من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، أو إجماع المسلمين، فعليه اتباعه ولا طاعة لأحد خلاف ذلك١. فإن من أهداف المشورة اتضاح الحكم إذا كان خافياً على الإمام.
قال الإمام الشافعي ﵀: "إنما يؤمر الحاكم بالمشورة، لكون المشير ينبهه على ما يغفل عنه، ويدله على ما لا يستحضره من الدليل"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى كل منهم أن يتحرى فيما يقوله وما يفعله، طاعة الله ورسوله واتباع كتاب الله. ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة، كان هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت، أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك، فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال"٣.
أما استشارتهم في أمور الدنيا، فتكون في شؤون الدولة المهمة مثل: تسيير الجيوش، وإعلان الحرب، وعقد المعاهدات، وإسناد المناصب المهمة في الدولة إلى مستحقيها٤.
стр. 597
وكذلك السياسات الداخلية والخارجية، كسياسة التربية والتعليم، والسياسة المالية والصناعية، والتجارية، والطبية، وكذا خطط الدولة التنموية، وعلاقاتها الخارجية.
فكل ناحية منها لها جانبان: جانب يتعلق بالمهنة، وجانب يتعلق بالتعامل، وكل منهما له ضوابط شرعية يجب مراعاتها، ويلزم عرضها على أهل الشريعة بعد أهل الصنعة للتأكد من سلامة الخطة والسياسة من مخالفات شرعية أو ثغرات تؤدي إلى مفاسد خلقية أو اجتماعية أو نحوها.
فنظر العلماء لا يقل أهمية عن نظر المختصين والخبراء. وليس هناك مجال من مجالات الحياة ليس للعلماء نظر فيه. ودور العلماء لا يقتصر على المشاورة في الخطوط العريضة للأمور بل يتعدى ذلك إلى التفاصيل الدقيقة المنظمة لذلك الأمر.
ونظراً لتشعب نواحي الحياة ودقتها في الوقت الحاضر، فيقتضي الأمر تشكيل هيئة استشارية لها لجان متعددة مختصة بدراسة جميع أوضاع الدولة من الناحية الشرعية. يكلف بعض هذه اللجان بالنظر في الأوضاع القائمة، ودراسة البحوث المقدمة فيها، واقتراح الإصلاحات. ولجان أخرى تنظر في المشاريع المقترحة والنوازل الطارئة، والتأكد من ملائمة ما يقترح لها من جميع نواحيه لأحكام الشريعة الإسلامية. واقتراح التعديلات المناسبة.
ويقوم على هذه اللجان نخبة من العلماء الأمناء، ويستعينون عند
стр. 598
الحاجة بالعلماء الآخرين الذين ليسوا أعضاء فيها.
ولا يقتصر في المشاورة في أمور الدنيا على العلماء، بل يشترك معهم أهل النظر والاختصاص والتجربة من سائر المسلمين، ويشترط فيهم الأمانة وسلامة الديانة والنصح للأمة.
والتزام ولي الأمر بمبدأ المشاروة -وخاصة مشاروة أهل العلم- يمثل حصناً سلطانياً اجتماعياً تتكاتف فيه العقول المستنيرة على انتهاج أفضل السبل وأكثرها نقاء وصفاء وبعداً عن شوائب الجاهلية وأفكارها وأنظمتها الفاسدة.
وبذلك يقطع الطريق على المفسدين من المنافقين والكافرين والفاسقين الذين يحاولون جاهدين أن يمرروا باطلهم عن طريق السلطان. لذلك شدد الله النهي لرسوله ﷺ في أكثر موضع عن طاعتهم أو مشاروتهم. كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان:٢٤] .
وقوله: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [الأحزاب:٤٨] .
واختلال هذا المبدأ -إما بالاستبداد من ولي الأمر والمشاركين له في الحكم، أو بترك مشاورة أهل العلم، والجنوح إلى مشاورة أهل الفسق والخيانة والنفاق- ينتج عنه خطر عظيم، فهو ثغرة تمرر من خلالها أفكار
стр. 599
الجاهلية ونظرياتها، ونظمها تحت أغلفة براقة، وشبه منمقة، كادعاء الحاجة أو الضرورة، وعدم وجود البديل، وغير ذلك من المبررات التي قد يستحسنها الولاة، ويعملون بها عند تعطيل الشورى.
وخلاصة هذا المبحث: أن ولي الأمر يمثل دعامة من دعائم المجتمع المسلم، فإذا كان صادق الإيمان، مراقباً لله في كل ما يأتي ويقرر، قائماً بما عليه خير قيام، كانت الثغرة التي من قبله مسدودة آمنة، وأهم عوامل سلامة هذه الدعامة أن يكون ولي الأمر عالماً بالأحكام الإسلامية، وبمهام الحكم ومقاصد الولاية، غيوراً على الإسلام متحمساً لتنفيذه، والدفاع عنه ونشره، وان يستعمل الأصلح في أعماله، ويحذر من توليه الكافرين والمنافقين، أو غير الأمناء، أو الضعفاء، وأن يستشير أهل العلم والصلاح والرأي والخبرة.
وبذلك يكون المجتمع قوياً من الداخل ضد أي شر يتربص به الدوائر، وخاصة الأفكار الهدامة التي تستهدف القضاء على مقوماته الدينية والاجتماعية.
стр. 600
المبحث الثاني: وظائف الإمامة، ومقاصد الحكم
والمقصود بهذا المبحث بيان أن على الإمام واجباً عظيماً في حماية دين الأمة وصيانته، وأن ذلك من أهم مقاصد الحكم، ومن ذلك مكافحة الأفكار الهدامة وقمع مروجيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالمقصود الواجب في الولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم"١.
وقال الماوردي٢: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"٣.
وعلى ما تقدم يتبين أن وظائف الخلافة، ومقاصد الحكم تجمل في
стр. 601
مقصدين هامين:
الأول: تنفيذ الدين بإقامة فرائضه وشرائعه، وبسط أحكامه وحدوده في كافة المجالات وسياسة الدنيا به.
الثاني: الدفاع عنه وحراسته، من الأفكار المخالفة، والأهواء الجامحة والبدع المحدثة التي هي أساس الفساد، وبواعث التنازع والفرقة.
ولكل منهما دور في حصانة المسلم وحمايته من الأفكار الهدامة وسائر الشرور، ففي جانب تنفيذ الدين تقع المسئولية الأولى على ولي الأمر، فلا يجوز له أن يعدل عن شيء من الشريعة في أي أمر من الأمور، وعليه أن يشرف بنفسه على تنفيذ النظم الإسلامية، ويجتهد في اختيار القضاة ونحوهم، وينشئ من الوزارات والدوائر ما يراه ضرورياً لتسيير مصالح الناس، ويولي عليها الثقات الأقوياء الأمناء، ويحرص على إقامة العدل ورفع الظلم، وأن يكون الناس سواسية في الحقوق، وبذلك يكون المجتمع قد أسس على تقوى من الله، وقاعدته قوية متينة.
