مظهر من مظاهر عناية الله به؛ وقد تكلمت فيما سبق عن أهم سبب لحصول ولاية الله لعبده، وأنه التوحيد الخالص، بما يغني عن إعادته١.
والذي يستفيده المسلم من هذه المعرفة -وهي اختصاص أهل الإخلاص بالنور وزيادته برسوخهم في العلم والعبادة- هو الحرص على تعلم التوحيد والتزامه، ومعرفة الشرك وخصائص الجاهلية والطاغوت واجتنابها، ثم تعلم ما ورد في الكتاب والسنة من الشريعة والعمل بها، وغير ذلك من الحكم والوصايا والمواعظ والعبر والاهتداء بها في جميع نواحي الحياة.
كما يستفيد المسلم من هذه المعرفة أن يلازم الذين هذه صفتهم فيواليهم، ويأخذ بفتواهم، فهم أهل الذكر والنور والبصيرة، وخاصة عند حصول الفتن التي تذهل فيها عقول الرجال، وتختلف الأقوال، فإن الملاذ من ذلك هو الفرار إلى الله، والاستنارة بأقوال وأحوال عباد الله الموحدين، فإن الله قد ضمن أن يوجد أمثال هؤلاء الذين يقولون بالحق وبه يعدلون في كل زمان حجة على العباد وقدوة لطالب الرشاد -كما في الحديث: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك "٢.
стр. 492
ومن ثمرات هذا النور في قلب المؤمن الفرقان، الذي يفرق به بين الحق والباطل، وبذلك يصبح مشيه في الحياة وبين الناس سليماً آمناً.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩] .
أورد ابن جرير عن بعض السلف في قوله ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ أنه فسره بفرقان يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل حتى يعرفوه، ويهتدوا بذلك الفرقان١.
قال ابن القيم ﵀: "ومن الفرقان ما يعطيهم من النور الذي يفرقون به بين الحق والباطل ... "٢.
ومن خصائص هذا النور الذي أشرق به القلب أنه يعطي ملكة يتذوق بها ما يناسبه وما لا يناسبه، فالمؤمن قلبه سليم عامر بالخير، يرتاح ويطمئن له، وينفر من الشر، فإذا عرض له أمر من الأمور لا يجد فيه نصاً من الكتاب والسنة، ولم يبلغه كلام أهل العلم فيه، فإن القلب -المنور بالإيمان والعلم بذوقه السليم وتفرسه- يقبل ذلك الأمر أو ينفر منه.
والذوق كما عرفه ابن القيم ﵀: هو:"مباشرة الحاسة
стр. 493
الظاهرة والباطنة للملائم والمنافر"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولفظ "الذوق" وإن كان قد يظن أنه في الأصل مختص بذوق اللسان فاستعماله في الكتاب والسنة يدل على أنه أعم من ذلك مستعمل في الإحساس بالملائم والمنافر"٢.
وقال أيضاً ذاكراً قول بعض السلف في قوله تعالى ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ : "قال بعض السلف في الآية: هو المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر، فإذا سمع بالأثر كان نوراً على نور، نور الإيمان الذي في قلبه يطابق نور القرآن، كما أن الميزان العقلي يطابق الكتاب المنزل، فإن الله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"٣.
وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن الذوق الصحيح هو ذوق قلوب أهل التوحيد التي عمرت بالإخلاص لله، وبالعلم المستمد من الكتاب والسنة، وأن كلا من المؤمنين الموحدين معه من هذا الذوق بقدر إيمانه وعلمه٤.
فالمؤمن قد ذاق حلاوة الإيمان وأشربه قلبه وتلذذ به، وإذا ذاق
стр. 494
القلب طعم الإيمان عرف عند ذلك ما يناسبه وما يخالفه، كما إذا تذوق الإنسان بلسانه طعم العسل والحنظل، ثم أتى بثالث لم يذكر له نوعه، فإنه إذا تذوقه عرف إلى أيهما أقرب.
قال ﷺ : "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً "١.
وقال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار "٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقاً على هذين الحديثين: "فبين ﷺ أن ذوق طعم الإيمان لمن رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وأن وجْد حلاوة الإيمان حاصل لمن كان حبه لله ورسوله أشد من حبه لغيرهما، ومن كان يحب شخصاً لله لا لغيره، ومن كان يكره ضد الإيمان، كما يكره أن يلقى في النار، فهذا الحب للإيمان والكراهية للكفر حلاوة الإيمان، كما استلزم الرضى المتقدم ذوق طعم الإيمان، وهذا هو اللذة، وليس هو نفس التصديق والمعرفة الحاصلة في القلب، ولا نفس الحب الحاصل في القلب، بل هذا نتيجة ذاك وثمرته ولازم له، وهي أمور
стр. 495
متلازمة، فلا توجد اللذة إلا بحب وذوق"١.
قوله ﵀: "بل هذا نتيجة ذلك وثمرته": فيه إشارة إلى أن ذوق القلب ووجده لحلاوة الإيمان لا يقوم إلا إذا تمكن الإيمان منه.
وهذا الذوق هو بمثابة ميزان حساس يستشعر ما يناسبه من الخير والإيمان فيرتاح له ويأنس به، كما يستشعر ما لا يناسبه فينفر ويشمئز منه، وهذا الميزان الإيماني بجانب النور العلمي هما -والله أعلم- الفرقان الذي يفرق به القلب بين الحق والباطل والملائم والمنافر.
قال ﷺ : " البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولا يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون "٢.
والمقصود هنا نفس المؤمن وقلبه العامر بالإيمان والعلم، إذ هو الذي يطمئن ويأنس بالخير ويرتاح إليه، وينفر من الشر.
"فالقلب الذي دخله نور الإيمان وانشرح به وانفسح، سكن للحق واطمأن به ويقبله وينفر عن الباطل ويكرهه ولا يقبله"٣.
стр. 496
ومما تقدم من النصوص وكلام أهل العلم نخرج بضوابط مهمة لهذا الأثر القلبي الذي يحدثه الإيمان في قلوب العباد فتتحصن به من كيد شياطين الإنس والجن.
هذه الضوابط تتلخص فيما يلي:
١- أن معرفة العقائد والشرائع والخير والشر والحلال والحرام والحسن والقبح إنما طريقه الكتاب والسنة.
٢- أن الله فطر القلوب السليمة العامرة بالعلم والإيمان على الراحة والأنس للخير والنفرة من الشر، وهذه علامة خص الله بها قلوب المؤمنين بالإضافة إلى النور المستفاد من العلم، وأنها تزيد كلما زاد العلم ورسخ الإيمان.
