← Акыда

Акыда · id 7265

أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (667 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المبحث الثاني: العمل على سلامة مقومات المجتمع المسلم والمقصود أنه إذا تقرر أن الربطة بين أفراد المجتمع المسلم منوطة بسلامة وعمق الإيمان، وإقامة العبادات والأخلاق والنظم المنبثقة منه، وأن استدامة الرابطة الإيمانية مرهونة بسلامة واستدامة ذلك، كان من الواجب على المجتمع العمل على سلامة مقوماته الإيمانية. ويكون ذلك بالتواصي بالحق والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على ذلك، والصبر والمثابرة في سبيل تحقيقه. فإقامة هذه الشعائر الإيمانية، كما أنها لازمة لقوة ومتانة الرابطة الإيمانية، هي أيضاً حصن يقي المجتمع من الفكر الخبيث وسائر الشرور. وليس الغرض ذكر تفاصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما بيان أثر هذه الشعيرة الإيمانية الاجتماعية في تحصين المجتمع من الأفكار الخبيثة، الذي هو موضوع هذا البحث. وسوف أتكلم في هذا الأمر من خلال مطلبين: المطلب الأول: أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكونه واجباً اجتماعياً. المطلب الثاني: أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحصين المجتمع من الأفكار الهدامة.

стр. 562

المطلب الأول:أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكونه واجباً اجتماعياً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للخلق من شعائر الإيمان التي تميز بها أهل الحق من الأنبياء والرسل وأتباعهم، فقد كانت مهمتهم الأمر بالمعروف من إقامة التوحيد وعبادة الله، وإقامة العدل والتزام الأخلاق الفاضلة، والنهي عن المنكر من الشرك والعصيان والظلم والإفساد في الأرض. قال تعالى قاصاً ما قاله لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧] . وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦] . وكان حض نبينا ﷺ من هذه الوظيفة أكبر من غيره، حيث أمر أمته بكل معروف، ونهاهم عن كل منكر.

стр. 563

قال ابن تيمية ﵀:"قوله تعالى في صفة نبينا محمد ﷺ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الأعراف:١٥٧] .هو بيان لكمال رسالته، فإنه ﷺ هو الذي أمر الله على لسانه بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب، وحرم كل خبيث"١. فهو ﷺ أفضل الرسل عليهم الصلاة والسلام وأعظمهم بركة على الناس، حيث دعا إلى كل معروف، ونهى عن كل منكر. وهذا الأمر بعينه هو سر أفضلية أمته الذين ساروا على هداه، وتأسوا به في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة اجتماعية، يقوم بها كافة المؤمنين رجالاً ونساء، كل بحسب قدرته. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] .

стр. 564

وقال الرسول ﷺ محملاً الأفراد مسئولية المجتمع: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "١، فهو من أهم وظائف مجتمع المؤمنين إذ مكنهم الله في الأرض، وإقامته لازمة لاستمرار التمكين. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] وعلى المجتمع أن يجند طائفة من أفراده للقيام بهذا الأمر والعناية به: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] . وقد أشار شيخ الإسلام إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة اجتماعية بقوله: "وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعداً فلا بد أن يكون بينهما ائتمار بأمر، وتناه عن أمر ... وإذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم، فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر به الله ورسوله، وينهى عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، وإلا فلا بد أن يأمر وينهى، ويؤمر وينهى إما بما يضاد

стр. 565

ذلك، وإما بما يشترك فيه الحق الذي أنزله الله بالباطل الذي لم ينزله الله، وإذا اتخذ ذلك ديناً كان ديناً مبتدعاً باطلاً"١. وقال الدكتور عبد الكريم زيدان: "ومن خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام تحميل الفرد مسؤولية إصلاح المجتمع بمعنى أن كل فرد فيه مطالب بالعمل على إصلاح المجتمع، وإزالة الفساد منه على قدر طاقته ووسعه، والتعاون مع غيره لتحقيق هذا المطلب. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] . ومن أعظم التعاون، التعاون على إصلاح المجتمع، وإذا كان الفرد مطالباً بإصلاح المجتمع، فمن البديهي أنه مطالب بعدم إفساده، قال تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦] "٢. فالمجتمع المسلم يتكاتف أفراده رجالاً ونساء ويتعاونون في مجال الإصلاح، ونشر الخير ومنع الفساد في الأرض، في مقابل المنافقين الذين يسعون إلى عكس ذلك. قال تعالى واصفاً المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ

стр. 566

يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] . وقال واصفاً المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة:٦٧] . وعلى هذا فإقامة هذه الوظيفة من أهم الحصون التي يحافظ بها المؤمنون على سلامة مجتمعهم من فكر المفسدين، وترويج انحرافهم الفكري والسلوكي. والمؤمنون بحكم ما جعل الله بينهم من الولاية، والتعاون على البر والتقوى، عليهم أن يقوموا بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير قيام، "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض"، وذلك في مجابهة المنافقين الذين يعيثون في المجتمع فساداً، ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف. وهذه المجابهة بين الفئتين مستمرة في كل زمان ومكان وجد فيه مجتمع مسلم، وأي الفئتين ظهرت كان لها التأثير الفعال في توجيه المجتمع. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة هامة، يترتب عليها سلامة المجتمع من عوامل الفساد، وكيد المفسدين، وينتج عنها استمرار النهج القويم للمجتمع، والمحافظة على مقوماته. ولا أدل على أهمية هذه الشعيرة المباركة في مجابهة العاملين على إفساد المجتمع الإسلامي، وفي العمل على سلامته ونجاته من ذلك المثل

