وفي بعض النصوص نجد تقديم الإيمان والأمر بالعبادة على الكفر بالطاغوت، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
وقول النبي ﷺ : " من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله " وفي رواية: " من وحد الله " ثم ذكر بمثله١.
وتقديم الأمر بالتوحيد على الكفر بالطاغوت يتضمن الإشارة إلى أمرين هامين:
الأول: أن عبادة الله وحده لا شريك له هي الأساس الأهم للإيمان، وهي حق الله على عباده. والكفر بالطاغوت شرط لها. فدعوة الرسل تنصب على المقصد الأهم وهو العبادة الخالصة ثم بيان شرطها. فتقديم الغاية على شرطها هو الأنسب في مقام التبليغ والبيان.
أما في فعل العبد وامتثاله لما كلف به، فلا بد أولاً أن يخلع ثوب الشرك ويكفر بالطاغوت ثم يدخل الإيمان نقياً طاهراً فيتزكى، كما قال تعالى في فعل العبد: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللهِ﴾ .
وقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر:١٧] .
стр. 37
الثاني: أن تأخير ﴿وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوت﴾ في الآية، و"كفر بما يعبد من دون الله" في الحديث تفيد وجوب الاستمرار. فكما أن الكفر بالطاغوت مقدم في المجال العملي، إلا أنه يجب أن يستمر إلى أن يلقى العبد ربه. فعلى المؤمن طول حياته أن يستقيم على عبادة الله الخالصة، ويجتنب الطاغوت، وذلك كالصلاة والطهارة لها. فالطهارة تكون قبل الصلاة وتستمر حتى نهايتها. والله أعلم.
والكفر بالطاغوت أصل تتضمنه شهادة أن لا إله إلا الله.
قال الشيخ سليمان١ بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ مبيناً حقيقة التوحيد: "وحاصله هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله، والإقبال بالقلب والعبادة على الله. وذلك هو معنى الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله وهو معنى: لا إله إلا الله"٢.
стр. 38
المراد بالطاغوت في خطاب الشارع:
فُسر الطاغوت بالشيطان، والساحر، والكاهن، والأصنام١.
وهذا تفسير له ببعض أفراده، وإلا فالطاغوت يطلق على كل من طغى وتجاوز حده، وادّعى حقاً من حقوق الله التي تفرد بها.
قال ابن جرير٢ ﵀: "والصواب من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعُبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنساناً كان ذلك المعبود أو شيطاناً، أو وثناً، أو صنماً كائناً ما كان من شيء" ٣.
فالضابط إذاً لمعنى الطاغوت:
أنه كل مخلوق تجاوز حده وادّعى لنفسه أو لغيره شيئاً مما تفرد الله به٤، أو نُسب إليه ورضي بذلك، أو كان في حكم الراضي.
ويخرج من هذا الأنبياء والملائكة وصالحو الإنس والجن الذين عُبدوا
стр. 39
في حياتهم أو بعد موتهم، أو أسند إليهم دون رضاهم شيء مما اختص الله به. وذلك أنهم لم يدّعوا ذلك ولن يُقروا من ادعاه. وسيتبرؤون منه إن علموا به في حياتهم أو يوم القيامة كما قال تعالى مبيناً ذلك:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠، ٤١] .
فهم لا يعبدونهم في حقيقة الأمر، إنما يعبدون الشياطين الذين زينوا لهم ذلك، والذين يتلاعبون بهم بما يظهرون لهم من خوارق العادات ونحوها.
ويدخل في مسمى الطاغوت الجمادات التي عُبدت من دون الله، كالقبور والأحجار والأشجار والعتبات والمشاهد، ونحوها.
وذلك أنه نُسب إليها وفُعل عندها ما لا يجوز إلا لله وحده، فهي في حكم الطواغيت. وسوف تُلقَى في النار مع من عبدها زيادة في تبكيت المشركين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] .
وقد استثنى الله عبادة الصالحين الذين عُبدوا من دونه من الدخول في جهنم وذلك أنه نُسِب إليهم ذلك زوراً وبهتاناً. فلم يدْعوا لذلك ولن
стр. 40
يرضوا به، وسيتبرّؤون منهم يوم القيامة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١، ١٠٢] .