٣- أنه متى استبان الحكم من الدليل الشرعي فيجب المصير إليه، وإن لم ينشرح به الصدر، ولا عبرة بالإحساس المخالف، كما يتحرج بعض المسلمين من الفطر في السفر، وكما كره بعض الصحابة التحلل من الحج إلى العمرة، وبعض ما ورد في مفاوضته لقريش في الحديبية١.
٤- أن فائدة هذه العلامة -وهي التذوق والإحساس الذي يفرق به المؤمن بين الحق والباطل - إنما تكون عند المتشابهات، واختلاف الفتيا أو في الأمور الحادثة التي لم يتبين حكمها.
стр. 497
قال ابن رجب ﵀: "فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضى به والتسليم له، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] .
أما ما ليس فيه نص من الله ولا عمن يُقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن -المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين- منه شيء وحاك في صدره بشبهة موجودة، ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه، بل هو معروف باتباع الهوى، فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون"١.
وبهذه الضوابط تخرج المفاهيم الضالة التي أحدثها المبتدعون المبطلون، وجعلوها أساساً لمعرفة الحقيقة، وعارضوا بها ما دل عليه الوحي المطهر كفكرة الكشف والفيض والوجد ونحوها من الأوهام والظنون.
قال ابن رجب ﵀: "وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي بل إلى مجرد رأي وذوق، كما كان ينكر الكلام في
стр. 498
مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل، فأما الرجوع في الأمور المشتبهة إلى حواز القلوب فقد دلت عليه النصوص النبوية وفتاوى الصحابة"١.
وخلاصة هذا المبحث: أن الإيمان القائم على الإخلاص والعلم المستمد من الوحي المطهر يوجد في القلب نوراً وفرقاناً يهدي صاحبه إلى مواطن الخير ويكشف له عن مواطن الهلكة والضلال، كما يصبح في القلب ملكة وحساسية يتذوق بها ما يلائمه من الخير فيميل إليه ويسكن، وما ينافره من الشر فيشمئز منه وينفر، وواعظاً يذكره؛ وبهذا يكون القلب محصناً بالعلم والنور، والفطرة السليمة، وواعظ الإيمان والحساسية المرهفة ضد أي فكر خبيث يستهدف زعزعة عقائده أو حرف عواطفه والميل بإراداته.
وإذا ضعف الإيمان وقل العلم ضعفت هذه الحصون، وخفت نور القلب، وقلت حساسيته، فيكون عرضة للانخداع ببعض الأفكار الضالة، وخاصة ما كان منها مزخرفاً بالشبهات الموهمة ولبس في الحق بالباطل.
стр. 499
الباب الثالث: أثر الإيمان في تحصين المجتمع المسلم ضد الأفكار الهدامة " الأثر الإجتماعي "
*
...
لقد خلق الله الإنسان لعبادته، فالعبودية هي المقصد الأهم، والمحور الذي يجب أن تدور حوله وتنطلق منه جميع أعماله ومعاملاته واهتماماته ومقاصده.
والإسلام عندما بيّن جميع نواحي العبادة، وما يتصل بها، لم يتجاهل كون الإنسان اجتماعياً بطبعه، وما للمجتمع الذي يعيش فيه من تأثير على نفسه وتفكيره وسلوكه.
ومن أجل ذلك جاء الإسلام بالأسس المتكاملة، وهي النّظام الذي يقوم عليه المجتمع المسلم، وهو نظام يمتاز بالشمول والواقعيّة، ويضمن سير الحياة فيه على وجه يحقق العدل والأمن والحياة الكريمة لكافّة أفراده، كما يمنحهم الفرصة بالمشاركة في التنمية الحضارية، مما يدفع المجتمع إلى مستوى رفيع من الإنتاج الاقتصاديّ والزراعيّ والتجاريّ والصناعيّ، وفي كافة المجالات.
وبهذا يحصل التّوازن في سعي النّاس في المجتمع المسلم بين قيامهم بمتطلبات العبودية التي من أجلها خلقوا، وبين كدحهم في استثمار واستغلال ما سخّره الله لهم على الأرض طلباً للرزق ومتطلبات الحياة.
وهم في سيرهم في كلا الأمرين يُحكمون بمنهج ونظام رباني يسترشدون به في كل ما يأتون أو يذرون، فيأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم، ويباعدهم عن سبل الضلال وظلمات الجاهلية.
والحق أن المجتمع المسلم بتعاليمه وشرائعه، وقيمه وأنظمته،
стр. 500
وضوابطه، وكوابحه حصن متين يتحصن به المسلمون من خصائص الجاهلية، وأفكارها الضالة وشرائع الطاغوت، وهذا الحصن مكوّن من دعامات وسدود يقوم كل منها بسد ثغرة يحتمل تسلل الفساد من خلالها إلى قلب المجتمع المسلم.
وبقدر صلابة وتماسك هذه الدعامات، تكون قوة وتماسك الحصن الاجتماعي، وإذا ضعفت فتحت فيه ثغرات يتسلل منها الضلال الفكري والسلوكي إلى جسد الأمة، فيضعف المجتمع وتنخر فيه عوامل الفساد.
وهذا الأثر العظيم للمجتمع المؤمن -وهو كونه حصناً لأفراده- يفسر بعض جوانب الحكمة في عناية الشارع بإقامة المجتمع المسلم، وتنظيمه، والتأكيد على وجوب لزوم جماعة المسلمين، وإيجاب الهجرة إلى بلاد الإسلام، والنهي عن مساكنة المشركين والإقامة بينهم، والسفر إلى بلادهم بغير حاجة شرعية.
فالإسلام يحتّم على أتباعه الانضمام إلى المجتمع المسلم ليصطبغوا بصبغته ويسايروا تعاليمه، ويوالوا أهله، ويحكموا بنظامه، ويحتموا بحماه من شرور الجاهليات والأفكار المضللات.
قال سيد قطب ﵀ مبيناً أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم: "والحضارة الإسلامية يمكن أن تتخذ أشكالاً متنوعة في تركيبها العادي والتشكيلي، ولكن الأصول والقيم التي تقوم عليها ثابتة، لأنها هي مقومات هذه الحضارة: العبودية لله وحده، والتجمّع على
стр. 501
آصرة العقيدة فيه، واستعلاء إنسانية الإنسان على المادة، وسيادة القيم الإنسانية التي تنمّي إنسانية الإنسان لا حيوانيته.. وحرمة الأسرة، والخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه ... وتحكيم منهج الله وشريعته وحدها في شؤون هذه الخلافة "١.
