المطلب الرابع: مظاهر الولاية الكاملة للكُمّل من عباد الله
إن أعلى مراتب ولاية الله تكون لعباد الله الذين كمّلوا الإيمان وحققوا التقوى، وسارعوا في الخيرات، وكمل توحيدهم وتوكلهم على الله.
وقد بين الله سبحانه أنه يتولاهم ولاية خاصة، ويحوطهم بعنايته الفائقة، ويحفظ جوارحهم الناقلة للشبهات أو لمثيرات الشهوات إلى القلب، فلا تنبعث إلا إلى الخير، ولا تتجاوب إلا مع ما يحبه الله ويرضاه.
فقد ورد البيان لمظاهر ولاية الله الكاملة في حديث الأولياء المشهور، وفيه قال الرسول ﷺ : " إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه " ١.
قال ابن رجب–﵀: "قوله: " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي
стр. 247
يمشي بها " ...
المراد من هذا الكلام أن من اجتهد بالتقرب إلى الله تعالى بالفرائض، ثم بالنوافل قربه إليه، ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة، كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى ومحبته وعظمته وخوفه ومهابته وإجلاله والأنس به، والشوق إليه حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة، مشاهداً له بعين البصيرة ... فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى، محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادته إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذٍ لا ينطق العبد إلا بذكره ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق، نطق بالله، وإن سمع، سمع به، وإن نظر، نظر به، وإن بطش، بطش به، فهذا هو المراد بقوله: " كنت سمعه الذي يسمع به....""١.
ففي هذا الكلام السديد لابن رجب –﵀ ذكر لما يحدث في قلب المؤمن وفي سلوك جوارحه، نتيجة لولاية الله لعبده، ومحبته له، فقد ذُكر في الحديث عدة أمور بعضها من فعل العبد، وبعضها من فعل الله، وما ينتج عن كل منها.
فذكر فعل العبد بقوله: " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما
стр. 248
افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل " ثم ذكر أنه ينتج عن ذلك محبة الله لعبده، ثم ذكر ما ينتج عن المحبة بقوله: " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ... " أي إن الله إذا أحب العبد جعل الإيمان هو السلطان الوحيد على قلبه، وجوارحه فلا تنفعل ولا تنبعث إلا لموجب أمره ونهيه، وهذه أعلى الكرامات وأسمى المقامات، وهو عناية إلهية ومنحة ربانية، ومعية ومعرفة خاصة يكرم بها الله خواص عباده تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه، وإجابة دعائه وإنجاءه من الشدائد.
ولا شك أنه إذا كان سلطان الإيمان مسيطراً على السمع والبصر والفؤاد، فإن الطريق يكون مقطوعاً على شياطين الإنس والجن، الذين يدعون الناس إلى الضلال بنشر الشبهات وإثارة الشهوات.
وخلاصة هذا المبحث أن الله تعالى يتولى عبده المؤمن فيخرجه من الظلمات إلى النور، ويجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويثبته عند الشدائد، ويحول بينه وبين ما قد يقوم في قلبه من السوء، ويحوطه بعنايته ورعايته ويوفقه ويسدده، ومن ذلك صرفه عن الأفكار الخبيثة أو صرفها عنه بما يهيئ له من الأسباب.
وإذا كان العبد من المقربين المحسنين، فإن الله يزيد في عنايته به، ومعيته له، حتى لا تنبعث جوارحه ولا قلبه، إلا لما يرضي الله، وما فيه خيره في دينه ودنياه، فهو محاط بعناية الله، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع
стр. 249
سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به، وقلبه عامر بذكره ومراقبته.
فهو في حصن حصين من كيد المفسدين، وأنّى لشبهاتهم وضلالاتهم الفكرية أن تجد سبيلاً إلى قلبه، نسأل الله من واسع فضله ورحمته.
стр. 250
المبحث الثاني: مظاهر ولاية الله للجماعة المؤمنة
الغرض من هذا المبحث بيان أهم مظاهر ولاية الله للجماعة المؤمنة التي التزمت شعائر الإيمان ظاهراً وباطناً.
وأكتفي في هذا المبحث بالإشارة المجملة لما ورد في بعض النصوص من ذكر عناية الله بالجماعة المؤمنة، وذلك لأنه سيأتي تفصيل الآثار الإيمانية –التي جعلها الله حصوناً تقي المجتمع من الشرور الفكرية وغيرها- في الباب الثالث الأثر الاجتماعي.
إن الجماعة المؤمنة تمر بأطوار مختلفة من حيث القوة والكثرة، أو الضعف والقلة، وعناية الله تلازمها في جميع أطوارها بشرط أن تأتي بشرط الولاية وهو نصرة دين الله، بتحقيق التوحيد والتقوى والعمل من أجل إعلاء كلمة الله في أرضه.
