← Акыда

Акыда · id 7265

أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (667 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المجلد الأول مقدمة ... أثر الإيمان في تحصين الأمّة الإسلامية ضد الأفكار الهدّامة تأليف د. عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠، ٧١] . أما بعد: فقد يسر الله لي الالتحاق بالدراسات العليا بقسم العقيدة بالجامعة الإسلامية وعينت معيداً في كلية الدعوة عام ١٤٠٧هـ. وكان عليّ أن أكتب بحثاً، للحصول على الدرجة العالمية العالية الماجستير.

стр. 2

وبين ذلك اتجاهات وتصورات كثيرة لا يخلو واحد منها من جهل أو خطأ أو قصور. ولست أدعي خلو الساحة من العلماء والدعاة المتبصرين العاملين القائمين بالحق، الداعين إليه المدافعين عنه، المشفقين على الأمة، الذين يجتهدون في نصح العباد ودعوتهم إلى طريق ولاية الله، بتصحيح المعتقد ونبذ البدع، والاجتماع على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ونبذ الفرقة والاختلاف. إلا أن صوت هؤلاء مع ظهوره ووضوحه، لا يكاد يسمع في خضم الاتجاهات والتصورات والجماعات الكثيرة والمناهج المختلفة. فهذا البحث إن شاء الله يسلط الضوء على أهم أسباب القوة والحصانة الفكرية، ونقطة البدء، ومحور العمل، وأنه تحقيق الإيمان بمفهومه الصحيح، ويعرّف بآثاره المباركة في هذا المجال. فهو دعوة للعمل على استجلاب ولاية الله ليكون سعي المؤمنين بعد ذلك مؤيداً منصوراً مسدداً مباركاً فيه. وهو باعث للأمل بإذن الله للقلوب اليائسة. فالإيمان سبب قوى مؤثر في تخليص وتحصين القلوب والمجتمعات من الشرور الجاهلية الفكرية وغيرها. وتعلمه والعمل به والدعوة إليه أمر ممكن ميسور بإذن الله إذا تظافرت الجهود وخلصت النيات. وإذا عرف المؤمن ميدان علمه ونقطة انطلاقه زاح عن كاهله هم كبير، وخرج من دوامة الحيرة إلى العمل، وانبعث في نفسه الأمل.

стр. 3

ولست أقصد أنه يُكتفى بتعلم الإيمان وأداء العبادات، وترك الأسباب المشروعة للنهوض بالمسلمين -معاذ الله-، وإنما قصدت أن المؤمنين إذا حققوا الإيمان علماً وعملاً ﵃ وتولاهم، ووفقهم إلى الأسباب وسهلها لهم، وبارك فيها وكمّل نقصهم، وسدد سعيهم. فيدخلون ميدان العمل ومجابهة الباطل مؤيَّدين بالله. وإذا تخلف الإيمان الصحيح فإنهم يوكَلون إلى أنفسهم. تحرير المراد بالعنوان: الأثر: المراد اسم جنس. وله أكثر من معنى. منها أنه يطلق على النتيجة. أو الأمر الحاصل من الشيء. والآثار: هي اللوازم المعللة بالشيء١ أو جملة الأمور التي تنتج عن الشيء المسبب لها. وهذا المعنى هو المعتبر في العنوان. فالمراد بأثر الإيمان: أي الأمور التي تنتج عن تحقيق الإيمان، ويكون سبباً في حصولها، والتي لها دور في تحصين الفرد والجماعات ضد الفكر الهدام خصوصاً.

стр. 4

الإيمان: المراد به الإيمان الشرعي الذي جرى بيانه في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكان عليه السلف الصالح ـ وسيأتي بيان طبيعته في التمهيد. الأفكار: جمع فكر. ومؤنثه فكرة ويطلق ويراد به معنيان١. - الأول: الفعل الذي تقوم به النفس عند حركتها في المعقولات. وهذه هي عملية التفكر والنظر. - الثاني: يطلق على المعقولات نفسها. والمراد المعنى الثاني: أي المعقولات والمعاني التي تنتج عن تفكر البشر وتأخذ شكل عقيدة أو مبدأ يؤمن به، فتتكون منه العقائد والتصورات البشرية المصدر، وتكون باعثة ومؤثرة على السلوك. فيدخل في ذلك عقائد ومفاهيم الأديان البشرية المصدر، أو السماوية الأصل لكن دخلها التحريف بفعل الفكر البشري، وتصورات الفلاسفة وأوهام وأساطير الوثنيين التي تأخذ شكل عقائد وقناعات وتصورات معتبرة. ولا يدخل فيه عقائد وشرائع الدين المحفوظ لأنها ليست نتائج فكر بشري بل هي وحي إلهي.

