الوجه نقي العمل، ذا صفاتٍ حميدة فيستحق الإنعام؛ وإن كان كل ذلك بفضل الله، وإحسانه.
стр. 37
شرح حديث: إذا قبضْتُ كريمة عبدي
...
١٨- "إذا قبضت كريمة عبدي، وهو بها ضنين، فحمدني على ذلك؛ لم أرضَ له ثوابًا دون الجنة" ١. رواه الطبراني، وابن حبان، وأبو نعيم عن العرباض بن سارية.
стр. 38
شرح حديث: إذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا
...
١٩- "إذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا؛ لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة، إذا حمدني عليهما" ١. رواه الترمذي عن أنس.
стр. 39
شرح حديث: إذا أخذت كريمتي عبدي، فصبر
...
٢٠- "إذا أخذت كريمتي عبدي، فصبر، واحتسب؛ لم أرَ له ثوابًا دون الجنة" ١. رواه البخاري عن أنس، وأحمد عن أبي أمامة٢.
ش- تقدم شرح الحديث، وعبرَّ هنا في الحديث الأول بالكريمة بالإفراد، وفي الثاني بالتثنية -كريمتي- وفي الثالث كذلك. الكريمة: العين، وعبر عنها بذلك لأنها أكرم الأعضاء، وأنفعها للإنسان. وقوله: ضنين؛ أي: بخيل. ففيه حث على الصبر إذا
стр. 40
بُلِي الإنسان بمصائب الدنيا، بأن كل شيء بحسبه من الأجر والثواب.
стр. 41
شرح حديث: إذا هم عبدي بحسة، ولم يعملها
...
٢١- "إذا همَّ عبدي بحسنةٍ، ولم يعملها؛ كتبتها له حسنة، فإن عملها؛ كتبتها عشرحسنات إلى سبعمئة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها، لم أكتبها عليه، فإن عملها؛ كتبتها سيئةً واحدةً" ١. رواه الشيخان، والترمذي، وابن حبان عن أبي هريرة.
стр. 42
شرح حديث: إذا هم عبدي بسيئة
...
٢٢- "إذا هم عبدي بسيئة، فلم يعملها؛ فاكتبوها له حسنة، فإن عملها؛ فاكتبوها له سيئة، فإن تاب منها؛ فامحوها عنه، وإذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها؛ فاكتوبها له حسنة، فإن عملها؛ فاكتبوها بعشرة أمثالها إلى سبعمئة ضعف" ١. رواه ابن حبان عن أبي الدرداء.
стр. 43
شرح حديث: إذا هم عبدي بسيئة
...
٢٣- "إذا هم عبدي بسيئة؛ فلا تكتبوها عليه، فإن عملها؛ فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها؛ فاكتبوها حسنة، فإذا عملها؛ فاكتبوها عشرًا" ١، رواه الشيخان عنه.
