← Акыда

Акыда · id 7265

أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (667 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] . وبين ذلك خاتم رسله ﷺ في كثير من الأحاديث منها حديث معاذ وفيه قال ﷺ : " فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً "١. والإخلاص وقصد الله وحده، بالتأله والعبادة، هو تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا الله. وأما أنواع العبادة، وكيفية أدائها، وكيف يكون الإخلاص فيها، وما هي خوارم العبادة ومبطلاتها، فتؤخذ مما جاء به النبي ﷺ من الوحي ومن فعله. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤] . وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:٣] . وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] . وجاء التحذير الشديد من مخالفة ما جاء به ﷺ ، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ

стр. 212

سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] . وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] . وقال ﷺ : " من أحدث في أمرنا ما ليس منا فهو رد "١. وقال: " من رغب عن سنتي فليس مني " ٢. والنصوص التي تقرر وجوب الإخلاص في العبادة، ووجوب متابعة النبي ﷺ وتحذر من الشرك والبدع كثيرة، أكتفي بما ذُكر لأخلص إلى المقصد، وهو التدبر لبعض ما جاء في ذكر أولياء الله، أو طريقهم، والتعرف على مظاهر الولاية، وما ورد فيها من التنبيه على أن التوحيد هو الأساس والسبب الرئيس لحصولها لهم. فمن ذلك ما تقدم من النصوص في ذكر أوصاف أولياء الله -بنوعيهم الأبرار والمقربين- والتي يتجلى فيها التأكيد الشديد على ملازمتهم للتوحيد، وكمال تعلق قلوبهم بربهم، وإخلاصهم في عبادته،

стр. 213

وخلاصة ما بينته تلك النصوص من أوصافهم هي: ١-التوحيد بإخلاص العبادة لله تعالى. ٢-ملازمة طاعة الله واجتناب معاصيه، مع التركيز على الصلاة والصدقة فرضاً ونفلاً. ٣-الإيمان باليوم الآخر وأثره على سلوكهم. ٤-الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره. ويظهر ذلك جلياً في سورة الإنسان التي ذكر فيها أوصاف الأبرار وفي سورة الفرقان التي ذكر فيها أوصاف المقربين. وسورة يوسف-﵇ لهذا المراد شاملة، حيث اشتملت على قصة ولي من أولياء الله، ذكر فيها مظاهر ولاية الله له وعنايته به، وأسباب تلك الولاية. وقبل استعراض مظاهر ولاية الله ليوسف ﵇ والتي هي فعل الرب ﵎ به، وأسباب تلك الولاية والتي هي فعله ﵇ الذي تحصّل به على ولاية الله، قبل استعراض ذلك، أرى من المناسب أن أطرح بين يدي ذلك مقدمات مهمة ... فسورة يوسف ﵇ من السور المكية، والتي تميزت بالإكثار من قصص الأنبياء والأمم السابقة١ ... "ليكون قصصهم عبرة

стр. 214

وموعظة لأولي الألباب، لبيان أن دعوة الرسل جميعاً واحدة، وأنهم جاؤوا بالتوحيد الخالص، والإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وأن الأنبياء وأتباعهم لاقوا كل أنواع الإيذاء في سبيل عقيدتهم، ومع ذلك صبروا وثبتوا على عقائدهم، وكان النصر والعاقبة لهم والهزيمة والخذلان لأعدائهم ... "١. والقصص القرآني نزل منجماً، ليعالج واقع المسلمين في الدعوة المحمدية، وخاصة في العهد المكي، مهمته الإيحاء السريع والتأثير القوي بضرب القدوة أو الموعظة البليغة. وبعض القصص يقصد به إنذار الكافرين بذكر ما حل بأسلافهم الأولين من العقاب الأليم في الدنيا، وأن عاقبة الكفر سيئة لا محالة. والبعض الآخر كشأن سورة يوسف ﵇ يقصد بها بشارة المسلمين بحسن العاقبة في الدنيا، وعظيم الأجر في الآخرة، وتسليتهم وتثبيتهم بذكر قصص أسلافهم، وعناية الله بهم، كما يقصد بها أيضاً تجلية الطريق إلى ولاية الله، وبيان أهم دعائمه لكي يلازموه. وسورة يوسف نزلت في ظروف خاصة، ومرحلة متميزة مرّ بها السابقون الأولون في مكة، وقد عالجت هذه القصة القضايا المطروحة في ساحة المواجهة مع الكفار، وفي الخواطر المختلجة في المشاعر والأفكار. فإن كان المسلمون يعذبون ويتآمر عليهم أهلهم وأقاربهم، وإن