والإيمان بالطاغوت: يكون بتصديقه فيما ادعاه من حق الله. أو تصديق ما نسب إليه من ذلك حتى لو لم يعمل به.
وعبادة الطاغوت: تكون بالعمل بموجب ذلك التصديق، بصرف شيء من العبادة له كالصلاة أو الدعاء أو الرجاء ... ونحو ذلك.
والكفر بالطاغوت: يكون باعتقاد بطلان عبادة غير الله، وتكذيب ما يدّعون أو ما ينسب إليهم من حق الله.
ويدخل في ذلك بغض الطواغيت وأتباعهم ومللهم وكراهتهم والبراءة منهم ومما يعبدون وعداوتهم١ وقد بين الله تعالى أهمية الكفر بالطاغوت وكيفيته وممن يكون في سياق واحد في سورة الممتحنة فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
стр. 41
كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة:٤-٦] .
فقوله تعالى في أول السياق: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..﴾ وفي آخر السياق: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..﴾ بيان لأهمية هذا الأمر وتأكيد له وأنه من الأسس التي تقوم عليها الحنيفية ملة إبراهيم ﵇، وأن الكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك وأهله لازم لمن أراد أن يلقى الله وهو راض عنه فيفوز في اليوم الآخر.
وفي قوله: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بيان أن البراءة تكون من الشرك وأهله، من الطواغيت وأتباعهم وأعمالهم وكل خصائصهم وأحوالهم المنحرفة.
وفي قوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا﴾ بيان لكيفية الكفر بالطاغوت، وأنها تكون بجحد وتكذيب ما هم عليه من
стр. 42
الشرك والعقائد الباطلة، وإظهار العدواة والبغضاء لهم.
وفي قوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ بيان لغاية الكفر بالطاغوت وأنها مستمرة ما دام الكافر على كفره، لا حد لها إلا رجوعه عن باطله.
فالكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك وأهله أساس هام للإيمان بالله، وخطوة مقدمة لتطهير القلب، وتهيئته لاستقبال الإيمان وعقائده المباركة.
الأساس الثاني: الإيمان بالغيب
الإيمان بالغيب هو حقيقة الإيمان بالله وتصديق المرسلين.
وقد ذكره الله في مطلع سورة البقرة أول وأهم صفة يتميز بها المتقون. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:١-٣] .
والغيب: هو كل ما غاب عنك من شيء.
والإيمان به هو: التصديق والإقرار١.
قال ابن جرير ﵀ في بيان المراد بالإيمان بالغيب: "الإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل" ٢.
стр. 43
والإيمان بالغيب هو: التصديق والإقرار بكل ما أخبر به الله من الأمور المغيبة.
ويشمل ما أخبر به عن نفسه تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، وأخبار الأمم السابقة، وما سيكون في مستقبل الزمان، واليوم الآخر، والقدر.
قال الربيع بن أنس١ ﵀ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ : "آمنوا بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت" ٢.
وقد جمع الرسول ﷺ أصول الأمور الغيبية بتعريفه للإيمان في حديث جبريل ﵇ حيث قال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره " ٣.
وسأتكلم -باختصار- على تعريف هذه الأركان الستة بما يحصل به المقصود من تجلية الأسس التي يقوم عليها الإيمان، وأهم معالمها دون قصد الشرح والتفصيل، فذلك له مواضعه من كتب أهل العلم.
стр. 44
الأول: الإيمان بالله.
وهو التصديق والإقرار الجازم بكل ما أخبر الله به عن نفسه وما يجب له من الأسماء والصفات والأفعال، وسننه وحكمته في خلقه وحقه على عباده.
وهو توحيده سبحانه، الذي يكون باعتقاد تفرده بما أخبر بأنه متفرد به من الأمور.
وهي تنحصر إجمالاً في ثلاثة أمور:
١- تفرده بالذات المقدسة، وصفات الكمال، والأسماء الحسنى الواردة في نصوص الكتاب والسنة.
وإثباتها على الحقيقة، وِفْقَ منهج السلف الصالح، بعيداً عن المناهج المبتدعة القائمة على التعطيل أو التأويل أو التشبيه.
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] .
وقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] .
وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
وقال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] .