стр. 567

الذي ضربه النبي ﷺ ، حيث شبه المجتمع المسلم بالسفينة، فقال: " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً "١. قال الشيخ محمد الشوكاني ﵀ مبيناً الأثر الاجتماعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة التعاون والتكاتف في سبيل إقامته، والأثر العكسي للتفريط في ذلك: "فاعلم أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هما من أعظم عُمُد الدين، لأن بهما حصول مصالح الحياة الأولى والأخرى، فإن كانا قائمين قام بقيامها سائر الأعمدة الدينية، والمصالح الدنيوية، وإن كانا غير قائمين لم يكثر الانتفاع بقيام غيرهما من الأمور الدينية والدنيوية. وبيان ذلك: أن أهل الإسلام إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم ثابت الأساس، والقيام به هو شأن الكل والأكثر من الناس، والمعروف بينهم معروف، وهم يد واحدة على إقامة من زاغ عنه، ورد

стр. 568

غواية من فارقه، والمنكر لديهم منكر، وجماعتهم متعاضدة عليه متداعية إليه، متناصرة على الأخذ على يد فاعله وإرجاعه إلى الحق، والحيلولة بينه وبين ما قارفه من الأمر المنكر، فعند ذلك لا يبقى أحد من العباد في ظاهر الأمر تاركاً لما هو معروف، ولا فاعلاً لما هو منكر، لا في عبادة، ولا في معاملة فتظهر أنوار الشرع، وتطلع شموس العدل، وتهب رياح الدين، وتعلن كلمة الله في عباده، وترتفع أوامره ونواهيه، وتقوم دواعي الحق، وتسقط دواعي الباطل، وتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو المرجوع إليه، والمعول عليه، وكتابه الكريم وسنة رسوله المصطفى ﷺ هما المعيار الذي توزن به أعمال العباد، وترجع إليهما في دقيق الأمور وجليلها، وبذلك تنجلي ظلمات البدع، وتنقصم ظهور أهل الظلم، وتنكسر نفوس أهل معاصي الله، وتخفق رايات الشرع في أقطار الأرض، ويضمحل جولان الباطل في جميع بلاد الله . وأما إذا كان هذان الركنان العظيمان غير قائمين، أو كانا قائمين قياماً صورياً لا حقيقياً، فهناك كم من بدع تظهر، وكم من منكرات تستبين، وكم من معروف يخفى، وكم من جولات للعصاة وأهل البدع تقوى وترتفع، ومن ظلمات بعضها فوق بعض تتراكم، فتعمى الطريق السوي على الناس، ومن هرج يمرج في العباد، ويبرز للعيان، وتقر به عين الشيطان، وعند ذلك يكون المؤمن كالشاة، والعاصي كالذئب المفترس.

стр. 569

وهذا بلا شك ولا ريب يقضي بمحو رسوم الدين، وذهاب نور الهدى وانطماس معالم الطريق"١. وبهذا يتبين أثر إقامة هذه الشعيرة الإيمانية الاجتماعية -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- في تحصين المجتمع المسلم ضد تسلل الأفكار المخالفة والشرور المفسدة، وأنه دعامة يحفظ الله بإقامته مقومات المجتمع المسلم.

стр. 570

المطلب الثاني: أثر القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحصين المجتمع من الأفكار الهدامة تقدم الكلام على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمجتمع المسلم، وأن ذلك الأمر من صفات أهل الحق من النبيين وأتباعهم، وأنه من أخص وظائف هذه الأمة وسر أفضليتها، وهو الوسيلة التي يجابهون بها كيد المفسدين ويتحصنون به من تسلل الشرور إلى مجتمعاتهم. وحيث إن هذا البحث يدور حول آثار الإيمان وشعائره في وقاية المؤمنين من الأفكار الهدامة، فسوف أشير في هذا المطلب إلى أثر هذه الشعيرة في هذه الناحية خاصة. إن المنافقين والحاقدين على هذا الدين يدركون أن دعوة المسلمين مباشرة إلى ترك الدين، أو المجاهرة بما يخالفه أمر ينفر منه المؤمن، ويتحفزون لمجابهة الداعين إليه، لذلك فهو يلجؤون إلى أساليب غير مباشرة تنطوي على الخبث والتدرج، ووسيلتهم في ذلك نشر الأفكار الضالة المستوردة من الجاهليات القديمة والحديثة، وإلباسها لباس الإسلام بزخرف القول وصنوف من التلبيسات والشبهات بقصد حرف المفاهيم لدى المسلمين.