стр. 215

كانوا يضطرون إلى الهجرة والغربة عن بلادهم، وإن كان بعضهم يسجن ويحاصر في الشِعب، وفريق منهم يرزح تحت ذل الرق ... وإذا كانت الشياطين توسوس في قلوبهم: كيف تعذبون وتضطهدون وتُستذَلّون وأنتم عباد الله وأوليائه؟ كيف وهو الملك الذي لا يعجزه شيء؟ كيف والذين يعذبونكم هم أعداؤه المستحقون بكفرهم عقابه؟ لماذا يتأخر الانتصار لكم والعقاب عليهم مع وجود الموجب لهما فيكم وفيهم؟ إذا كانوا يلاقون صنوف العذاب، والابتلاء الجسمي والمعنوي، فهذا الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ﵇ اجتمعت عليه أكثر هذه الأمور ... تآمر عليه أقرب الناس إليه، وتغرّب عن بلده، وذاق مرارة الرق، وآثر السجن على الفتنة في الدين ... وابتُلي وصبر. إذاً فالابتلاء سنة الله الجارية لتمحيص أوليائه، فهو دليل الكرامة لا الإهانة، وهو عنوان الصدق في الإيمان. ومع ما حملته القصة من التسلية والتثبيت، حملت أيضاً البشارة بأن العاقبة سوف تكون لهم، وأنها العزة والتمكين، جاء ذلك تلميحاً من خلال ما آل إليه أمر يوسف، وتصريحاً في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف:٥٦، ٥٧] .

стр. 216

أما مظاهر الولاية فهي ظاهرة في آيات هذه السورة، بل إن القصة كلها استعراض لعناية الله ورعايته لوليه -يوسف ﵇ حيث تولاه صغيراً بحفظه ورعايته، ثم اجتباه وعلّمه من تأويل الأحاديث، وأتم عليه النعمة كما أتمها على أبويه إبراهيم وإسحاق، وآتاه علماً وحكماً، وصرف عنه السوء والفحشاء، وجعله من عباده المخلصين، ثم مكنه في الأرض وآتاه من الملك، وجمع شمله بأهله بعد أن أظهر فضله ومكانته لهم ... أما سبب الولاية فقد ذكره الله بقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٢٢] . وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف:٥٦، ٥٧] . وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] . فبين سبحانه سبب ذلك، وأنه الإحسان والصبر، وبين الإحسان بأنه الإيمان والتقوى، اللذان هما شرط الولاية. ثم إنه من أجل حصول التأثير التام من هذه القصة للصحابة الذين

стр. 217

نزلت عليهم أول مرة، والذين يعانون ما يعانون من العذاب والابتلاء أن يذكر السبب بوضوح تام، لكي يلتزموا به ويقتدوا بنبي الله يوسف ﵇، فيحصل لهم ما حصل له من حسن العاقبة في الدنيا، والأجر العظيم في الآخرة. إذاً من الضروري أن توضح هذه القصة طبيعة الإحسان، الذي جاء به يوسف، بياناً يتناسب مع الاستعراض الموسع لأطوار القصة. فيا ترى ما هي أهم معالم هذا الإحسان، الذي استحق به يوسف ﵇ هذه الولاية التامة؟ هل هو إعراضه عن الفاحشة مع قوة الدافع إليها؟ لا شك أن السياق لا يوحي بذلك، فقد جعل الله إعراضه عن الفاحشة من آثار ولايته له، فهو الذي عصمه وصرف عنه ذلك بسبب إحسانه السابق، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] . لقد بين الله ذلك الإحسان غاية البيان، في سياق يدل على أنه هو السبب الرئيس والأهم لولايته وعنايته بيوسف ... قال جل ذكره مخبراً عن يوسف ﵇ وهو يبين لصاحبية في السجن بعض مظاهر ولاية الله له: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف:٣٧] .

стр. 218

ثم ذكر سبب عناية الله به وتعليمه بقوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٣٧-٤٠] . إذاً فسبب الولاية هو التوحيد الخالص، الذي ترتكز عليه الحنيفية ملة إبراهيم ﵇. فيوسف ﵇ لازم ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأتم الله نعمته عليه كما أتمها عليهم. وكذلك كل من جاء بعدهم عليهم إذا أرادوا ولاية الله، أن يأتوا أولاً وقبل كل شيء بالحنيفية التي لا يلابسها شائبة من الشرك، بين الله ذلك أتم البيان حيث أخبر أن إبراهيم ﵇ إنما حاز على تلك المرتبة العالية من الولاية بكمال توحيده، ثم أمر النبي محمداً ﷺ باتباعه في ذلك فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً

стр. 219

لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠-١٢٣] . فالسبيل لتحصيل ولاية الله واحد، هو: الحنيفية القائمة على التوحيد الخالص والتي كان عليها إبراهيم ﵇ وتبعه يوسف ﵇، وأُمر محمد ﷺ باتباعها، لذلك قال تعالى في آخر السورة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] . أي سبيل يوسف وآبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب هي سبيل جميع أولياء الله من النبيين وأتباعهم من لدن آدم ﵇ وإلى أن يرث الله الدنيا ومن عليها. وبعد هذا الاستعراض لقصة وليّ من أولياء الله، ومعرفة مظاهر ولاية الله له، وسر تلك الولاية، أستعرض قصة مجموعة من الفتيان تولاهم الله وأشاد بهم في كتابه حامداً صنيعهم. بين سبحانه مظاهر ولايته لهم بقوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف:١٣-١٤] . فتجلت ولايته لهم بأن زادهم إيماناً وربط على قلوبهم ... ثم ذكر سبب هذه الولاية فقال: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ

стр. 220

نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ [الكهف:١٤-١٦] . إذاً سبب ولاية الله لهم هو تمسكهم بالتوحيد، ولو أدى بهم الحال إلى الفرار من الأهل والوطن في سبيل المحافظة عليه. ولا يخفى ما لهذه القصة من عظيم الأثر على المسلمين في العهد المكي، الذين اضطرهم الوضع القائم إلى الهجرة إلى الحبشة وغيرها، حفاظاً على التوحيد، فقد كانوا يجدون في هذه القصة الأُنس وحسن العزاء، مما يزيد في ثباتهم وتطلعهم إلى فَرَج الله. وإذا كان التوحيد الخالص، ومجانبة الشرك هو الركن الأهم في استجلاب ولاية الله للفتى يوسف ﵇، ولفتيان الكهف، نجد أن الله تعالى جعله الشرط الأهم لولايته للجماعة المسلمة، بيّن ذلك قولُه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 221

الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥] . فقد وعد الله الجماعة المؤمنة بولايته وعنايته، وبين مظاهر الولاية بأنها: الاستخلاف في الأرض، والتمكين فيها، فتكون لهم العزة والغلبة، ويبدل خوفهم أمناً، وبيّن السبب الذي إذا جاؤوا به تحصّلوا على تلك الولاية. هذا السبب هو الإيمان والأعمال الصالحة المذكورة في أول الآية، وبين في آخر الآية أنها يجب أن تكون خالصة. فالإيمان يجب أن يكون خالصاً لا تلابسه أي شائبة من الشرك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] . والأعمال الصالحة يجب أن تكون خالصة يُبتغى بها وجه الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] . وبعد هذا الاستعراض لبعض نصوص القرآن الواردة في ذكر الأولياء، وسبب حصولهم على ولاية الله، وضرورة التوحيد لهذا السبب، أستعرض بعض الأحاديث التي اعتنت بهذه الأمور. فمن ذلك حديث ابن عباس ﵄ وفيه قال: كنت خلف النبي ﷺ يوماً، فقال لي: " يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله

стр. 222

يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك، ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف "١. وفي هذا الحديث أوجز الرسول ﷺ سبب الولاية بقوله: احفظ الله: ومظاهر الولاية بقوله: يحفظك وتجده تجاهك، فقوله: احفظ الله: "يعني احفظ حدوده وحقوقه، وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلى ما نهى عنه" ٢.فإذا جاء المؤمن بذلك فقد جاء بسبب الولاية. وقوله ﷺ : يحفظك: "يعني أن مَن حفظ حدود الله، وراعى حقوقه حفظه الله، فإن الجزاء مِن جنس العمل ... وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده، وأهله

стр. 223

وماله ... النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان ... "١. ونوع ثالث من الحفظ، وهو حفظ الله لعبده بعد موته، فيثبّته عند سؤال القبر ويقيه عذابه، ويؤمّنه عند الفزع الأكبر من أهوال يوم القيامة، وكرباتها، ويدخله الجنة وينجيه من النار. وقوله ﷺ : تجده تجاهك:"معناه أن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، وجد الله معه في كل أحواله، حيث توجه، يحوطه، وينصره، ويحفظه ويوفقه ويسدده ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] " ٢. وبعد أن بيّن الرسول ﷺ سبب الولاية، ومظاهرها بكلمات موجزة هي من جوامع الكلم الذي أوتيه، نبه على أمر مهم لا يستقيم للعبد المجيء بسبب الولاية بدونه، خصه بالذكر، وإن كان داخلاً ضمن قوله: احفظ الله لأهميته، وكونه الأساس الذي يقوم عليه ذلك السبب، هذا الأمر هو تحقيق التوحيد، وقصد الله بالعبادة، والالتجاء إليه وحده، بيّن

стр. 224

ذلك بقوله: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ". وبيّن له أيضاً: أن تحقيق التوحيد لا يحصل إلا بتعلق القلب بالله، وكمال التوكل عليه، وعدم الالتفات إلى غيره، واليأس من جميع الخلق، وقطع الطمع في حصول النفع أو دفع الضر منهم، فقال: " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك، ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ". والسر في ذلك أن من كمل اعتقاده بأن كل ما يرجوه من خير في الدنيا والآخرة فهو بيد الله وحده، وكل ما يخافه من الشر في الدنيا والآخرة فلا يقع إلا بأمر الله وحده، فإنه عندئذ يكمل تعلُّق قلبه بربه، ويتوكل عليه، ولا يقصد إلا هو بالسؤال والاستعانة وسائر العبادات. ثم بعد ذلك نبهه إلى أمر آخر لا يستقيم الأمر الثاني -تحقيق التوحيد بكمال تعلق القلب بالله والتوكل عليه- إلا به، هذا الأمر هو الإيمان بالقدر. قال ابن رجب ﵀: "واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، عَلِم حينئذٍ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه ، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، ... فمن يعلم أنه