стр. 5

وقد رغبت إلى الله أن يحفظ وقتي وجهدي في المدة المقررة لإعداد هذا البحث في عمل أرجوه عنده، ويعالج جانباً يحتاج إليه المسلمون في هذا الوقت. وبتوفيق الله اخترت موضوعاً هاماً بعنوان: أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الفكر الهدام ليكون موضوع البحث. سبب اختيار الموضوع: لقد بدأ اهتمامي في هذا الموضوع عندما درست أساليب الغزو الفكري ووسائل مقاومتها في السنة الرابعة في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية. وأشار مدرس المادة إلى أهمية العقيدة في مجابهة الغزو الفكري كما أن الذين كتبوا في ذلك أشاروا إليه إشارات مختصرة. فتكونت عندي رغبة في تجلية الدور الهام للعقيدة السليمة في التصدي للفكر الهدام. كما أن من أسباب اختياري له تلك الأهمية البالغة والتي تتبين فيما يلي: ١- شدة الهجوم الفكري على الأمة الإسلامية في القديم والحديث ونجاحه في اختراق صفوفها، وتفريق المسلمين وحرف كثير منهم عن الإسلام.

стр. 6

٢- ازدياد الصيحات التي تحذر من الأساليب الحديثة للغزو الفكري وتبين أنها أعظم تحد يواجه الإسلام اليوم وتدعو للتصدي له.١ ٣- أن أساليب مكافحة الغزو الفكري كثيرة، يأتي على رأسها تحقيق الإيمان الصحيح بتعليمه للناس وتربية الأجيال عليه، وتطبيق تعاليمه

стр. 7

وشرائعه في كل المجالات. لذلك فإن هذا البحث يجلي بعض الآثار المباركة للإيمان في مجال التحصين ضد الفكر الهدام. ٤- أن أهل الإسلام قد ذهبوا مذاهب شتى في تصوراتهم لما ينبغي فعله في مقابلة هذه المخططات الماكرة. فمنهم من رأى أن مقارعة الأعداء لا تكون إلا بسلاحهم، فركّز على النواحي المادية والوسائل العصرية، والسيطرة على السلطة وامتلاك مراكز القوى والنفوذ والإعلام.. ونحوها، مع وجود تقصير في الدعوة والعمل على تحقيق الإيمان الصحيح. بل وحدث أن وُجدت دعوة إلى توحيد الجهود دون اعتبار للاختلافات الجوهرية في العقيدة، ووُجد من يضع ثقته بكل من زعم نصرة الإسلام ولو كان على واقع بعيد جداً عن الإيمان الذي دعا إليه النبي ﷺ وجاء بيانه في نصوص الوحي. وطائفة أخرى ظنت أن معنى أن الحياة جنة الكافر أنه لا نصيب للمؤمن فيها من العزة والتمكين، وامتلاك مصادر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية، فانصرفت إلى العناية بأنفسها، وتكميل إيمانها بالذكر والأعمال الصالحة، وأبعدت من برامجها ودعوتها النظر في السياسة والجهاد والعلم والمجادلة عن دين الله بالحق. ومن المسلمين من أسلمه هول ما يرى عند الكفار من القوة المادية وأسباب التأثير والمكر ووسائل الإغواء، وما يرى من حال المسلمين وما آل إليه من الضعف والانحراف واستحكام الجهل، إلى اليأس والقنوط.