стр. 571

وهذا الأسلوب لا ينجح إلا إذا جاهر أولئك المبطلون بدعواتهم وهُيئت لهم الفرصة لمخاطبة أفراد المجتمع، وذلك لا يتسنى لهم إلا بغياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواعي الحازم، لذلك يجب أن تكون الأمة يقظة مهتمة بذلك، محافظة على وسائل الاتصال العامة من أن يتطرق إليها خلل يسمح للمفسدين بمخاطبة المجتمع ونشر تلبيساتهم. "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمانة للبيئة من التلوث الفكري والأخلاقي، وهذا النوع من التلوث لا يقل خطورة وفتكاً عن التلوث الحسي الذي ينجم -مثلاً- عن الحرب الجرثومية التي تفزع الناس، وتقض مضاجعهم، أو غيرها من وسائل التلوث. فإتاحة الفرصة مثلاً لأهل الرذيلة ليمارسوا الفساد من خلال الأغنية والمجلة والكتاب، والأجهزة المرئية، وبيوت الدعارة، وغيرها، هذا يلوث البيئة العامة وينشر الوباء الأخلاقي الفاتك في المجتمع، مما يعسر مهمة المصلحين ويجعلهم يقفون أحياناً عاجزين عن مقاومة تيار الانحلال. وقل مثل ذلك في نشر الشبهات الفكرية التي تشكك الناس في دينهم من خلال الكتاب، والمجلة والجريدة، والشريط، والقصيدة ونحوها، فإن في ذلك أيضاً تلويثاً للبيئة من الناحية الفكرية، مما يجعل كثيراً من الناس يتخبط في بحر الشبهات التي تتجاذبه من هنا وهناك ... والمجتمع الذي تظهر فيه المنكرات -فكرية أو أخلاقية- يتعرض لهزات عظيمة لا يعلم مداها إلا الله، ولهذا قيل: إن المنكر إذا خفي، لم

стр. 572

يضر إلا صاحبه، أما إذا أعلن، فإنه يضر الخاصة والعامة ... وكم هو محزن أن ينشأ بعض أطفال المسلمين في بيئات ملوثة بالسموم الفكرية أو الأخلاقية أو غيرها من سموم الفساد، فيرضعون الرذيلة مع حليب الأم، ويستنشقون الهواء الملوث بالجراثيم المعنوية الفاتكة، فينشأ أحدهم ضحل الثقافة، بعيداً عن الدين، منحرف الفكر والسلوك، غاية علمه خليط من قمامات الأغاني، والتصورات التائهة، والاهتمامات التافهة لا يكاد يقيم آية من القرآن الكريم، يستنكر المظاهر الإسلامية إذا رآها لأنه لم يعتدها ولم يألفها، فيستوحش مثلاً من منظر المرأة المحجبة العفيفة، ويستغرب من صنيعها، لأنه ترعرع في بيئة ملوثة بضروب الجراثيم السلوكية والفكرية"١. ومحصلة هذا الوضع التمزق الفكري، والاختلاف في القناعات والمفاهيم، ثم التبيان في السلوك والمناهج، ثم التحزب والتكتل على تلك المناهج، ونهاية المطاف التناحر والخصام. فالبداية كانت في التفريط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو سوء استخدامه، كالإنكار عن جهل أو الغلو في الإنكار. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبيناً العلاقة بين الاختلاف

стр. 573

والتفريط بهذه الوظيفة: "وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل والطائفة، ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر آخرون إنكاراُ منهياً عنه، فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديماً وحديثاً، إذ الإنسان ظلوم جهول، والظلم والجهل أنواع، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع، وظلم كل من الثاني والثالث وجهلهما من آخر وآخر. ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها، ومن تبعهم من العامة في الفتن هذا أصلها"١. فحصول الفتن والتفرق وضع حاصل من ظلم مركب من بغْي وانحراف بعض أفراد المجتمع، والسكوت أو الإنكار غير السديد من البعض الآخر. قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين مبيناً أثر الإخلال بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حصول الاختلاف والتفرق: "فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامتان قويتان لبقاء الأمة وعزتها ووحدتها، حتى لا تتفرق بهم الأهواء وتتشتت بها المسالك، ولذلك كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الدين على كل مسلم ومسلمة مع

стр. 574

القدرة، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٤، ١٠٥] . فلولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتفرق الناس شيعاً، وتمزقوا كل ممزق كل حزب بما لديهم فرحون ... "١. فالفرقة والاختلاف كما أنها النتيجة الحتمية للفوضى الفكرية السائدة في المجتمع بسبب غياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي أيضاً أنسب الظروف لاستعار الأفكار الهدامة، ونشاط المروجين لها، وانقسام المجتمع وتحزبه عليها. فبهذا يتبين أثر الإيمان من خلال شعبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحصين المجتمع وصيانته من الأفكار الهدامة، وأنه دعامة قوية وهامة يجب المحافظة عليها، والحزم في إقامتها للمحافظة على الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم.