ففي بعض الأحوال يكون الضلال منتصراً، يمتلك أهله كثيراً من أسباب القوة والغلبة، وفي مقابل ذلك يكون أهل الإيمان ضعفاء مهزومين، أو أذلاء مقهورين، فقد شاء الله العليم بأحوال خلقه، الحكيم في كل ما قدره وفعله، أن تكون الحياة دولاً بين الناس ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
стр. 251
[آل عمران:١٤٠] ومن ذلك أنه قدر أن يظهر الكفار على أهل الإسلام ويتسلطوا عليهم في فترة من الفترات، أو بقعة من البقاع، كما في العهد المكي، وما شابهه من الحالات في مسيرة الأمة إلى أن يأتي أمر الله. كما قدر في مرات أخرى ظهور أهل الإسلام إذا هم قاموا بشرط ذلك وعملوا ما في وسعهم واستطاعتهم لنصرة دينهم.
والمعركة مستمرة بين الخير والشر، والصراع قائم بين قُوى الإيمان وقُوى الطغيان، منذ أن خلق الله آدم وإلى أن يرث الأرض ومن عليها.
ومن طبيعة الشر أنه جامح مسلح، يبطش ولا يتحرج، ويضرب ولا يتورع، ويملك من أسباب الفتنة ما يصد به عن الحق، وقد يملك من القوة المادية والمغريات ما قد يزلزل القلوب، ويستهوي النفوس، ويزيغ الفِطَر، وللصبر حدود، وللاحتمال أمد، وللطاقة البشرية منتهى، والله أعلم بقلوب الناس ونفوسهم ... ومن ثم لم يشأ أن يترك المؤمنين للفتنة١.
فبين سبحانه أنه سيتولى الدفاع عنهم، إذا جاءوا بشرط الولاية، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] .
وهذه الآية الكريمة وردت في سياق ذكر فيه أولاً: الدفاع عن
стр. 252
المؤمنين، ثم الإذن لهم بالقتال، ثم الوعد بنصرهم إذا جاؤوا بشرطه، ثم ذكر التمكين في الأرض، ثم الأعمال التي يتعين على الأمة التي تولاها الله أن تقيمها وتعمل على إقامتها في الأرض.
فدل هذا الترتيب على أهمية هذا المظهر العظيم من مظاهر ولاية الله، ألا وهو دفاعه عن المؤمنين، كما دل على أنه يستمر معهم في جميع حالاتهم.
ففي حال ضعفهم يثبتهم، ويعينهم على الصبر، ويقوي قلوبهم فلا يرتدون ولا يتشككون.
وعند وجود الشوكة، ومنازلة الأعداء، يتجلى دفاعه عنهم نصراً لهم ودفعاً لتسلط الأعداء عليهم.
وبعد انتصارهم وتمكينهم في الأرض يستمر دفاعه عنهم بخذلان أعدائهم، وإدخال الرعب في قلوبهم، وتفريق كلمتهم وكشف مخططاتهم السرية، كما يكون بصرف أسباب الضلال عنهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
стр. 253
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٣٨-٤١] .
فبين سبحانه أول السياق أنه سيتولى الدفاع عن المؤمنين ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأنهم جاؤوا بموجب ذلك، وهو الإيمان.
وأشار إلى أن أعداءهم قد جاؤوا بموجب المقت والخذلان، وهو الكفر والخيانة ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ .
وأن عليهم أن يطمئنوا إلى دفاعه عنهم وولايته إياهم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ لذلك شرع لهم قتال الكفار، وأذن لهم به، وهو من الأسباب التي جعلها الله لعباده المؤمنين، لمكافحة الباطل والدفاع عن الحق ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ .
ثم زادهم من البيان ما يوجب طمأنينة قلوبهم، إلى ولايته ودفاعه ونصره إذا التزموا أسباب ولايته ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ .
ثم ختم السياق بذكر أعمال صالحة هي: الصلاة، والصوم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فدل ختم هذا السياق الذي ذكرت فيه
стр. 254
المدافعة والنصر والتمكين بهذه الأعمال على أهميتها في حصول ذلك واستمراره.
وإذا كان الله قد تكفل لعباده المؤمنين الذين جاؤوا بأسباب ولايته، بالمدافعة عنهم ونصرهم في حال قوتهم، ووجود شوكة لهم على العدو الظاهر وكيده السافر، فإنه من باب أولى أن يدافع عنهم في حال ضعفهم، أو في مقابلة الكيد الخفي الماكر، فتكون عنايته بهم في ذلك أشد، بحيث لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً يتمكنون به من إخراج المؤمن من دينه ...
قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١] .
قال ابن كثير ﵀: "يحتمل أن المراد: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾
أي في الدنيا، بأن يُسلطوا عليهم استيلاء استئصال، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة"١.
وقال ابن القيم ﵀: "والتحقيق ... أن انتفاء السبيل عن أهل
стр. 255
الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله. فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور، مكفي عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته ظاهراً وباطناً"١.
وكلا المعنيين اللذين أوردهما ابن كثير وابن القيم –رحمهما الله- صحيح.