ومعرفة ذلك وإثباته هو: توحيد الأسماء والصفات.
فإذا اعتقد العبد تفرد الله بهذه الأمور، وانقاد لموجبها، فقد حقق التوحيد، وكان إيمانه بالله صحيحاً.
الثاني: الإيمان بالملائكة.
"وهو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى خلَق عالماً أسماه الملائكة. وهم أرواح قائمة في أجسام نورانية، قادرة على التمثل بأنواع مختلفة الشكل، بإذنه تعالى مناسبة للحال التي يأتون بها" ١.
"كما يجب التصديق بصفاتهم وأفعالهم الواردة في نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية، الدالة دلالة قطعية على وجودهم، وأنهم يتصفون بصفات حميدة وأفعال رشيدة" ٢.
الثالث: الإيمان بكتب الله:
"وهو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى أنزل على رسله كتباً مشتملة على هدى العباد، مبينة لهم ما يصلح دينهم ودنياهم، موضحة ما عليهم من واجبات، وما لهم من حقوق، بها الأنظمة الشرعية والتوجيهات الخُلُقية"٣.
стр. 47
هكذا يكون الإيمان إجمالاً بالكتب المنزلة على رسل الله السابقين:
كالتوراة التي أنزلت على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، وصحف إبراهيم، وكل ما وردت الإشارة إليه في نصوص الوحي.
أما القرآن فيزيد على ذلك باعتقاد حفظ الله له، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والإيمان بعقائده، والتصديق بأخباره، وامتثال أوامره، والانتهاء عن نواهيه، وتنفيذ وصاياه.
واعتقاد أنه كلام الله حقاً سمعه منه جبريل ﵇، وسمعه محمد ﷺ من جبريل. وسمعه الصحابة -رضوان الله عليهم- من النبي، وتناقلته الأمة بالنقل الصحيح المتواتر جيلاً بعد جيل وإلى أن يرفعه الله إليه.
الرابع: الإيمان بالرسل:
وهو الاعتقاد الجازم بأن الله بعث في كل أمة رسولاً منهم يدلهم على الخير ويحذرهم من الشر رحمة بهم١.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤] .
стр. 48
ويتضمن الإيمان بالرسل أربعة أمور١:
١- الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع.
٢- الإيمان بمن علمنا اسمه منهم، مثل محمد وإبراهيم وموسى ونوح ﵈ وغيرهم مما ذكر اسمه في الكتاب أو السنة على وجه التعيين.
أما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالاً حيث نعتقد أن الله بعث في كل أمة نذيراً.
٣- تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
٤- العمل بشريعة من أُرسل إلينا منهم وهو خاتمهم محمد ﷺ .
الخامس: الإيمان باليوم الآخر.
قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤] .
والإيمان باليوم الآخر: هو الاعتقاد بالبعث بعد الموت وأن هناك يوماً يحاسب فيه الناس على أعمالهم، والتصديق بكل ما أخبر الله به مما
стр. 49
يكون في ذلك اليوم.
ويشمل الإيمان باليوم الآخر أموراً أهمها:
الإيمان بالبعث بعد الموت، وبعد النفخ في الصور، والحساب والجزاء والموازين، ولقاء رب العالمين، والحوض والصراط، وما ورد الخبر به مما يجري على العباد، والجنة والنار وما ورد في صفاتهما وصفات أهلهما.
ويلحق بالإيمان باليوم الآخر التصديق بما يكون بعد الموت، من فتنة القبر والسؤال فيه وعذاب القبر ونعيمه١.
السادس: الإيمان بالقدر:
وهو الاعتقاد الجازم بأن الله سبق في علمه مقادير الخلائق -ويشمل ذلك ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية، ومن هو من أهل الجنة، ومَنْ مِن أهل النار- وقد كتب الله ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
كما كتب لهم وعليهم ما تقتضيه حكمته، من المقادير والأحوال التي يستحقونها على أعمالهم التي علم أنهم سيعملونها، وأراد إرادة كونية أن يقع ما عَلِمَه وكَتبه لأجلهِ الذي قدر له. وهو الذي يخلقه إذا حان الأجل، فهو الخالق لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد، من الكفر والإيمان
стр. 50
والطاعة والعصيان وغيرها١.