стр. 225

لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال، والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعاً، وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعاً ... "١. فالإيمان بالقدر باعث على التوكل، وتعلق القلب بالله، والتوكل على الله، وكمال تعلق القلب به هو أساس التوحيد، والتوحيد بإخلاص العبادة لله، وصدق الالتجاء إليه هو أساس العبودية، والركن الأهم في طريق الولاية. ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار من أهمية إخلاص العبادة في استجلاب ولاية الله، ومعونته ونصره لعباده عند الشدائد، هذه القصة رواها عبد الله بن عمر٢ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم:

стр. 226

اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي في طلب شيء يوماً، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاسيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرّجْ عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج، قال النبي ﷺ : وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني، حتى ألمّت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار، على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرجْ عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال النبي ﷺ : وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدّ إليّ أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر، والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئاً. اللهم إنْ كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرجْ عنا ما نحن فيه.

стр. 227

فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون " ١. ففي هذا الحديث يقص النبي ﷺ على أمته قصة نفر تولاهم الله، مبيناً مظاهر ولاية الله لهم، وسبب هذه الولاية، مرغباً في الاقتداء بهم. فمظاهر ولاية الله لهم أنه قَبِلَ دعاءهم، وفرّج ما هم فيه من الشدة، فأزاح الصخرة عن فم الغار، فخرجوا يمشون. أما سبب هذه العناية فهو الأعمال الصالحة التي جاء بها كل منهم، من بر الوالدين، والعفة عن الزِّنَى مع قوة الدافع، وتهيُّؤ الأسباب، وحفظ أجرة الأجير وتنميتها ثم أدائها مع ثمرتها دون أن يأخذ مقابلاً على ذلك. لكن الرسول ﷺ ركز على أمر مهم، وكررّه مع كل فعل من هذه الأفعال، ليبين لهم أنه السبب في صلاحها، ووقوعها ذلك الموقع الحسن عند الله حتى أثمرت لهم تلك العناية الفائقة. هذا الأمر هو الإخلاص وقصد الله وحده، بفعل الجميل وترك القبيح، بيّن ذلك بقول كل واحد منهم: " اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فأفرج عنا ما نحن فيه ". مما تقدم يتبين أن التوحيد الخالص هو الأساس والمحور لعلاقة العبد

стр. 228

بربه، وأن قرب العبد من الله، وحصوله على ولايته، إنما يتحقق إذا عرف العبد ربه معرفة صحيحة، ثم تعلق قلبه به محبة وخوفاً ورجاء، ثم قصده وحده بعبادته، ولم يصرف جنس تلك العبادات لغيره، ملتزماً بما شرع سبحانه من العبادات، مقتدياً برسول الله ﷺ في أدائها، مستقيماً على ذلك. ولا شك أن القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين، وواقع دعوته وسيرته ﷺ كان المحور الذي يدور عليه كل ما تقرر فيها من قضايا أو أحداث هو توحيد الله . وقد بين ﵎ أن التوحيد هو الأساس في العبودية الصحيحة، التي تورث ولاية الله لعبده وقربه منه، وبين ما يقابل ذلك من الشرك، وكيف يبعد صاحبه عن ربه، ويهوي به في متاهات الظلمات والحيرة والشرور. وأوضح النصوص المبينة لبعد المشركين عن ولاية الله وعنايته، قول الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣٠، ٣١] . قال ابن جرير ﵀: " ... فإنه من يشرك بالله شيئاً من دونه، فمثله في بُعده عن الهدى، وإصابة الحق، وهلاكه وذهابه عن ربه، مثل من

стр. 229

خرّ من السماء، فتخطفه الطير فهلك، أو هوت به الريح في مكان سحيق"١. فالمشرك بعيد عن حقيقة الإيمان بالله، بعيد عن ولاية الله، بعد السماء عن ذلك المكان السحيق، قد تخلى الله عنه، ووكله إلى نفسه وشركه، فتردى في مهاوي الهلاك، فإما هوى يتفرق به في شعب الخسار، أو شيطان يطوح به في متاهات الضلال أعاذنا الله من ذلك. وقد بين سبحانه أن الشرك أعظم أسباب الخذلان، فقال: ﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾ [الإسراء:٢٣] . وبهذه الآية بدأ الله جملة وصايا وحِكَم هي مقومات الحياة السعيدة الكريمة للناس، أفراداً وجماعات، حيث قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ الآيات [الإسراء:٢٣] . وختم تلك الوصايا بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ [الإسراء:٣٩] . فبدأها بالتحذير من الشرك، وبيان عاقبته في الدنيا، وأنها الذم والخذلان.