فانتفاء السبيل بالكلية لأهل الإيمان الكامل، فالإيمان جالب لولاية الله الموجبة حفظه عباده، وتحصينهم من شرور الكافرين، ومن نقص في تحقيق التقوى، كان ذلك ثغرة في الحصن، وسبيلاً للكافرين عليه، بقدر نقصه، كما أن معه من ولاية الله بقدر إيمانه، إلا أن هذا السبيل الذي فتح عليه لا يصل إلى الاستئصال الكامل للجماعة المؤمنة، بل يبقى لهم باقية يُحيون دين الله في أرضه، والعاقبة للمتقين، والله أعلم.
والله ﵎ عندما بين للمؤمنين أنه معهم يدافع عنهم، وينصرهم ويحبط كيد أعدائهم، بيّن لهم بنفس الوضوح ما يريده منهم من الأمور التي جعلها أسباباً لحصول ذلك، فقال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا
стр. 256
وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠] .
قال ابن جرير ﵀: "وإن تصبروا أيها المؤمنون على طاعة الله، واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه ... وتتقوا ربكم ... لا يضركم كيدهم شيئاً: أي كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم، ويعني بكيدهم: غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين ومكرهم بهم، ليصدوهم عن الهدى وسبيل الحق"١.
وخلاصة القول: إن لله بعباده المؤمنين –الذين حققوا الإيمان الذي أراده منهم وبين معالمه لهم- ألطافاً جلية وخفية، فهو يحوطهم بتوفيقه وعنايته ورعايته، ويهديهم إلى ما فيه صلاح دينهم، ويثبتهم على صراطه المستقيم، ويخرجهم من ظلمات الكفر والشرك والنفاق والبدع والعصيان، بما أنزل عليهم من العلم والبيان، وبما يحدثه في قلوبهم من نور الإيمان والبصيرة، وبتهيئة الأسباب التي تصرفهم عن الباطل أو تصرفه عنهم، وهو –سبحانه- دائماً معهم، يدافع عنهم في جميع أحوالهم، أفراداً كانوا أو جماعات.
فولاية الله لعباده هي أعلى المصالح التي يستفيدها المؤمنون من تحقيق الإيمان، وهي الخطوة الأولى التي يجب أن يسعى إليها المؤمنون في مجابهة المخططات الفكرية، أو الخلاص منها، وفي مجابهة كل أساليب الأعداء،
стр. 257
فهي حصن عظيم يحصن الله به عباده من كل مكروه. لكن شرطها قوي يحتاج من أئمة الدين وقواد المسلمين إلى العمل الجاد المشترك في استخلاص الأسباب الجالبة لولاية الله من الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، ثم إعداد الخطط المناسبة لحمل الناس على المجيء بها، والصدق في تنفيذ تلك الخطط.
وبهذا ينتهي ما يسره الله لي من الحديث عن الأثر الأول والأهم من آثار الإيمان في مجابهة الأفكار الهدامة. والله أعلم.
стр. 258
الباب الثاني: أثر الإيمان في تحصين القلب ضد الأفكار الهدامة " الأثر القلبي "
*
...
والمقصود بهذا الباب بيان ما يحدثه الإيمان في القلب من الآثار التي يتحصن بها من تسلل الأفكار الخبيثة.
فالقلب هو ملك الأعضاء، وسيدها وأشرفها، والمتصرف فيها، فهو مركز الاعتقاد والإرادة، وموجه السلوك، وبصلاحه يكون الإنسان صالحاً، ويفسد بفساده.
قال ﷺ : " ... ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " ١.
فإذا كان القلب بهذه المنزلة من التأثير على السلوك وتوجيهه، فإن جهود شياطين الإنس والجن متوجهة في المقام الأول إلى قلوب العباد، لا لإفسادها بالأفكار المهلكة لها، بقذف الشبهات وتزيين الشهوات.
وفي مقابل ذلك جعل الله الإيمان وما يحدثه من الآثار في قلب المؤمن السبب -بعد عناية الله- في سلامته وتحصينه منهم.
وإذا كانت ولاية الله هي الأثر الخارجي -الخارج عن إرادة الإنسان وفعله- فإن عمران القلب بالإيمان سبب داخلي، وحصن يحصن الله به المؤمن من غوائل أعداء الله ومكرهم، وهو من آثار عناية الله وولايته لعبده.
стр. 259
فوجود الإيمان في القلب وجود حقيقي، يحدث في القلب تغيراً جذرياً يسري إلى كل ما يقوم بالقلب من الوظائف.
وقبل أن أتكلم عما يحدثه الإيمان في القلب من الآثار، أرى أن البحث يتطلب الكلام على ما يقوم في قلوب الناس من الوظائف، والعلاقة بينها، والمؤثرات الموجهة لها، وأحوال القلوب، لكي يسهل معرفة أثر الإيمان عليها بإذن الله.
وسيجري الكلام -إن شاء الله- على الأثر القلبي في ثلاثة فصول، هي:
الفصل الأول: وظائف القلب وأحواله.
الفصل الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلوب.
الفصل الثالث: أثر الإيمان في تزكية القلوب.
وإلى الفصل الأول من هذا الباب.
стр. 260
الفصل الأول: وظائف القلب وأحواله .