فالإسلام بإقراره هذه الأسس يقدم للناس المجتمع المتحضر حقاً، الذي يشعر فيه الإنسان بإنسانيته وتكريم الله له، ويحس بسموّ هدفه، وإثمار سعيه في عبوديته: ولاية الله في الدنيا، والفوز بالجنة في الآخرة، ويرى ثمرة كدحه في شؤون دنياه: تقدماً علمياً وصناعياً وزراعياً وتجارياً واجتماعياً.
ويولي الإسلام هذه الأسس عناية خاصة لما لها من الأهمية في استقرار المجتمع المسلم، وتحصينه وسلامته من المؤثرات الجاهلية، وتتجلى هذه العناية بدقّة البيان لتفاصيل كلّ منها، وبالتشديد على إقامتها والتحذير من الإخلال بشيء منها.
وبقدر اهتمام الإسلام بتوطيد هذه الأسس، يعمل أعداء الإسلام جاهدين على زعزعتها وإضعافها، ليسهل عليهم التوغل في المجتمع المسلم والإفساد فيه.
قال سيد قطب ﵀ في معرض كلامه عن جانب من
стр. 502
جوانب الفكر الهدام وأثره على أسس المجتمع المسلم: "وإذا تقرر أن مناهج الفكر الغربي، ونتائج هذا الفكر في كل حقول المعرفة، يقوم على أساس تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التطور الديني جملة، فإن تلك المناهج، وهذا النتاج أشد عداء للتصور الإسلامي خاصة، لأنه يتعمد هذا العداء بصفة خاصة، ويتحرى في حالات كثيرة -في خطة متعمدة- تمييع العقيدة والتصور والمفهومات الإسلامية، ثم تحطيم الأسس التي يقوم عليها تميّز المجتمع المسلم في كل مقوماته"١.
وهذه الأسس -كما تقدم- تشكل حصناً منيعاً للمجتمع إذا طبقت على الوجه الصحيح.
فالمؤمنون في مجتمعهم يحاطون بأسوار إيمانية تحميهم من الأخطار الداخلية والخارجية، وهذه الأسوار يؤثر بعضها في بعض، فإذا انهدم سور منها أو اختل انهدم أو اختل سور آخر قائم عليه أو متأثر به.
ويمكن حصر هذه الأسوار الإيمانية في ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: ما يتعلق بالرابطة الإيمانية التي تشد أفراد المجتمع بعضهم إلى بعض، بالشعور المشترك بالعبودية لله وحده، والتجمع على آصرة الأخوة فيه، وعلى العمل لنشره والدفاع عنه، وما يتصل بذلك من الأخلاق الفاضلة الجالبة للمحبة والتراحم والتلاحم،
стр. 503
والتعاون على البر والتقوى، وما يلزم لاستمرارها وازديادها من وجود نظام متكامل يتمثل بتعاليم الإسلام وشرائعه وحدوده وضوابطه التي تنظم العلاقات والمعاملات وسائر جوانب الحياة على وضع يحقق العدالة، ويعمق المودة، ويُعرِّف كلاً بما له من حق وما عليه من واجب.
ويتصل بذلك نظام الردع المتمثل بالحدود والعقوبات الأخرى المانعة من ظهور الفساد في المجتمع المسلم وانتشاره، ونظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بقيامه يضمن المجتمع المسلم سير جميع أموره سيراً صحيحاً على منهج الله ويكون واعياً متيقظاً لكل طارئ غريب فكريّ أو سلوكيّ يحاول التسلل إلى المجتمع.
المجموعة الثانية: ما يتعلق بقيام الدولة وعلى رأسها ولي الأمر وأعوانه من الوزراء والأمراء والقضاة بما عليهم من واجب تنفيذ الدين والدفاع عنه.
المجموعة الثالثة: ما يتعلق بوضع الدولة المتمكن في الأرض ومنزلتها المهيبة بين الأمم، وما له من الأثر في استقرارها الداخلي وحصانتها الفكرية وذلك يرجع إلى أخذها بأسباب القوة والإعداد للجهاد وإقامته. هذا وسوف أفرد لكل منها فصلاً مستقلاً أبيّن فيه -إن شاء الله- أثرها في تحصين المجتمع المسلم ضد الشرور عامة والفكرية منها خاصة. والله المستعان.
стр. 504
الفصل الأول: أثر الرابطة الإيمانية والأخلاق والنظم الإسلامية في صيانة المجتمع المسلم من الانحراف الفكري
*
...
إن المجتمع الإسلامي -كغيره من المجتمعات- يتكون من السلطان ورجال دولته، ومن أفراد المجتمع. وصلاح المجتمع يكون بصلاح كلا الفريقين وقيام كل منهما بدوره في نصرة الإسلام تنفيذاً ودفاعاً. وسوف يجري الكلام على دور الإمام في حصانة المجتمع في الفصل القادم، إن شاء الله.
أما في هذا الفصل فيجري الكلام -بعون الله تعالى- على أهم الأمور التي تكفل قيام أفراد المجتمع بدورهم في حصانة المجتمع وقوة جبهته الداخلية والعوامل التي تضمن تلاحمهم وتراحمهم وتعاونهم، وقد أجملتها في أمرين:
الأول: المحافظة على الرابطة الإيمانية والعمل على تنميتها.
ويتم تحقيق ذلك بما يلي:
١- الالتزام بالأخلاق الفاضلة.
٢- أداء الحقوق المفروضة لبعضهم على بعض.
٣- الالتزام بالنظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي.
٤- المحافظة على الوحدة الفكرية.
الثاني: العمل على سلامة مقومات المجتمع المسلم.
ويتحقق ذلك بالتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ذلك.
وسوف أفرد لكل منهما مبحثاً مستقلاً أبين فيه أثره في حصانة المجتمع المسلم من الشرور الفكرية وغيرها، والله المستعان.
стр. 505
المبحث الأول: أثر المحافظة على الرابطة الإيمانية في الحصانة الفكرية
إن لكل مجتمع إنساني خصائص تميزه عن غيره، وروابط تشد بين أفراده، ومقومات تحكم تعاملهم مع بعضهم ومع غيرهم في المجتمعات الأخرى.
ويتوقف على حظ المقومات والروابط من الصلاح والتناسق، قوة المجتمع وصلاحه من عدمها.