стр. 230

وختمها كذلك بالتحذير منه، وبيان عاقبته في الآخرة، وأنها دخول صاحبه جهنم ملوماً مدحوراً، وفي ذلك التنبيه على أن التوحيد هو المقصود من جميع التكاليف، فيجب أن يكون ملازماً لكل عمل من أوله وآخره، فالتوحيد هو الأول، والآخر بالنسبة لعمل المؤمن، وهو الأساس الذي يحكم سيره، ويمضي من أجله حياته. ولعل فيما تقدم كفاية في بيان أهمية التوحيد في استجلاب ولاية الله، وأنه الركن الأول والأساس في الإيمان بالله، والذي لا يمكن الحصول على ولاية الله بدونه، وأن الشرك يؤدي إلى خذلان الله للإنسان، وتلاعب شياطين الإنس والجن به، وهلاكه وتخبطه في متاهات الضلال. والمقصود من هذا الفصل بيان أثر ولاية الله في حماية المؤمن من الأفكار الضالة التي تستهدف زعزعة إيمانه وسلوكه. وقد تقدمت الإشارة إلى أن حصول ولاية الله للمؤمن هو أهم وأغلى ثمرات الإيمان، لما ينتج عنها من إمداد الله لعبده بالعون والنصرة، والدفاع عنه وحمايته. ويمكن تقسيم مظاهر ولاية الله لعباده المؤمنين على وجه الإجمال إلى قسمين: الأول: نوع محدد معين جعل الله الإيمان سبباً له، يحصل بحصوله ويرتفع بعدمه. مثل: الطمأنينة، والنور والفرقان، والألفة والمحبة الناتجة عن الأخوة

стр. 231

الإيمانية ... ونحوها. الثاني: قسم غير محدد، وهو أن يحدث الله لعبده من آثار ولايته ما يتناسب مع حاله أو حاجته. ومثال ذلك: أنه تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويجعل لهم مخرجاً، ويدافع عنهم ويرزقهم من حيث لا يحتسبون ... ونحوها. فالنوع الأول سيجري الكلام عليه -إن شاء الله- في البابين القادمين، كل في موضعه. فالطمأنينة والنور والفرقان -ونحوها- في الباب الثاني الأثر القلبي. والرابطة الإيمانية -الألفة والمحبة- في الباب الثالث الأثر الاجتماعي. أما النوع الثاني فيجري الكلام عليه في هذا الفصل.

стр. 232

الفصل الثاني: أثر ولاية الله في تخليص المؤمنين وتحصينهم من الأفكار الهدامة المبحث الأول: مظاهر ولاية الله لعبده المؤمن * ... المبحث الأول: مظاهر ولاية الله لعبده المؤمن إن مظاهر ولاية الله لعبده المؤمن كثيرة، فهو سبحانه يحوطه بعنايته، ورعايته في كل المجالات، والغرض هنا هو ذكر بعض المظاهر الواردة في النصوص في مجال حفظ الله لعبده من الوقوع في الأفكار الهدامة وأسبابها. وسوف أتكلم على ما تيسر منها في مطالب مستقلة.

стр. 233

المطلب الأول: إخراجه من الظلمات إلى النور ذكر الله تعالى في كثير من الآيات أنه يهدي المؤمن إلى صراطه المستقيم. والهداية تستلزم الحماية من الضلال وأسبابه، بل إن الإخراج من ظلمات الضلال، مقدّم على الهداية إلى الصراط المستقيم واستمراره لازم لاستمرارها، بين ذلك ﵎ بقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥، ١٦] . فقدم سبحانه ﴿َيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ ... ﴾ على ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهذا نظير قوله تعالى في فعل العبد: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . والضمير في قوله: ﴿َيُخْرِجُهُمْ﴾ و ﴿َيَهْدِيهِمْ﴾ راجع إلى ﴿مَنِ اتَّبَعَ

стр. 234

رِضْوَانَهُ﴾ فدل على أن هذا إخراج وهداية لمن كان عنده أصل ذلك، لأنه لا يتبع رضوان الله أحد إلا ويكون مهتدياً، فيكون المعنى والله أعلم: إن ذلك تثبيت لهم وعناية بهم في مستقبل أمرهم، وترسيخ لقدمهم في الصراط المستقيم، واستمرار لحمايتهم من أسباب الغواية والضلال. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦-٦٨] . كما دل أيضاً قوله: ﴿َيُخْرِجُهُمْ﴾ و ﴿َيَهْدِيهِمْ﴾ على أن هذا فعله –وعنايته وولايته لعبده المؤمن. وقد دل على هذه الفائدة والتي قبلها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧] . فهذه الآية ونحوها من أشمل الآيات دلالة على هذا المقصد، حيث دلت على أن من جاء بالإيمان الكامل، فإن الله يتولاه بأن يخرجه من الظلمات بصرفها عنه، أو صرفه عنها، ويوفقه للنور ويثبته عليه.

стр. 235

فالظلمات: هي ظلمات الكفر، والنور: هو نور الإيمان. قال الرازي١: "أجمع المفسرون على أن المراد ههنا من الظلمات والنور: الكفر والإيمان، فتكون الآية صريحة في أن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من الكفر وأدخله في الإيمان" ٢. والظلمات: تشمل كل الأمور التي ممارستها والتلبس بها كفر، سواء كانت اعتقادية أو قولية أو فعلية، كما تشمل الأسباب والوسائل المؤدية إليها كالشبهات ومثيرات الشهوات ... ورد في تفسير المنار: "الظلمات هي الضلالات التي تعرض للإنسان في كل طور من أطوار حياته، كالكفر والشبهات التي تعرض دون الدين، فتصد عن النظر الصحيح فيه، أو تحول دون فهمه والإذعان له، وكالبدع والأهواء التي تحمل على تأويله، وصرفه عن وجهه، وكالشهوات والحظوظ التي تشغل عنه وتستحوذ على النفس حتى تقذفها في الكفر ... "٣.