المبحث الأول: الوظائف القائمة بالقلب .
*
...
المبحث الأول: الوظائف القائمة بالقلب.
القلب مركز لأهم الوظائف الإنسانية، مثل:
١-وظيفة التعقل.
٢-الاعتقاد.
٣-النيات والإرادات.
٤-العواطف.
٥-الانفعالات.
وسوف أتكلم في هذا المبحث على كل منها في مطلب مستقل بحدود ما أرى أنه يفي بالغرض إن شاء الله، والله المستعان.
стр. 261
المطلب الأول: وظيفة التعقل
لقد اختلفت تعاريف الباحثين والمفكرين للعقل، والوظائف التي تناط به، كما اختلفوا في مكان وجوده، وسبب ذلك أن لفظ العقل يطلق على عدة وظائف وصفات تقوم بالإنسان، ويسمى مَنْ قامت به عاقلاً، وسوف أشير إلى أهمها:
الأولى: يطلق العقل على مجموع الوظائف النفسية المتعلقة بتحصيل المعرفة كالإدراك، والفهم والتمييز والتذكر والتخيل والحكم والاستدلال ... الخ. ويرادفه على هذا المعنى الفهم والذهن١.
وعلى هذا الاعتبار يسمى الإنسان عاقلاً أي ليس بمجنون.
ويوصف بأنه متعقل أي يفهم الخطاب، ويرد الجواب، ويميز ويستدل.
قال ابن تيمية ﵀: "وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان، التي بها يعلم ويميز ويقصد المنافع دون المضار، كما قال أحمد بن
стр. 262
حنبل والحارث المحاسبي١ وغيرهما: أن العقل غريزة"٢.
وبمقدار هذه الغريزة، تكون نسبة الذكاء قوة وضعفاً.
وهذا الأمر يستوي في أصله الناس العقلاء، وهو طريق العلم الذهني.
الثانية: يطلق العقل على التفكر والفقه فيما تنقله الحواس للقلب، وأخذ العبرة منها، واستشعار القلب للمعاني والعبر، والتفاعل معها رغبة ورهبة، حباًَ أو كراهية ... وهذا هو طريق العلم الباعث على صلاح السلوك.
فالعقل على هذا يطلق على وظيفة التفكر والاعتبار التي هي وظيفة القلب الأساسية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله-: "فصلاح القلب وحقه، والذي خلق من أجله، هو أن يعقل الأشياء، لا أقول يعلمها فقط، فقد يعلم الشيء من لا يكون عاقلاً له، بل غافلاً عنه ملغياً له، والذي يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه، فيكون وقت الحاجة إليه غنياً، فيطابق عمله قوله، وظاهره باطنه، وذلك
стр. 263
هو الذي أوتي الحكمة" ١.
وهذا القدر زائد على الإدراك الذي يتحصل عليه الإنسان بذهنه وذكائه، فالعلم قد يكون علماً نظرياً من الحواس إلى الدماغ، فيحفظ العلم، أو يعرف كثيراً من خصائص الأشياء، والسنن التي أودعها هذا الكون وأسرار المخلوقات، وقد يعرف معاني ودلالات الكلام دون أن يصل ذلك العلم إلى القلب، ويستشعر ما دل عليه من الخير، وأدلته وأسبابه وعواقبه، فيرغب فيه ويندفع إليه، ودون أن يستشعر ما دلت عليه من الشر، وأدلة قبحه وأسبابه وعواقبه، فيحدث فيه نفوراً منه وخوفاً من عواقبه.
والعاقل بهذا الاعتبار: هو الذي ينتفع بسمعه وبصره ويعمل عقله لاستخلاص التجارب والعبر، ومعرفة الخير والشر، وسنن الله الجارية في عباده، وينعكس أثر ذلك على سلوكه.
قال ابن تيمية ﵀: "ثم إن الله خلق القلب للإنسان يعلم به الأشياء ... وإذ قد خلق القلب، لأن يعلم به، فتوجهه نحو الأشياء ابتغاء العلم بها، هو الفكر والنظر ... " ٢.
وقيل لابن عباس ﵁ بماذا نلت العلم؟ قال:" بلسان
стр. 264
سؤول، وقلب عقول" ١.
وقال الرازي في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦] : "فالمقصود منه ذكر ما يتكامل به ذلك الاعتبار لأن الرؤية لها حظ عظيم في الاعتبار، وكذلك استماع الأخبار فيه مدخل، ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبر القلب، لأن من عاين وسمع، ثم لم يتدبر ولم يعتبر، لم ينتفع البتة، ولو تفكر فيما سمع لانتفع" ٢.
وهذه الوظيفة -التي هي القدرة على التعقل- موجودة لدى سائر العقلاء من الناس، لكن منهم من استفاد منها -بإذن الله- ومنهم من عطلها، أو استخدمها في غير ما ينبغي لها، لذلك لام الله الكفار على عدم التعقل، والانتفاع به، واللوم دليل الإمكان، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] .وقال أيضاً: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ
стр. 265
أَأفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] .وقال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٢] .