وقد وردت تعاريف كثيرة لمصطلح المجتمع الإنساني، وكل من هذه التعاريف يتناول جانباً من جوانب المجتمع وخواصه الرئيسية كالعلاقات الاجتماعية، أو النظم والضوابط السلوكية، أو التجمع والتفاعل الإنساني، أو البقعة الجغرافية التي يعيش عليها الأفراد والجماعات، أو اللغة والتاريخ أو العادات والتقاليد والأهداف المشتركة التي يؤمن بها أبناؤه وهكذا١.
ورابطة الدم والعقيدة هي أقوى الروابط التي يجتمع عليها أفراد المجتمعات الإنسانية، أما الوطن فهو البقعة الجغرافية التي تقيم عليها تلك الجماعة ويشكل الحنين والولاء له رابطة تشد أبناء الوطن بعضهم إلى
стр. 506
بعض، كما أن المصالح المشتركة تكون في كثير من الأحيان رابطة يجتمع عليها الناس.
ويعتبر المجتمع متماسكاً قوياً إذا كانت الرابطة بين أفراده قوية والتزامهم بها شعوراً وولاء قوياً.
لكن تماسك المجتمع وقوته لا تعني أنه يسير على الحق والهدى والصراط المستقيم، ذلك أن القوة غير الهداية وإنما تمام الأمر أن تقترن القوة بالهداية، فتكون القوة مجندة لنشر الحق والدفاع عنه، والحق موجهاً للقوة.
وعلى هذا فالمجتمع السليم المهتدي هو الذي يسير على الهدى الذي جاء به الوحي المطهر النازل على أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم.
ذلك المجتمع هو: الذي ربط بين أعضائه رباط الإيمان وشدهم التوحيد والشعور بالانتماء إليه، وبمسئولية نشره والدفاع عنه، وقَوِيَ ولاؤهم جميعاً له، واتّحدت أهدافهم التي يؤمّلونها في الدنيا والآخرة، وحُكِموا جميعاً بنظامه وشرعه، وتعاملوا بأخلاقه والحقوق التي أوجبها لكل منهم.
ولذلك فإن الرابطة الإيمانية هي أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم، وبالتالي فهي أهم وأقوى الحصون التي تحصن المجتمع من كيد أعدائه وأفكارهم المسمومة، وتخطيطاتهم الخبيثة.
стр. 507
وبهذا يكون الإسلام قد أبطل جميع الاعتبارات -غير رابطة الأخوة الإيمانية- أن تتخذ رابطة ولاء كرابطة ولاء وأخوة وتناصر، وأبقاها روابط تعارف وتراحم، تعتبر في الأنساب وبعض الأحكام الشرعية كالدية التي تكون على العاقلة، وولايات التزويج، والميراث ونحو ذلك.
قال الدكتور مصطفى عبد الواحد: "الأساس الأول الذي يشيد عليه الإسلام بناءه الاجتماعي هو الأخوة بين أفراده جميعاً ... فمن الطبيعي وهو مجتمع يقوم على عقيدة تجمع بين أبنائه أن يجعل منها رابطة قوية تشد كل المسلمين وتؤلف بين قلوبهم.
إنه يجعل تلك الأخوة علاقة حقيقية تزيد على علاقة الدم والنسب، وتفضلها، وقد كان الإسلام بذلك أول من أقام مجتمعاً على أساس رابطة روحية يجعل لها الاعتبار الأول، ويعتمد عليها في تقرير الحقوق والواجبات. إن بين المؤمنين رباطاً روحياً يتمثل في إيمانهم بإله واحد، واعتقداهم بغاية واحدة للحياة ومصير واحد، ومن أجل ذلك فهم أخوة ... هكذا يقرر القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات:١٠] .
وهذا الرباط من القوة والأصالة بحيث جُعل أساساً يتجمع حوله المسلمون دون اعتبار لما تواضع عليه البشر أزماناً طويلة، فلا اعتبار -في المجتمع الإسلامي- للنسب وشرفه، فقد وضع الإسلام عن الناس وزر التفاخر بالأنساب والتعصب لها ...
стр. 508
ولا اعتبار للجنس، فالإسلام يرفض أن يفترق الناس أجناساً مختلفة، وأن تفصل بينهم فواصل من صنع أيديهم.
ولهذا فقد احتضن المجتمع الإسلامي أول المسلمين من كل جنس، ولم يجد الحبشي أو الفارسي أو الرومي حائلاً يمنعهم من الانتساب لهذا المجتمع، بل والتصدر فيه.
وقد كانت الأخوة نوعاً جديداً من العلاقات لم يعهده المجتمع العربي قبل الإسلام، إذ كان ذلك المجتمع يقوم على رباط النسب والجنس، فجاء الإسلام ليجعل الترابط في مجتمعه على ذلك الأساس الروحي والفكري من وحدة العقيدة ووحدة الغاية، متخطياً في ذلك الروابط التي تحمل في طيّاتها عوامل التفكك وبذور الانهيار ... "١.
وقد قرر الله هذه الرابطة والأخوة الإيمانية بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] .
قال ابن كثير ﵀: "أي الجميع إخوة في الدين"٢.
والأخوة من مدلولها معنى التقارب والمحبة والتراحم، والتعاون
стр. 509
والمناصرة، وهذه الأمور ثمرات الإيمان، نابعة منه ودالة عليه ولا يمكن أن يوجد بدونها، قال ﷺ مبيناً الترابط الوثيق بين الحب والإيمان: " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم "١.
ولا يجوز أن يبقى بين المسلمين ما يعكر صفو هذه الأخوة، لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم﴾ .
وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] .
وقال ﷺ محذراً من بعض الأمور التي تعكر صفو الأخوة الإيمانية، وتضعف الرابطة: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه "٢ كما بيّن الله تعالى، ورسوله ﷺ ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون فيما بينهم لتقوى الرابطة، وتتحقق الأخوة، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] .
стр. 510
وقال ﷺ : " والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه "١.
وقال: " ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "٢.
وهذا الحديث مع بيانه لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من التّوادّ والتراحم والتعاطف والتواصل، مع ذلك بيّن أمراً هاماً، ألا وهو أثر هذه الأخوة القائمة على الرابطة والتعاون الإيماني في حصانة المجتمع وتماسكه وقوته، حيث شبّه مجتمع المؤمنين بالجسد الواحد الذي يهتم سائر أفراده لما يحصل لبعضهم أو يحدث في مجتمعهم من خلل أو خطر، ويتكاتفون لصده.
ويؤيد هذا المعنى قول الرسول ﷺ : " إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً"، وشبك بين أصابعه ٣.
