← Акыда

Акыда · id 7265

أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (667 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الخالص وعبادة الله وحده لا شريك له. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] . وهو يعرف ركناً شديداً يعتمد عليه ويلوذ به، ويحتمي بحماه، هو رب العالمين الذي بيده ملكوت السموات والأرض، وبأمره يقوم كل شيء. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] . ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] . وإذا انتابه هم، أو نزلت به مصيبة، أو أصابه فزع، فهو موصول بمولاه وإلهه الملك المدبر الرؤوف الرحيم، يدعوه ويضرع إليه، واثقاً بوعده مستشعراً قربه ومعيته، يترقب نصره وتأييده وفرجه وحفظه والدفاع عنه. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] . ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]

стр. 457

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] . وهو في ذلك كله مغتبط بما شرع الله منقاد إليه، راضٍ بما قدر الله محتسب للأجر، صابر يترقب الفَرَج وحسن العاقبة. أمره كله خير، ونفسه مطمئنة واثقة بالله وبثوابه. فيا له من شعور عظيم بالغبطة والأمن والثقة والطمأنينة ينتاب من استشعر هذه المعاني! قال ابن القيم ﵀ مبيناً أثر التوكل في طمأنينة القلب: "فالتوكل: محض الاعتماد والثقة، والسكون إلى من له الأمر كله، وعلم العبد بتفرد الحق تعالى وحده بملك الأشياء كلها، وأنه ليس له مشارك في ذرة من ذرات الكون: من أقوى أسباب التوكل، وأعظم دواعيه. فإذا تحقق ذلك علماً ومعرفة، باشر قلبه حالاً: لم يجد بداً من اعتماد قلبه على الحق وحده وثقته به، وسكونه إليه وحده، وطمأنينته به وحده، لعلمه أن حاجاته وفاقاته وضروراته، وجميع مصالحه كلها: بيده وحده، لا بيد غيره. فأين يجد قلبه مناصاً من التوكل بعد هذا؟ "١.

стр. 458

فالتوكل على الله ثمرة من ثمرات معرفة الله، وتعلق القلب بموجب أسمائه وصفاته ﵎. فيتوكل على الله في مغفرة الذنوب وصرف شؤمها وعقوباتها عنه استشعاراً لأسمائه: "الغفار، والتواب، والعفو، والرؤوف، والرحيم". وفي حصول الرزق والإحسان يتعلق قلبه بأسمائه: "الفتاح، والوهاب، والرزاق، والمعطي، والمحسن". ويتعلق بأسمائه: "المعز، المذل، الحافظ، الرافع، المانع" في حفظه ونصره على عدوه، وفي إذلال أعداء دينه وخفضهم، ومنع أسباب النصر عنهم. وللتوكل تعلق عام بجميع الأسماء الحسنى، وكلما كان بالله أعرف، كان توكله عليه أقوى١. وإذا تبين أن التوكل على الله وثقة العبد واطمئنانه إلى ربه ومليكه ومدبره يمثل حصناً يحمي الله به العبد، فيكون راسخ الإيمان قوياً ثابتاً عند الابتلاء وفي مجابهة الفتن والمغريات التي تستهدف زعزعة دينه ... إذا تبين ذلك، فإن القلق الناتج عن عدم التوكل على الله عند من قام في قلبه مرض الريب والنفاق، يكون دافعاً إلى موالاة غير المسلمين والركون إليهم والتعاون معهم على نشر الفكر الخبيث والتخطيط والمكر

стр. 459

لأهل الإسلام. قال تعالى مبيناً هذا الأثر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥١، ٥٢] . قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ يدل على أن الدافع لهم للتوكل على غير الله وموالاة اليهود والنصارى هو مرض القلوب بالشك والريب والنفاق، وعلى العكس من ذلك، فالإيمان الصحيح الراسخ دافع للتوكل على الله وحده. قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي يسرعون في موالاتهم ومصانعتهم ومناصحتهم ومساعدتهم في غش المؤمنين١. قوله: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ : بيان لغاية موالاتهم للكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار، وأنه بغية الحماية منهم إن

стр. 460

دارت على المنافقين الدوائر، أو الظفر لديهم إن كانت الدائرة للكفار. فهم إذاً سارعوا إلى موالاتهم، بعد أن توكلوا عليهم. ولا يقف الأمر عند محبتهم وموالاتهم، وإنما يتعدى ذلك إلى الدخول مع الكفار في مخططاتهم الشريرة لحرب الإسلام، من سماع الإشاعات، وترويج الكذب والأباطيل والشبهات، والتجسس لصالح أعداء الإسلام. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٤١] . قال ابن كثير ﵀: "نزلت هذه الآيات الكريمة في المسارعين في الكفر الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ أي أظهروا الإيمان بألسنتهم وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ

стр. 461

هَادُواْ﴾ أعداء الإسلام وأهله وهؤلاء كلهم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي مستجيبون له منفعلون عنه ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك﴾ أي يستجيبون لقوم آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد، وقيل المراد أنهم يستمعون الكلام وينهونه إلى قوم آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك"١. وكلام ابن كثير هذا يدل على أن علاقة المنافقين بأعداء الدين تقوم على التعاون في الكيد بجماعة المؤمنين في جانبين: الأول: استماعهم للقوم الآخرين من رؤوس الكفر والشر، وتصديقهم لكذبهم واستجابتهم لما يأمرونهم به من الشر والباطل. الثاني: تجسس المنافقين على المؤمنين لحساب أعداء الدين، فينقلون ما يسمعون ويشاهدون إليهم ويدلونهم على عورات المؤمنين. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤، ١٥] . فهذه الآية تؤكد استماع المنافقين وتعلمهم الشر، واستجابتهم للأوامر الشريرة التي تصدر من أعداء الإسلام من اليهود والنصارى