حراسة الدين والدفاع عنه:
لا شك أن إقامة المجتمع على شريعة الإسلام وأسس التقوى هي الخطوة الأولى في بناء الدولة الإسلامية، وهي خطوة هامة لسلامتها والمحافظة عليها، إلا أن الأهم من ذلك هو استدامته والاستقامة عليه، وذلك يتجلى في واجب حراسة الدين والدفاع عنه.
والمقصود بحفظ الدين والدفاع عنه، بينه الماوردي بقوله: "حفظ
стр. 602
الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروساً من خلل، وأمة ممنوعة من زلل"١.
وبين هذا الأمر الدكتور عبد الكريم زيدان فقال: "وحفظ الإسلام يعني إبقاء حقائقه ومعانيه، ونشرها بين الناس، كما بلغها رسول الله ﷺ ، وسار عليها صحابته الكرام، ونقلوها إلى الناس بعده، وعلى هذا لا يجوز أي تبديل أو تحريف في هذه الحقائق والمعاني، لأن التحريف والتبديل يدخلان في نطاق الابتداع المذموم في دين الله، ولا يجوز التردد أبداً في منع التبديل والتحريف بحجة حق الفرد في إبداء الرأي وحرية الفكر والاجتهاد ... لأن الفرد إن كان مسلماً فليس من حقه أن يبدل دين الله، وإذا اختار لنفسه الضلالة ولعقيدته الفساد، فليس من حقه أبداً أن يضل الآخرين أو يفسد عقائدهم، وإن كان الفرد غير مسلم فليس من حقه أبداً أن يخرج على نظام دار الإسلام، ويشوه حقائق الإسلام، وإلا كان ناقضاً لعقد الذمة، ومع هذا فقد يقع المسلم في زيغ أو شبهة أو خطأ نتيجة فهم سقيم أو تضليل خبيث، فيجب على ولي الأمر -الخليفة، أو نائبه- أن يعمل على كشف الشبهة وإظهار الصواب بالدليل والبرهان، حتى يظهر الحق وتقوم الحجة، فإن أصر المبطل على باطله، وسعى إلى
стр. 603
نشره في الناس، منع من ذلك وأقيم عليه ما يوجبه الشرع"١.
وقال أيضاً: "ومنها إزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع، كما يقضي به الإسلام، إذ لا يمكن الادعاء بحفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إنكار ولا إزالة، مع توفر القدرة على ذلك"٢.
فواجب الإمام إذاً أن يشرف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعين في كل بلاد من خيار أهله الأمناء الأقوياء الأتقياء من يقوم بهذه المهمة، ويكون لهم خير معين ونصير، فإن ذلك من أهم وظائف الأمة وأئمتها إذا مكنوا في الأرض.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] .
ومن أهم الركائز التي تتحتم على ولي الأمر لتحقيق هذا المقصد -وهو حراسة الدين وحفظه- قطع صلة المجتمع المسلم بالمجتمعات الكافرة والفاسقة، ومنع بث أفكارهم وعاداتهم وما يمت إليهم بصلة بين المسلمين.
والحق أن الإسلام يواجه في هذا العصر أعظم خطر فكري، ليس بكثر الضلال وتنوع مشاربه، ولكن بوجود الوسائل الناقلة له التي تبث في
стр. 604
وقت واحد، المادة الواحدة في ملايين البيوت.
لذلك كان العزل الفكري وتحصين الأمة الإسلامية من موارد الضلال، وعفونات الجاهلية الفكرية، من أهم الواجبات المناطة بولاة الأمر من السلاطين والعلماء وغيرهم، وخاصة في هذا الوقت الذي اشتدت فيه الهجمة وأثرت أثراً خطيراً في أفكار المسلمين وسلوكهم، فواجب ترشيد وسائل الإعلام، وقطع المواد المفسدة ومحاربة الوسائل الباثة لها.
ومن ذلك أيضاً منع اختلاط الكفار بالمسلمين من خلال تسهيل سفر المسلم إلى بلاد الكفر والفسوق بلا حاجة شرعية، أو استقدامهم إلى بلاد المسلمين دون قيود تضمن التزام غير المسلم بما جاء من أجله، وعدم بث باطله، واحترام شعائر الإسلام، وعدم المجاهرة بالفسق.
وفي الجملة فإن واجب ولاة الأمر والمحتسبين مكافحة كل منكر يطرأ في المجتمع، سواء كان سلوكياً أو فكرياً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فأما الغش والتدليس في الديانات، فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال: مثل إظهار المكاء والتصدية١ في مساجد المسلمين، ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين، أو سب أئمة المسلمين
стр. 605
ومشايخهم، وولاة أمورهم: المشهورين عند عموم الأمة بالخير: ومثل التكذيب بأحاديث النبي ﷺ التي تلقاها أهل العلم بالقبول، ومثل رواية الأحاديث الموضوعة على رسول الله ﷺ ، ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله، ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي ﷺ ، ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه والتكذيب بقدر الله، ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره، ومثل إظهار الخزعبلات١ السحرية والشعبذية٢ الطبيعية وغيرها، التي يضاهي بها ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، ليصد بها عن سبيل الله، أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله، وهذا باب واسع يطول وصفه.
فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك، وعقوبته عليها إذا لم يتب حتى قدر عليه، بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل أو جلد أو غير ذلك، أما المحتسب فعليه أن يُعزر من أظهر ذلك قولاً أو فعلاً، ويمنع الاجتماع في مظان التهم"٣.
стр. 606
فالواجب الأول على أئمة الأمة من الأمراء والحكام والعلماء، هو حفظ أصول الدين، وهو المقصود الأعظم من السلطان، فيجب القيام على المبتدع في الدين بما يكفه عن ضلال بدعته من ناحية الولاة وغيرهم١. والقيام على المبتدعة ودعاة الضلال يختلف باختلاف حال كل منهم.
قال الإمام الشاطبي٢ ﵀: "إن القيام عليهم بالتثريب أو التنكيل أو الطرد أو الإبعاد أو الإنكار، هو بحسب حال البدعة في نفسها من كونها عظيمة المفسدة في الدين أم لا، وكون صاحبها مشتهراً بها أوْ لا، وداعياً إليها أوْ لا، ومستظهراً بالاتباع وخارجاً عن الناس أوْ لا، وكونه عاملاً بها على جهة الجهل أوْ لا.
وكل من هذه الأقسام له حكم اجتهادي يخصه، إذ لم يأت في الشرع في البدعة حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، كما جاء في كثير من
стр. 607
المعاصي، كالسرقة والحرابة والقتل والقذف والجراح والخمر وغير ذلك، لا جرم أن المجتهدين من الأمة نظروا فيها بحسب النوازل"١.
ثم ذكر بعد ذلك أنواع العقوبات٢ التي ذكرها العلماء لأهل البدع كل حسب بدعته كما تقدم تفصيله، وسوف أذكر هذه العقوبات بشيء من التصرف، وأقسمها إلى ثلاثة مجموعات: ما يتعلق بالإمام، وما يتعلق بالعلماء والقضاة، وما يتعلق بالمجتمع.
أولاً: العقوبات التي يتولى الإمام إنزالها بأهل البدع.
١- القتال: إذا ناصبوا المسلمين وخرجوا عليهم.
٢- القتل: لمن أظهر بدعته واستتيب ولم يرجع.