ش- الهمُّ: ترجيحُ قصد الفعل، تقول، هممتُ بكذا: أي قصدته بهمتي، وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب. قال ابن فارس: الهم: ما هممت به، وهممت بالشيء همًا من باب قتل: إذا أردته، ولم تفعله، ووقع لمسلم في رواية همام عن أبي هريرة بلفظ: "إذا تحدث" وهو محمول على حديث النفس، لتوافق الروايات الأخرى. قال الحافظ ابن حجر: ولكن ليس قيدًا في كتابة الحسنة، بل بمجرد الإرادة تكتب الحسنة، نعم ورد ما يدل على أن مطلق الهم والإرادة لا يكفي، فعند أحمد،
стр. 44
وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث خريم بن فاتك رفعه: "ومن هم بحسنة يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه، وحرص عليها" ١ وقد تمسك به ابن حبان، فقال بعد إيراد حديث الباب في "صحيحه": المراد بالهم هنا: العزم، ثم قال: ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد الهم بها. وإن لم يعزم عليها زيادة في الفضل. وقوله: "ولم يعملها" يتناول نفي عمل الجوارح، وأما عمل القلب: فيحتمل نفيه أيضًا؛ إن كانت الحسنة تكتب بمجرد الهم كما في معظم الأحاديث، لا إن قيدت بالتصميم كما في حديث خريم، ويؤيد الأول حديث أبي ذر عند مسلم: "إنَّ الكف عن الشرِّ صدقة". وقوله في الحديث الأول: "كتبتها له حسنة" أي: لمن هم بالحسنة، ولم يعملها. وفي رواية البخاري: حسنة كاملة. ومعنى قوله: "كتبتها": أمر الملائكة الحفظة بكتابتها، بدليل ما في الحديث الثاني، والثالث، وما في رواية البخاري عن أبي هريرة في كتاب التوحيد بلفظ: "إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها" ٢ وفيه دليل عى أن الملك يطلع على ما في قلب الآدمي، إما بإطلاع الله إياه، أو بأن يخلق له علمًا يدرك به ذلك: ويؤيد الأول: ما أخرجه ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني٣: "قال ينادي الملك: اكتب لفلان كذا، وكذا، فيقول: يا رب إنه لم يعمله. فيقول: إنه نواه. وقيل: بل يجد الملك للهم بالسيئة رائحة خبيثة، وبالحسنة رائحة طيبة. وأخرج ذلك الطبري عن ابن معشر المدني، وجاء مثله عن سفيان بن عيينة: ورأيت في شرح مغلطاي٤: أنه ورد مرفوعًا. قال الطوفي٥: إنما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة؛ لأن
стр. 45
إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير؛ لأن إرادة الخير من عمل القلب، واستشكل بأنه إذا كان كذلك، فكيف لا تتضاعف لعموم قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الانعام: ١٦٠] وأُجيب بمثل الآية على عمل الجوارح، والحديث الهم على المجرد، واستشكل أيضًا بأن عمل القلب إذا اعتبر في حصول الحسنة، فكيف لم يعتبر في حصول السيئة، وخالف هواه، ثم إن ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك، سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيًا مع بقاء قصد الذي هم بفعل الحسنة فهي عظيمة القدر، ولاسيما إن قارنها ندم على تفويتها، واستمرت النية على فعلها عند القدرة: وإن كان الترك من الذي هم من قِبل نفسه، فهي دون ذلك إلا إن قارنها قصد الإعراض عنها جملة، والرغبة عن فعلها، ولاسيما إن وقع العمل في عكسها، كان يريد أن يتصدق بدرهم مثلًا فصرفه بعينه في معصية، فالذي يظهر في الأخير ألا تكتب له حسنة أصلًا، وأما ما قبله فعلى الاحتمال، أفاده الحافظ ابن حجر في "فتحه".
والضِّعف في اللغة: المثنى، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله، قال الخليلي١: التضعيف أن يزاد على أصل الشيء، فيجعل مثليه وأكثر، وكذلك من الأضعاف، والمضاعفة. وقال الأزهري٢: الضعف في كلام العرب: المثل. هذا هو الأصل، ثم استعمل الضعف في المثل وما زاد، وليس للزيادة حد.
قال الحافظ: والتحقيق: أنه اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر، فإذا قيل: ضعف العشرة فهم: أن المراد عشرون، ومن ذلك: لو أقرَّ بأن له عندي ضعف
стр. 46
دِرهم لزمه درهمان. أو ضعفي درهم، لزمه ثلاثة.
وقوله: "وإذا همَّ بسيئة" ... إلخ ظاهره: إطلاق كتابة الحسنة بمجرد الترك، وقد جاء مقيدًا في صحيح البخاري من حديث الأعرج عن أبي هريرة، ولفظه: "إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها حتى يعملها، فإن عملها؛ فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي؛ فاكتبوها له حسنة".