стр. 462

وغيرهم، يدل على ذلك قوله "شياطينهم" فَوَصْفُ أعداء الله ورسوله ودينه بأنهم شياطين وإضافتهم إليهم، يدل على أن العلاقة علاقة شر وإفساد في الأرض، وتآمر على الإسلام وأهله، وذلك من فعل الشياطين وأتباعهم. قال ابن جرير ﵀: "وكذلك أخبر عنهم في هذه الآية أنهم يقولون للمؤمنين المصدقين بالله وكتابه ورسله بألسنتهم: آمنا وصدقنا بمحمد وبما جاء به من عند الله، خداعاً عن دمائهم وأموالهم وذراريهم، ودرءاً لهم عنها، وأنهم إذا دخلوا إلى مردتهم وأهل العتو والشر والخبث منهم ومن سائر أهل الشرك الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكفر بالله وبكتابه ورسوله وهم شياطينهم -وقد دللنا فيما مضى من كتابنا على أن شياطين كل شيء مردته- قالوا لهم ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ﴾ أي إنا معكم على دينكم وظهراؤكم على من خالفكم فيه، وأولياؤكم دون أصحاب محمد ﷺ ، إنما نحن مستهزئون بالله وبكتابه ورسوله وأصحابه"١. فالمنافقون الذين ركنوا إلى أعداء الله، وتوكلوا عليهم، وأحسنوا الظن بهم وأحبوهم وأعجبوا بحالهم، هم الجسر والمنفذ الذي يتسلل منه الفكر الجاهلي ويشاد برجاله، وتحسن أحواله، وتثبت نظرياته وفلسفاته

стр. 463

وسائر شروره من خلاله بين المسلمين. قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين مبيناً بعض علامات النفاق: "ومنها محبة أعداء الإسلام وأئمة الكفر ومدحهم ونشر آرائهم المخالفة للإسلام، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة:١٤] "١. وخلاصة القول: أن التوكل على الله باعث في طمأنينة القلب وثقته بربه، وتعلقه به وحده، مما يمثل حصناً يحميه من الركون إلى أعداء الله والثقة بهم، والتأثر بأفكارهم وشبهاتهم، كما أن عدم التوكل على الله أو ضعفه الناتج عن النفاق أو ضعف الإيمان، ثغرة في القلب تميل به إلى الركون إلى أعداء الله وموالاتهم ومحبتهم، والإعجاب وحسن الظن بهم، والتأثر بجاهليتهم وباطلهم وفكرهم الخبيث وسلوكهم المنحرف، ثم التعاون على نشره والترويج له في المجتمعات الإسلامية. أثر زكاة القلب بالعلم والإيمان بالقدر في طمأنينته: إذا عرف العبد ربه وخالقه ومدبره، وعرف الحكمة من خلقه، وأنها تنحصر في تحقيق العبودية لله، والخلافة في أرضه بشرعه، وعرف مصيره ومنتهاه، فإن ذلك سيحقق له قدراً عظيماً من الطمأنينة والسكون،

стр. 464

ويصرف عنه القلق الناتج عن الجهل أو الضلال في معرفة هذه المطالب. إلا أنه سيبقى في القلب قلق كامن وشوق مستمر يثور ويشتد أحياناً إذا وجد ما يثيره ويبعثه، ألا وهو حاجته لمعرفة الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها استجابته لأوامر الله المتوجهة إليه بمختلف أنواعها. وأمر الله: هو كلامه الذي يأمر به١، وهو ينقسم إلى قسمين: أمر شرعي متوجه إلى المكلفين من الإنس والجن بالأمر والنهي والتكليف، وهو كلام الله الذي يأمر به المكلفين طلباً للفعل، كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] ، أو طلباً للترك، كقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] . ٢- أمر قدري كوني: وهو كلامه الذي يأمر به الشيء الذي أراد خلقه وإيجاده، فيقول له: "كن" فيكون كما أراد وقدر.

стр. 465

كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب:٣٨] . وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] . ومن ذلك قوله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] . والأمر الشرعي ينقسم إلى أمر بالفعل أو أمر بالترك. والأمر الكوني له متعلقات كثيرة، ومنها ما يتعلق بالإنسان مما يقدر له في طبيعة خلقه: كالحسن أو القبح، والطول والقصر ... ونحوها، أو حاله: كالغنى والفقر، وما يجري عليه من المصائب والنعم، وما يصدر منه من الطاعات والمعاصي، ومنها ما يجري على مجتمعه ومحيطه من النوازل الضار منه أو السار ... إلى غير ذلك. ولا شك أن التفريق بينها ومعرفة الاستجابة المناسبة لكل منها أساس عظيم في صلاح القلب وسلامته وطمأنينته، وبالتالي صلاح العبودية واستقرارها على الصراط المستقيم. وهذا أمر عظيم زل فيه كثير ممن ينتسب إلى الزهد والعبادة والعلم فضلاً عن غيرهم ممن قل حظهم من العلم والعبادة، لذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه الجليل "العبودية" بعد أن بين معنى العبودية وحقيقتها، وما تستلزمه، وشمولها لجميع الدين، والفرق بين العبودية الكونية والشرعية، بعد ذلك ناقش حال فريق من الناس لم يفرقوا