٣- الضرب.
٤- التغريب.
٥- السجن.
٦- عدم استعمالهم ولاة أو قضاة، أو أئمة وخطباء في المساجد، أو في مجال التدريس ونحوها.
ثانياً: العقوبات التي يتولى القيام عليها القضاة والعلماء.
١- تكفير من دل الدليل على كفره.
стр. 608
٢- الحكم بأنه لا يرثهم أقاربهم من المسلمين، ولا يرثون أحداً منهم، ولا يغسلون إذا ماتوا ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين.
٣- الأمر بأن لا يناكحوا.
٤- تجريحهم على الجملة، فلا تقبل شهادتهم ولا روايتهم.
ثالثاً: العقوبات الاجتماعية.
١-الهجران وترك الكلام والسلام.
٢- ترك عيادة مرضاهم.
٣- ترك شهود جنائزهم.
٤- عدم مناكحتهم أو مشاركتهم في البيوع ونحو ذلك.
ويسبق هذه العقوبات جميعاً الإنكار عليه باللسان ومجادلته وإقامة الحجة عليه، فإن رجع وإلا عوقب بما يتناسب مع مخالفته.
ولا شك أن هذه العقوبات إذا أنزلت بمن يستحقها فسوف تجعل صاحب البدعة منبوذاً معزولاً عن المجتمع، وبذلك ينحسر شره وتخمد ناره.
وإذا أُخل بذلك، فتقاعس الولاة عن إيقاع العقوبات بالمبتدعين والمفسدين وخاصة أهل الأهواء والأفكار المنحرفة، وتغاضوا عنهم أو قربوهم واستعملوهم في بعض الأعمال، كذلك إذا أخل العلماء والقضاة بواجبهم في مجابهة أولئك، وبيان حالهم ومواصاة ولاة الأمر بتأديبهم،
стр. 609
ومثله إذا أخل أفراد المجتمع بما عليهم، ولم يهجروا المبتدعين والفساق، وخالطوهم واحترموهم، واختل الميزان الذي يقاس به الناس، فأصبح الدنيا ومتعها بدل التقوى والسنة، إذا حصل ذلك انهدم السور القريب، والمعقل الأخير، وأصبح أفراد المجتمع -إلا من عصم الله- عرضة للشبهات المشككة، والشهوات المهلكة، فينجم فيه النفاق، ويصول ويجول فيه أهل الضلال، والعصمة في ذلك -بعد الله تعالى- قيام السلطان بما عليه، فإنه إن استقام أقام من دونه، وإن مال كان من دونه أسرع وأقرب إلى الميلان.
وخلاصة هذا المبحث: أن قيام ولاة الأمر بتنفيذ الدين وإقامة نظامه وشرائعه وأحكامه وحدوده والصرامة في ذلك، وبالمقابل الدفاع عن الدين وحراسته من كيد المفسدين في الداخل والخارج، والضرب على أيدي المبتدعين والمفسدين، فإن ذلك حصن قوي يحمي به الله المجتمع المسلم من الأفكار المنحرفة، وسائر الشرور.
стр. 610
الفصل الثالث: أثر وضع الدولة المتمكن في الأرض في تحصين المجتمع ضد الأفكار الهدامة
يحيط بالدولة الإسلامية من جميع الجهات أمم كافرة، والكفر ملة واحدة، وهم جميعاً جند الشيطان وحزبه، والدولة الإسلامية مأوى جند الرحمن وحزبه. والحق في صراع دائم مع الباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وعليه فإن الدولة الإسلامية إذا كانت قوية عسكرياً ومتحدة، آخذة بأسباب القوة وعدتها، كان لها هيبة عند الكفار، فلا يجرؤون على حربها والتعرض لها، وبذلك يسلم أفراد المجتمع من شرهم وعقائدهم الخبيثة.
وتمكن الدولة الإسلامية له وضعان:
الوضع الأول: أن تكون هي القوة الظاهرة، قد دحرت دول الباطل وكسرتها، وأعلت كلمة الله، وهذه هي قمة التمكن، وبذلك تكون الدعوة الإسلامية مؤثرة، والمسلمون يُعجب ويقتدى بهم، ولهم هيبة القوي المنتصر.
والوضع الثاني: أن يكون لديها قوة وشوكة تقاتل بها قوى الباطل وتدافع عن نفسها، ولكنها ليست بالقوة الظاهرة المسيطرة، وإن كانت محافظة على وجودها وتماسكها، ولها ثقلها في النظام الدولي، وهذا الوضع يحتمي به المسلمون ويحسب له الكفر حسابه، وإن لم يكونوا بتلك المكانة من حيث إعجاب الناس وشدة تأثرهم بهم، وهم مع الكفار في حالة من الحرب العسكرية والفكرية، والحرب بينهم سجال.
стр. 611
أما الوضع غير المتمكن الذي تكون فيه دولة الإسلام ضعيفة قد ظهر عليها الكفار وفاقوها عدداً وعدة، وأصبح وضعهم السياسي والعسكري والاقتصادي أقوى من وضعها، وهي في داخلها لم تأخذ بعد بأسباب التمكين من سلامة العقيدة وإخلاص العبادة، واتحاد الكلمة وإعداد العدة.
فهذا الوضع للجماعة المسلمة يجعلها مكشوفة مهدمة الأسوار أمام الكفار، فإما أن يأخذوها لقمة سائغة، كما فعلت دول الاستعمار الصليبية في احتلالها معظم العالم الإسلامي في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، وبذلك يعملون مباشرة على فرض الفكر المخالف على الناس، بتأسيس المدارس والعلاقات الاجتماعية، والنظم الاقتصادية على مبادئ إلحادية -كما يوجد في بلاد الكفر- وذلك هدم للمجتمع من أساسه، وإما أن تبقى دولة الإسلام، ولكن توجه إليها ضغوط مختلفة؛ فَتُكْرَه على انتهاج سياسات اجتماعية وإعلامية تسمح بنشر الأفكار الضالة، والعلاقات المنحرفة التي يريدها الكفار ويخططون لها.
كما تجبر على سياسات اقتصادية وزراعية وصناعية تضمن عدم نهوض المجتمع المسلم في ميادين الصناعة والقوة والتجارة، فيبقى بعيداً عن أسباب النصر، ومستهلكاً دائماً لصناعة الكفار.
وهذا الأسلوب الأخير أخطر من الأول، لأن الناس فيه يظنون أنهم يحكمون بالإسلام لكون الحكام من أبناء المسلمين، كما أنهم في هذه
стр. 612
الحالة يجرون إلى الانحلال والكفر برضاهم دون إكراه، أما النوع الأول فإن الناس يأنفون ويقاومون المستعمر، ويعادون ما جاء منه في الغالب.
وهذا السور -أعني بقاء الأمة في وضع التمكن في الأرض- لا يتحقق إلا بإقامة الجهاد في سبيل الله، والعمل المستمر في الإعداد والأخذ بأسباب القوة، بعد إقامة دين الله في أرضه وبين عباده.