стр. 8

والوصف بالهدامة: يدل على أن المقصود هي تلك الأفكار التي تتسلط على العقائد الإيمانية بالهدم والتشكيك، وعلى التعاليم الإسلامية والأخلاق بالتعطيل والتحريف، كما يخرج بهذا الوصف الأفكار غير الهدامة فهي غير مراده. الصعوبات: لم أواجه ـ بفضل الله ـ صعوبة في جمع المادة العلمية ذلك أن الموضوع يتعلق بجانب من جوانب الإيمان. وكل ما يتعلق بالإيمان فقد ورد بيانه في نصوص الوحي، وأشار إليها العلماء في كتب التفسير والحديث والعقائد والفقه ونحوها. كما أن الموضوعات المكملة للبحث قد اعتنى بها العلماء والمفكرون قديماً وحديثاً. إلا أن البحث لم يخل من صعوبات. كان أهمها الكيفية التي ينبغي أن يُنظَّم عليها، في تقسيمه وتوزيع المسائل على أبوابه وفصوله ومباحثه ومطالبه، واختيار العناوين المناسبة لكل منها. فهذا الموضوع ـ حسب علمي ـ لم يفرد ببحث مستقل من قبل. وإنما هو مُفَرَّق في بطون كتب التفسير والحديث والعقائد ونحوها، كما تُذكر بعض جوانبه في الكتب التي تكلمت عن آثار الإيمان عامة.

стр. 9

ومن الصعوبات صعوبة نفسية وهي إحساسي بعمق وثقل هذا البحث، وخوفي ألا أوفيه حقه، ولعلي بما تيسر أكون قد جئت ولو بأدنى مراتب الكفاية. منهجي في البحث: لقد استقر الأمر ـ بحمد الله ـ على أن يجري الكلام في أبواب البحث على ما يتعلق بالآثار الإيمانية المحصنة للفرد والجماعة ضد الفكر الهدام. أما القضايا التي يتطلبها البحث وليست من صلبه فقد تطرقت إليها في التمهيد. وقسمت البحث على أساس تنوع الآثار الإيمانية من حيث تعلقها بالعبد ومواطن تجلي تلك الآثار. وهي على وجه الإجمال ثلاثة أنواع: الأول: مظاهر ولاية الله للمؤمنين التي تحصنهم من الفكر الهدام. الثاني: الآثار القلبية التي يحدثها الله في قلب العبد المؤمن فيحصنه بها من ضلالات الجاهلية. الثالث: الآثار الاجتماعية. وهي آثار إقامة الشعائر الإيمانية الاجتماعية فيتحصن بها المجتمع ضد الشرور عامة والفكرية خاصة. وأورد قدر الإمكان الأدلة التي تشير إلى كل أثر، والشعائر الإيمانية الجالبة له، مع ذكر الفكر الهدام أو أساليبه التي يتصدى لها كل أثر، مع بيان أن فقد هذا الأثر ـ نتيجة لتعطيل الشعيرة الإيمانية ـ يمثل ثغرة تسري منها الأفكار الهدامة.

стр. 10

وفي مجال التوثيق أذكر بعد الآية اسم السورة التي وردت فيها، ورقم الآية. وقد خرجت الأحاديث من كتب السنة. فإن كان في الصحيحين أو أحدهما فإني أكتفي بالإشارة إلى موضعه ذاكراً اسم الكتاب والباب ورقم الحديث والجزء والصفحة، وإن كان في غيرهما ذكرت بعض كتب السنة التي أخرجته، ثم أتبع ذلك ببعض أقوال أهل العلم التي تبين درجة الحديث. وقد ترجمت للرجال الذين ورد ذكرهم في المتن باختصار، ما عدا المعاصرين. هذا وقد جرى البحث حسب الخطة الآتية: المقدمة: وتكلمت فيها عن سبب اختيار الموضوع، وأهميته، وبينت المراد بالعنوان، وأهم الصعوبات، ولمحات في المنهج، وخطة البحث. التمهيد، وفيه مبحثان: المبحث الأول: طبيعة الإيمان المؤثر. وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الإيمان. المطلب الثاني: الأسس التي يقوم عليه الإيمان. المبحث الثاني: الفكر الجاهلي في مجابهة الإيمان وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الصراع بين الحق والباطل من سنن الله الجارية إلى يوم القيامة.

стр. 11

المطلب الثاني: الصراع بين الحق والباطل في عصور الإسلام المتقدمة. المطلب الثالث: الغزو الفكري للأمة الإسلامية في العصر الحديث. الباب الأول: الإيمان سبب لتحصيل ولاية الله الأثر الخارجي. وفيه فصلان: الفصل الأول: صفات المستحقين للولاية. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: مراتب أهل الإيمان. وفيه أربعة مطالب. المطلب الأول: بيان أصل الإيمان. المطلب الثاني: مرتبة الظالم لنفسه. المطلب الثالث: مرتبة المقتصد. المطلب الرابع: مرتبة السابق بالخيرات. المبحث الثاني: أهل ولاية الله. المبحث الثالث: العناية بأهم سبب لحصول الولاية. الفصل الثاني: أثر ولاية الله في تخليص المؤمنين وتحصينهم من الأفكار الهدامة. وفيه مبحثان: المبحث الأول: مظاهر ولاية الله لعبده المؤمن. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: إخراج المؤمن من الظلمات إلى النور.