стр. 511
وتشبيه المجتمع المسلم بالبنيان من أبلغ التشبيهات، وذلك أن البنيان يتكون من لبنات، ومن مادة تشدّ بينها، وكذلك المجتمع المؤمن يتكون من أفراد، ومن رابطة تشد بينهم.
ففي البناء كلّما كانت اللبنات متقاربة مرصوصة، والمادة اللاصقة قوية، كان البناء أشد قوة وتماسكاً.
وكذلك الحال في المجتمع المسلم، كلما كانت الرابطة الإيمانية قوية، كانت القلوب متقاربة متحدة، وبذلك يكون المجتمع قوياً متماسكاً. فأول أساس لوحدة المسلمين هي الرابطة العقدية والأخوّة الإيمانية.
وهذه الرابطة لا تستحكم إلا إذا كان اعتقاد الجميع مستمداً من نصوص الكتاب الكريم والسنة الشريفة، وكانت العقيدة نقية من شوائب الشرك والبدع والعقائد المستمدة من المناهج المحدثة المخالفة لما كان عليه السلف في عصر النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، والأئمة المهديين، الذين شهدت لهم الأمة بالخير والإمامة في العصور الثلاثة المفضلة، ومن سار على طريقهم في سائر العصور.
وعلى هذا فأول خطوة في الطريق إلى وحدة المسلمين اليوم هي العمل على تنقية العقائد وتصحيحها، ونشر الإيمان المبيّن في الكتاب والسنة والدعوة إلى نبذ ما خالفه.
وما لم تجتمع كلمة علماء الإسلام ودعاته على هذا، وينطلقون منه، سيبقى المسلمون في شتات وذلة وحيرة، وسيبقى العمل لا يثمر إلا مزيداً
стр. 512
من الفرقة والتحزب، وإعجاب كل فريق برأيه، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢] ، فلا اجتماع إلا إذا اجتمعت القلوب، ولا اجتماع لها إلا بالتوحيد. فإن التوحيد يجمع أهله، ويفرّق بينهم وبين من خالفهم، قال ربنا ﵎: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] .
وإذا كانت الرابطة الإيمانية هي الأساس للوحدة الإسلامية، وكانت الوحدة حصناً قوياً للمجتمع من كل فكر دخيل هدام، وسلوك منحرف، فإن الفرقة والنزاع الناتج عن ضعف أو انعكاس الرابطة الإيمانية بين أفراد المجتمع المسلم يمثل ثغرة خطيرة تسهم وبسرعة في تفككه وضعفه، ومن ثم حصول الشر بين أفراده. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] .
ومردّ التنازع بالدرجة الأولى إلى الفرقة في الدين الناتجة عن الانحراف في العقيدة، أو الابتداع في الشريعة. وكم خطط أعداء الإسلام للتفريق بين المسلمين، ولم يجدوا أنجح في تحقيق ذلك من نشر الأفكار المخالفة.١
стр. 513
فكلما وجدوا ثغرة في المجتمع الإسلامي أطلقوا فكرة ضالة جللوها بتلبيسات مزخرفة، فاستهوت بعض أفراد المجتمع ومالت بهم عن الجادة. وهكذا حتى تفرق المسلمون شيعاً وأحزاباً وطرقاً.
ولم يقف الحد عند ذلك، بل أوجدوا أفكاراً تهدف إلى إزالة الرابطة الإيمانية والأخوة الدينية من أساسها، وتدعو إلى الاجتماع والاتحاد على رابطة أخرى كالشعوبية الداعية إلى التعصب للدم والعرق، ومثلها القومية، والوطنية، والوجودية، والإنسانية أو الدعوة إلى التآخي على الرياضة والفنون أو غير ذلك من الروابط.
وبذلك يقل الولاء للدين، ويخفّ الحماس لنشره والدفاع عنه، وهذا انتصار للكفر بحرب باردة يذوب فيها شباب المجتمع ورجاله الذين هم جيش الإسلام وعدته تحت ألوان من الأفكار والدعوات المضللة، والولاآت المختلفة.
وبعد البيان لأهمية الرابطة الإيمانية لقوة المجتمع المسلم ووحدته وحصانته من الأفكار الهدامة، وأثر ضعف تلك الرابطة في تفككه وحدوث الثغرات التي يتسلل منها كل فكر خبيث ومبدأ هدام، بعد ذلك يأتي المجال لذكر أهم العوامل التي تنمي الرابطة الإيمانية وتشد منها.
وكل عامل من هذه العوامل هو شعيرة من شعائر الإسلام، بمعنى أن الإسلام أمر بها ونظمها، وهي في نفس الوقت لبنة في حصن المجتمع بقيامها يتماسك، وتقوى رابطته، وبضعفها أو زوالها يهتز بناء المجتمع،
стр. 514
وتضعف رابطته ويدب فيه الفساد.
وأهم العوامل التي تنمي الرابطة الإيمانية هي:
أولاً: التزام الأخلاق الفاضلة.
ثانياً: القيام بالحقوق المفروضة لبعض المسلمين على بعض.
ثالثاً: الالتزام بالنظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي.
رابعاً: المحافظة على الوحدة الفكرية.
وسأتكلم بإذن الله على كل منها في مطلب مستقل.
стр. 515
المطلب الأول: أثر الالتزام بالأخلاق الفاضلة في تقوية الرابطة الإيمانية
لقد تقدم أن الله تعالى جعل الرابطة بين أفراد المجتمع الإسلامي الأخوة الإيمانية، لذلك حث على الابتعاد عن كل ما يضعفها، والحرص على التخلص من كل طارئ يحدث الخلل بها، وبالمقابل شرع للمسلمين أخلاقاً وآداباً ونظماً في المعاملات إذا التزموا بها ساد بينهم الحب والإخاء وانقطعت موارد الكره والشحناء.
وأهمية الأخلاق في المجتمع المسلم تعود إلى عظم أثرها في تقوية الرابطة بين أفراد المجتمع المسلم، لذلك ورد الإيضاح والتفصيل لها في كثير من آيات الكتاب، وحديث النبي ﷺ .
قال عبد الكريم زيدان: "كثرة الآيات القرآنية المتعلقة بموضوع الأخلاق، أمراً بالجيد منها ومدحاً للمتصفين به، ومع المدح الثواب، ونهياً عن الرديء منها، وذم المتصفين به، ومع الذم العقاب. ولا شك أن كثرة الآيات في موضوع الأخلاق أمر مهم جداً لا يستغني عنه المسلم وأن مراعاة الأخلاق تلزم المسلم في جميع الأحوال، فهي تشبه أمور العقيدة من جهة عناية القرآن بها في سوره المكيّة والمدنية على حد سواء"١.