стр. 575

الفصل الثاني: دور ولاية الأمر في حماية المجتمع من الأفكار الهدامة * ... إقامة ولي الأمر -ويسمى إمام المسلمين أو الخليفة- واجب من واجبات الدين، ومن أهمها، لما يترتب عليه من صلاح الدين والدنيا في المجتمع المسلم. قال شيخ الإسلام ﵀: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين لا قيام إلا بها"١. وإذا كان واجباً من واجبات الدين فهو شعيرة من شعائر الإيمان التي كلفت بها الجماعة، وعلى ذلك كان دور الإمام وأعوانه في صيانة المجتمع المسلم من الأفكار المنحرفة وسائر الفساد أثراً من آثار الإيمان. وقد دل على وجوب تنصيب الإمام نصوص من الكتاب والسنة والإجماع، منها: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] . وقول النبي ﷺ : " ... ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية "٢. وقال ﷺ : " لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم

стр. 576

أحدهم "١. وفي رواية: " إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤموا أحدهم "٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعليقاً على هذا الحديث: "فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات، وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم، كان هذا تنبيهاً على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك"٣. وليس الغرض الكلام على التفاصيل المتعلقة بالإمامة، وإنما بيان أمرين هامين لهما صلة بموضوع البحث:

стр. 577

الأول: أهم الضوابط التي تعمل على بقاء هذا الحصن متيناً منيعاً: كالعلم بمهام ومقاصد الحكم في الدولة المسلمة، والعزم والحماس لتحقيقها واستعمال الأصلح، والالتزام بالمشاورة. الثاني: وظائف الإمامة ومقاصد الحكم، ومن أهمها واجب الدفاع عن الدين، ومن ذلك مقاومة الأفكار الهدامة والداعين إليها. وسوف أفرد لكل منها مبحثاً مستقلاً، والله المستعان.

стр. 578

المبحث الأول:ضوابط الإمامة في المجتمع المسلم والمراد بهذا المبحث بيان الأمور التي بمراعاتها ينضبط أمر الإمامة وتصبح حصناً فعالاً قوياً. إن قيام ولي الأمر ودولته بالدور الأكمل في حماية المجتمع وسلامته لا يتم إلا إذا توفرت فيه مقومات الحكم والاستخلاف. فمع كونه رجلاً مسلماً حازماً قوياً، عدلاً عادلاً، عارفاً بأمور السياسة وشؤون الحكم، جريئاً على إقامة حدود الله لا تأخذه في الله لومة لائم، شجاعاً ذا دراية بمصالح الأمة وسبل تحقيقها، مع حرصه عليها وتقديمه لها١، مع ذلك كله لا بد من مراعاة أمور تعتبر أساسية في صلاح ولي الأمر وقيامه بمهام الحكم من أهمها: أولاً: العلم. يشترط للإمام أن يكون عالماً بالأحكام الشرعية، لأنه مكلف بتنفيذها، والعلم مقدم على العمل٢.

стр. 579

ويتأكد على السلطان أن يعرف المقصود بالولاية وأنه: "إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم"١. فوظيفة الإمام نوع من أنواع الجهاد، بل لا يقوم الجهاد إلا بها، فهو الذي يعقد الألوية، ويسيّر الجيوش، فإذا كان كذلك فغاية الإمام هي غاية المجاهدين وهي: أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين لله. فمنصب الإمامة عبادة يتقرب بها إلى الله، يلزم فيها إصلاح النية، وبذل المستطاع في القيام بها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات"٢. ومع علم ولي الأمر بمقصد الولاية وغايتها، ومعرفة الأحكام الشرعية، والأساليب الوسائل التي تحققها لا بد من معرفة أعداء الأمة، وما ذكر الله من عداوتهم وأساليبهم في الكيد للإسلام وأهله، ومعرفة الفرق والحركات المنحرفة التي ظهرت في عصور الإسلام، والأساليب التي سهلت عملها، بقصد أخذ العبرة والحيطة والحذر من تكرارها، ومعرفة

стр. 580

الأساليب التي تسلل من خلالها المنافقون والمبتدعون إلى الحكام حتى تمكنوا من تمرير بعض شرهم من خلال سلطانه، ومعرفة الأخطار والتحديات المعاصرة، والاستعداد لمجابهتها بالخطط المضادة التي تحصن المجتمع وتحاربها وتقمعها. وفي الجملة فإن على الإمام أن يكون عالماً بأهداف المجتمع المسلم، وسبل تحقيقها، عازماً متحمساً للعمل من أجل ذلك، كما يكون عالماً بالأخطار التي تهدده، وسبل مقاومتها والخلاص منها، مندفعاً إلى الأخذ بهذه السبل بكل ما أوتي من حيلة وقوة. وحيث إن الإحاطة بهذه العلوم وتنفيذها، يحتاج إلى جهد عظيم يصعب تحققه في شخص واحد، فقد نص أهل العلم على أن تقريب العلماء وأهل الاختصاص يكمل قصوره في ذلك١. ثانياً: استعمال الأصلح. ولاية أمر الناس أمانة عظيمة، وحيث إنه لا يستطيع شخص واحد -مهما أوتي من قوة وعلم- أن يقوم بجميع مهامّها، لذلك وجب عليه أن يسند أمورها إلى ولاة يعينونه على القيام بها، وبذلك يتحملون هذه الأمانة معه كل فيما أسند إليه، وعليه في ذلك أن يولّي الأصلح الذي هو أهل لحمل تلك الأمانة.