стр. 12

المطلب الثاني: تثبيت المؤمن عند الشدائد. المطلب الثالث: الحيلولة بين المؤمن وبين ما قد يقوم بقلبه من الإرادات السيئة. المطلب الرابع: مظاهر الولاية الكاملة للكُمّل من عباد الله. المبحث الثاني: مظاهر ولاية الله للجماعة المؤمنة. الباب الثاني: أثر الإيمان في تحصين القلب ضد الأفكار الهدامة الأثر القلبي. وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: وظائف القلب وأحواله. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الوظائف القائمة بالقلب. وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: وظيفة التعقل. المطلب الثاني: الاعتقادات. المطلب الثالث: النيات والإرادات. المطلب الرابع: العواطف. المطلب الخامس: الانفعالات. المبحث الثاني: العلاقة بين الوظائف القلبية. المبحث الثالث: أحوال القلوب. المبحث الرابع: أثر الإيمان في القلوب دائر بين التطهير والتزكية. الفصل الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلوب. وفيه ثلاثة مباحث:

стр. 13

المبحث الأول: أثر الإيمان في تطهير القلب من العقائد الباطلة والظنون السيئة. المبحث الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلب من الران ودرن المعاصي. المبحث الثالث: أثر الإيمان في تطهير القلب من العواطف الفاسدة. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أثر الإيمان في تخليص القلب من محبة غير الله. المطلب الثاني: أثر الإيمان في تخليص القلب من حب الشهوات المحرمة. المطلب الثالث: أثر الإيمان في تخليص القلب من الحقد والحسد. الفصل الثالث: أثر الإيمان في تزكية القلوب. وفيه مبحثان. المبحث الأول: أثر التزكية في طمأنينة القلب. المبحث الثاني: أثر التزكية في حصول النور والفرقان. الباب الثالث: أثر الإيمان في تحصين المجتمع المسلم ضد الأفكار الهدامة. وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: أثر الرابطة الإيمانية والأخلاق والنظم الإسلامية في صيانة المجتمع المسلم من الانحراف الفكري. وفيه مبحثان: المبحث الأول: أثر المحافظة على الرابطة الإيمانية في الحصانة الفكرية.

стр. 14

وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: التزام الأخلاق الفاضلة. المطلب الثاني: قيام المؤمنين بالحقوق المفروضة لبعضهم على بعض. المطلب الثالث: الالتزام بالنظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي. المطلب الرابع: المحافظة على الوحدة الفكرية. المبحث الثاني: العمل على سلامة مقومات المجتمع المسلم. وفيه مطلبان: المطلب الأول: أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكونه واجباً اجتماعياً. المطلب الثاني: أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحصين المجتمع المسلم من الأفكار الهدامة. الفصل الثاني: دور ولاة الأمر في حماية المجتمع من الأفكار الهدامة. وفيه مبحثان: المبحث الأول: ضوابط الإمامة في المجتمع المسلم. المبحث الثاني: وظائف الإمامة ومقاصد الحكم. الفصل الثالث: أثر وضع الدولة المتمكن في الأرض في تحصين المجتمع ضد الأفكار الهدامة.

стр. 15

وتكلمت فيه عن: أثر الجهاد في عزة الإسلام وتمكين المسلمين في الأرض وتحصين المجتمع الإسلامي ضد الأفكار الخبيثة. الخاتمة: ولخصت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث. الفهارس والمراجع: وتشتمل على ما يلي: فهرس الآيات، وفهرس الأحاديث، وفهرس تراجم الأعلام، وقائمة المصادر والمراجع، وفهرس المحتويات.