فإذا آمن العبد بهذه الأمور الغيبية الستة أصبح من المؤمنين بالله الذين تصح منهم العبادة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] .
الأساس الثالث: القيام بمقتضى التكليف بامتثال الأوامر واجتناب النواهي
والمراد أن العبد إذا كفر بالطاغوت، وتبرأ من الشرك وأهله، وآمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر، فعليه بعد ذلك أن يستجيب لله بفعل ما كلفه به من الطاعات، وترك ما نهاه عنه من المحرمات.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] . ففي هذه الآية بيان للحكمة الشرعية التي خلق الله من أجلها الناس، وهي أن يكلفهم بعبادته، بالامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه.
стр. 51
قال الشوكاني١ ﵀:
"وروي عن مجاهد٢ أنه قال: المعنى إلا لآمرهم وأنهاهم ويدل عليه قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [التوبة:٣١] واختار هذا الزجاج ٣" ٤
وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠] .
وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] .
стр. 52
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] .
فقوله: تعبدوا وليعبدوا واعبدوا في النصوص المتقدمة تأكيد لوجوب الامتثال لأمر الله بفعل الطاعات، واجتناب ما نهى عنه بترك المحرمات. وأن ذلك أساس هام يقوم عليه الإيمان الصحيح والعبودية الحق التي لا يتحصل العبد على الإيمان الجالب لولاية الرحمن بدونه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨] .
السلم: هو الإسلام. والمراد بكافة: أي جميع شرائع الإسلام.
ففي الآية يدعو الله المؤمنين إلى الأخذ بجميع شرائع الإسلام، وإقامة جميع أحكامه، وحدوده، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه١.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] .
وقد حذر الله تعالى ورسوله ﷺ من التفريط في الطاعة وعدم
стр. 53
الالتزام بالتكليف في نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] .
وقال ﷺ : " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى "١.
وليس الغرض الكلام على تفاصيل التكاليف، وإنما بيان أن القيام بمقتضى التكليف أساس مهم في الإيمان الصحيح الراسخ الذي يتحصن به العبد ضد الفكر الخبيث، ويتحصل به على الثمرات المباركة التي يكرم الله بها أولياءه.
والقيام بمقتضى التكليف مشروط بشرطين هامين هما الإخلاص والمتابعة. وسوف يجري الكلام عليهما في الأساس الرابع، والخامس.
الأساس الرابع: الإخلاص لله في العبادة
والمراد أن العبد إذا ستبرأ من الشرك وأهله وآمن بالله وما أخبر به من الأمور الغيبية وانقاد لموجب الأمر، واجتنب ما يُنهى عنه، فإنه لا يتحقق الإيمان إلا بالإخلاص لله في عبادته. فالإخلاص في العبادة هو حق الله الذي أمر به عباده.
стр. 54
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] .
وقال ﷺ في حديث معاذ١ ﵁: " فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً "٢.
والإخلاص هو أن يقصد العبد بكل عباداته وجه الله تعالى. فلا يشرك معه في العبادة المعينة أحداً، ولا يصرف جنس العبادة لغيره.
قال تعالى مبيناً نية عباده الذين رضي عنهم وأشاد بصنيعهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٩] .
والإخلاص في العبادة أساس الحنيفية ملة إبراهيم وهو الأمر الذي تميز به الحنفاء أتباع الأنبياء عن غيرهم من الأدعياء الذين ينتسبون إلى الأديان السماوية وهي منهم براء. فالفارق الأساس هو التوحيد الخالص
стр. 55
عند أتباع النبي ﷺ والذي لا يوجد عند أهل الكتاب الذين حادوا عن منهج الأنبياء. بين ذلك ربنا بقوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة:١٣٩] .
فانظر إلى قوله في ختام الآية ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ولم يقل وأنتم له مخلصونّ مما يدل على أن هذا الأمر تفرد به المسلمون.
والإخلاص هو حقيقة معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب –﵏:"النوع الثالث: توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله لله تعالى، من المحبة والخوف، والرجاء والتوكل، والرغبة والرهبة، والدعاء لله وحده. ويبنى على ذلك إخلاص العبادات كلها ظاهرها وباطنها لله وحده لا شريك له، لا يُجعل فيها شيء لغيره، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلاً عن غيرهما ...
وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلا الله. فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية والإجلال والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلق الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة، وأشقياء أهل النار" ١.
стр. 56
وضابط الإخلاص:
أن كل ما ثبت أنه عبادة فهو من الدين. وما كان من الدين فيجب أن يكون خالصاً يقصد به وجه الله وحده: فلا يشرك معه فيه أحد، ولا يصرف جنسه إلى غير الله.
وذلك أن الله تعالى قال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] .
قال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:٦٥] .
فالدعاء -مثلاً- من الدين، فيجب أن يكون خالصاً.
فلا يجوز أن يدعى الله ويدعى غيره في آن واحد.
ولا يجوز أن يصرف جنس الدعاء لغير الله -كأن يدعو الله وحده مرة، وفي مرة أخرى يدعو غير الله.
وهكذا كل العبادات: كالصلاة، والتوبة، والطواف، والاستعانة، والسؤال، والخوف، والرجاء، ونحوها.
فالإخلاص شرط في صحة العبادة. وأساس هام من أسس الإيمان. بدونه لا يدخل العبد في ولاية الله، ولا يقبل منه عمل، ولا يتحصل على ثمرات الإيمان وكراماته التي وعد الله بها عباده المؤمنين.
الأساس الخامس: صدق المتابعة للنبي ﷺ
والمراد أن العبد إذا كفر بالطاغوت وآمن بالغيب، وقام بفعل ما أمر به وانتهى عما نهى عنه، وتوجه لله وحده، فعليه مع ذلك أن يقتدي بالنبي
стр. 57
صلى الله عليه وسلم في أداء العبادات، وأن يتلقى منه وحده بيان العبادات وكيفياتها وكل ما يحتاج إليه في القيام بما كُلف به.
وصدق المتابعة للرسول ﷺ هو حقيقة معنى شهادة أن محمداً رسول الله.
قال ابن رجب١–﵀: "وتحقيقه بأن محمداً رسول الله، ألا يعبد الله بغير ما شرعه الله على لسان محمد ﷺ "٢.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] .
قال ابن كثير ﵀:"هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله، وأفعاله، وأحواله" ٣.
وفي قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ دليل على أهمية الاقتداء
стр. 58
برسول الله ﷺ ، وأنه أساس من أسس العبودية التي ينبغي أن يكون عليها من كان يرجو الله، والحصول على ولايته والفوز يوم القيامة.
وهذا الأصل العظيم دلت عليه نصوص كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .
وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] .
وقد جمع الله بين هذا الأصل -صدق المتابعة- والذي قبله -الإخلاص- في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] .
"وهذان ركنا العمل المتقبل لا بد أن يكون صواباً خالصاً. فالصواب: أن يكون على السنة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا﴾ .
والخالص: أن يخلص من الشرك الجلي والخفي، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ "١.
واتباعه ﷺ يكون بتعلم ما جاء به من الوحي والعمل والاقتداء به.
стр. 59
قال ﷺ آمراً بالاقتداء به وبالخلفاء الراشدين السائرين على نهجه المقتفين لأثره، ومحذراً من البدع والمحدثات: " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة "١.
وكما نهى عند البدعة والمحدثات نهى عن الغلو فقال: " هلك المتنطعون " قالها ثلاثاً٢.
وقال أيضاً: " فمن رغب عن سنتي فليس مني "٣.
وبهذا يتبين أن التأسي بالنبي ﷺ وصدق المتابعة له شرط في صحة العبادة، وأساس عظيم يقوم عليه الإيمان بالله، وأن ذلك لا يتحقق إلا بالابتعاد عن الغلو والبدع والمعاصي.
стр. 60
الأساس السادس: العلم
والمراد أن الإيمان الصحيح الراسخ المؤثر على صاحبه تطهيراً وتزكية وتحصيناً، هو الذي يقوم على العلم المستقى مما جاء به النبي ﷺ من الوحي.
وهو أمر لازم لتحقيق جميع الأسس المتقدمة، فلا يتسنى له -مثلاً- تحقيق الكفر بالطاغوت إلا بالعلم بصفات الطواغيت وخصائصهم وأحوالهم، لذلك جرى بيانها في الكتاب والسنة، أشار إلى ذلك ربنا بقوله:
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] .