стр. 466

بين الأمر الكوني القدري، والأمر الشرعي، واستغرق ذلك معظم الكتاب، وقال في بداية مناقشتهم: "وبالفرق بين هذين النوعين١ يعرف الفرق بين الحقائق الدينية الداخلة في عبادة الله ودينه وأمره الشرعي التي يحبها ويرضاها ويوالي أهلها ويكرمهم بجنته، وبين الحقائق الكونية التي يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والتي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من أتباع إبليس اللعين، والكافرين برب العالمين، ومن اكتفى فيها ببعض الأمور دون بعض، أو في مقام دون مقام أو حال دون حال نقص من إيمانه وولايته لله حسب ما نقص من الحقائق الدينية، وهذا مقام عظيم غلط فيه الغالطون، وكثر فيه الاشتباه على السالكين، حتى لزق فيه من أكابر الشيوخ المدعين للتحقيق والتوحيد والعرفان ما لا يحصيه إلا الذي يعرف السر والإعلان"٢.

стр. 467

وبين ابن القيم ﵀ أهمية هذا الفرق بين الأمر القدري الكوني الذي يرضى به العبد، وبين الأمر الشرعي الذي يجب عليه فيه فعل ما أمر به وعدم الرضى بفعله الذي يخالف الشرع، كما أشار إلى اضطراب كثير من الناس في ذلك، فقال: "وهذا هو التفصيل الواجب في الرضى بالقضاء. وقد اضطرب الناس في ذلك اضطراباً عظيماً، ونجا منه أصحاب الفرق والتفصيل"١. وبعد هذه الإشارة إلى أهمية التفريق بين الأمر القدري، والأمر الشرعي، واستجابة العبيد لكل منها، وقبل بيان أثر هذه المعرفة المتزنة، وأثر الرضى بالقدر في حصول الطمأنينة للقلب، أذكر قبل ذلك باختصار أنواع الأوامر الشرعية والقدرية، والاستجابة المناسبة لكل منها، لتتم الفائدة بإذن الله. أولاً: الأمر الشرعي. التكليف الإلهي للإنسان ينحصر في أمرين: عبادة الله، والخلافة في الأرض وعمارتها. ففي مجال العبادة: هو مأمور بفعل الطاعات، واجتناب المعاصي والمحرمات.

стр. 468

قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] . والاستجابة المناسبة لذلك تتم بأصلين: الأول: الاجتهاد في فعل أسباب الهداية والنجاة، علماً وعملاً بقدر استطاعته واجتناب أسباب الضلال والهلاك. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:٧] . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] . الثاني: التوكل على الله والاستعانة به في التوفيق لذلك وتيسيره، والثبات عليه، والإحسان فيه وإتمامه، وقد جمع الله بين هذين الأصلين بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] . وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣] . وفي مجال الاستخلاف في الأرض: فالإنسان مأمور أن يسعى في الأرض لإصلاحها وإقامة الحق والعدل فيها، ويسعى في مصالح نفسه ومجتمعه، كل ذلك وفق شريعة الله. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] .

стр. 469

وقال: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] . والاستجابة لذلك تكون بالأصلين السابقين، وهما: فعل الأسباب المناسبة، والتوكل على الله والاستعانة به في التوفيق إليها وتيسيرها وإنجاحها والمباركة فيها وحصول الخير منها. ففي الحكم بين الناس يطبق شرع الله وأحكامه وحدوده، وهي الأسباب التي شرعها الله لتسير عليها حياة الناس سيراً صحيحاً آمناًَ. وفي جوانب الحياة الأخرى -التي يحتاج إليها المسلمون لصلاح حياتهم كالتجارة، والصناعة، والزراعة.. ونحوها، أو لحمايتهم وجهادهم كإعداد السلاح وتصنيعه- يأخذون بكافة الأسباب المتاحة المشروعة، ويجتهدون في ذلك علماً وعملاً، مع التوكل على الله في تيسيرها وتسهيلها وإنجاحها، والمباركة فيها. قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] . وقال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء:٨٠] . وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٤، ٦٥] .

стр. 470

وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠] . وقال الرسول ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز ... "١. ثانياً: الأمر القدري الكوني. ونقصد هنا ما كان له علاقة أو أثر على الإنسان، وهو في الجملة ينقسم إلى أربعة أقسام رئيسية هي: ١- النعم والمسرات، من حصول الأمن ورغد العيش، وتيسر أسباب الحياة. واستجابة العبد لذلك، تكون بالثناء على المنعم، والإحسان في عبادته وإلى خلقه، وتقدير النعمة بصيانتها عن الترف والإسراف والطغيان، وبذلك يكون شكرها. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] . ٢- نعمة الهداية والتوفيق، وما يتصل بها من البركات العامة

стр. 471

لجماعة المؤمنين، أو الخاصة لأفرادهم. والاستجابة لذلك تكون بالفرح بها، والثناء على الله وذكره وشكره عليها، ويتم ذلك بالعناية بها والمحافظة عليها علماً وعملاً، والتواصي بإقامة دين الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله. قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] . وقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْ كُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥١، ١٥٢] . ٣- المصائب التي تقع على عامة الناس، أو تخص بعضهم. والاستجابة المناسبة لهذا النوع تكون بالصبر والرضى وحسن الظن بالله، قال تعالى في آية البر في معرض بيان صفات الأبرار. ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة:١٧٧] . وقال جل ذكره: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ

стр. 472

وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥-١٥٧] . ٤- المعايب والمعاصي التي يقع فيها الإنسان. والاستجابة المناسبة لذلك، أن يتوب ويستغفر ولا يرضى بفعله الذي خالف به شرع ربه. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] . وبعد هذه الإشارة الموجزة إلى أهم أنواع الأوامر الإلهية المتوجهة للعباد، وما ينبغي أن تكون عليه استجابتهم إزاء كل نوع منها، أصل بعون الله إلى المقصود، وهو بيان أثر هذه المعرفة، وأثر الرضى بالقدر-وفق التفصيل المتقدم- في تزكية القلب وطمأنينته. فأقول وبالله التوفيق: لا شك أن استقرار القلب على يقين في هذه المطالب الهامة، وبهذا الوضوح، يجلب للقلب الثبات والثقة، ويرفع عن كاهله الحيرة والشك والمخاوف، ويسهل عليه الطريق، وسر هذا الأثر القلبي هي الواقعية في التكليف المتوجه إلى العباد، والمتمثلة في التفريق بين الاستجابات بما يتناسب في كل أمر مع استعدادات الإنسان وطاقاته.

стр. 473

ففي جانب الأمر الشرعي يراعي تمتع الإنسان بالعقل والقدرة، فالعقل يفهم به الخطاب، ويميز به، والقدرة يزاول بها الأسباب التي كلف بها. فالمؤمن يؤدي ما كلف به عن رضى بالله وبشرعه، حيث يدرك انه بمقدوره وليس شاقاً عليه. ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فهو يدرك أنه مسئول مطلوب منه بذل الجهد المستطاع في امتثال الأمر. ومن جهة أخرى يشعر بالغبطة والرضى، حين يشعر أنه في طاعة ملك الملوك مدبر السموات والأرض، وأنه يرضى عنه مادام قائماً بطاعته، ويكون معه يحوطه بعنايته وتوفيقه في الدنيا، ويجزيه خير الجزاء في الآخرة، مما يجعله يؤدي الواجبات ويتجافى عن المحرمات متلذذاً بذلك مرتاحاً إليه. ومن جهة ثالثة يشعر بالأمل والثقة لمعرفته أن باب التوبة مفتوح فيما لو زل وخالف شرع ربه، وأن بإمكانه التوبة والرجوع والإقلاع عن ذنبه، وسوف يجد الله تواباً رحيماً، وفي هذا عظيم الأثر في طرد اليأس والقنوط، ومنع انغلاق النفس، وغلبة الوساوس. وهذه الأسس المتمثلة في: الشعور بالمسئولية والتكليف، والرضى والغبطة بالقيام بذلك، واستشعار محبة الله مع الأمل والثقة بحسن العاقبة، هي العوامل الرئيسية في طمأنينة النفس وعطائها المثمر الخير، وفي إحساسها بالسعادة والرضى. وفي جانب الأمر القدري يراعى فيه ضعف الإنسان وأن عقله

стр. 474

صغير، وعلمه قاصر، وقدرته محدودة محكومة بإرادة الله النافذة، فما عليه إلا أن يصبر على ما يجري عليه من الشدائد والمصائب التي لا قدرة له على ردها ويرضى محسناً الظن بربه الحكيم الخبير، محتسباً الأجر وحسن العاقبة. والباعث على الرضى على المقادير أمور: منها علمه أنه لم يخلق ليدوم، وإنما خلق ليكدح ويعمل ثم ينقطع أثره من هذه الدنيا، والخلود إنما هو في الدار الآخرة، ويعلم أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان واختبار، وأن كل ما يجري عليه إنما هو نوع من ذلك، أما السلامة والأمن التامان فهما في دار السلام. كما يبعث على الرضى حسن ظنه بالله واستشعاره لأسمائه وصفاته الحسنى، وأنه رحيم بعباده، عليم بما هو خير لهم، فالرضى بالله وعن الله١ هما ركنا الهداية ومفاتح

стр. 475

السعادة في الدنيا والآخرة. وقد بين الله تعالى أثر الإيمان بالقدر في تخليص القلب من القلق الناتج عن الحزن على فوات محبوب، أو الخوف من حصول مكروه، فقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٢، ٢٣] . ففي هذه الآية بين سبحانه عموم قدره، وأنه شامل لعموم المصائب التي تصيب الخلق من خير وشر، فكلها قد كتب في اللوح المحفوظ. وحيث إن الناس ليس في مقدورهم دفع المقادير ولا تغييرها، فما هي الحكمة إذاً من إخبارهم بالقدر السابق؟ إن الحكمة من ذلك بينها ربنا بقوله: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ . قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "وأخبر الله عباده بذلك، لأجل أن تتقرر هذه القاعدة عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم من الخير والشر، فلا ييأسوا ويحزنوا، على ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم، وتشوفوا إليه لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، لا بد من نفوذه