стр. 516
وهذا التشابه بين أمور العقيدة والأخلاق من حيث التركيز عليها من جهة الأمر بالتزامها، والإيضاح والتفصيل لجميع جوانبها، يدل على التلازم بينهما، فالأخلاق لازمة لقوة العقيدة وانتشارها، كما أن العقيدة الصحيحة باعثة على الخلق الكريم.
فإذا كانت الأعمال الصالحة وقوة الصلة بالله من أسباب زيادة الإيمان في قلب المؤمن ورسوخه، فإن الأخلاق الفاضلة والتعامل بها بين أفراد المؤمنين سبب لتلاحمهم وترابطهم على أساس العقيدة، فتكون الأخلاق الفاضلة سبباً في قوة عقيدة المجتمع ورسوخ إيمانه.
كما أن التزام المؤمن بالأخلاق الفاضلة يجذب الناس إلى الإيمان، ويحببهم فيه فيدخلون في الإسلام، وقد أشار الله إلى هذا الأثر بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] .
وبهذا يتبين الأثر الوثيق بين المعتقد والأخلاق في المجتمع المسلم، وأن الرابطة العقدية والأخوة الإيمانية تزيد كلما التزم أفراد المجتمع بالخلق الفاضل، وكذلك تأثير المجتمع وجاذبيته تزيد إذا سادت الأخلاق، والعكس صحيح، فإن هذين الأثرين يضعفان ويكادان ينحسران إذا ساءت الأخلاق.
ونظام الأخلاق في الإسلام يشمل أموراً حثّ الشارع على فعلها والتحلي بها، لما لها من الأثر في صلاح المجتمع والأفراد، وقربهم من الله،
стр. 517
فبالتزامها تسود المحبة وتتقارب القلوب، ويتعامل الناس بالمودة والتراحم والتعاون، وتوجد الثقة بين أفراده، ويشعر الجميع بالرضى والأمن. ومن هذه الآداب:
الصدق في الحديث والمعاملة، والعدل في الحكم والعلاقات، والأمانة في جميع الأمور، والوفاء بالعهد والعقود، والحياء، والحلم، والأناة والرفق، والتعاون على البر والتقوى، والتوادّ والتراحم والتعاطف، والصبر والكرم، والشجاعة.
كما يشمل أموراً من الخلق القبيح نهى الإسلام عنها وحذر منها، لما لها من أثر في بعد المسلمين عن ربهم، وتنافرهم وضعف الرابطة فيما بينهم، وانبعاث بذور الفرقة والشر بينهم، ومن هذه الصفات الذميمة: الكذب، والظلم، ونقض العهد، وتضييع الأمانة، والنفاق الملي، والتكبر والفخر والبخل، والنميمة والغيبة، والغش والخداع، والتحاسد، والخيانة، واللعن والسباب، والفحش، وشهادة الزور وقذف المحصن، ... إلى غير ذلك من الأخلاق الرذيلة التي توغر الصدور، وتبعث الشرور وتفرق بين المسلمين، فتضعف الرابطة الإيمانية، ويتهدم هذا السور المنيع، وتصبح فيه ثغرات وممرات يدخل منها الشر الفكري، والمكر الخفي والجلي، ويصبح المجتمع ميداناً لخيل المنافقين، والحاقدين المتربصين، قد أقيمت فيه سوق الضلالات، وصدع فيه بأنواع الجهالات، وليس للمسلمين وحدة يقمعون بها ذلك، بل صار حولهم بينهم وكيدهم على بعضهم، يثبّط
стр. 518
بعضهم بعضاً، وينقض الأخ غزل أخيه، وربما تآمر عليه وفرح بالمكروه يصيبه.
وخلاصة هذا المبحث: أن للأخلاق الفاضلة التي حثّ الإسلام عليهاً أثراً عظيماً في قوة الرابطة الإيمانية بين أفرد المجتمع المسلم، كما أنها من أبرز الأسباب التي تحمل على الدخول في الإسلام.
стр. 519
المطلب الثاني: أثر قيام أفراد المجتمع بالحقوق المفروضة لبعضهم على بعض في قوة الرابطة الإيمانية
المجتمع المؤمن مجتمع إنساني تميّز برابطة الإيمان والأخوة في الله، هذه الرابطة التي تصله بخالقه، وتربط بين أفراده. والمجتمع الإنساني أيّا كان نوعه، تتم فيه مصالح متبادلة بين أفراده ومعاملات تنظم تلك المصالح، وعلاقات وصلات وحقوق.
ولا بد من نظام صالح يحكم هذه الأمور ويسددها لتسير الحياة بين أفراد المجتمع سيراً حسناً يحقق العدل ويبعث على الرضى، ويزيد في رباط الأخوة.
والإسلام الذي يقيم الرابطة على أساس الإيمان، نجده ينظم العلاقات والروابط والمعاملات منطلقاً من ذلك الأساس نفسه، فجميع النظم الإسلامية منطلقة من العقيدة الإسلامية.
فالله وحده هو المشرع المعبود المطاع، وله وحده يخضع ويستجيب المؤمنون، فكل سعيهم لربهم وعلى منهاجه.
يقول الدكتور عبد الله الخريجي: "ويشكل القرآن -بسوره المكية والمدنية- كلاً متكاملاً في بدايته إرساء قواعد العقيدة، ويتدرج منها
стр. 520
وعلى أساسها إلى تحديد الإطار الذي على الإنسان أن يلتزم به في علاقته بنفسه وبالآخرين من خلال تنظيم محكم دقيق لحياة الإنسان في جماعته"١.
والحديث النبوي وحي من عند الله، بيّن فيه النبي ﷺ كثيراً من جوانب العقيدة والشريعة، فاكتمل بيان الدين بالقرآن والسنة المطهرة.
وقد رتب الإمام البخاري كتابه الجامع الصحيح على هيئة تشعر بالترابط الوثيق بين الشرائع الإسلامية والعقيدة، فبدأ بكتاب بدء الوحي، ثم كتاب الإيمان، ثم كتاب العلم، ثم ساق الأبواب مرتبة على أبواب الفقه، وفي ذلك إشارة إلى أن ما يورده في صحيحه من حديث النبي ﷺ وحي من الله، وتعلمه والعمل به إيمان، وطريقة العلم، فنبه على الترابط بين العقيدة والشريعة، والعمل والإيمان.