стр. 581

والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٨،٥٩] . فالآية الأولى: بيّنت ما يجب على الحكام والأمراء ومن في حكمهم على وجه الإجمال، وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل. والثانية: بينت ما على الرعية من السمع والطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر، وأمر ثالث يشترك فيه الطرفان، وهو ردّ الأمر عند النزاع إلى الله ورسوله ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك، في قسمهم وحكمهم ومغازيهم، وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله تعالى، فإذا أمروا بمعصية الله تعالى، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .. وإذا كانت الآية قد

стр. 582

أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة"١. وأداء الأمانات عام لجميعها، قال ابن كثير ﵀: "وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، ومن حقوق الله على عباده ... وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض"٢. وإسناد الأمر إلى أهله وتولية الأصلح، وعدم اعتبار القرابة، أو الصداقة أو أي اعتبار آخر في الولاية أمر داخل ضمن عموم الأمانات التي أمرت الآية بأدائها؛ إلا أنه متأكد من جهة انه من أعمال الحكام الذين خاطبتهم الآية في المقام الأول. قال ابن تيمية ﵀: "أما أداء الأمانات ففيه نوعان: أحدهما الولايات، وهو كان سبب نزول الآية، فإن النبي ﷺ لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبه٣،طلبها منه

стр. 583

العباس١ ليجمع له بين سقاية الحاج، وسدانة البيت، فأنزل الله هذه الآية٢ فأعاد مفاتيح الكعبة إلى بني شيبه، فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين، أصلح من يجده لذلك العمل"٣. وعلى ذلك عليه أن يجتهد في البحث عن المستحقين للولايات، من نوابه على الأمصار والوزراء والقضاة ومدراء المصالح العامة، ورؤساء العشائر، وأمراء الجند الصغار منهم والكبار، وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده٤. والميزان الذي يوزن به العمال هو: القوة والأمانة، والعلم والتقوى. قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] . وقال: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] .

стр. 584

ويختار الأمثل فالأمثل، ويستعان بأهل العلم والرأي والفضل في التعرف عليهم. ولا يجوز أن يكون المعيار هو القرابة أو الصداقة أو غير ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة أو صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة، أو جنس كالعربية والفارسية والتركية والرومية، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] "١. ومن المعايير التي جدت في زماننا بالإضافة إلى ما ذكره شيخ الإسلام تولية المناصب الوزارية أو الإدارية وغيرها من الولايات الهامة بالشهادات أو بسبق الطلب، والتقدم للوظيفة، دون التمييز بالصلاح والكفاءة من جهة القوة والأمانة. فالشهادة تدل على العلم المهني أو الشرعي، ولكن لا تدل على الأمانة والقوة والتقوى، وهي أمور مقدمة، لذلك كان الواجب اختيار

стр. 585

من توفرت فيه هذه الأمور مجتمعة: فيكون حائزاً على الشهادة في التخصص الذي يسند إليه، مع معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة به، وثبت بالتزكيات من الثقات أمانته وتقواه، ويبتلى لمعرفة قوته وحزمه في القيام بما يسند إليه. وإذا لم تتوفر مجتمعة قدّم أهل الأمانة والقوة والتقوى بشرط علمهم بما يسند إليهم ولو دون شهادة، أو يعلمون ما يحتاجون إليه بعد الاختيار، مع تزويدهم بالأعوان والمساعدين المهرة المتخصصين، فيكملون نقصهم. وهذا الواجب على ولاة الأمر -وهو تولية الأصلح- حصن ودعامة يقوم عليها سلامة المجتمع بانتشار العدل، ووصول الحقوق إلى أهلها، واستقامة أمور الناس العامة والخاصة على الهدى، وبذلك يقطع الطريق أمام كل فكر خبيث، أو تخطيط ماكر يستهدف تقويض أركان المجتمع المسلم، حيث إن كل صاحب ولاية على ثغرة من ثغرات المجتمع الإسلامي، عالم بدوره، مخلص صادق في تنفيذه والدفاع عنه، قوي على ذلك، فأنى يجد الشر إلى المجتمع سبيلاً؟. وإذا اختل هذا الأمر وضيعت هذه الأمانة، وأسندت الأمور إلى غير أهلها، حصل خلل عظيم في المجتمع المسلم، وفتحت ثغرات خطيرة تمهد السبيل لأعداء الأمة للتسلل إليه للفساد والإفساد، وترويج الأفكار الهدامة، والسلوك المنحرف.