وهكذا سائر الأسس وغيرها من المطالب الإيمانية، لا يمكن القيام بها إلا بالعلم بما ورد من تفاصيلها في كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ .
فالعلم أساس هام في الإيمان بالله، وركن بارز في دعوة النبي ﷺ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] .
هذه الآية وردت في أواخر سورة يوسف ﵇، فهي تعقيب وربط بين ما قرر فيها من منهج وطريق المرسلين السابقين، وما ينبغي أن تكون عليه الدعوة الجديدة التي يقوم بها المصطفى ﷺ :
стр. 61
فهذه الآية تبين أن النبي ﷺ وأتباعه على طريق يوسف ﵇ الذي كان على ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈.
تلك الملة القائمة على الكفر بالطاغوت، والالتزام الدقيق بالتوحيد الخالص والتي بينها يوسف ﵇ بقوله: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف:٣٧، ٣٨] .
فهذه الملة هي طريق النبي ﷺ وأمته أيضاً وأساس دعوتهم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] .
فدلت آية سورة يوسف على أن طريق النبي ﷺ يقوم على ثلاثة أمور:
الأول: التوحيد الخالص: القائم على فعل الطاعات واجتناب المحرمات، مع الإخلاص لله في ذلك.
الثاني: الدعوة إلى توحيد الله.
стр. 62
الثالث: العلم والبصيرة في ذلك كله.
قال ابن جرير ﵀: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له، دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته، سبيلي وطريقتي ودعوتي أدعو إلى الله وحده لا شريك له على بصيرة بذلك، ويقين علم مني به أنا ويدعو إليه على بصيرة أيضاً من اتبعني وصدقني، وآمن بي. وسبحان الله يقول تعالى ذكره:
وقل تنزيهاً لله وتعظيماً له، من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه. وما أنا من المشركين يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم ولا هم مني" ١.
وقد بين سبحانه أن التعليم من أخص وظائف النبي ﷺ وأنه أخرج به المسلمين من الضلال المبين، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] .
стр. 63
فالعلم مقدم على كل قول أو عمل كُلف به الإنسان، أو رام القيام به، وشرط في صحته. قال الإمام البخاري ﵀ في الجامع الصحيح:
"باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ فبدأ بالعلم"١.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب٢ ﵀: "اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل:
الأولى: العلم، وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
الثانية: العمل به.
الثالثة: الدعوة إليه.
الرابعة: الصبر على الأذى فيه.
الدليل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 64
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١-٣] ١.
وبهذا يتبين أن العلم والبصيرة في الدين أساس هام لا يتحصل العبد على الإيمان المثمر المحصن بدونه.
وفيما يأتي مزيد بيان لأهمية العلم وآثاره المباركة وبيان لبعض مباحث الإيمان كلما اقتضت الحاجة ذلك. والله المستعان.
стр. 65
المبحث الثاني: الفكر الجاهلي في مجابهة الإيمان
والمراد بهذا المبحث بيان أن أعداء الإسلام قد شنوا حرباً فكريةً عنيفة ومستمرة استهدفت القضاء على الإيمان، وذلك ضمن كيد ومكر متكامل، استخدموا فيه جميع الوسائل الممكنة في حرب الإسلام.
ومن ذلك توجيههم الكثير من الأفكار الخبيثة نحو العلم المبين للإيمان، بهدف تحريفه وتشويهه ومعارضته بالشبهات، وتوجيهه الوجهات الضالة، ووضع التصورات والتعاريف المنحرفة لجميع مسائله وقضاياه.
وبذلك يعطون من ظفروا به من الناشئة ومعتنقي الإسلام مفاهيم خاطئة ضالة للإيمان من البداية.
ووجهت أفكار ومخططات أخرى نحو قلوب معتنقي الإيمان الصحيح في محاولة لزعزعتها، وتزيين الباطل لها ولبسه بالحق، وإيقاد نار الشهوات وإطفاء نور الإيمان المتأجج فيها.
وبذلك كانت الأفكار الهدامة بمثابة الجراثيم والديدان، التي تنخر في الأبدان فتمرضها، فالأفكار الضالة تنخر في القلوب والعقول، وتتسلط على العقائد الحق، والعواطف الطيبة، والإرادات، فتمرضها وتوجهها نحو الباطل والشر.