стр. 476

ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله، فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم ولا قوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومنّه، فيشتغلوا بشكر مَن أولى النعم ودفع النقم"١. فالله تعالى أخبر أنه قدّر المقادير، وجعل ذلك جزءاً من اعتقاد المسلم كي يحدث ذلك الاعتقاد أثره في نفسه، فلا يحزن حزناً شديداً-عند المصيبة- يخرجه إلى الجزع والسخط واليأس، ولا يفرح فرحاً شديداً -عند النعمة- يحمله على البطر والبغي، وهذا أثر عظيم يُكسبه توازناً في مشاعره وسلوكه، واستقراراً وطمأنينة في حياته، ورضى وتسليماً لربه العليم الحكيم. إلا أن هناك نوعاً من المصائب تكون شديدة الوطأة، تحدث في النفس انفعالاً حاداً، يخرج الإنسان بسببه من سلطان عقله، وتصبح تصرفاته طائشة غير منضبطة، مما قد يدفعه إلى بعض الأفعال التي تعود عليه بالضرر في دينه أو دنياه. وإزاء هذا النوع من المصائب نجد أن للإيمان أثراً معيناً يتناسب مع طبيعة ما تحدثه من الأثر، فالإنسان في مثل هذه المواقف –التي يضعف فيها تأثير العقل- بأشد الحاجة إلى مؤثر خارجي يكبح جماحه ويسدد تصرفاته.

стр. 477

وهذا هو الذي يحدث تماماً للمؤمن، فقد بين الله تعالى أن الإيمان سبب لحصول ولاية الله وعنايته بعبده عند المصيبة، فيهدي قلبه ويربط عليه ويثبته، فلا يتصرف تصرفاً أحمقَ يعود عليه بالضرر في دينه أو دنياه. قال تعالى مبيناً هذا الأثر: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن:١١] . قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: "أي ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقيناً صادقاً، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه أو خيراً منه"١. فالمراد بقوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ : أي يعلم ويؤمن بقدر الله ويطمئن إلى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقوله: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ : أي يزيده إيماناً وتصديقاً وصلاحاً وثباتاً، وتكون الهداية متناسبة مع شدة المصاب، وحاجة العبد وهو في هذه الحالة في أشد الحاجة إلى أن يربط على قلبه ويسدد انفعالاته وإراداته، فالله يثبت عبدهُ بما شاء، وكيف شاء. وعلى هذا فالعلم والإيمان بالقدر، والرضى به، من أهم أسباب

стр. 478

طمأنينة القلب. وقد ذكر ابن القيم ﵀ ثنتين وستين فائدة للرضى١، أذكر منها ما له علاقة في أثر الرضى في حصول الطمأنينة والسكينة لقلب المؤمن، قال ﵀: "إن السخط باب الهم والغم والحزن، وشتات القلب، وكسف البال وسوء الحال، والظن بالله خلاف ما هو أهله، والرضى يخلصه من ذلك كله، ويفتح له باب جنة الدنيا قبل جنة الآخرة"٢. وقال أيضاً: "إن الرضى يوجب له الطمأنينة، وبرد القلب، وسكونه وقراره، والسخط يوجب اضطراب قلبه، وريبته وانزعاجه، وعدم قراره"٣. كما قال: "إن الرضى ينزل عليه السكينة التي لا أنفع له منها، ومتى نزلت عليه السكينة، استقام، وصلحت أحواله، وصلح باله، والسخط يبعده منها بحسب قلته وكثرته، وإذا ترحلت عنه السكينة ترحل عنه السرور والأمن والدعة والراحة، وطيب العيش، فمن أعظم نعم الله على عبده: تنزل السكينة عليه، ومن أعظم أسبابها: الرضى عنه في جميع الحالات"٤.

стр. 479

وبهذا يتبين أن زكاة القلب بالعلم والإيمان بالقدر وفق ما دل عليه الكتاب والسنة، وقرره السلف الصالح يجلب للقلب الاتزان والطمأنينة والسكينة. وفي مقابل ذلك فإن اضطراب تلك المعرفة بالجهل أو الضلال في هذا الباب يجلب للقلب قلقاً وحيرة، وسوء ظن بالله، وعدم رضى عن الله؛ يزيد ذلك وينقص بقدر الجهل والضلال الحاصل في العلم الإيمان بتفاصيل القدر. وهذا القلق وعدم الرضى يدفع صاحبه إلى البدع والأهواء والمعاصي، وقد أشار ابن القيم ﵀ إلى هذه الثغرة الخطيرة في حصن القلب بقوله: "إن عدم الرضى يفتح باب البدعة، والرضى يغلق عنه ذلك"١. وقال أيضاً: "إن أول معصية عصي الله بها في العالم إنما أنشأت من عدم الرضى، فإبليس لم يرض بحكم الله الذي حكم به كوناً، من تفضيل آدم وتكريمه، ولا بحكمه الديني، من أمره بالسجود لآدم، وآدم لم يرض بما أبيح له من الجنة، حتى ضم إليه الأكل من شجرة الحمى، ثم ترتبت معاصي الذرية على عدم الصبر وعدم الرضى"٢.