стр. 236

فالكفر الأكبر الذي هو تكذيب الرسل وما جاؤوا به، والشرك الذي هو الإيمان بالله وبوجود شركاء معه، والنفاق الاعتقادي أو العملي، والخروج عن الدين بالغلو، أو البدع أو المعاصي بمختلف أنواعها ... كل ذلك من الظلمات ... وولاية الله لعبده المؤمن تضمن له الحماية من ذلك كله. والنور: يشمل كل الأمور التي ممارستها أو التلبس بها إيمان، سواء كانت اعتقادية أو قولية أو فعلية، كما يشمل الأسباب المؤدية إليها كالعلم الصحيح ... وقد تقدم الكلام على تفصيل هذا عند الكلام على طبيعة الإيمان الذي يجري البحث في آثاره. وحول ما دلت عليه الآية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ من طبيعة ولاية الله للمؤمنين، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، قال ابن جرير ﵀: "يعني تعالى بقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ يعني بذلك يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وإنما عنى بالظلمات في هذا الموضع الكفر، وإنما جعل الظلمات للكفر مثلاً، لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك حقائق الإيمان، والعلم بصحته وأسبابه، فأخبر تعالى ذكره أنه ولي المؤمنين ومبصرهم حقيقة الإيمان،

стр. 237

وسُبله وشرائعه وحججه، وهاديهم فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك، بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر أبصار القلوب" ١. فدل كلامه ﵀ على أن مظاهر ولاية الله للمؤمنين في مجال إخراجهم من الظلمات وهدايتهم للنور يكون بأمرين: الأول: العلم المزيل للجهل، ويشمل العلم بحقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه. كما يشمل العلم بسبل الضلال الذي يجعل المسلم حذراً منها، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] فالله –سبحانه- متولي أمور المؤمنين يوفقهم إلى الخروج من الظلمات ويُمدهم في الهداية، بإعانته لهم على استعمال ما أودعه فيهم من الحواس والعقل في التفكر في آيات الله الكونية والتدبر لآياته التنزيلية، فتستنير قلوبهم، ويرسخ إيمانهم لتظافر الأدلة ووضوحها وإدراك القلوب لها، وتزيد معارفهم بتفاصيل الحق، وما يضاده من طرق الضلال، فكلما عرضت لهم شبهة أو شهوة لاح لهم –من عناية الله بهم- أمر مما استقر في قلوبهم من ذلك، أو مما يفتح به عليهم، يتضح لهم به زيف الشبهة،

стр. 238

ويطفئ نار الشهوة ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١، ٢٠٢] . أما الذين كفروا فإن الله يتخلى عنهم ويخذلهم، فتتلقفهم طواغيت الجن والإنس يتلاعبون بعقولهم وقلوبهم، ويركسونهم في الباطل، ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢] . قال الشيخ محمد رشيد رضا١في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧] . "أي لا سلطان على نفوسهم إلا لتلك المعبودات الباطلة، السائقة إلى الطغيان، فإذا كان الطاغوت من الأحياء الناطقة، ورأى أن عابديه قد لاح لهم شعاع من نور الحق الذي ينبههم إلى فساد ما هم فيه، بادر إلى إطفائه، بل إلى صرفهم عنه بما يلقيه من حُجب الشبهات، وأستار زخارف الأقوال التي تقبل منه لأجل الاعتقاد أو بنفس الاعتقاد٢، وإذا

стр. 239

كان الطاغوت من غير الأحياء، فإن سدنة هيكله وزعماء حزبه، لا يقصرون في تنميق هذه الشبهة، وتزيين تلك الشهوة" ١. الثاني: تطهير القلوب من الشكوك، ودواعي الكفر الساترة لأبصار القلوب: فالقلوب تصح وتمرض. وأساس صحتها وحياتها هو الإيمان الصحيح، القائم على العلم المستمد من الوحي، وعلى الإخلاص، وما ينتج عن ذلك من العمل الصالح. ومرض القلب في مقابل ذلك هو الدافع إلى الكفر والنفاق والمعاصي، وهداية الله للمؤمنين وإخراجهم من الظلمات إلى النور، يلزم منها تطهير قلوبهم من الدوافع الجانحة. وسيأتي تفصيل هذا الأثر عند الحديث عن الأثر القلبي للإيمان في الباب الثاني –إن شاء الله-.