وسوف يجري الكلام في هذا المبحث من خلال المطالب الآتية:
стр. 66
المطلب الأول: بيان أن الصراع بين الحق والباطل من سنن الله الجارية إلى يوم القيامة.
المطلب الثاني: الصراع الفكري بين الحق والباطل في عصور الإسلام المتقدمة.
المطلب الثالث: الغزو الفكري للأمة الإسلامية في العصر الحديث.
стр. 67
المطلب الأول: بيان أن الصراع بين الحق والباطل من سنن الله الجارية منذ خلق الله الإنسان وإلى يوم القيامة
لقد كرم الله الإنسان فخلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها، وأعطاه العقل الذي يعرف به الخطاب، ويطلب به الأسباب، ويستفيد مما سخره الله له على وجه الأرض.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠] .
وهبط آدم أبو البشر ﵇ إلى الأرض عارفاً بربه، عالماً بما يجب له، مؤمناً نقياً مغفوراً له، واصطفاه الله بالنبوة والوحي.
قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧] .
وعاش البشر الذين تناسلوا من آدم وحواء مدة من الزمن على دين أبيهم، وكانوا أمة واحدة على التوحيد ودين الحق كما قال تعالى:
стр. 68
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣] .
قال ابن جرير ﵀: "فإن دليل القرآن واضح على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة، إنما كانوا على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به" ١.
ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس٢ ﵄ أنه قال: "كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين"٣.
والعجيب في واقع البشر أن الهدى الرباني - الذي شاء الله بإرادته
стр. 69
الشرعية١ أن يكون مزيلاً للخلاف بينهم- تؤول حالهم معه إلى التفرق
стр. 70
والاختلاف.
وقد بين الله ذلك من حالهم بقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤] .
وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً﴾ [البقرة:٢١٣] .
وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُم﴾ [آل عمران:١٩] .
فالله سبحانه أنزل الوحي والهدى، رحمة بالناس، ليحققوا به ما
стр. 71
أراده منهم من الحكمة الشرعية لخلقهم وهي عبادته وحده لا شريك له والتي بينها بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
ولكن الكثير من الناس يأبى إلا التنازع، والبغي والعدوان، والغرور الذي ينتج عنه الخلاف المذموم الذي يقع بعد البينة والعلم.
فواقع الناس صائر إلى ما أراده الله بحكمته الكونية من اختلافهم وتفرقهم إلى أهل باطل وخلاف مذموم، وأهل حق ﵏ فتمسكوا بدينه ولازموه١، بيّن ذلك ربنا بقوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨، ١١٩] .
فهذه هي الحال التي علم الله أنها ستكون من الناس، فأرادها وقدرها عليهم، وأذن بحصولها لتتحقق بها حكمته من وقوع الابتلاء والامتحان وتميز الفريقين، ووجود محبوبات له لا تحصل بدون ذلك، من وجود أناس يؤمنون بالغيب، ويعبدون الله عن حرية واختيار لا عن قهر واضطرار، يعرفون الله بالعقل والأخبار دون الحس والمشاهدة بالأبصار.
ويجاهدون النفس والهوى وغيرها، من قوى الباطل، من شياطين
стр. 72
الإنس والجن، تصديقاً بالغيب، وثقة بكلام الله ووعده، بل ويقدمون أنفسهم في الدفاع عن دين الله، وذلك أسمى مراتب العبودية وأعظم محبوبات الله١.
وسبب اختلاف الناس بعد أن يأتيهم العلم والبينة، هو البغي كما بيّن الله ذلك بقوله: ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣] .
والبغي هو: "طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى، فتارة يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية"٢.
"والبغي المذموم هو تجاوز الحق إلى الباطل أو تجاوزه إلى الشبه"٣.
فالاختلاف على هذا يكون سببه الظلم، والاعتداء، والطغيان في طلب العلم، حيث يؤدي إلى تجاوز العلم الذي أنزله الله، وتطلب الحق في غيره مما يقود إلى الاختلاف المذموم.