والحقوق المفروضة بين المؤمنين أداؤها إيمان، ويزيد في الرابطة الإيمانية ويوثقها، كما أن الإخلال بها يضعف تلك الرابطة ويهلهلها، وقد أشار الله إلى هذا الترابط بين عدم الالتزام بما أوجبه من الإيمان، وبين تضييع تلك الحقوق، وأن الإخلال بأحدهما دليل ومؤد إلى اختلال الآخر بقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] .
стр. 521
ولا شك أن من قطع ما بينه وبين رحمه، كان قطعه لحقوق من هم دونهم أحرى.
وقد امتدح الله المؤدين للحقوق المفروضة عليهم الواصلين لما أمر الله به أن يوصل مبيناً أن ذلك من صفات المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٢١] .
وليس الغرض هو ذكر تفاصيل الحقوق، وإنما بيان علاقتها بالإيمان، وأثر تأديتها في قوة الرابطة الإيمانية، مما يحصن المجتمع ويعمل على قوته وتماسك جبهته الداخلية، وما للتفريط فيها من الأثر في ضعف الرابطة وانهيار حصنها المنيع.
ومجمل هذه الحقوق فيما يلي:
حق ولي الأمر على رعيته، وحق الرعية عليه، وحق الوالد على أولاده، والأولاد عليه، وحق الزوج على زوجته، وحقها عليه، وحق الأرحام والأقارب والجيران والضيف، والخدم والأرقاء، وابن السبيل، وحقوق الفقراء والمساكين والعجزة على الأغنياء والأقوياء، وحق المسلم على أخيه المسلم عامة في غير ما ذكر ... إلى غير ذلك من الحقوق١.
стр. 522
وخلاصة هذا المطلب: أنه إذا قام كل فرد بما عليه من الحقوق أثمر ذلك قوة في صلة أفراد المجتمع بربهم، وفي الرابطة القائمة بينهم فأصبح المجتمع قوياً متماسكاً صعباً على المفسدين.
وإذا ضيعت الحقوق حصل التذمر والخصام والعداوة، فتضعف الرابطة، ويسهل على الخصوم اقتحام حصون المجتمع والتحريش بين المسلمين، وإثارة الأحقاد وبذر بذور الشر.
كما أن واقع المجتمع المسلم الناتج عن ذلك يضعف ثقة بعض أفراده -ممن قل حظهم من العلم- بنظام الإسلام وتعاليمه، فيحمله ذلك على تطلب البدائل في مستنقعات الشرق أو الغرب وأفكارهم الفلسفية العفنة.
стр. 523
المطلب الثالث: الالتزام بالنظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي وأثره في قوة الرابطة الإيمانية
إن الدارس لتعاليم الإسلام يلاحظ أنها لا تخلو من أمرين:
الأول: ما شرع منها أصلاً لتقوية الرابطة الإيمانية بين المؤمنين وخالقهم، وبين بعضهم البعض، كالعبادات والأخلاق والآداب، وكثير من الحقوق، وبالقيام بها يكون المجتمع متصلاً بربه موصولاً ببعضه.
الثاني: ما شرع منها لتسير عليها العلاقات والمعاملات التي يحتاجها الناس في تحقيق مصالحهم فنظمها الشارع على حال تحقق ذلك وتضمن استمرار الرابطة وقوتها، والبعد عن أسباب الفرقة والتنازع.
وقد تقدم الكلام على الأمر الأول المتعلق بجانب الأخلاق والآداب والحقوق في المطلب السابق، ويجري الكلام في هذا المطلب على الأمر الثاني، وهو ما يتعلق بالالتزام بالنظم الإسلامية.
فالنظام الاجتماعي -ويعرف بنظام الضبط الاجتماعي- يقصد به جملة الأحكام والشرائع التي تنظم حياة الناس وعلاقاتهم فيما بينهم في المجتمع المسلم، وعلاقاتهم مع غيرهم من الكفار، والحدود التي تقي المجتمع من عوامل الفساد والضرر والاعتداء من بعضهم على بعض.
стр. 524
والنظم الإسلامية كثيرة، منها: نظام الأسرة كالزواج والطلاق، ودور الرجل والمرأة ونحوها، ونظام القضاء وما يتعلق به من الصلح والحكم في المنازعات، والجنايات والحدود والتعزير، ونظام الرق، ونظام العقود والشركات، والنظام الاقتصادي وما يتصل به كالزكاة والصدقات والنفقات والفروض، والبيع والشراء والإجارة، ونظام الإرث، وغير ذلك من الأنظمة الشاملة لجميع نواحي النشاط الإنساني.
ووجود هذه الأنظمة ودقة الالتزام بها ضروري لاستقرار حياة الناس، وإقامة العدل بينهم، وحفظ حقوقهم، وانتشار الأمن والأمل في نفوسهم، فينطلقون في ميادين الحياة بثقة وجد للعمل على إصلاح دينهم ودنياهم، وبذلك يترسخ رباط الأخوة ويستحكم، ويتعاونون في سعيهم وكدحهم وهم في أمن من بواعث الشر والنزاع بفضل صلاحية النظام وشموله، ومراعاته لمبادئ الأخلاق والعدل.
والإخلال بشيء من النظم الإسلامية تحصل من جرائه الفوضى والقلاقل والظلم والعدوان، وينجم النفاق والبلبلة الفكرية، والخلاف السياسي، فتتقطع الأرحام وتضيع الحقوق.
كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] .
وإذا زاد التحلل من النظام الإسلامي اختل المجتمع، وشغل الناس
стр. 525
بأنفسهم وأهوائهم، وذهلوا عن العبادة والعلم، فيضعف الإيمان وتقل رابطته ويفشلوا وتذهب ريحهم، فتُزيغ كثيراً منهم الأهواء، وتتخطفهم الفتن القائمة على الأفكار الهدامة، وبعضهم يقتل في القلاقل والهرج، أعاذنا الله من الإعراض عن الدين، وما يترتب عليه من الشر والفساد.
وبعد هذا الإجمال في الكلام على النظم الاجتماعية في الإسلام وأثرها في صيانة المجتمع المسلم من عوامل الفساد، أخص بمزيد الإيضاح نظامين هامين لهما أثر بالغ وخطير في تحصين المجتمع ضد الأفكار الهدامة خاصة، وسائر الشرور، ألا وهما:
الأول: نظام الجزاء والعقاب.
الثاني: النظام الاقتصادي.
أولاً: نظام الجزاء والعقاب:
ويشتمل على الحدود المقدرة على جرائم معينة بضوابط شرعية معتبرة، وعلى عقوبة التعزير في المعاصي التي لم يرد في الشرع تقدير لعقوبتها.