стр. 586

قال ﷺ : "إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة " قال١: كيف إضاعتها يا رسول الله. قال: " إذا أسند الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة "٢. فقد بين ﷺ أن من علامات قرب الساعة تضييع الأمانة بإسناد الأمر إلى غير أهله، ومعلوم أن الساعة لا تقوم إلى على شرار الخلق، الذين انتشر الجهل بينهم والفساد، وبذلك يكون إسناد الأمر إلى غير أهله من أسباب فساد الناس في آخر الزمان. وسر ذلك أن الأمور إذا لم تسند إلى أهلها فإنها تسند إلى الجهال أو السفهاء أو الضعفاء أو إلى الخونة والمنافقين. فالجهال والسفهاء يخبطون في أعمالهم بلا هدى، ويضعون الأمور في غير مواضعها، وقد يفسدون وهم لا يشعرون، وكثيراً ما يغرر بهم ويخدعون من طائفة المنافقين والحاقدين. أما الضعفاء فإنهم عاجزون عن تنفيذ ما يرونه صالحاً، ويغلبون على

стр. 587

أمرهم فيبقى الحق الذي أمروا به بعيداً عن التنفيذ، ويظهر الفساد والمنكر في أعمالهم ويضعفون عن إزالته، وهذه ثغرة اجتماعية خطيرة ليس لها إلا أهل الحزم والقوة والعلم والديانة. أمّا المنافقون فهم الشر المستطير، ومنهم الضرر الكبير، وشرهم حاصل للجماعة المسلمة دون أن يتولوا من أمورها شيئاً، فكيف إذا أسندت بعض الأمور الهامة إليهم. فتلك قاصمة الظهر، وسوسة النخر. قال تعالى محذراً من طاعتهم ومشاورتهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [الأحزاب:١-٣] . قال ابن كثير ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أي لا تسمع منهم ولا تستشرهم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ أي من قرآن وسنة ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي فلا تخفى عليه خافية ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أي في جميع أمورك وأحوالك ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ أي وكفى به وكيلاً لمن

стр. 588

توكل عليه وأناب إليه"١. فبعد أن نهاه الله عن طاعة الكافرين والمنافقين، أمره باتباع الوحي النازل من العليم الحكيم الخبير، ففيه النور والهداية والرشاد. وأرشده للتوكل عليه وحده، وتفويض الأمور إليه، وتعلق القلب به في التسديد والتوفيق لما فيه صلاح الدين والدنيا، وفي ذلك إشارة إلى عدم تعلق القلب أو رجاء الهداية من أعداء الله مهما كان عندهم من العلم، أو أظهروا من النصح فلا يولون ولا يستشارون، بل يحذرون ويجتنبون. وقد بيّن الله العلة من النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين، وهي كونهم يضمرون الشر لأهل الإسلام ويخططون لإخراجهم من دينهم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠] . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩] . وقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ

стр. 589

اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٩] . فإذا كان هذا هو حال الكفار عموماً، واليهود والنصارى خصوصاً يعملون جاهدين لصدّ المسلمين عن دينهم، فالمنافقون هم الجسر الذي يتوصلون من خلاله إلى المجتمع المسلم، وينفذون بواسطتهم أفكارهم الخبيثة ومخططاتهم الشريرة. قال تعالى في معرض بيان حال المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤، ١٥] . قولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: "على مثل ما أنتم عليه"١، فهم مع الكفار مشاركين لهم في الكفر وعداوة الرسول ﷺ والمؤمنين، وفي الكيد للإسلام وأهله. وقال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢] .

стр. 590

قال ابن كثير ﵀: "وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي شك وريب ونفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي يبادرون إلى موالاتهم في الباطن والظاهر ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ أي يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك"١. فالمنافقون يتخذون عند اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار أيادٍ يرضونهم ويتحببون بها إليهم، فيُسدون لهم الخدمات، ومن أعظمها مساعدتهم في التجسس على المسلمين، وتمرير خططهم وكيدهم إلى جسد الأمة الإسلامية، والذي يعتبر ضرباً فعّالاً في حرب الكافرين للمسلمين، يستهدف زعزعة الجبهة الداخلية، وانحلال أسباب قوتها وتماسكها، فيسهل الظفر بها، فيخرجوا من قدروا عليه من المسلمين من دينه، كما هو حالهم في كثير من البلاد التي احتلوها. قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] . والحق أن الكفار لا يريدون من المنافقين أكثر من هذا، وفي المقابل يقدمون للمنافقين الكثير من المال، ومتاع الدنيا.

стр. 591

والمنافقون مع كونهم ثغرة في حصن المجتمع المسلم تنفذ من خلالها الشرور الخارجية، فهم في حد ذاتهم منبع شر وضرر وفساد للمجتمع لما اتصفوا به من إشاعة الشبهات، ومحبة ظهور الفاحشة في الذين آمنوا، وأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف. قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٦٧] . لذلك كانت تولية الكفار أو المنافقين المناصب الهامة- كالوزارات أو الإدارات أو وظائف التخطيط، أو التعليم، أو اتخاذهم مستشارين لولي الأمر، أو عُمّاله أو تقريبهم بأي شكل من الأشكال، كالمنادمة أو المصاهرة -يعتبر من الخيانة للأمانة، وهو خرق عظيم في حصن المجتمع المسلم، وسوف يناله به فساد ذريع، ومن أخطر نتائجه الترويج للأفكار الهدامة وزخرفتها بدعم من المنافقين الذين اشتدت شوكتهم بتقريب ولاة الأمر لهم. وكم حرص الكفار والمنافقون على التقرب لولاة الأمر وأعوانهم بشتى الوسائل، فتعلموا المهن النادرة: كالطب والصناعة ونحوها، وانتحلوا الشعر والظرافة للمؤانسة والمنادمة، وتسللوا إلى بيوتهم بإهداء الجواري الحسان، والخادمات الماهرات، أو عن طريق المصاهرة وهو أخطرها.