стр. 16

تنبيه واعتذار نظراً لطبيعة البحث الذي يتطرق بجانب النواحي العقدية، إلى الآثار التي يحدثها الإيمان على النفس البشرية والمجتمع، كما يتطرق إلى النواحي الفكرية وغيرها من الموضوعات التي تبحث غالباً في مجالات الدعوة، فقد دعت الحاجة إلى الاستفادة من بعض العلماء والدعاة والمفكرين والكتاب القدامى والمعاصرين، الذين خالفوا ببعض آرائهم أو فتاويهم أو مناهجهم أو حتى عقائدهم ما ذهب إليه السلف الصالح؛ بل قد تجاوزت ذلك إلى النقل عن غير المسلمين والمشتغلين بعلم النفس والاجتماع والطب مما يوجد فيه خليط من الحق والباطل. والقاعدة في ذلك: الحكمة ضالة المؤمن وقد حرصت أن لا أنقل عنهم إلا ما كان صواباً ليس فيه شيء من مخالفاتهم أو باطلهم، فيما أرى أنه يؤيد الحق أو يجلي بعض الجوانب التي تطرق إليه البحث. وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا المنهج في النقل بقوله: "وليس كل من ذكرنا شيئاً من قوله من المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقول في هذا وغيره، ولكن الحق يُقْبَل من كل من تكلم به ... "١. وقد بذلت جهدي وطاقتي الضعيفة القاصرة، ولم آل جهداً، وأرجو أن أكون قد وُفقت إلى الصواب. ألا وإن الله متفرد سبحانه بالكمال.

стр. 17

وحَكم على البشر بالعجز والقصور، فلا يسلم أحد من الخطأ إلا من عصمه الرحمن. وحسبي ـ إن شاء الله ـ أني اجتهدت في تحري الحق ولم أتعمد الخطأ. فما كان فيه من صواب فمن الله وله الحمد، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله.

стр. 18

شكر وتقدير هذا وأحمد الله وأشكره على عظيم منته وكريم فضله، حيث وفقني لسلوك طريق العلم، ويسر لي الالتحاق بالجامعة الإسلامية والتزود من علومها، وأعانني على كتابة هذا البحث الذي أرجو أن يكون على الوجه الذي يرضيه، وأن يكون خالصاً صواباً نافعاً. وله الحمد على نعمه التي لا تحصى. ثم أتوجه بالشكر لكل من كان له فضل عليَّ في إتمام هذا البحث، وعلى رأسهم شيخي المشرف على البحث الدكتور: أحمد بن عطية الغامدي، الذي زودني بنصائحه وتوجيهاته القيمة والتي أسهمت في إنجاز هذا البحث وتخطي ما يعرض فيه من إشكال. وكانت أوقات التقائي به فرصة للاستفادة من علمه وتجاربه. فله مني جزيل الشكر والتقدير، وأسأل الله أن يجزل له المثوبة، وأن يرفع منزلته في الدنيا والآخرة. ثم أثني بالشكر للجامعة الإسلامية ـ ممثلة بكلية الدعوة وأصول الدين وقسم العقيدة، وقسم الدراسات العليا سابقاً ـ التي هيأت لي الفرصة للنهل من علومها، وعلى ما يسّرته من المكتبات التي سهلت مهمة البحث، وما وجدته من المسئولين من التفاهم والتعاون. كما أشكر كل من ساعدني في إتمام هذا البحث من الأساتذة والزملاء بإبداء رأي أو نصيحة أو إعارة كتاب وإرشاد إلى مرجع أو غير ذلك، والحمد لله أولاً

стр. 19

وآخراً. والصلاة والسلام على الرسول المصطفى وعلى آله وأصحابه السادة النجباء. عبد الله بن عبد الرحمن المنصور الجربوع المدينة النبوية ١/١١/١٤١٢هـ