ومن الدوافع التي تدفع بعض طلاب العلم إلى هذا التجاوز هو تنافسهم في الدنيا وحب الرئاسة وحسد بعضهم لبعض، حيث عمد بعضهم إلى تلك العلوم الغريبة عن الوحي الإلهي ليتفوقوا بها على أقرانهم،
стр. 73
ويأتوا بجديد يتميزون به.
ومن ذلك الاغترار بالعقل الذي كان وما يزال من أقوى الدوافع في تجاوز الوحي الإلهي إلى غيره من العلوم، التي ضررها أكثر من نفعها.
فقد اغتر كثير من الناس بعقولهم، وأعطوها أكبر من قدرها، وظنوا أنهم قادرون على إدراك علم وحقيقة سائر الموجودات، المشاهدات منها والمغيبات، فحملهم ذلك مع شهوة حب الاستطلاع، وطلب المزيد إلى عدم الاكتفاء بالوحي، غير شاعرين أن الله -سبحانه- إنما علّمهم ما يكفيهم للقيام بما خُلقوا من أجله، من تحقيق العبودية والاستخلاف في الأرض، وحجب عنهم الكثير من العلوم، إما لعدم حاجتهم لها، أو لضررها عليهم، أو لعدم قدرتهم على إدراكها.
ولقد انتهى بهم هذا الغرور، إلى الإعجاب بطريقة الفلاسفة، الذين اعتمدوا على عقولهم من البداية، وجردوا أنفسهم -بزعمهم- لمعرفة الكون وخالقه، والحياة والغيب، زاعمين أن العقل وحده قادر على معرفة ذلك، وشغلوا الناس قديماً وحديثاً، بوضع أسس ومقومات ومقدمات تحكم النظر العقلي وتحدد مساراته، وبنظريات وافتراضات لم يستفد منها البشر عبر تاريخهم الطويل، مصالح تذكر. بل إن الشر الذي نتج عن تلك المذاهب الفلسفية يفوق بأضعاف كثيرة، ما زعمه أهلها من مصالحها، وما أقربهم إلى الذين وصفهم الله وحذر أهل الكتاب منهم بقوله: ﴿قُلْ يَا
стр. 74
أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] .
وكم يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣-١٠٤] .
فقد خاض بعض العلماء في تلك العلوم التي خاض فيها الفلاسفة، وراق لهم زخرف القول، واستهوتهم تلك المصطلحات والمناهج، وظنوا أنهم قادرون على الجمع بين الوحي الإلهي وبين تلك العلوم الفلسفية، وسولت لهم أنفسهم أن الوحي لا يعارض تلك العلوم العقلية، بل يجب أن يؤيدها لأن كلا من العقل والوحي من عند الله، فلا يتصور تعارضهما، وهم بذلك لم يفرقوا بين العلم الذي جاء به الوحي من عند الله، والذي يستمد كماله وصلاحه من كمال الله وشمول علمه، وبين العلم البشري الذي يتميز بالضعف والقصور والحيرة نتيجة لضعف العقل البشري الذاتي وتأثير الشهوات والغرائز والعواطف والموروثات البيئية والفكرية عليه.
ونتج عن هذا الاقتحام لتلك المتاهات الفكرية، أن ضل أصحابها عن الوحي الإلهي، وحرفوا الأديان، ونقصوا منها، وزادوا فيها من التصورات والعقائد والأهواء الجاهلية.
стр. 75
وتنوعت المعتقدات والتصورات المنحرفة، نتيجة لاختلاف العقول والأهواء، واختلف الناس باختلافها، فيرسل الله الرسل ينذرونهم من عاقبة هذا الاختلاف والانحراف، ويبشرونهم بثواب الرجوع إلى دين الله والبقاء عليه، وعدم مجاوزته.
وقد بين الله أنه يهدي المؤمنين إلى الحق الذي اختلف الناس في تعيينه بقوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣] .
فخص المهتدين بوصف المؤمنين.
وهؤلاء المؤمنون الذين تكفل الله لهم بالهداية عند اختلاف الناس، هم الذين تمسكوا بما جاءت به الرسل ولم يحيدوا ولم يبدلوا، قال الربيع١ ابن أنس ﵀: "إن الله هدى المؤمنين الذين أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، لذلك كانوا شهداء على الناس يوم القيامة" ٢.