ففي هذه الآيات ونحوها لوم من الله للكفار على عدم انتفاعهم بما أعطاهم الله من نعمة التفكر والاعتبار، والنظر في مخلوقاته، وفي أحوالهم وما يجري منهم من التناقض، ونحو ذلك مما لو تفكروا فيه ونظروا نظراً صحيحاً، وتدبروا ما وصلهم من الكتب ومواعظ الأنبياء، لكان كفيلاً بهدايتهم وإخراجهم من الضلال.
أما الآيات التي تنفي عنهم التعقل في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءصُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١] .
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس:٤٢] .
فهذا النفي ليس للقدرة ووجود وظيفة التعقل، وإنما هو نفي للانتفاع بها، فالواقع أنهم لم يتعقلوا، وإن كانوا قد هُيئوا بأصل الخلقة لذلك.
قال ابن جرير ﵀ في قوله تعالى: ﴿بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً
стр. 266
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١] .
قال: "ومثل الذين كفروا في قلة فهمهم عن الله وعن رسوله، كمثل المنعوق به من البهائم الذي لا يفقه من الأمر والنهي غير الصوت الذي يسمعه ... فكذلك الكافر، مثله في قلة فهمه لما يؤمر به، وينهى عنه بسوء تدبره إيّاه، وقلة نظره وفكره فيه، مثل هذا المنعوق به فيما أمر به ونهي عنه" ١.
فقوله ﵀: "بسوء تدبره إياه، وقلة نظره وفكره فيه" يدل على وجود القدرة على التدبر والنظر، وإنما هو أساء في ذلك أو أعرض عنه.
وسبب ذلك أن ظلمة الكفر والمعاصي، تظلم القلب وتحرف التفكر والتعقل، قال تعالى: ﴿كَلاّ َبَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] .
لذلك لا تحصل الهداية إلا إذا شرح الله صدر من علم فيه الخير، فأزال ذلك الران الذي غطى قلبه.
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] .
الثالث: يطلق لفظ العقل صفة يوصف بها العلم المكتسب
стр. 267
المهذب للسلوك.
فالعقل على هذا الاعتبار، يطلق على:"ما يكتسبه الإنسان بالتجارب والأحكام الكلية، فيكون حده أنه معان مجتمعة في الذهن، تكون مقدمات يستنبط بها الأغراض والمصالح"١.
فتصير المعارف والعبر مخزونة عند القوة العاقلة بتكرار الاكتساب فتقوي ملكة العقل، كما يوصف من قام به ذلك بأنه عاقل، إذا أثرت تلك المعارف في عمله وتصرفاته وعَقَلته ووجهته، وكلما كانت كمية العلوم التي عقلها كبيرة، كان عقله أقوى وأرجح، كما أن العقل يكون سليماً بسلامة وصلاح تلك المعقولات المتراكمة.
إلا أن العاقل حقيقة هو الذي عقل عن الله مراده في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فوعى العلم واعتقده، وأثر في عمله وأخلاقه وتصرفاته جميعاً.
قال ابن تيمية ﵀:" والمقصود أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العلماء إنما هو صفة ... وإذا كان كذلك فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنما يسمى به العلم الذي يعمل به، والعمل بالعلم" ٢.
стр. 268
فالعاقل على هذا هو الذي يفكر تفكيراً صحيحاً، وعقل بذلك علوماً وتجارب نافعة، تمكنه من الحكم على الأشياء حكماً صادقاً، وتهديه إلى العمل الصالح، والخلق القويم، وتحمله على أن يكبح جماح نفسه، فيعرض عن كل ما يوقعه في المهالك، أو يخرج عن نطاق قدرته أو مسئوليته، وأولئك هم أولو الألباب الذين آمنوا بالله وتعلموا من وحيه.
وقد بين الله في سياق مبارك أن الذين يعلمون أن الحق فيما ما نزل من الوحي، هم الذين يتذكرون ويتعقلون تعقلاً صحيحاً، وهم العقلاء حقاً، وبيّن أنهم يعملون بموجب علمهم، وبذلك كله استحقوا الوصف بأنهم أولو الألباب، فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:١٩-٢٢] .
أما مقر العقل في بدن الإنسان فيرى كثير من المشتغلين في دراسة النفس البشرية: "أن الجهاز العصبي ومركزه المخ، هو القاعدة الرئيسية
стр. 269
للنشاط العقلي" ١.
إلا أن هذا الرأي لا يزال مجرد ظن لم يصلوا فيه إلى يقين.
وحول هذا قال الدكتور: حلمي المليجي: "ويعتقد كبار المفكرين في كل العصور، أن نشاط العقل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمخ، ولا نزال في هذه الأيام نعتبر أن المخ مركزاً للعمليات الشعورية، ولقد أجريت دراسات طويلة في المخ استمرت عدة قرون، أثبتت أن التنقيب الصناعي عن مركز العقل في المخ، كان باطلاً، فلا توجد نقطة واضحة محددة نستطيع أن نبرهن على أنه في هذه النقطة، وفي هذا المكان يرتبط العقل أو النفس بمادة الروح" ٢.