стр. 20

ال تمهيد وفيه مبحثان: المبحث الأول: طبيعة الإيمان المؤثر المبحث الثاني: الفكر الجاهلي في مجابهة الإيمان المبحث الأول: طبيعة الإيمان المؤثر من المهم معرفة طبيعة الإيمان الذي نبحث في آثاره في مجال تحصين المؤمنين جماعات وأفرادٍ ضد الفكر الجاهلي الهدام. والمسلم مطالب بمعرفة المفهوم الصحيح للإيمان والالتزام به. وبذلك يبتعد عن المفاهيم المبتدعة المنسوبة للإسلام. كما يتحصل بالالتزام به على الآثار المباركة التي رتبها الله على ذلك، ويكرم بها من جاء به، والتي سيجري الكلام على كثير منها في هذا الكتاب. والإيمان الذي أراده الله من الناس، وكلفهم به، ورد البيان الواضح لجميع معالمه في آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي ﷺ . فالله لا يرضى ولا يقبل من الناس إلا إيمانهم على الكيفية التي بيَّن لهم. وما عدا ذلك من معتقدات أو شعائر أو مناهج اصطلحوا عليها واستحسنوها ثم عكفوا على ممارستها ونسبوها إلى الإيمان وهو منها براء، فإن الله سبحانه لا يرضاها ولا يتولى من جاء بها. ولا تثمر لصاحبها البركات والكرامات التي يكرم بها من سار على صراطه المستقيم، ولا يتحصن بها من كيد الشياطين. كما أن حسن النية، وصدق التوجه لله لا يغني شيئاً إذا لم يتقيد المسلم بالإيمان الصحيح والسنة المستقيمة. وسيجري الكلام في هذا المبحث على مطلبين هامين:

стр. 21

الأول: تعريف الإيمان بالله كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وبينه السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين. الثاني: الأسس التي يقوم عليها الإيمان بالله. وسوف أفرد لكل منهما مطلباً مستقلاً.

стр. 22

المطلب الأول: تعريف الإيمان الشرعي للإيمان مفهوم شرعي دلت عليه نصوص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . هذا المفهوم أجمله السلف رضوان الله عليهم في تعريفهم للإيمان بأنه اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. وفيما يلي عرض لبعض النصوص التي تدل على ذلك: أولاً: الأدلة على أن الإيمان يكون بالقلب. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١] . وقال: ﴿مَنْ كفر بالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ﴾ [النحل:١٠٦] . وقال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] .

стр. 23

وقال النبي ﷺ : " ... ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب "١. وصلاح القلب إنما يكون بعمرانه بالعقائد الحق. فإذا أُشْرب القلب الحقائق الإيمانية وانبعثت منها أعماله القلبية كان قلباً سليماً. وفي حديث جبريل ﵇: "قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ... " ٢. وهذه الأمور الستة يكون الإيمان بها بالعلم والتصديق والقبول الذي يكون في القلب. فدلت هذه النصوص على أن الإيمان يدخل القلب ويطمئن به، وأن إيمان القلب هو الأصل وأنه شرط في صحة الإيمان، ولا عبرة لغيره بدونه، وأن أساس الإيمان هي الاعتقادات التي تقوم بالقلب.

стр. 24

ثانياً: النصوص الدالة على أن الإيمان يكون باللسان. قال ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... "١. وقال ﵊: " يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعرة من إيمان، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من إيمان "٢. ففي هذين الحديثين دلالة واضحة على اشتراط النطق بالشهادتين لصحة الإيمان. وأن الإيمان الذي يدخل في الإسلام والذي يُنجي من الخلود مكوّن من قول اللسان مع عقد القلب. وقوله ﷺ في حديث شعب الإيمان: " الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " ٣.

стр. 25

فيه دليل على أن التلفظ بلا إله إلا الله أفضل شعب الإيمان سواء قالها عقداً أو ذكراً. ثالثاً: النصوص الدالة على أن الإيمان يكون بالأعمال الظاهرة: كل النصوص المتقدمة في المجموعة الثانية داخلة في هذا النوع، وذلك أن النطق باللسان عمل ظاهر. ويضاف إلى ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] . أي صلاتكم، فسمى الصلاة إيماناً. قال البخاري١ ﵀ في الصحيح: وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يعني صلاتكم عند البيت، ثم أورد بسنده إلى البراء٢ أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ٣.

стр. 26

ومن أقوى الأدلة وأصرحها في القرآن على أن الأعمال من الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢-٤] . حيث جعل سبحانه إقام الصلاة والإنفاق من صفات المؤمنين حقاً. أما من الأحاديث، فقد تقدم في حديث شعب الإيمان أن إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان وهو عمل ظاهر. ومن ذلك حديث وفد عبد القيس١، وفيه قال رسول الله ﷺ ".. هل تدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وأن تؤدوا خُمْساً من المغنم ... "٢.

стр. 27

فهذا الحديث من أقوى الأدلة وأصرحها على أن الأعمال من الإيمان وذلك أن النبي ﷺ فسر الإيمان بالنطق بالشهادتين، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأداء خمس المغنم، وهذه أعمال ظاهرة.