стр. 480

وعلى هذا يتبين بجلاء أثر تزكية القلب بالعلم والإيمان بالقدر في طمأنينة القلب واستقراره، ورضاه عن ربه وزوال القلق الدافع إلى الأفكار الهدامة أو مواردها. وخلاصة هذا المبحث: أن طمأنينة القلب تنتج عن: تزكيته بالإيمان الصحيح القوي، القائم على معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، واعتقاد تفرده بذلك وإخلاص العبادة له وحده، واستشعار القلب بأن الله خالقه ومدبره وإليه مرجعه، وأن سعيه سوف يرى ويجازى عليه، وتوكل العبد على ربه وحده والإيمان بالقدر القائم على التمييز بين الأمر الشرعي المكلف به العبد، والأمر الكوني الجاري على العبيد وفق القدر السابق، ومعرفة الاستجابة الصحيحة المناسبة لكل منها. وإذا اطمأن القلب استغنى بالإيمان والعلم المُتلّقى من الوحي، وسكن واستأنس بربه، واشتغل بما يرضيه. وفتح له بابُ الرضى عن ربه، الأملَ بمعونته وتوفيقه له في الدنيا، والرضى عليه وإكرامه في الآخرة. كما أن القلب إذا اطمأن زال قلقه ومرضه الذي يدفعه إلى الأفكار الهدامة المخالفة، أو ممارسة أساليب اللهو والترفيه ونحوها التي كثيراً ما تكون ستاراً لترويجها.

стр. 481

المبحث الثاني: أثر التزكية في حصول النور والفرقان إن القلب إذا تزكى بالعلم المستمد من الكتاب والسنة، وما يتولد عن ذلك من العقائد الصحيحة، والعواطف السليمة، والإرادات الخيرة، فإنه يشرق بالنور ويصبح لديه -بفعل هذه الأمور- ملكة يعرف بها الحق، ويميز بها الخير والشر، والهدى والضلال، ويتجافى بها عن الأفكار الهدامة وسائر الأخطار. وهذا الأثر من أهم آثار الإيمان التي يكرم الله بها المؤمن. فمن المعلوم أن اجتناب الطاغوت شرط لصحة الإيمان، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦] . وقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر:١٧] . فالمسلم الذي اجتنب الطاغوت، وتبرأ من الكفر والشرك وأهله وتجافى عن كل خصائص الجاهلية، يلزمه الاستمرار على ذلك، لاستمرار إيمانه وصحته.

стр. 482

وحيث إن أمور الجاهلية -ومنها الأفكار الهدامة- كثيرة متشعبة، يروج لها دعاة الضلال، ويزخرفونها بالشبهات، كما أخبر الله بذلك بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:١١٢] ، فقد جعل الله للمؤمن حصناً يحتمي به من ذلك، ألا وهو النور والفرقان في قلبه، يفرق بهما بين الهدى والضلال، فيستمر في اجتنابه للطاغوت وموارد الهلكة التي تحيط به. قال ﵎: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢] . قال ابن جرير ﵀: " ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ، يقول: فهديناه للإسلام فأنعشناه، فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها، ويعمل في خلاصها من سخط الله وعقابه في معاده، فجعل إبصاره الحق تعالى ذكره بعد عماه عنه، ومعرفته بوحدانيته وشرائع دينه بعد جهله بذلك حياة وضياء يستضيء به، فيمشي على قصد السبيل، ومنهج الطريق في الناس ﴿كَمَن

стр. 483

مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ لا يدري كيف يتوجه، وأي طريق يأخذ لشدة ظلمة الليل وإضلالة الطريق، فكذلك هذا الكافر الضال في ظلمات الكفر، لا يبصر رشداً، ولا يعرف حقاً، يعني في ظلمات الكفر"١. فالله ﵎ يجعل للمؤمن نوراً في قلبه يستنير به، يهتدي به إلى سبل السلام، ويكشف له الظلمات وموارد العطب ومنها الأفكار المضلة، فيحيد عنها، هذا النور حصن يحصن الله به عباده المؤمنين المتقين المتبعين للرسول ﷺ . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨] . فدلت هذه الآية على أن من اتقى الله وأطاعه مؤمناً مقتدياً بالرسول ﷺ ، فسوف يجعل له نوراً يمشي به؛ ذلك النور هو نور الإيمان والعلم المستمد من الكتاب والسنة، قال ابن جرير ﵀ في المراد بقوله: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ : "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره، وعد هؤلاء القوم أن يجعل لهم نوراً يمشون به، والقرآن مع اتباع رسول الله ﷺ نور -لمن آمن بهما وصدقهما- وهُدَى،

стр. 484

من آمن بذلك فقد اهتدى"١. قوله: " ... نور -لمن آمن بهما وصدقهما- وهدى": يدل على أن نور القرآن والسنة لا يهتدي به إلا المؤمن الذي يتعلمهما، ليعمل بهما. كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥، ١٦] . وقول الله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١، ٢] . دلت هذه الآيات أن الله يجعل في قلب عبده المؤمن نوراً، وأن سبب ذلك هو الإيمان والتقوى، فالنور إذاً أثر من آثار تزكي القلب بالإيمان والعلم المستقى من الوحي، وليس هناك طريق آخر لحصول النور للعبد بدون هذا الطريق، قال سبحانه في تأكيد هذا المعنى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] .