وقد جاء المجال للكلام على أثر الجهاد في حماية المجتمع المسلم، والله المستعان:
أثر الجهاد في تحصين المجتمع المسلم ضد الأفكار الخبيثة:
الجهاد شعيرة هامة من شعائر الإيمان، أمر الله به المؤمنين وجعله من أسباب فلاحهم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٣٥] .
وقد جاهد رسول الله ﷺ وجاهد صحابته معه وبعده، وورثهم من تبعهم في إقامته حتى أعلى الله به كلمته، وبسط سلطان الإسلام في أنحاء الأرض. ولذلك فأثر الجهاد أثر من آثار الإيمان وشعائره المباركة. وسوف أستعرض بعض النصوص التي تبين أثر الجهاد في تحصين المجتمع المسلم.
стр. 613
فمن تلك النصوص، قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٣٩-٤٠] .
ففي هذه الآيات بيان لأثرين هامين من آثار الجهاد المباركة، والتي من أجلها شرع:
الأثر الأول: أن القتال وسيلة لرفع الذل والظلم عن المستضعفين من أهل الإيمان، فالله قد أذن لهم بهذا السبب، وفتح لهم باب الأمل بالنصر بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ بعدما ابتلاهم ومحصهم، واقتضت حكمته أن ينقلهم إلى مرحلة المجابهة العسكرية، وهي خطوة تقودهم إلى وضع العزة والتمكين، بعد الخطوة الأولى وهي إقامة الدين.
فالمسلمون في مكة كانوا مستضعفين يعذبون ويُستهزَأ بهم ويضطرون إلى الهجرة عن بلادهم، ولما أراد الله لهم عزاً وتمكيناً في الأرض، ورفعاً للظلم عنهم، هيأ لهم أسباب الجهاد بوجود الجماعة، والمكان الذي ينحازون إليه ويحتمون به، والعدة، وأذن لهم بالقتال ووعدهم بالنصر إذا استقاموا على نصر دينه، وقد فعلوا ما أمرهم به،
стр. 614
وأنجز لهم ما وعدهم، فدل ذلك على أن الله أعزهم ومكنهم ورفع الظلم عنهم بالجهاد، فهو السبب الشرعي لعزة الأمة وتمكينها في الأرض، بعد نصر الله بالتزام دينه.
وإذا ترك المسلمون الجهاد الذي هو سبب عزهم وظهورهم رجع عليهم الذل، وظهر عليهم عدوهم.
وقد بين هذا المعنى نبينا الكريم ﷺ بقوله: " إذا تبايعتم بالعينة١وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "٢.
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني مبيناً المراد بهذا الحديث: " ... إن تسليط الذل ليس هو لمجرد الزرع والحرث، بل لما يقترن به من الإخلاد إليه والانشغال به عن الجهاد في سبيل الله، فهذا هو المراد بالحديث، وأما الزرع الذي لم يقترن به شيء من ذلك، فهو المراد
стр. 615
بالأحاديث المرغبة في الحرث، فلا تعارض بينها، ولا إشكال"١.
فمن فوائد هذا الحديث أن الإخلاد إلى الدنيا وترك الجهاد والإعداد موجب لعقوبة الله لجماعة المسلمين، بتسليط الذل عليهم، وذهاب ريحهم، وزوال الهيبة من قلوب أعدائهم.
وفائدة أخرى هامة دل عليها الحديث، هي بيان الطريق إلى رفع الذل عنهم، وأنه يكون برجوعهم إلى دينهم، ومعلوم أن الرجوع إلى الدين يستلزم من الأمة جهاداً داخلياً يتم داخل المجتمع المسلم وبين أفراده، بالدعوة إلى الله والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، والغرض من ذلك مراجعة الدين وإزالة ما حصل فيه من انحرافات ومخالفات في العقائد والعبادات والمعاملات، ويشهد لذلك الرواية الأخرى في مسند الإمام أحمد وفيها: " أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم، حتى يراجعوا دينهم "٢.
ومراجعة الدين خطوة تسبق الرجوع إليه وتؤدي إليه، ومن ذلك إقامة الجهاد والعمل على الإعداد بعد إصلاح العقائد والأعمال، والتخلص مما لم يأذن به الله منها، وبذلك تدخل الأمة الميدان متسلحة أولاً بالإيمان الصحيح الذي تستوجب به ولاية الله وتوفيقه وتسديده
стр. 616
وعونه ورعايته ونصره.
أما الدعوة أو العمل على إقامة الجهاد كخطوة أولى دون أن تتقدمها الخطوة التي أرشد إليها النبي ﷺ وهي مراجعة الدين والرجوع إليه، فإن ذلك مُؤداه الدخول إلى ميدان الصراع بدون ولاية الله التي لا يتحصل عليها إلا من كان على ما أراده الله وشرعه من الاعتقاد والعمل، وهي محاولة لرفع الذل والظلم عن المسلمين دون العمل على إزالة السبب الأول والرئيس في حصوله، وهو الانحراف عن الدين، والبعد عما كان عليه السلف الصالح، وانتشار المخالفات والبدع العقدية والفعلية والقولية بين المسلمين، تلك المخالفات التي حجبت عن الأمة ولاية الله.
الأثر الثاني: دلت الآية ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض﴾ على أثر آخر هام حيث بينت أن القتال شرع لدفع الكفار بالمسلمين، ويترتب على ذلك انحسار أذاهم وشرهم عن عباد الله، وترك الجهاد سبب لتسلط الكفار على المسلمين، وصدهم عن دينهم، وتخريب أماكن العبادة إما بهدمها وإزالة بنيانها، أو بصد الناس عنها بفتح أبواب الشر والفساد واللهو واللعب، فينصرفوا إليها وتبقى دور العبادة خراباً من أهلها.
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٩٣] .
стр. 617
وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال:٣٩] .
ففي هاتين الآيتين الكريمتين بيان لأثر من آثار قتال الكفار:
الأول: أن قتال الكفار قاطع للفتنة.
وذلك أن تعطيل الجهاد يؤدي إلى قوة الكفار وظهورهم على المسلمين، فتحصل الفتنة بهم ومنهم، فيرتد بعض المسلمين عن دينهم، أو يفتنوا حتى يتركوه، وهذه مفسدة أعظم من مفسدة إزهاق روحه.
قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل﴾ [البقرة:١٩١] .
قال ابن جرير ﵀: "وقد بينت فيما مضى أن أصل الفتنة الابتلاء والاختبار، فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه، فيصير مشركاً بالله، من بعد إسلامه، أشد عليه وأضر من أن يقتل مقيماً على دينه متمسكاً عليه محقاً فيه"١.
وقال سيد قطب ﵀: "إن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية، ومن ثم فهي أشد من القتل، أشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة، ويستوي إن تكون هذه الفتنة بالتهديد والأذى الفعلي، أو بإقامة أوضاع فاسدة من شأنها أن تضل
стр. 618
الناس وتفسدهم وتبعدهم عن منهج الله، وتزين لهم الكفر به والإعراض عنه"١.
الأثر الثاني: أنه بإقامة الجهاد يكون الدين لله.
والمراد بالدين هنا العبادة والانقياد والطاعة لله في أمره ونهيه٢.
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ : إذا كان دين الله هو الظاهر على سائر الأديان٣.