стр. 28

رابعاً: النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] . قال ابن كثير١–﵀ في تفسيره لهذه الآية:"وقد استدل البخاري وغيره بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي٢ وأحمد بن حنبل٣ وأبي

стр. 29

عبيد١ ... "٢. وأشباه هذه الآية التي أشار إليها كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤-١٢٥] . وقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الفتح:٤] . ونحوها. أما الأحاديث فمنها قوله ﷺ : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " ٣.

стр. 30

فدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعب الإيمان وخصاله١ وأن بعضه أعلى من بعض. وقال ﷺ : " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان.."٢. فدل هذا الحديث على أن الإيمان يتفاوت قوة وضعفاً في القلوب. كما دل الحديث الذي قبله على أن شعب الإيمان بعضها أقوى وأعلى من بعض. ومما تقدم من النصوص يتضح لنا تعريف الإيمان في الكتاب والسنة وأنه قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن بعض خصاله أعلى من بعض، وأن أهله يتفاوتون فيه قوة وضعفاً. وعلى هذا القول السلف الصالح -رضوان الله عليهم- أهل الذكر الذين لازموا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واستمدوا علومهم منهما.

стр. 31

قال شيخ الإسلام ابن تيمية١ ﵀: "والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ... "٢ وقال ابن حجر٣ ﵀: " ... وروى اللالكائي٤ بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر

стр. 32

من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وأطنب ابن أبي حاتم١ واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين وكل من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين.."٢. وقد عرف الإمام ابن القيم٣ ﵀ الإيمان تعريفاً وافياً فقال: "وهو حقيقة مركّبة من معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علماً، والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقاً، والانقياد له محبة وخضوعاً، والعمل به باطناً وظاهراً، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان. وكماله في الحب في الله والبغض في الله، والعطاء لله والمنع لله، وأن

стр. 33

يكون الله وحده إلهه ومعبوده. والطريق إليه تجريد متابعة رسوله ظاهراً وباطناً، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله وبالله التوفيق" ١.

стр. 34

المطلب الثاني: أهم الأسس التي يقوم عليها الإيمان بالله لا بد من التأكيد على أن الإيمان الذي يجري بيان طبيعته هو الإيمان المؤثر الذي يقرب من الله ويجلب ولايته ويتحصن به المؤمن من كيد شياطين الإنس والجن، وأفكارهم العفنة وأفعالهم القبيحة. وهذا الإيمان يقوم على عدة أسس أهمها: ١- الكفر بالطاغوت. ٢- الإيمان بالغيب. ٣- القيام بمقتضى التكليف بامتثال الأوامر واجتناب النواهي. ٤- الإخلاص لله في العبادة. ٥- صدق المتابعة للرسول ﷺ . ٦- العلم. وسوف أتكلم على كل منها بما أرى أنه يفي بالغرض والله المستعان.

стр. 35

الأساس الأول: الكفر بالطاغوت الطاغوت في اللغة: مشتق من طغا يطغو: إذا عدا وتجاوز قدره١. ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] . وقد قدم الله تعالى الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله في بعض النصوص لكونه شرطاً لصحته. كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦] . وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر:١٧] . وفي ذلك إشارة إلى أن التطهير مقدم على التزكية، وأن تخليص القلب من أدرانه ونجاساته المتمثلة بالمعتقدات الباطلة وما يترتب عليها من محبة الطواغيت أو التعلق بهم واجب لحلول الإيمان بالقلب.

стр. 36

وفي بعض النصوص نجد تقديم الإيمان والأمر بالعبادة على الكفر بالطاغوت، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] . وقول النبي ﷺ : " من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله " وفي رواية: " من وحد الله " ثم ذكر بمثله١. وتقديم الأمر بالتوحيد على الكفر بالطاغوت يتضمن الإشارة إلى أمرين هامين: الأول: أن عبادة الله وحده لا شريك له هي الأساس الأهم للإيمان، وهي حق الله على عباده. والكفر بالطاغوت شرط لها. فدعوة الرسل تنصب على المقصد الأهم وهو العبادة الخالصة ثم بيان شرطها. فتقديم الغاية على شرطها هو الأنسب في مقام التبليغ والبيان. أما في فعل العبد وامتثاله لما كلف به، فلا بد أولاً أن يخلع ثوب الشرك ويكفر بالطاغوت ثم يدخل الإيمان نقياً طاهراً فيتزكى، كما قال تعالى في فعل العبد: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللهِ﴾ . وقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر:١٧] .