стр. 592

وإذا فتح لهم المجال إلى الولاة، ولو قليل استغلوه أسوأ استغلال، وكانت خطوتهم الأولى هي التقليل من شأن العلماء بأساليب متنوعة، وإيحاءات ماكرة، فيصفونهم بالانزواء وعدم الانفتاح، والتشدد والبعد عن حياة الناس، والجهل بأمور السياسة، وأنه لا ينبغي استشارتهم إلا في أمور العبادات فقط. وفي المقابل يشيرون عليهم بتولية أشخاص مشبوهين يعرفون عنهم النفاق، ويطمعون في ظل ولايتهم في الانطلاق في أهوائهم ومخططاتهم المعادية للإسلام. وهكذا شيئاً فشيئاً حتى يكثر عددهم ويتفاقم شرهم، فيستحوذون على السلطان، ويصيب الإسلام منهم أعظم الرزايا، كما حصل في عهد هارون الرشيد١ عندما استولى أبناء فارس من البرامكة٢ وغيرهم على

стр. 593

الوزارات وقيادة الجيوش، وكثرت نساؤهم في بيوت الخليفة وأبنائه وأقاربه: من زوجات، وأمهات أولاد، وخادمات ومربيات، وولد لهارون ابنه المأمون من جارية فارسية، وتربى في كنف أخواله من أبناء وبنات الفرس، ثم آلت الخلافة إليه فحصل للأمة بسببه فتنة عظيمة، فقمع أهل السنة وعزلهم عن مناصب القضاء والفتيا، ومنعهم من التدريس، وحملهم على القول بخلق القرآن، وتعطيل صفات الباري ، وما نجم عن ذلك من تعذيب وسجن وقتل عدد من علماء الأمة وفضلائها، وعلى رأسهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ الذي سجن بأمر المأمون، وجلد في عهد المعتصم، ولا حول ولا قوة إلا بالله١. وفي مقابل ذلك مكن المأمون أهل البدعة من المعتزلة والشيعة والفلاسفة، وشجع ترجمة كتبهم، فكانت أعظم فتنة فكرية جابهت الإسلام من داخله، ودُعِمت من خليفة المسلمين، بفعل تخطيط أعداء الإسلام الطويل الأمد٢.

стр. 594

ثالثاً: المشاورة. والمقصود أن مشاورة ولي الأمر لأهل العلم والعقل والتجربة والاختصاص في النوازل والأمور الهامة، أمر لا غنى عنه، وهو حصن تتحصن به الأمة من عواقب الاستبداد بالحكم والقرار الذي يفتح عليها ثغرات خطيرة، قد لا يدركها ولي الأمر، وإنما بالمشاورة ينبه إليها. "فمبدأ الشورى من أهم مقومات الحكم في الإسلام، به نطق القرآن وجاءت به السنة، وأجمع عليه الفقهاء، وهو حق للأمة وواجب على الخليفة"١. قال ابن تيمية ﵀: "لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله أمر بها نبيه ﷺ ، فقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] "٢. ويروى عن أبي هريرة ﵁: "ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله"٣.

стр. 595

وامتدح الله جماعة المؤمنين بالتزامهم بهذا المبدأ الهام، فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] . وأولى الناس بالمشورة العلماء أهل الذكر، الذين عرفوا أحكام الشريعة وحدود الله، ودرسوا ما في الكتاب والسنة من الحكم والعبر والسنن، واستناروا بنورهما. قال البخاري ﵀: "وكان الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي ﷺ "١. وقال أيضاً: "وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولاً وشباناً، وكان وقافاً عند كتاب الله "٢. فواجب على الإمام تقريب العلماء واستشارتهم في الأمور المهمة من أمور الدين والدنيا. وإذا استشارهم في أمور الدين، فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه

стр. 596

من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، أو إجماع المسلمين، فعليه اتباعه ولا طاعة لأحد خلاف ذلك١. فإن من أهداف المشورة اتضاح الحكم إذا كان خافياً على الإمام. قال الإمام الشافعي ﵀: "إنما يؤمر الحاكم بالمشورة، لكون المشير ينبهه على ما يغفل عنه، ويدله على ما لا يستحضره من الدليل"٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى كل منهم أن يتحرى فيما يقوله وما يفعله، طاعة الله ورسوله واتباع كتاب الله. ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة، كان هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت، أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك، فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال"٣. أما استشارتهم في أمور الدنيا، فتكون في شؤون الدولة المهمة مثل: تسيير الجيوش، وإعلان الحرب، وعقد المعاهدات، وإسناد المناصب المهمة في الدولة إلى مستحقيها٤.