قال سيد قطب ﵀: "وغاية القتال هي ضمانة ألا يفتن الناس عن دين الله، وألا يصرفوا عنه بالقوة أو ما يشبهها، كقوة الوضع الذي يعيشون فيه بوجه عام، وتسلط عليهم في المغريات والمضلات والمفسدات، وذلك بأن يعز دين الله ويقوى جانبه ويهابه أعداؤه، فلا يجرؤوا على التعرض للناس بالأذى والفتنة ... والجماعة المسلمة مكلفة إذن أن تظل تقاتل حتى تقضي على هذه القوى المعتدية الظالمة، وحتى تصبح الغلبة لدين الله والمنعة"٤.
وإعداد العدة والأخذ بأسباب القوة له أثر فعال في إرهاب الأعداء القريبين والبعيدين، فمع أخذ الدولة المسلمة بأسباب القوة نجد أن الكفار
стр. 619
يشتغلون في الدفاع عن أنفسهم وتحصين ديارهم، فيستريح المسلمون من شرهم وتآمرهم.
أما في حالة ضعف الدولة المسلمة، فإن الكفار يتجرؤون عليها، ويعملون في إضعافها وزعزعة أسس قوتها بالمكر والتآمر مع طائفة المنافقين والعملاء، أو الاعتداء المباشر على بعض تجمعات المسلمين، أو بالضغوظ المختلفة التي سبقت الإشارة إليها.
قال تعالى مبيناً هذا الأثر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٦٠] .
ففي هذه الآية الكريمة ذكر الله تعالى ثلاثة أسباب هامة، تحصل بها الغاية الفعالة وهي إرهاب العدو، فهذه الأمور هي:
أولاً: إعداد المستطاع من القوة، ويختلف هذا باختلاف الزمان والمكان، فالواجب على المسلمين في هذا العصر: صنع المدافع والطائرات والصواريخ، والقنابل والدبابات، وإنشاء السفن الحربية والغواصات ونحو ذلك، كما يجب عليهم تعلم الفنون والصناعات التي يتوقف عليها صنع هذه الأشياء وغيره من قوى الحرب١.
стр. 620
ثانياً: مرابطة الجند في ثغور البلاد وحدودها، والحكمة من ذلك أن يكون للأمة جند مستعد دائم للدفاع عنها، إذا فاجأها العدو.
وهذا الأمر الهام -الذي أرشد إليه القرآن- نجد أن الأمم الكافرة التي تعمل على بسط هيبتها ونفوذها في العالم، تعمل به وتوليه عناية فائقة، من خلال تدريب جيش للتدخل أو الانتشار السريع، وأنظمة للطوارئ والإنذار المبكر، وقواعد متطورة قريبة من أماكن الخطر المتوقعة، وكان الأجدر بالمؤمنين أن يعملوا بموجبه، ويستنيروا بهدى القرآن، ويأخذوا بتوجيهاته، فيعدوا العدة، ويأخذوا بزمام المبادرة، ويحصنوا ثغورهم ويوحدوا كلمتهم، بعد أن يقيموا توحيد ربهم وشريعته، ليدخلوا الميدان حائزين على ولايته، مؤهلين لتأييده ونصره.
الثالث: الترغيب في النفقة في سبيل الله، وفي ذلك إشارة إلى أن أعداد العدة وتهيئة الجيوش المرابطة تحتاج إلى بذل المال الكثير، وقد رغبهم الله في النفقة في هذا المجال، ووعدهم عليه بالأجر الجزيل في الآخرة، مع ما يتحصلون عليه في الدنيا، من عزتهم وخوف عدوهم منهم، وسلامة دينهم ودنياهم من شره وكيده.
فإذا تحققت هذه الأسباب حصل ما رتب عليها من عزة الإسلام وأهله، ورهبة الكفار منهم، وبذلك يصبح المجتمع المسلم آمناً من شرهم مطمئناً، وتصبح حصونه الداخلية قوية منيعة تحت ظل حكومة قوية، كما ينقمع المنافقون والحاقدون الذين يكيدون له من داخله، لأنهم يستندون
стр. 621
على أعداء الإسلام ويتقوون بهم.
فإذا ضعف مستندهم كبتوا وتواروا، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] . وقال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] .
وهذا الأثر الهام -أثر وضع الدولة المتمكن- في تحصين المجتمع المسلم، قد فطن له علماء الإسلام، وبينوا أهميته:
قال الماوردي وهو يعدد واجبات الإمام: "الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرماً أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دماً.
السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم، أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله"١.
وقال عبد الكريم زيدان، معلقاً على كلام الماوردي: "والحقيقة أن دفع الأعداء عن دار الإسلام ضروري لحفظ الدين وبقائه، لأن اسيتلاء الكفرة على دار الإسلام ضياع للإسلام وطمس لحقائقه، وفتنة عظيمة للمسلمين، وزعزعة لعقائدهم بسبب حكم الكفرة له، وما يبذلونه
стр. 622
لصرف المسلمين عن دينهم الحق، بالوعد والوعيد والتلبيس والخداع أو التضليل، بل نستطيع القول أن من لوازم وتمام حفظ الدين إعلاءه وإظهاره على جميع أنظمة الكفر حتى لا يبقى للباطل حكم قائم ولا راية مرفوعة"١.
وقال محمد بن ناصر الجعوان: "القتال في الإسلام عبادة عظيمة من أفضل القربات إلى الله وأكثرها أجراً وثواباً كيف لا؟ وهو الذي بسببه تقوى ركائز الدعوة الإسلامية، وينشط أهلها، وتتعمق في الأرض جذورها، وهو الذي يجعل أعداء الحق يخضعون لسلطان الله، فيتركون المسلمين يؤدون عباداتهم ويقيمون دولتهم، وينشطون في دعوة الآخرين إلى الله ورسوله، ونحن نعلم جميعاً بأن دولة الإسلام في عهد مؤسسها الأول محمد بن عبد الله ﷺ لم تقم ولم يخضع لها الكفر وأهله، إلا بعدما ارتفعت راية الجهاد عندما فرضه الله عليهم"٢.
وخلاصة ما تقدم: أن إقامة الجهاد في سبيل الله، وتكاتف الأمة في الإعداد له والإنفاق بسخاء على ذلك يمكن للأمة في الأرض، ويعلي من شأنها، وتكسر شوكة أعدائها ويأخذهم الرعب والرهبة منها، وبذلك تبقى حصون الدولة الداخلية آمنة من مكرهم، قوية بقوة الأمة، عزيزة بعزتها.
стр. 623
الخاتمة
في ختام هذا البحث عن آثار الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة، والذي تم الكلام فيه -بحمد الله- في تمهيد وثلاثة أبواب، أجمل أهم النتائج التي احتواها فيما يلي:
١- أن الإيمان المؤثر الذي يثمر لصاحبه ولاية الله، ويتحصن به ضد الشرور عامة والفكرية خاصة، هو ما بينه الله في كتابة وسنة رسوله ﷺ وكان عليه سلف الأمة، وهو الذي يشمل الاعتقاد والقول والعمل.
٢- وأنه يقوم على أسس هامة هي:
أولاً: الكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك وأهله.
ثانياً: الإيمان بالغيب.