стр. 37

الثاني: أن تأخير ﴿وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوت﴾ في الآية، و"كفر بما يعبد من دون الله" في الحديث تفيد وجوب الاستمرار. فكما أن الكفر بالطاغوت مقدم في المجال العملي، إلا أنه يجب أن يستمر إلى أن يلقى العبد ربه. فعلى المؤمن طول حياته أن يستقيم على عبادة الله الخالصة، ويجتنب الطاغوت، وذلك كالصلاة والطهارة لها. فالطهارة تكون قبل الصلاة وتستمر حتى نهايتها. والله أعلم. والكفر بالطاغوت أصل تتضمنه شهادة أن لا إله إلا الله. قال الشيخ سليمان١ بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ مبيناً حقيقة التوحيد: "وحاصله هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله، والإقبال بالقلب والعبادة على الله. وذلك هو معنى الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله وهو معنى: لا إله إلا الله"٢.

стр. 38

المراد بالطاغوت في خطاب الشارع: فُسر الطاغوت بالشيطان، والساحر، والكاهن، والأصنام١. وهذا تفسير له ببعض أفراده، وإلا فالطاغوت يطلق على كل من طغى وتجاوز حده، وادّعى حقاً من حقوق الله التي تفرد بها. قال ابن جرير٢ ﵀: "والصواب من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعُبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنساناً كان ذلك المعبود أو شيطاناً، أو وثناً، أو صنماً كائناً ما كان من شيء" ٣. فالضابط إذاً لمعنى الطاغوت: أنه كل مخلوق تجاوز حده وادّعى لنفسه أو لغيره شيئاً مما تفرد الله به٤، أو نُسب إليه ورضي بذلك، أو كان في حكم الراضي. ويخرج من هذا الأنبياء والملائكة وصالحو الإنس والجن الذين عُبدوا

стр. 39

في حياتهم أو بعد موتهم، أو أسند إليهم دون رضاهم شيء مما اختص الله به. وذلك أنهم لم يدّعوا ذلك ولن يُقروا من ادعاه. وسيتبرؤون منه إن علموا به في حياتهم أو يوم القيامة كما قال تعالى مبيناً ذلك: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠، ٤١] . فهم لا يعبدونهم في حقيقة الأمر، إنما يعبدون الشياطين الذين زينوا لهم ذلك، والذين يتلاعبون بهم بما يظهرون لهم من خوارق العادات ونحوها. ويدخل في مسمى الطاغوت الجمادات التي عُبدت من دون الله، كالقبور والأحجار والأشجار والعتبات والمشاهد، ونحوها. وذلك أنه نُسب إليها وفُعل عندها ما لا يجوز إلا لله وحده، فهي في حكم الطواغيت. وسوف تُلقَى في النار مع من عبدها زيادة في تبكيت المشركين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وقد استثنى الله عبادة الصالحين الذين عُبدوا من دونه من الدخول في جهنم وذلك أنه نُسِب إليهم ذلك زوراً وبهتاناً. فلم يدْعوا لذلك ولن

стр. 40

يرضوا به، وسيتبرّؤون منهم يوم القيامة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١، ١٠٢] . والإيمان بالطاغوت: يكون بتصديقه فيما ادعاه من حق الله. أو تصديق ما نسب إليه من ذلك حتى لو لم يعمل به. وعبادة الطاغوت: تكون بالعمل بموجب ذلك التصديق، بصرف شيء من العبادة له كالصلاة أو الدعاء أو الرجاء ... ونحو ذلك. والكفر بالطاغوت: يكون باعتقاد بطلان عبادة غير الله، وتكذيب ما يدّعون أو ما ينسب إليهم من حق الله. ويدخل في ذلك بغض الطواغيت وأتباعهم ومللهم وكراهتهم والبراءة منهم ومما يعبدون وعداوتهم١ وقد بين الله تعالى أهمية الكفر بالطاغوت وكيفيته وممن يكون في سياق واحد في سورة الممتحنة فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
следующие страницы →