стр. 597

وكذلك السياسات الداخلية والخارجية، كسياسة التربية والتعليم، والسياسة المالية والصناعية، والتجارية، والطبية، وكذا خطط الدولة التنموية، وعلاقاتها الخارجية. فكل ناحية منها لها جانبان: جانب يتعلق بالمهنة، وجانب يتعلق بالتعامل، وكل منهما له ضوابط شرعية يجب مراعاتها، ويلزم عرضها على أهل الشريعة بعد أهل الصنعة للتأكد من سلامة الخطة والسياسة من مخالفات شرعية أو ثغرات تؤدي إلى مفاسد خلقية أو اجتماعية أو نحوها. فنظر العلماء لا يقل أهمية عن نظر المختصين والخبراء. وليس هناك مجال من مجالات الحياة ليس للعلماء نظر فيه. ودور العلماء لا يقتصر على المشاورة في الخطوط العريضة للأمور بل يتعدى ذلك إلى التفاصيل الدقيقة المنظمة لذلك الأمر. ونظراً لتشعب نواحي الحياة ودقتها في الوقت الحاضر، فيقتضي الأمر تشكيل هيئة استشارية لها لجان متعددة مختصة بدراسة جميع أوضاع الدولة من الناحية الشرعية. يكلف بعض هذه اللجان بالنظر في الأوضاع القائمة، ودراسة البحوث المقدمة فيها، واقتراح الإصلاحات. ولجان أخرى تنظر في المشاريع المقترحة والنوازل الطارئة، والتأكد من ملائمة ما يقترح لها من جميع نواحيه لأحكام الشريعة الإسلامية. واقتراح التعديلات المناسبة. ويقوم على هذه اللجان نخبة من العلماء الأمناء، ويستعينون عند

стр. 598

الحاجة بالعلماء الآخرين الذين ليسوا أعضاء فيها. ولا يقتصر في المشاورة في أمور الدنيا على العلماء، بل يشترك معهم أهل النظر والاختصاص والتجربة من سائر المسلمين، ويشترط فيهم الأمانة وسلامة الديانة والنصح للأمة. والتزام ولي الأمر بمبدأ المشاروة -وخاصة مشاروة أهل العلم- يمثل حصناً سلطانياً اجتماعياً تتكاتف فيه العقول المستنيرة على انتهاج أفضل السبل وأكثرها نقاء وصفاء وبعداً عن شوائب الجاهلية وأفكارها وأنظمتها الفاسدة. وبذلك يقطع الطريق على المفسدين من المنافقين والكافرين والفاسقين الذين يحاولون جاهدين أن يمرروا باطلهم عن طريق السلطان. لذلك شدد الله النهي لرسوله ﷺ في أكثر موضع عن طاعتهم أو مشاروتهم. كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان:٢٤] . وقوله: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [الأحزاب:٤٨] . واختلال هذا المبدأ -إما بالاستبداد من ولي الأمر والمشاركين له في الحكم، أو بترك مشاورة أهل العلم، والجنوح إلى مشاورة أهل الفسق والخيانة والنفاق- ينتج عنه خطر عظيم، فهو ثغرة تمرر من خلالها أفكار

стр. 599

الجاهلية ونظرياتها، ونظمها تحت أغلفة براقة، وشبه منمقة، كادعاء الحاجة أو الضرورة، وعدم وجود البديل، وغير ذلك من المبررات التي قد يستحسنها الولاة، ويعملون بها عند تعطيل الشورى. وخلاصة هذا المبحث: أن ولي الأمر يمثل دعامة من دعائم المجتمع المسلم، فإذا كان صادق الإيمان، مراقباً لله في كل ما يأتي ويقرر، قائماً بما عليه خير قيام، كانت الثغرة التي من قبله مسدودة آمنة، وأهم عوامل سلامة هذه الدعامة أن يكون ولي الأمر عالماً بالأحكام الإسلامية، وبمهام الحكم ومقاصد الولاية، غيوراً على الإسلام متحمساً لتنفيذه، والدفاع عنه ونشره، وان يستعمل الأصلح في أعماله، ويحذر من توليه الكافرين والمنافقين، أو غير الأمناء، أو الضعفاء، وأن يستشير أهل العلم والصلاح والرأي والخبرة. وبذلك يكون المجتمع قوياً من الداخل ضد أي شر يتربص به الدوائر، وخاصة الأفكار الهدامة التي تستهدف القضاء على مقوماته الدينية والاجتماعية.

стр. 600

المبحث الثاني: وظائف الإمامة، ومقاصد الحكم والمقصود بهذا المبحث بيان أن على الإمام واجباً عظيماً في حماية دين الأمة وصيانته، وأن ذلك من أهم مقاصد الحكم، ومن ذلك مكافحة الأفكار الهدامة وقمع مروجيها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالمقصود الواجب في الولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم"١. وقال الماوردي٢: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"٣. وعلى ما تقدم يتبين أن وظائف الخلافة، ومقاصد الحكم تجمل في
следующие страницы →