ثالثاً: القيام بمقتضى التكليف بامتثال الأوامر واجتناب النواهي.
رابعاً: الإخلاص لله في العبادة.
خامساً: صدق المتابعة للرسول ﷺ .
سادساً: العلم والبصيرة في كل ما تقدم.
٣- إن الصراع بين الحق والباطل من سنن الله الجارية إلى يوم القيامة، وأنه قائم بين المؤمنين والكافرين بشتى ومختلف الميادين، وأنه يأخذ أشكالاً ثلاثة على وجه الإجمال:
الأول: الصراع بالمجادلة والمحاجة.
الثاني: الصراع بالمراوغة والكيد والتآمر وبث الشبهات ونحوها، من
стр. 624
جند الشيطان ضد المؤمنين (الصراع أو الغزو الفكري) .
الثالث: الصراع المسلح.
٤- أن أعظم أنواع الصراع تأثيراً على سلامة الأمة الإسلامية هو الصراع والغزو الفكري الذي استهدف زعزعة الإيمان، وحرف السلوك بنشر الفكر الهدام.
٥- أن الجهود القديمة لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى والحاقدين من أبناء الفرس أثمرت الفرقة بين صفوف المسلمين، ونتج عنها ظهور الفرق المنتسبة للإسلام التي تتبنى كل منها جملة من الأفكار الجاهلية.
٦- أن الجهود الحديثة المنظمة المدعومة من الدول القوية الصليبية والشيوعية، ومن اليهود أثرت تأثيراً جذرياً في حرف كثير من المسلمين أفراداً وجماعات عن الالتزام بالدين وتطبيقه، وتفننوا بوسائل التضليل وأجادوها، ونشروا الفكر الخبيث بأساليب متقدمة، ولا تزال تزداد مكراُ وخبثاً في هذا المجال.
٧- أن على المؤمنين التصدي لهذا الهجوم الفكري الخبيث بمقاومته والتخلص من آثاره والعمل على وقاية المجتمع منه، وأن يكون ذلك وفق خطة مدروسة يجتمع عليها كافة أفراد المجتمع من ولاة وعلماء ودعاة وعامة، ويجند لها كل الوسائل المشروعة المناسبة.
٨- أن على الأمة أن يدخلوا ميدان الصراع والمقاومة وهم مؤيدون
стр. 625
بولاية الله، وهذا لا يتسنى لهم إلا بالتزام الإيمان الصحيح الذي يوجب لهم ولاية الله ونصره وتأييده وتوفيقه، فالتزام الإيمان الصحيح والدعوة إليه وتعليمه للناس، وتنشئة الناشئة عليه من أهم الأسباب لمقاومة الفكر الخبيث، وهو الخطوة الأولى في العمل لمجابهته.
٩- أن الآثار الإيمانية التي تثمر الحصانة من الشرور الفكرية تنقسم على وجه الإجمال إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ولاية الله لعباده المؤمنين.
الثاني: الأثر القلبي المتمثل في دور الإيمان وعمله في تحصين القلوب من الاغترار بالفكر الجاهلي، وسائر الشرور.
الثالث: الأثر الاجتماعي، المتمثل بإيتاء الشعائر الإيمانية الاجتماعية ثمرتها في تقوية الجبهة الداخلية، وتماسك المجتمع وتطهيره وحمايته من الضلالات عامة والفكرية خاصة.
١٠- أن أهم الآثار التي يستفيدها المسلم من تحقيق الإيمان، والتي لها دور بالغ في تحصينه من الفكر الهدام هي ولاية الله له.
١١- أهل ولاية الله هم المؤمنون المتقون، وهم على وجه الإجمال طائفتان: المقربون المحسنون، والأبرار أصحاب اليمين، وأهم سبب لتحصيل الولاية والذي هو الأساس الأهم الذي يقوم عليه الإيمان والتقوى، هو تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله، والخلوص من الشرك وأهله.
стр. 626
١٢- أن مظاهر ولاية الله لعبده المؤمن في مجال تحصينه من الفكر الضال تتجلى في: إخراجه من الظلمات إلى النور، وأن يجعل له من كل ضيق مخرجاً، ويثبته عند الشدائد، ويحول بينه وبين ما قد يقوم بقلبه من السوء، ويحوطه بعنايته ورعايته، ومن ذلك أنه يصرفه عن الأفكار الخبيثة، أو يصرفها عنه لما يهيء له من الأسباب، وإذا كان العبد من المقربين المحسنين، فإن الله يزيد في عنايته له، ومعيته له، فلا تنبعث جوارحه وقلبه إلا لما يرضي الله، فيكون في حصن حصين من كيد المفسدين وضلالاتهم الفكرية.
١٣- أن لله بجماعة المؤمنين -الذين حققوا الإيمان في أنفسهم وفي مجتمعهم والتزموه ظاهراً وباطناً عقيدة وسلوكاً ودعوة وجهاداً- ألطافاً خفية وجلية، يحصنهم بها من الفكر الهدام، فيحوطهم بعنايته ورعايته، ويهديهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويصرف عنهم كيد عدوهم، وهو معهم دائماً يدافع عنهم في جميع أحوالهم وأطوارهم، ويهيئ لهم الأسباب التي تصرفهم عن الباطل أو تصرفه عنهم.
١٤- أن من أعظم الآثار الإيمانية تحصينه لقلوب المؤمنين عن الأفكار المنحرفة. وذلك أنه يقوم بالقلب أهم الوظائف الإنسانية المؤثرة في سلوك الإنسان، مثل: التعقل، والاعتقادات، والإرادات والنيات، والعواطف والانفعالات.
١٥- أن التعقل هي الوظيفة الهامة في التأثير على بقية الوظائف
стр. 627
القلبية، وإذا كان العلم المتعقل الواصل إلى القلب صحيحاً انصبغت بقية الوظائف به، ومالت إلى موجبه، والعكس بالعكس، وبذلك تتبين أهمية شعيرة العلم في التأثير في صلاح القلب وعمرانه بالخير واستغنائه بالوحي عن أفكار الجاهلية.
١٦- أن حياة القلوب أو مرضها أو موتها موقوف على صلاح أو فساد ما فيها، وهي باعتبار ذلك ثلاثة أنواع: قلب ميت، وقلب مريض، وقلب حي.
١٧- أن القلب المحصن ضد الأفكار الهدامة والميل إلى الباطل، هو القلب الحي العامر بالإيمان.
١٨- أن أثر الإيمان على القلوب دائر بين تطهيرها وتزكيتها، ولكل منها دور في حصانة القلب وسلامته وتجافيه عن السوء والفكر الخبيث.
١٩- أن التطهير مقدم على التزكية، وهو شرط لها.
٢٠- أن أثر الإيمان في تطهير القلب يتجلى في ثلاثة أمور:
الأول: تطهيره من العقائد الباطلة، والظنون السيئة.
والثاني: تطهيره من الران ودرن المعاصي.
والثالث: تطهيره من العواطف الفاسدة.
٢١- أن تعقل القلب للعلم المستقى من الوحي المطهر، وقبوله له، هو العامل الأهم في تطهير القلب من العقائد الباطلة والظنون السيئة الناتجة عنها، ويتجلى ذلك بوضوح بالعلم بالله بمعرفة أسمائه وصفاته وحقه على
стр. 628
عباده، وتحقيق التوحيد.