والذي دل عليه صريح القرآن أن العقل بمعنى التعقل والتدبر والتفقه، إنما مقره القلب، فالقلب هو آلة التفكر.
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] .
قال الرازي: "وقوله يعقلون بهاكالدلالة على أن القلب آلة لهذا
стр. 270
التعقل، فوجب جعل القلب محلاً للتعقل"١.
وقال أيضاً في بيان الحكمة من ذكر الصدور في الآية مع أن القلوب لا تكون إلا في الصدور: "وعندي فيه وجه آخر، وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر ... وعند قوم أن محل التفكر هو الدماغ، فالله تعالى بيّن أن محل ذلك هو الصدر" ٢.
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] .
وقال: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣] .
فبين سبحانه أن المانع من التدبر هو أقفال القلوب، وأن الطبع عليها ينتج عنه عدم التفقه، مما يدل أنها هي آلة التدبر والتفقه.
أما بقية الوظائف الأخرى التي توصف بأنها عقلية -كالوظائف الغريزية المتعلقة بتحصيل المعرفة، والمذكورة في المعنى الأول للعقل، وكذلك حصيلة العلوم والتجارب والمعارف المخزونة في نفس العاقل، المؤثرة في سلوكه، والمذكورة في المعنى الثالث للعقل -فلا يوجد لدينا ما ينص على مركزها في البدن، فليس هناك -في نظري- ما يمنع من القول أن مستقرها في الدماغ.
стр. 271
فيكون مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ثم التعقل واكتمال النظر في القلب، ثم تخزن المعلومات والعبر المعقولة في الذاكرة في الدماغ.
قال شيخ الإسلام ﵀: "لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ"، ثم قال: "فيبتدئ ذلك من الدماغ، وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء" ١.
ومن هذا نخرج بنتيجة هي أن القلب محل لأهم وظيفة أمر الله بها الإنسان، وهي التفكر والتعقل، الذي هو طريق العلم والهداية بإذن الله.
стр. 272
المطلب الثاني: الاعتقادات
الاعتقاد هو حكم الذهن الجازم، أو هو تصديق القلب الجازم، فإذا كان مطابقاً للواقع كان صحيحاً، وإذا كان غير مطابق له كان فاسداً.١
إلا أن الاعتقاد يطلق على العلم تارة، وتارة على اليقين، وتارة على التصديق مطلقاً، فيكون -على الأخير- أعم من أن يكون جازماً أو غير جازم، مطابقاً أو غير مطابق، ثابتاً أو غير ثابت٢.
والاعتقاد باعتبار ثباته في القلوب ثلاثة أنواع:
الأول: اعتقاد تلقاه الإنسان من آبائه أو علماء ملته أو مجتمعه، دون أن يعرف أدلته وبراهينه.
وهذا النوع قد يكون صحيحاً أو باطلاً، ولكنه يقبل التشكيك في قلب معتقده لجهله بأدلته٣.
стр. 273
الثاني: اعتقاد عن اقتناع: "وهو إذعان نفسي لما يجده المرء من أدلة تسمح له بقدر من الرجحان والاحتمال، كاف لتوجيه عمله إلا أنه دون يقين" ١.
فهو أمر تبين للمعتقد صحته في النظر في محاسنه وعواقبه وبراهينه على وجه الإجمال، دون التمكن في معرفة براهينه على وجه التفصيل، وهذا أكثر رسوخاً في قلب صاحبه من النوع الأول، وإن كان أقل من اليقين.
الثالث: اليقين: وهو اعتقاد الأمر عن بصيرة ومعرفة بأدلته وبراهينه القاطعة، فهو اعتقاد عن اقتناع مستند إلى أسباب وحجج ثابتة قاطعة، وهذا هو الاعتقاد الراسخ الذي لا يقبل التشكيك إلا أن يشاء الله.
وقد وردت نصوص تدل على أن العقائد التي يؤمن بها الإنسان
стр. 274
محلها القلب، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] .
فدلت الآية على أن الإيمان -وهو جملة اعتقادات- يدخل في القلب.
وقال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٧] .
أيْ إنّهم لا يعتقدون الإيمان الذي يتلفظون به، فقولهم ليس عن عقيدة قائمة في قلوبهم.
وقال: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢] .
فدلت هذه النصوص على أن القلب محل الاعتقاد.
стр. 275
المطلب الثالث الإرادات
الإرادة هي: نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه١.
فهي تتركب من أمرين:
رغبة في الفعل أو شعور بالحاجة إليه أو تعلق أمل به، ثم قصده وميل النفس لفعله.
ويراد بالإرادة القصد، فتكون بمعنى النية٢.
وهي نوعان:
أحدهما: قصد الفعل المعين، كتوجه الإرادة إلى القتال.
والثاني: تمييز المقصود بالفعل، كأن يقصد بالقتال وجه الله.
وقد وردت كثير من النصوص تدل على أن الإرادات والنيات محلها القلب، من ذلك:
قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقر:٢٢٥] .
стр. 276
وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] .
وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] ففي هذه الآية بين تعالى تمكنه من قلوب العباد، فيصرفها كيف يشاء، بما لا يقدر عليها صاحبها، فيفسخ عزائمه، ويغير مقاصده، ويلهمه رشده، ويزيغ عن الصراط السوي قلبه ... ١
وعلى هذا فالعزائم والمقاصد والإرادات تقوم بالقلب.
стр. 277
المطلب الرابع: العواطف
العواطف تتعلق بالمحبوبات والمكروهات، وكل عاطفة عبارة عن مجموعة انفعالات.
فمثلاًَ: مجموعة انفعالات سارة نحو شخص ما -كالإعجاب أو الشهوة، أو السرور والراحة أو الامتنان- تكون عاطفة محبة له أو حنواً عليه.
ومجموعة انفعالات غير سارة -كمشاعر الضيق، والاشمئزاز والاحتقار أو الحقد- فإنه تكون عاطفة كراهة١.
فالعواطف السارة مثل: المحبة والحنو، والاشفاق، والرحمة، والرجاء، ونحوها.
والعواطف غير السارة مثل: الكراهية، والابتئاس، والقنوط ونحوها.
والعواطف من أعمال القلوب، وتكون مستقرة أو سائدة.
فالعاطفة المستقرة هي:"استعداد وجداني مكتسب يجعل صاحبه
стр. 278
قابلاً للانفعال، ولاتخاذ سلوك معين كلما اتصل بالموضوع أو الشخص الذي ركز حوله هذه العاطفة"١.
وعرفها بعضهم بأنها: "صفة نفسية ثابتة مكتسبة لها أثر كبير في تكوين الشخصية"٢.
ويراد بوصفها بالثبات: تمييزاً لها عن الانفعالات الطارئة -كالغضب والفزع- فإنها توجد مع وجود المهيج، وتزول بزواله، أما العاطفة فهي شعور معين يقوم بالنفس نحو شخص معين أو أرض أو فكرة معينة وتكون ثابتة نسبياً.
والمراد بوصفها مكتسبة: أي أنها وإن كنت تَمُت بالأصل إلى دوافع فطرية٣، إلا أنها تتأثر بالعوامل الاجتماعية، فتنمو وتقوى تحت تأثر التفكر والتأمل، والتجارب الانفعالية وتكرارها وتتوجه نحو موضوع
стр. 279
معين، أو شخص أو جهة معينة١.
ووصفها بأنَ لها تأثيراً كبيراً في تكوين الشخصية: أي أن العواطف لها تأثير على إرادات الإنسان، ونواياه الدائمة التي تأخذ شكل العادات أو العبادات المتكررة، ومواقفه الثابتة.
"فتقوم العواطف بتنظيم الحياة الانفعالية للفرد، وتنظيم السلوك والدوافع الفطرية، وتعدلها وتوجهها وجهة معينة، ونتيجة لذلك يكتسب المرء قسطاً وفيراً من الثبات والاستقرار، مما يساعد على التنبؤ بسلوكه، ويرجع هذا إلى الاتجاه الثابت الذي تكونه العاطفة لدى الفرد تجاه موضوعات معينة أو أشخاص وأفكار ... " ٢.
وقد أشار ابن القيم ﵀ إلى العاطفة المستقرة بقوله: "حتى تصير الطاعات أو المعاصي هيئات راسخة، وصفات لازمة، وملكات ثابتة" ٣.
أما العاطفة السائدة: فهي عاطفة من عواطف الإنسان إلا أنها تزيد على غيرها من العواطف، وتستحكم حتى تسيطر على جميع عواطفه
стр. 280
وتصبغها بصبغتها، وتعمل على توحيدها وتتحكم في تعلقاتها١.
وعرفها بعضهم بقوله: "هي الاستعدادات النفسية للتأثر والتفكير والانفعال بموضوع معين، يصبح محور الحياة، وتسخر الدوافع النفسية لإرواء هذه العاطفة بزيادة التضحية والانفعال، والعمل من هذا الموضوع في كل موقف من مواقف الحياة"٢.
وقد أشار ابن القيم ﵀ إلى هذه العاطفة بقوله: "إنما نعنى بالمحبة الخاصة، وهي التي تشغل قلب المحب، وفكره وذكره لمحبوبه" ٣.
وقال أيضاً: "وكذلك غمرات الحب، وهي ما يغطي قلب المحب فيغمره" ٤.
ومن أمثلة العاطفة السائدة: حب الله في قلب المؤمن، عاطفة سائدة توجه جميع عواطفه وانفعالاته وإراداته، فيحدد موقفه وسلوكه في مختلف نواحي الحياة، بناء عليه، وكذلك حب شهوة معينة كالمال أو النساء ونحوها، قد تكون سائدة في قلب الإنسان فتسير وظائف القلب الأخرى وتوجهها لوجهتها، كحب العجل الذي أشربته قلوب بعض بني إسرائيل،
стр. 281
ومن أمثلتها أيضاً الحقد، فقد يصبح في وقت من الأوقات عاطفة سائدة، كحقد ابن المقتول -مثلاً- على قاتل والده، قد يستغرق فكره وجهده، ويسخر جميع إمكانياته في طلب ثأره.