стр. 485

﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] . وقد بين سبحانه -كما في الآيات المتقدمة- أن الذين يهديهم لنوره ويجعل لهم نوراً يمشون به هم الذين آمنوا واتقوا واتبعوا رسوله ﷺ . ووجود النور في قلب المؤمن وجود حقيقي -كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور:٣٥] . أورد ابن جرير ﵀ في المعنى بالهاء في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ عن بعض السلف قولهم: "مثل نور المؤمن الذي في قلبه من الإيمان والقرآن مثل مشكاة"١. وقال ابن القيم ﵀: "والمراد نور الإيمان الذي جعله له خلقاً وتكويناً، كما قال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ فهذا النور إذا تمكن من القلب وأشرق فيه: فاض على الجوارح، فيرى أثره في الوجه والعين، ويظهر في القول والعمل"٢. وبوجود هذا النور في قلب المؤمن يصبح القلب مبصراً حقيقة، يرى مواقع السلامة ومواقع الهلكة، كما تبصر العين الحسن والقبيح، قال تعالى

стр. 486

مبيناً هذه الحقيقة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] . وكما أن الإيمان جالب للنور وحياة القلب وبصيرته، فكذلك الكفر هو سبب موت القلب وعماه كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩] . ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] . والنور الذي يجعله الله في قلب المؤمن هو نور زائد على النور الذي يحصل له من العلم الذي قام به، والمستمد من الوحي المطهر. قال تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] . وقد اختلفت عبارات المفسرين حول المراد بالنورين في الآية. ففسر بعضهم النور الأول، بالحجج والبراهين الكونية التي نصبها الله لعباه والتي تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر، والنور الثاني: هو القرآن الذي أنزله منبهاً على توحيده، ومنبهاً ومذكراً بآياته، فزادهم إلى حججه عليهم قبل ذلك١.

стр. 487

وفسر بعضهم النور الأول بالفطرة السليمة والنور الثاني بالقرآن. قال ابن كثير ﵀: "فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى، وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود:١٧] . فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري، وما يستهدي به من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف"١. وفسر بعض العلماء النورين بالإيمان والقرآن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حول قوله تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ : "نور الإيمان الذي في قلبه يطابق نور القرآن، كما أن الميزان العقلي يطابق الكتاب المنزل، فإن الله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"٢. وقد استدل لهذا المعنى بأدلة من القرآن والسنة وأقوال السلف الصالح٣.

стр. 488

وسوف أذكر من ذلك دليلاً واحداً لكونه مع دلالته على ما ذهب إليه شيخ الإسلام، يدل أيضاً على أثر هذين النورين في تحصين المسلم ضد الأفكار الهدامة وأسبابها -التي هي موضوع الدراسة. قال ﷺ : "ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تنفرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم " ١. وخلاصة هذه الأقوال الثلاثة أنها متفقة على أن أحد النورين هو القرآن وما يدل عليه من العلم، أما النور الثاني فهو في قول: الفطرة السليمة، وفي آخر: الحجج والبراهين العقلية، وفي الثالث: الإيمان.

стр. 489

وفي نظري أن القول الثالث ينتظم تلك الأقوال، وذلك أن قلب المؤمن على الفطرة القويمة، وهو القلب الذي ينتفع بالحجج والبراهين فيتعقلها. وعلى هذا فمبدأ هذا النور هو الفطرة، ويزيده النظر والإيمان والقرآن قوة وحدة واستقامة، وقد أشار ابن تيمية إلى هذا المعنى، فقال: "وأيضاً فالله فطر عباده على الحنيفية: وهو حب المعروف وبغض المنكر، فإذا لم تستحل الفطرة، فالقلوب مفطورة على الحق، فإذا كانت الفطرة مقومة بحقيقة الإيمان، منورة بنور القرآن ... "١. فالنور في القلب يقوى بقوة الإيمان والعلم المستقى من الكتاب والسنة الذي يغذي الفطرة القويمة، الموافقة للتوحيد، القابلة لدلائله المطمئنة لها. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠] . وقد أشار الله تعالى إلى أن المستحقين لهذا النور هم الموحدون المخلصون كما في سورة "الزمر" التي تميزت بالكلام على الإخلاص وعامة قضايا التوحيد، وصفة أهله وجزائهم، ثم مقارنة ذلك كله بما يقابله

стр. 490

من أحوال المشركين، حيث قال تعالى مبيناً أهم ركائز العبودية التي كلف الله بها عباده، والتي حققها الرسول ﷺ الذي هو إمام الموحدين وقدوتهم: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١١-١٤] . ثم بين سبحانه في نفس السياق أهم أساس يقوم عليه الإخلاص، وأنه اجتناب الطاغوت والإنابة إلى الله وحده، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر:١٧] . وفي نفس السياق أيضاً وبعد أن ذكر بعض صفاتهم التي استحقوا بها هداية الله وبين مصيرهم ومصير أعدائهم، وبعض دلائل التوحيد، أتبع ذلك ببيان أن هؤلاء الذي شرح صدورهم للإسلام فكانوا على نور من ربهم، فقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢] . فدل هذا السياق على أن النور عطيّة الله للموحدين المخلصين، وكلما رسخ التوحيد والعلم والعمل بموجبهما، تم النور وقوي حتى يصبح العبد يرى بنور الله، ويتكلم بالحق ويعمل به، فالنور الذي في قلب المؤمن