٢٢- أن العقائد الباطلة والظنون السيئة ثغرة في القلب، تميل به إلى ما يشاكلها من الفكر الجاهلي.
٢٣- أن هذه الأهمية لمباحث التوحيد في تخليص القلب من المعتقدات والظنون الباطلة، تبين الحكمة من العناية العظيمة بتقرير مباحث التوحيد في الكتاب والسنة، وأهمية دراستها ووجوب البدء بها علماً عملاً.
٢٤- أن كثيراً من المسلمين اليوم بحاجة إلى تطهير القلوب والمناهج، مما شابها من المعتقدات الباطلة والظنون السيئة النابعة منها.
٢٥- أن ران الذنوب يغطي القلب وينتج عنه قطع الصلة بالله، وظلمة القلب ويغذي مادة الشر فيه، وبذلك تضعف ولاية الله له، ويسير بلا نور وهدى، ويقوى ميله إلى الباطل ويسهل تقبله للفكر الهادم، وتصبح أسوار القلب مهدمة أمام شياطين الإنس والجن الذين يزينون ويقذفون به الباطل والشبهات.
٢٦- أن تطهير القلب من الران ودرن المعاصي، أثر هام من آثار الإيمان، وأن ذلك يتم بفعل المكفرات، وهي الأعمال الصالحة، التي جعلها الله من رحمته تكفر الذنوب وتُمحا بها الخطايا، وبذلك يحافظ القلب على سلامته ونوره، وتقوى فيه مادة الخير، وتقل نوازع الشر، وتقوى صلته بالله، حيث يُزال ما يجثم على القلب من الران ونكد المعاصي أولاً بأول بفعل المكفرات، فيبقى القلب على درجة عالية من حب الإيمان، وكره
стр. 629
الكفر والفسوق والعصيان، فلا يميل إلى الأفكار الهدامة، ولا تستهويه، ولو تولد في قلبه شيء منها -مما يلقيه الشيطان- أو عرضها عليه شياطين الإنس لكان فيه من النور وداوعي الخير ما يكشفها ويحرقها، وينفر القلب منها.
٢٧- أن العواطف الفاسدة المتمثلة في حب التأله المتوجه إلى غير الله، وحب الشهوات المحرمة كالحرص على المال، وحب الفواحش من الزنى واللواط، وحب المسكرات والمخدرات، والحقد والحسد النابعان من عاطفة الكراهة، هذه العواطف الفاسدة تمثل ثغرة في القلب يتسلل منها الفكر الهدام، أو تميل بصاحبها إلى أسبابه، ويستغلها أعداء المؤمنين للنيل منهم.
٢٨- أن أثر الإيمان في تطهير القلب من داء الحرص على المال والدنيا، يتجلى في دراسة التوحيد وتقوية الاعتقاد بمعرفة أسماء الله، وما تدل عليه من الصفات والأفعال، والتوكل على الله والإيمان بالقدر، كما يتجلى بإقامة الصلاة والمداومة والمحافظة عليها، وأداء الزكاة والنفقات.
٢٩- أن أثر الإيمان في تطهير القلب من محبة الفواحش يتجلى في اعتقاد التوحيد الذي يعمر القلب بمحبة الله والخشية منه، نتيجة لمعرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله، كما يتجلى بأثر الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وفي الذكر الذي يحصن العبد من عدوه الشيطان، ويوجب ذكر الله له، وفي الصيام الذي يزيد في تقواه وقربه من مولاه، ويضعف الشهوة ويكسر حدتها.
стр. 630
٣٠- أن الحسد مرض قلبي يضر بصاحبه فيحمله على رد الحق، وفعل الشر والعدوان، فقد كان الدافع إلى فعل أمهات المعاصي الكبيرة، كما أنه مرض اجتماعي يورث العداوة والبغضاء ويعمل على البغي والعدوان، فهو بذلك ثغرة يتسلل منها شياطين الإنس والجن لتفريق المسلمين وإفساد دينهم ودنياهم، وبث الأفكار الخبيثة بينهم.
٣١- أن أثر الإيمان في تخليص القلوب من داء الحقد والحسد يكمن في إزالة الدوافع لها، بتقوية الإيمان بتعليم الناس أسماء الله وصفاته وأفعاله، وغيرها من حقائق التوحيد، وبفرض الزكاة والحث على الإنفاق، وتحريم الربا، والتحريض على التعاون والتكافل بين المسلمين والأمر بإفشاء السلام وحسن الخلق.
٣٢- أن أثر الإيمان في تطهير القلب هو أثر هادم للوظائف الذميمة القائمة بالقلب، والتي تمثل ثغرات ومداخل في حصنه يتسلط عليه من خلالها الشياطين بوساوسهم وأفكارهم المفسدة.
كما أن أثر الإيمان في تزكية القلوب هو أثر بَانٍ -بإذن الله- للخصال الحميدة في القلب، والتي يتحصن بها ضد أعدائه ومخططاتهم الرامية إلى التسلل إليه وإفساده.
٣٣- أن أثر تزكية القلب بالإيمان في تحصينه ضد الفكر الهدام إنما يكون بما يحصل فيه من الطمأنينة والنور والبصيرة.
٣٤- أن القلق المرضي الذي يقوم بالقلب، له عدة أشكال: منها
стр. 631
قلق القلب وتشوقه للعلم المصحوب بأي نوع من عدم الثقة أو القناعة بالوحي، ومنها القلق الناتج عن مخالفة الفطرة بالعصيان.
وهي تمثل ثغرات تدفع القلب إلى الفكر الهدام.
فالنوع الأول: يدفع الإنسان إلى البحث عن العلم والمعرفة في كتب الفلاسفة أو غيرهم، التي هي مستنقعات للأفكار الضالة.
والنوع الثاني: يدفع صاحبه إلى التخلص منه بوسائل الترفيه التي تحتوي غالباً على الفكر الهدام، أو تكون مصائد لإيقاع الناس فيه.
٣٥- أن الطمأنينة هي غنى القلب وركونه إلى الإيمان الذي يتحصن به من كل شر فكري يؤثر في عقائده أو عاطفي يخل بمشاعره وإراداته.
٣٦- أن السبب الوحيد لطمأنينة القلوب وشفائها من أمراضها وزوال قلقها ووحشتها هو ذكر الله، وذكر الله بمدلوله الواسع الشامل لكل ما يُذكر بالله، أو يذكر الله به.
ويجمع ذلك تحقيق الإيمان بالعلم بما نزل من الوحي والعمل به، فالإيمان بمختلف شعبه يجلب للقلب الطمأنينة، فإذا تغذى القلب من العلم المستقى من الكتاب والسنة وانصبغت عقائده وعواطفه وانفعالاته وإراداته بذلك اطمأن وسكن، وكلما زاد الإيمان زادت الطمأنينة واستغنى القلب وعظم انفكاكه وابتعاده عن أفكار الجاهلية وأعمالها.