стр. 240

إلا أن إخراج الله عباده المؤمنين من الظلمات إلى النور لا يقف عند هذين الأمرين اللذين نص عليهما ابن جرير ﵀، بل إنه سبحانه يهيئ لهم من لطفه بهم، أسباباً تصرفهم عن كل ظلمة تكون في طريقهم، أو تصرفها عنهم، وبذلك يكون هذا الأثر عاماً في كل سبب يؤدي إلى خلاص المؤمن من أفكار الجاهلية وخصائصها. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٢، ٣] . ففي هذا السياق المبارك بيّن سبحانه ثلاثة مظاهر لولايته لعبده المتقي، وهي: أولاً: يجعل له مخرجاً، أي فرجاً وخلاصاً مما وقع فيه من الشدائد والمحن١، ومن ذلك الفتن وانتشار الأفكار الهدامة، ودعوات الضلال والفرقة في الدين، فإنها من الشدائد التي كثيراً ما تمر على المسلمين، فييسر الله لعبده طريقاً للسلامة والنجاة. روى ابن جرير عن قتادة٢ –رحمهما الله- في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ

стр. 241

اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ . قال: "من شبهات الأمور والكربات عند الموت"١. الثاني: يرزقه من حيث لا يحتسب، أي يقدر الله لوليه ما يحتاج إليه وما يصلح شأنه من وجه لا يخطر بباله ولا يكون في حسابه٢. ومسألة الرزق وتجاوز الحد في الحرص على المصالح الدنيوية، من أكبر ما يصد الناس عن طريق الله، ويعرضهم للفكر الهدام، ويكون مصيدة ينصبها أعداء الله لعباده المؤمنين، وسيأتي تفصيل ذلك –إن شاء الله- عند بيان أثر الإيمان في تطهير القلوب من الحرص على الدنيا، فإذا كفى الله وليه هذا الجانب فأعطاه وأرضاه، انتفى الدافع، وزال الحرص، وسلم له دينه. الثالث: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ . أي أن: "من وثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه" ٣.

стр. 242

ولا شك أن من أشد ما يهم المسلم هو خوفه من الفتنة في الدين. لذلك كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "١.ويأتي مزيد إيضاح لهذا المعنى في المطلب التالي.

стр. 243

المطلب الثاني: تثبيت المؤمن عند الشدائد الشدائد هي النوازل والأمور المضرة التي يشتد وقعها على المؤمن، وقد تضعف نفسه عن تحملها ومقاومتها، ويُخشى عليه فيها أن تزل قدمه فتصدر منه أعمال أو أقوال، أو ظنون ترديه في دينه أو دنياه. ولا شك أن من أعظم الشدائد التي عاناها المسلمون في مختلف عصورهم هي جهود أعدائهم من محاولة فتنتهم بمختلف الوسائل ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل﴾ [البقرة:٢١٧] . ومن ذلك الوسائل الفكرية التي تهدف إلى التأثير على السلوك، وزعزعة العقائد بالفكر الخبيث، والتي اشتد وقعها في القرون المتأخرة، حيث عمت المصيبة في الدين، ونجم النفاق، وانتشرت أسباب الفساد، وارتفعت أصوات الناعقين بالكفر، والشبهات والتلبيسات، وتسلط الأعداء على المسلمين وظهروا عليهم. فالله تعالى يتولى عبده المؤمن في مثل هذه الأحوال، فيثبته ويربط على قلبه، ويهديه ويهيئ له من الأسباب ما يعينه على الخلاص منها. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي

стр. 244

الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] . وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن:١١] . وورد في رواية الإمام أحمد ﵀ لحديث ابن عباس –﵄ قوله ﷺ : " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّفْ إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة " ١. فالمؤمن الذي تعرَّف إلى الله في الرخاء، بتحقيق التقوى، يجد ثمرة تلك المعرفة عناية وحماية من الله له في الشدة، فالله هو الشكور الحميد. فما أحوج المسلمين في هذا العصر إلى الالتزام بالإيمان الصحيح الراسخ، الذي هو السبب في تحصيل ولاية الله، فيهدي قلوبهم ويثبتهم على الصراط المستقيم، ويصلح أحوالهم، ويلهمهم رشدهم، ويبصرهم بما فيه صلاح دينهم ودنياهم.

стр. 245

المطلب الثالث: الحيلولة بينه وبين ما قد يقوم في قلبه من الإرادات السيئة وكما أن عناية الله لعبده المؤمن تكون بحمايته من الفتن والشرور الخارجية، تكون أيضاً بالحيلولة بينه وما قد يقوم في قلبه من الإرادات الباطلة، في لحظة من لحظات الضعف البشري، كما يدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] . قال ابن عباس –﵄: "يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان. وعنه أيضاً: يحول بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن وبين معصيته" ١. ومظاهر عناية الله تعالى بالمؤمن في هذا المجال تكون بتثبيطه عن تلك الشرور وصرف همته عنها، أو عدم تمكينه منها. كما قيل: "من العصمة عدم القدرة" كما تكون بتهيئة الأسباب الصارفة للفتنة والشر عنه. وأكتفي بهذه الإشارة لهذا الأثر نظراً لأنه سيأتي له مزيد إيضاح في الباب الثاني الأثر القلبي.

