن يزيد بن عبد الله وسمى الرجل النمر بن تولب وأخرج أبو داود عن الشعبي مرسلا قال: كان للنبي ﷺ سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا وإن شاء أمة وإن شاء فرسا يختاره قبل الخمس وأخرج أبو داود من حديث ابن عون مرسلا نحوه وأخرج أحمد والترمذي وحسنه من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر وأخرج أبو داود من حديث عائشة قالت: كانت صفية من الصفي وأخرج أبو داود من حديث أنس نحوه ويعارضه ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس أيضا قال:

стр. 460

صارت صفية لدحية الكلبي ثم صارت لرسول الله ﷺ وفي رواية أنه اشتراها منه بسبعة أرؤس. وأما كونه يرضخ من الغنيمة لمن حضر فلحديث ابن عباس وغيره أنه سأله سائل عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم إذا حضرا البأس فأجاب إنه لم يكن لهما سهم معلوم إلا أن يحذيا من غنائم القوم وفي لفظ أن النبي ﷺ كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة. وأما السهم فلم يضرب لهن وأخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث عمر مولى أبي اللحم أنه شهد خيبر مع مواليه فأمر له ﷺ من حرثي المتاع وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع النبي ﷺ غزوة خيبر سادسة ست نسوة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث إلينا فجئنا فرأينا فيه الغضب فقال: مع من خرجتن وبإذن من خرجتن فقلنا يا رسول الله خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله ومعنا دواء للجرحى ونناول السهام ونسقي السويق قال: قمن فانصرفن حتى إذا فتح الله عليه خيبرا أسهم لنا كما أسهم للرجال قال: فقلت لها يا جدة وما كان ذلك قالت: تمرا وفي إسناده رجل مجهول وهو حشرج وقال: الخطابي إسناده ضعيف لا تقوم به الحجة وأخرج الترمذي عن الأوزاعي مرسلا قال: أسهم النبي ﷺ للصبيان بخيبر وحديث حشرج كما عرفت ضعيف وهذا مرسل فلا ينتهضان لمعارضة ما تقدم وقد حمل الإسهام هنا على الرضخ جمعا بين الأحاديث وقد اختلف أهل العلم في ذلك فذهب الجمهور إلى أنه لا يسهم للنساء والصبيان بل يرضخ لهم فقط إن رأى الإمام ذلك. وأما كونه يؤثر المؤلفين إن رأى في ذلك في ذلك صلاحا فلحديث فلحديث أنس في البخاري وغيره أن النبي ﷺ قسم الغنائم في أشراف قريش تأليفا لهم وترك الأنصار والمهاجرين وهكذا ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود وغيره
следующие страницы →