٣٧- أن شعب الإيمان المؤثر في حصول الطمأنينة هي تلك التي
стр. 632
تحقق للقلب ما يصبو إليه ويتطلع لتحصيله من المعلومات والمحبوبات، التي توجد به الخير والصلاح، وتعمل على قوته وثباته واستقراره.
فهو يعرف بالعلم ما يتطلع إليه من معرفة خالقه ومالكه ومدبره باستشعاره لأسماء الله وما تدل عليه من الصفات والأفعال، ويعرف دوره في الحياة والأمر الذي خلق من أجله، ومبدأه وغايته ومصيره، ويتجلى ذلك بمعرفة وتحقيق توحيد الألوهية الذي يحمي النفس من الصراع والتشتت، ويجلب للقلب السكينة، وبالإيمان باليوم الآخر الذي يجعل للحياة معنى وغاية.
٣٨- أن التوكل على الله يلبي للقلب حاجة جُبل عليها، وهي تطلعه إلى ركن شديد يعتمد عليه، ويركن إليه في حصول الخير ودفع الشر، والتوكل حصن يحمي العبد من الفزع أو الاعتماد والركون إلى أعداء الله، فيؤثرون عليه ويجرونه إلى فكرهم الخبيث، أو يستخدمونه لتحقيق هذا الغرض كما يفعلون بالمنافقين الذين قل اعتمادهم على الله، وركنوا إلى أعدائه من اليهود والنصارى وغيرهم.
٣٩- أن العلم والإيمان بالقدر وإدراك العبد للفرق بين الأمر الكوني القدري والأمر الشرعي التكليفي، ومعرفة الاستجابة المناسبة لكل منهما، له أثر عظيم في سكون النفس وطمأنينة القلب واستقراره ورضاه بالله وعن الله، وزوال القلق الدافع إلى الأفكار الهدامة أو مورادها.
٤٠- أن تزكي القلب بالإيمان القائم على الإخلاص والعلم المستمد
стр. 633
من الوحي المطهر يوجد في القلب نوراً وفرقاناً يهدي صاحبه إلى مواطن الخير، ويكشف له عن مواطن الهلكة والضلال، كما يصبح في القلب ملكة وحساسية يتذوق بها ما يلائمه من الخير، فيميل ويسكن إليه، وما ينافره من الشر فيشمئز منه، وينفر عنه وواعظ يذكره بالله، وهذه حصون يتحصن بها القلب ضد أي فكر يستهدف زعزعة عقائده أو حرف عواطفه والميل بإراداته، تقوى هذه الحصون كلما قوي العلم والإيمان، وتضعف بضعفهما.
٤١- بيان الآثار الاجتماعية التي يتحصن بها المجتمع المؤمن الذي التزم شعائر الإيمان وطبقها، وهي: تقوية الرابطة الإيمانية، والتزام الأخلاق الفاضلة، وتطبيق النظم الإسلامية في البيع والشراء، وسائر العلاقات، وإقامة الحدود ووظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... ونحوها.
وقيام ولي الأمر بدوره في تنفيذ الدين وسياسة الدنيا به وحمايته والدفاع عنه، وإقامة شعيرة الجهاد التي يعز الله بها عباده المؤمنين، ويمكن لهم في الأرض، هذه الأمور جميعاً تمثل أسواراً وحصوناً يحمي الله بها المجتمع من شرور الجاهلية عموماً، وفكرها النجس خصوصاً، وإذا اختل أحدها كان ثغرة ينفذ منها شر الجاهلية، وفكرها الخبيث.
٤٢- أن الرابطة الإيمانية هي أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم، وبالتالي فهي أهم وأقوى الحصون التي تحصن المجتمع من كيد أعدائه وأفكارهم المسمومة وتخطيطاتهم الخبيثة.
стр. 634
٤٣- أن أهم العوامل التي تنمي الرابطة الإيمانية هي:
١- التزام الأخلاق الفاضلة.
٢- أداء المسلمين للحقوق المفروضة لبعضهم على بعض.
٣- التزام النظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي.
٤- المحافظة على الوحدة الفكرية.
٤٤- أن كلا من هذه العوامل يمثل لبنة في حصن المجتمع، بقيامها يتماسك وتقوى رابطته، وبضعفها أو زوالها يهتز بناء المجتمع ويدب فيه الفساد، ويصبح فيه منافذ للشرور الفكرية وغيرها.
٤٥- أن التزام الأخلاق الفاضلة له أثر في تقارب المؤمنين وصلاحهم وقربهم من الله، فتسود المحبة والألفة ويتعاملون بالمودة والتراحم والتعاون، وتوجد الثقة بينهم، ويحب كل منهم لأخيه ما يحبه لنفسه، فيسود بينهم الرضى والأمن، وتصبح جبهتهم الداخلية قوية متحدة يصعب على العدو اختراقها.
أما التفريط في الأخلاق الفاضلة فله أثر في بعد المسلمين عن ربهم، وتنافر قلوبهم، وضعف الرابطة التي تشدهم، وتنبعث بذور الفرقة والشر بينهم، وبذلك يصبح الجو مهيأً لأعدائهم لنشر الأفكار الخبيثة التي تفرق بينهم وتجرهم إلى المهالك.
٤٦- أن لقيام أفراد المجتمع بالحقوق المفروضة لبعضهم على بعض، أثراً هاماً في قوة الرابطة الإيمانية التي تربط بينهم، كما تقوي صلة المجتمع
стр. 635
بالله، فيصبح المجتمع قوياً متماسكاً صعباً على المفسدين.
وإذا ضيعت الحقوق حصل التذمر والخصام والعداوة، وتضعف الرابطة، وتقل ولاية الله لهم، فيصبح حصن المجتمع ضعيفاً يسهل اقتحامه.
كما أن الخلل الناتج عن تضييع تلك الحقوق يضعف ثقة بعض أفراده -ممن قل حظهم من العلم والإيمان- بنظام الإسلام وتعاليمه، فيحملهم ذلك على تطلب البدائل في مستنقعات الشرق أو الغرب، وأفكارهم الفلسفية العفنة.
٤٧- أن الالتزام الدقيق بالنظم الإسلامية ضروري لاستقرار حياة الناس، وإقامة العدل بينهم، وحفظ حقوقهم، وانتشار الأمن والأمل في نفوسهم، فينطلقون في ميادين الحياة بثقة وجد للعمل على إصلاح دينهم ودنياهم، وبذلك يترسخ رباط الأخوة ويستحكم ويتعاونون في سعيهم وكدحهم وهم في أمن من بواعث الشر والنزاع بفضل صلاحية النظام وشموله، ومراعاته لمبادئ الأخلاق والعدل.
٤٨- أن الإخلال بشيء من النظم الإسلامية تحصل من جرائه الفوضى والقلاقل والظلم والعدوان، وينجم النفاق والبلبلة الفكرية، والخلاف السياسي، فتتقطع الأرحام، وتضيع الحقوق.
وإذا زاد التحلل من النظام الإسلامي اختل المجتمع، وشغل الناس بأنفسهم وأهوائهم، وذهلوا عن العبادة والعلم، فيضعف الإيمان وتقل رابطته، ويفشل المسلمون، وتذهب ريحهم، وتُزيغ كثيراً منهم الأهواء،