стр. 491

مظهر من مظاهر عناية الله به؛ وقد تكلمت فيما سبق عن أهم سبب لحصول ولاية الله لعبده، وأنه التوحيد الخالص، بما يغني عن إعادته١. والذي يستفيده المسلم من هذه المعرفة -وهي اختصاص أهل الإخلاص بالنور وزيادته برسوخهم في العلم والعبادة- هو الحرص على تعلم التوحيد والتزامه، ومعرفة الشرك وخصائص الجاهلية والطاغوت واجتنابها، ثم تعلم ما ورد في الكتاب والسنة من الشريعة والعمل بها، وغير ذلك من الحكم والوصايا والمواعظ والعبر والاهتداء بها في جميع نواحي الحياة. كما يستفيد المسلم من هذه المعرفة أن يلازم الذين هذه صفتهم فيواليهم، ويأخذ بفتواهم، فهم أهل الذكر والنور والبصيرة، وخاصة عند حصول الفتن التي تذهل فيها عقول الرجال، وتختلف الأقوال، فإن الملاذ من ذلك هو الفرار إلى الله، والاستنارة بأقوال وأحوال عباد الله الموحدين، فإن الله قد ضمن أن يوجد أمثال هؤلاء الذين يقولون بالحق وبه يعدلون في كل زمان حجة على العباد وقدوة لطالب الرشاد -كما في الحديث: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك "٢.

стр. 492

ومن ثمرات هذا النور في قلب المؤمن الفرقان، الذي يفرق به بين الحق والباطل، وبذلك يصبح مشيه في الحياة وبين الناس سليماً آمناً. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩] . أورد ابن جرير عن بعض السلف في قوله ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ أنه فسره بفرقان يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل حتى يعرفوه، ويهتدوا بذلك الفرقان١. قال ابن القيم ﵀: "ومن الفرقان ما يعطيهم من النور الذي يفرقون به بين الحق والباطل ... "٢. ومن خصائص هذا النور الذي أشرق به القلب أنه يعطي ملكة يتذوق بها ما يناسبه وما لا يناسبه، فالمؤمن قلبه سليم عامر بالخير، يرتاح ويطمئن له، وينفر من الشر، فإذا عرض له أمر من الأمور لا يجد فيه نصاً من الكتاب والسنة، ولم يبلغه كلام أهل العلم فيه، فإن القلب -المنور بالإيمان والعلم بذوقه السليم وتفرسه- يقبل ذلك الأمر أو ينفر منه. والذوق كما عرفه ابن القيم ﵀: هو:"مباشرة الحاسة

стр. 493

الظاهرة والباطنة للملائم والمنافر"١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولفظ "الذوق" وإن كان قد يظن أنه في الأصل مختص بذوق اللسان فاستعماله في الكتاب والسنة يدل على أنه أعم من ذلك مستعمل في الإحساس بالملائم والمنافر"٢. وقال أيضاً ذاكراً قول بعض السلف في قوله تعالى ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ : "قال بعض السلف في الآية: هو المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر، فإذا سمع بالأثر كان نوراً على نور، نور الإيمان الذي في قلبه يطابق نور القرآن، كما أن الميزان العقلي يطابق الكتاب المنزل، فإن الله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"٣. وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن الذوق الصحيح هو ذوق قلوب أهل التوحيد التي عمرت بالإخلاص لله، وبالعلم المستمد من الكتاب والسنة، وأن كلا من المؤمنين الموحدين معه من هذا الذوق بقدر إيمانه وعلمه٤. فالمؤمن قد ذاق حلاوة الإيمان وأشربه قلبه وتلذذ به، وإذا ذاق

стр. 494

القلب طعم الإيمان عرف عند ذلك ما يناسبه وما يخالفه، كما إذا تذوق الإنسان بلسانه طعم العسل والحنظل، ثم أتى بثالث لم يذكر له نوعه، فإنه إذا تذوقه عرف إلى أيهما أقرب. قال ﷺ : "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً "١. وقال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار "٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقاً على هذين الحديثين: "فبين ﷺ أن ذوق طعم الإيمان لمن رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وأن وجْد حلاوة الإيمان حاصل لمن كان حبه لله ورسوله أشد من حبه لغيرهما، ومن كان يحب شخصاً لله لا لغيره، ومن كان يكره ضد الإيمان، كما يكره أن يلقى في النار، فهذا الحب للإيمان والكراهية للكفر حلاوة الإيمان، كما استلزم الرضى المتقدم ذوق طعم الإيمان، وهذا هو اللذة، وليس هو نفس التصديق والمعرفة الحاصلة في القلب، ولا نفس الحب الحاصل في القلب، بل هذا نتيجة ذاك وثمرته ولازم له، وهي أمور

стр. 495

متلازمة، فلا توجد اللذة إلا بحب وذوق"١. قوله ﵀: "بل هذا نتيجة ذلك وثمرته": فيه إشارة إلى أن ذوق القلب ووجده لحلاوة الإيمان لا يقوم إلا إذا تمكن الإيمان منه. وهذا الذوق هو بمثابة ميزان حساس يستشعر ما يناسبه من الخير والإيمان فيرتاح له ويأنس به، كما يستشعر ما لا يناسبه فينفر ويشمئز منه، وهذا الميزان الإيماني بجانب النور العلمي هما -والله أعلم- الفرقان الذي يفرق به القلب بين الحق والباطل والملائم والمنافر. قال ﷺ : " البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولا يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون "٢. والمقصود هنا نفس المؤمن وقلبه العامر بالإيمان والعلم، إذ هو الذي يطمئن ويأنس بالخير ويرتاح إليه، وينفر من الشر. "فالقلب الذي دخله نور الإيمان وانشرح به وانفسح، سكن للحق واطمأن به ويقبله وينفر عن الباطل ويكرهه ولا يقبله"٣.
следующие страницы →