وإقامة الحدود حصن هام في حفظ المجتمع من سائر الشرور، وخاصة الأفكار الهدامة، فلا بد من الصرامة والحزم في تطبيقها على من استحقها وفق الضوابط الشرعية.
فحد الزنى واللواط والخمر قامع لهذه الشرور التي طالما امتطاها المفسدون، واستغلوها كطعم لإيقاع شباب المسلمين في شرورهم
стр. 526
الفكرية، لما لها من الأثر في طمس معالم الإيمان في القلوب، فتحل الظلمة مكان البصيرة، وبذلك ينقاد من وقع في ذلك إلى الأفكار الخبيثة بسهولة، وقد ينسلخ من الإسلام ويعاديه لتحريمه لها، فيصبح عضواً فاسداًَ ينشر الفساد في المجتمع.
أما حد الحرابة والإفساد في الأرض فهو فعال جداً في قمع الشرور الفكرية خاصة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣] .
فالحرابة توجد وضعاً قلقاً يسوده الخوف والفزع، وذلك أنسب الظروف لانتشار الشرور، وظهور المنكرات، ونشر الإشاعات، والتحريض على التمرد والخلاف، والترويج للحركات الملحدةوالأفكار المفسدة.وأعظم الإفساد في الأرض وأخطره نشر الشرك في البلاد التي أكرمها الله بالإيمان.
قال الله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] .
قال ابن القيم ﵀: "وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله،
стр. 527
وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله ﷺ هو أعظم الفساد، ولا صلاح لها ولا لأهلها، إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلاّ، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته، فلا سمع ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله"١.
وعلى هذا فأساس صلاح الأرض هو عبودية الناس لربهم، وسيرهم في جميع جوانب حياتهم على منهج الله، وفساد الأرض يكون بتعبيدهم لغير خالقهم وتسييرهم على غير منهج الله.
والطريق إلى فساد الأرض بعد إصلاحها إنما يكون بعمل شياطين الإنس والجن في الصد عن دين الله بنشر الشبهات ووضع العوائق النفسية والحسية في الطريق إلى الله وسعيهم في الأرض فساداً بنشر الأفكار المزخرفة المخالفة لما قرره الإسلام في كل جوانب الحياة.
وقد كان الهجوم الأشد الذي جابه الإسلام من وقت البعثة إلى اليوم إنما هو حرب فكرية تهدف إلى معارضة الإسلام بمبادئ الأديان الوثنية، وبنظريات وتصورات الفلاسفة المجللة بزخرف القول غروراً.
стр. 528
وهذه اللوثات الفكرية هي التي جابهت الدعوات السابقة لدعوة نبينا محمد ﷺ ، لذلك حذر الله أهل الإيمان منها، وهو تحذير قائم ما بقي الكفر والإيمان، وقام لكل منهما أعوان.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] .
وبيّن الله تعالى وسيلتهم في الإضلال، وأنها قائمة على ترويج زخرف القول المتمثل بالشبهات والأفكار الخبيثة التي غرت أصحابها، ويغرون بها الناس، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:١١٢] .
وكان حظ دعوة نبينا محمد ﷺ على مدى عصورها المتعاقبة من كيد هذه الدعوات الفكرية المسعورة أكبر من غيرها.
وقد اشتدت في هذا القرن حيث تنوعت وتطورت الوسائل الناقلة لها، وفرضت المبادئ الإلحادية على كثير من الشعوب الإسلامية، ووضعت أسس العلوم الإنسانية والمادية على أيدي غير المسلمين فأقيمت على قواعد إلحادية في معظمها، ونظريات جاهلية، تهدف إلى حرف العقائد والسلوك، وتسير بمن يتعلمها -إلا من رحم الله- ليلتقي من حيث
стр. 529
لا يشعر مع طريق اليهود والنصارى أو الملحدين في فكره ومنهج حياته، وتصوراته في الكون والحياة.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن المروجين للأفكار الهدامة، والشبهات المضللة من أعظم المفسدين في الأرض، وإفسادهم المؤدي إلى الفتنة عن الدين أعظم من إفساد المحاربين الذين يتلفون الأموال أو يزهقون الأرواح، حيث تقرر ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:١٩١] .
لذلك كان إيقاع العقاب المناسب عليهم من أعظم الحصون الاجتماعية، الحافظة للمجتمع من الفكر الخبيث.
وعقاب المفسدين في الأرض بترويج الفساد الفكري واجب إيقاعه والصرامة في تنفيذه، سواء كان حداً يشمله عموم المحاربة لله ولرسوله، وعموم الإفساد في الأرض، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ الآية، أو كان ذلك من باب قياس الأولى، لأن إفسادهم أشد وخطرهم أعظم، فكان إنزال العقاب بهم أوجب، أو كان ذلك من باب التعزير، فقد نص طائفة من أهل العلم على قتل الداعي إلى البدع١.
وليس المقصد تحقيق هذه المسألة من الناحية الفقهية، وإنما الإشارة
стр. 530
إلى أهمية إقامة هذه العقوبة، والجد في قمع المضللين، وأثر ذلك في حماية المجتمع من شرهم، وتحصنه بهذه الشعيرة الإيمانية من الشرور الفكرية.
أما حد الردة القاضي بقتل المرتد عن دينه لقوله ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه "١، فهو حصن من حصون المجتمع المسلم يسد ثغرة يتسلل منها المفسدون لإضلال الناس وحملهم على المجاهرة بالردة، والمجادلة بالباطل، والمعارضة بالشبهات، فيتجرأ على التمرد على الدين من لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، وينقاد إليهم ويتابعهم بعض المغرورين الجاهلين، فيبدأ بنيان المجتمع بالانحلال، وتسري فيه عدوى الضلال.
قال عبد الكريم زيدان: "إن المرتد مع إخلاله بالتزامه يقوم بجريمة أخرى، هي الاستهزاء بدين الدولة، والاستخفاف بعقيدة سكانها المسلمين، وتجريء لغيره من المنافقين ليظهروا نفاقهم، وتشكيك لضعاف العقيدة في عقيدتهم، وهذه كلها جرائم خطيرة يستحق معها المرتد استئصال روحه وتخليص الناس من شره، وإنما قلنا: إن المرتد من يرتكب هذه الأمور، لأنه لا يعرف ارتداده إلا بالتصريح، وإلا لو أخفى ردته لما عرف"٢.
وهذا الأسلوب بعينه قد استخدم في مجابهة هذا الدين في عصر النبوة