أما مكان العواطف، فقد وردت نصوص تدل على أن مقرها في القلب، من ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد:٢٧] .
وقال تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣] .
أي أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم واستقر بها١.فهذه عاطفة سائدة حملتهم على عصيان التكليف الإلهي.
والخوف والوجل قد يكون عاطفة، وقد يكون انفعالاً، فباعتباره حالة مستقرة ملازمة للقلب، كالخوف من الله في قلوب المؤمنين فهو عاطفة، وباعتباره حالة مؤقتة كالفزع والخوف من مكروه طارئ فهو انفعال.
وقد ورد في القرآن ما يدل على أن الخوف يقوم بالقلب، من ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] .
стр. 282
وقال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران:١٥١] .
ولكل عاطفة انفعال معين، إلا أنه انفعال هادئ مستقر لاستقرار العاطفة -كما تقدم-. هذا الانفعال ينشط القلب، ويحرك الإرادة إلى السعي لما يوافق العاطفة أي لإرواء العاطفة، وهذه الانفعالات المنبعثة من العواطف، ضرورية لحركة الإنسان ونشاطه، فلها تأثير كبير على سلوكه المعتاد بخلاف الانفعالات الحادة التي سيأتي الكلام عليها في المطلب التالي.
стр. 283
المطلب الخامس: الانفعالات
الانفعالات منها ما يكون هادئاً ومنها ما يكون حاداً، وهي تغير وثورة داخلية طارئة، توجد لوجود مهيج ما، وتزول لزواله١.
والانفعالات كثيرة منها: الغضب، والخوف، والفرح، والحزن، والاندهاش التعجبي ... ونحوها.
فهي إذاً حالات اضطراب وتغير في الكائن الحي، استجابة لمؤثر معين تميز بمشاعر قوية، واندفاع نحو سلوك ذا شكل معين٢.
ويصاحب هذه الانفعالات، ثلاثة أنواع من التغيرات:
١- مشاعر داخلية وجدانية لا يدركها إلا الشخص نفسه، كشعور الغضبان بالضيق، وانتقاص الذات أو الإهانة.
٢- تغير في أجهزة الجسم الداخلية، كما يبدو على الغضبان من اضطراب في الجهاز التنفسي، وسرعة خفقان القلب، وازدياد إفرازات الغدد الصماء، وارتفاع ضغط الدم ... الخ.
стр. 284
٣- تغيرات جسمية خارجية، فالمغضب مثلاً يقطب جبينه، وتتقلص عضلات وجهه، وتظهر عليه حركات وإيماآت غير طبيعية١.
والانفعالات بحسب قوة هيجانها، ثلاثة أنواع:
١- انفعال خفيف يحمل النفس على طلب ما يلائمها، ويروي عواطفها المختلفة، أو ما تعتقد فيه النفع، كما يحملها على ترك المنافر، أو ما تعتقد فيه الضرر، وهذه انفعالات لازمة لقيام الإنسان بنشاطاته المعتادة، وتصاحب العواطف، كما تقدم في المطلب السابق.
٢- انفعال طارئ مصحوب بشيء من الهيجان، لكنه ليس بحاد، كما أنه يزيد عن الانفعال الخفيف الناتج عن العواطف، كما يتميز عنه بأنه طارئ وذاك مستقر.
وهذا الانفعال الطارئ الهادئ لازم للإنسان، ليتخذ موقفاً مناسباً من الأحداث الطارئة، طلباً أو هرباً أو غير ذلك٢، فالخوف من خطر داهم انفعال مهم للهرب منه أو مقاومته، ورؤية الوالد ولده مع قرناء السوء -مثلاًَ- يولد عنده انفعالاً يحمله على توجيه النصح والعمل على عزله عنهم ... وهكذا.
٣- الانفعالات الشديدة الهيجان وهي غالباً غير بنّاءة، ولها أثر سيئ
стр. 285
على السلوك خاصة إذا أخرجت الإنسان عن حدود النشاط المعتدل السوي، ويبدو الأثر السيئ لتلك الثورة العارمة على الوظائف العقلية، حيث يشل التفكير، ويشوه الإدراك، وتضعف الذاكرة، ويقل مستوى الذكاء ... وبالتالي يسوء فهم الفرد للموقف ويفتقد القدرة على حل المشكلات، وتصبح أحكامه فاسدة، حيث يعمى عن رؤية الكثير من الحقائق١.
وقد يدفعه إلى أعمال سيئة ضارة به وبغيره.
وقد وردت نصوص كثيرة تبين أنّ الانفعالات عموماً محلها القلب، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] .
فذكر تعالى في هذه الآية انفعالين:
الأول: انفعال الانقباض والنفور الذي يقوم في قلوب المنكرين للبعث والمعاد من توحيد الله.
والثاني: انفعال الفرح والسرور والاستبشار، إذا أشيد بالآلهة التي يعبدونها من دون الله.
وقال تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات:٨] .