стр. 246

المطلب الرابع: مظاهر الولاية الكاملة للكُمّل من عباد الله إن أعلى مراتب ولاية الله تكون لعباد الله الذين كمّلوا الإيمان وحققوا التقوى، وسارعوا في الخيرات، وكمل توحيدهم وتوكلهم على الله. وقد بين الله سبحانه أنه يتولاهم ولاية خاصة، ويحوطهم بعنايته الفائقة، ويحفظ جوارحهم الناقلة للشبهات أو لمثيرات الشهوات إلى القلب، فلا تنبعث إلا إلى الخير، ولا تتجاوب إلا مع ما يحبه الله ويرضاه. فقد ورد البيان لمظاهر ولاية الله الكاملة في حديث الأولياء المشهور، وفيه قال الرسول ﷺ : " إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه " ١. قال ابن رجب–﵀: "قوله: " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي

стр. 247

يمشي بها " ... المراد من هذا الكلام أن من اجتهد بالتقرب إلى الله تعالى بالفرائض، ثم بالنوافل قربه إليه، ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة، كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى ومحبته وعظمته وخوفه ومهابته وإجلاله والأنس به، والشوق إليه حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة، مشاهداً له بعين البصيرة ... فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى، محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادته إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذٍ لا ينطق العبد إلا بذكره ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق، نطق بالله، وإن سمع، سمع به، وإن نظر، نظر به، وإن بطش، بطش به، فهذا هو المراد بقوله: " كنت سمعه الذي يسمع به....""١. ففي هذا الكلام السديد لابن رجب –﵀ ذكر لما يحدث في قلب المؤمن وفي سلوك جوارحه، نتيجة لولاية الله لعبده، ومحبته له، فقد ذُكر في الحديث عدة أمور بعضها من فعل العبد، وبعضها من فعل الله، وما ينتج عن كل منها. فذكر فعل العبد بقوله: " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما

стр. 248

افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل " ثم ذكر أنه ينتج عن ذلك محبة الله لعبده، ثم ذكر ما ينتج عن المحبة بقوله: " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ... " أي إن الله إذا أحب العبد جعل الإيمان هو السلطان الوحيد على قلبه، وجوارحه فلا تنفعل ولا تنبعث إلا لموجب أمره ونهيه، وهذه أعلى الكرامات وأسمى المقامات، وهو عناية إلهية ومنحة ربانية، ومعية ومعرفة خاصة يكرم بها الله خواص عباده تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه، وإجابة دعائه وإنجاءه من الشدائد. ولا شك أنه إذا كان سلطان الإيمان مسيطراً على السمع والبصر والفؤاد، فإن الطريق يكون مقطوعاً على شياطين الإنس والجن، الذين يدعون الناس إلى الضلال بنشر الشبهات وإثارة الشهوات. وخلاصة هذا المبحث أن الله تعالى يتولى عبده المؤمن فيخرجه من الظلمات إلى النور، ويجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويثبته عند الشدائد، ويحول بينه وبين ما قد يقوم في قلبه من السوء، ويحوطه بعنايته ورعايته ويوفقه ويسدده، ومن ذلك صرفه عن الأفكار الخبيثة أو صرفها عنه بما يهيئ له من الأسباب. وإذا كان العبد من المقربين المحسنين، فإن الله يزيد في عنايته به، ومعيته له، حتى لا تنبعث جوارحه ولا قلبه، إلا لما يرضي الله، وما فيه خيره في دينه ودنياه، فهو محاط بعناية الله، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع

стр. 249

سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به، وقلبه عامر بذكره ومراقبته. فهو في حصن حصين من كيد المفسدين، وأنّى لشبهاتهم وضلالاتهم الفكرية أن تجد سبيلاً إلى قلبه، نسأل الله من واسع فضله ورحمته.

стр. 250

المبحث الثاني: مظاهر ولاية الله للجماعة المؤمنة الغرض من هذا المبحث بيان أهم مظاهر ولاية الله للجماعة المؤمنة التي التزمت شعائر الإيمان ظاهراً وباطناً. وأكتفي في هذا المبحث بالإشارة المجملة لما ورد في بعض النصوص من ذكر عناية الله بالجماعة المؤمنة، وذلك لأنه سيأتي تفصيل الآثار الإيمانية –التي جعلها الله حصوناً تقي المجتمع من الشرور الفكرية وغيرها- في الباب الثالث الأثر الاجتماعي. إن الجماعة المؤمنة تمر بأطوار مختلفة من حيث القوة والكثرة، أو الضعف والقلة، وعناية الله تلازمها في جميع أطوارها بشرط أن تأتي بشرط الولاية وهو نصرة دين الله، بتحقيق التوحيد والتقوى والعمل من أجل إعلاء كلمة الله في أرضه. ففي بعض الأحوال يكون الضلال منتصراً، يمتلك أهله كثيراً من أسباب القوة والغلبة، وفي مقابل ذلك يكون أهل الإيمان ضعفاء مهزومين، أو أذلاء مقهورين، فقد شاء الله العليم بأحوال خلقه، الحكيم في كل ما قدره وفعله، أن تكون الحياة دولاً بين الناس ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
следующие страницы →