ونقل القاضي عياض عن بعض العلماء: أنه حمل حديث ابن عباس على عمومه. ثم صوَّب حمل مطلقه على ما قيد في حديث أبي هريرة. قال الحافظ بن حجر: قلت: ويحتمل أن تكون حسنة من ترك بغير استحضار ما قيد به دون حسنة الآخر، لما تقدَّم: أن ترك المعصية كفٌّ عن الشر، والكف عن الشر خير. ويحتمل أيضًا أن يكتب لمن هم بالمعصية ثم تركها حسنة مجردة، فإن تركها من مخافة ربه سبحانه كُتبت حسنة مضاعفة. وقال الخطابي١: محل كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه؛ لأن الإنسان لا يسمى تاركًا إلا مع القدرة، ويدخل فيه من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلًا فيجد الباب مغلقًا ويتعسَّر فتحه. ومثله: من تمكن من الزنى مثلًا، فلم ينتشر، أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلًا. ووقع في حديث أبي كبشة الأنماري ما قد يعرض ظاهر حديث الباب، وهو ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وصححه بلفظ: "إنما الدنيا لأربعة" فذكر الحديث، وفيه "وعبد رزقه الله مالًا، ولم يرزقه علماً، فهو يعمل في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يرى لله فيه حقًا، فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يرزقه الله مالًا، ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا؛ لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الوزر سواء" ٢ فقيل: الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين،
стр. 47
فتُحمل الحالة الأولى على مَنْ همَّ بالمعصية همًا مجردًا من غير تصميم، والحالة الثانية على من صمم على ذلك، وأصرَّ عليه. وهو موافق لما ذهب إليه الباقلاني١، وغيره، قال المازري٢: ذهب ابن الباقلاني -يعني: ومن تبعه- إلى أن من عزم على المعصية بقلبه، ووطَّن عليها نفسه: أنه يأثم، وحمل الأحاديث الواردة في العفوعمن هم بسيئة ولم يعملها على الخاطر الذي يمر بالقلب، ولا يستقر. قال المازري: وخالفه كثير من الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، ونقل ذلك عن نص الشافعي، ويؤيده قوله في حديث أبي هريرة فيما أخرجه مسلم من طريق همَّام عنه بلفظ: "فأنا أغفرها له مالم يعملها" ٣. فإن الظاهر: أن المراد بالعمل هنا عمل الجارحة بالمعصية المهموم به، وتعقبه عياض بأن عامة السلف وأهل العلم على ما قال ابن الباقلاني؛ لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنهم قالوا: إن العزم على السيئة يكتب سيئة مجردة، لا السيئة التي هم أن يعملها، كمن يأمر بتحصيل معصية ثم لا يفعلها بعد حصرها، فإنه يأثم بالأمر المذكور، لا بالمعصية. ومما يدل على ذلك حديث "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" والذي يظهر: أنه من هذا الجنس، وهو أنه يعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقه، ولا يُعاقب عقاب من باشر القتل حسًا. وهنا قسم آخر، وهو أن من فعل المعصية، ولم يتب منها، ثم هم أن يعود إليها؛ فإنه يعاقب على الإصرار، كما جزم به ابن المبارك وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] ويؤيده: أن الإصرار معصية إتفاقًا، فمن عزم على المعصية، وصمَّم
стр. 48
عليها كُتبتْ عليه سيئة، فإذا عملها كتبت عليه معصية ثانية. قال النووي: وهذا ظاهر حسن لامزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] الآية، وقوله: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] وغير ذلك.
وقال ابن الجوزي: إذا حدث نفسه بالمعصيةلم يؤاخذ، فإن عزم، وصمم زاد على حديث النفس، وهو من عمل القلب. قال: والدليل على التفريق بين الهم والعزم: أن من كان في الصلاة، فوقع في خاطره أن يقطعها لم تنقطع. فإذا صمم على قطعها بطلت. وأجيب عن القول الأول بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلة بالمعصية لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة إذا لم يعمل المقصود؛ للفرق بين ما هو بالقصد، وما هو بالوسيلة.
وقسم بعضهم ما يقع في النفس أقسامًا يظهر منها الجواب عن الثاني، أضعفها: أن يخطر له، ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفوعنها، وهو دون التردد. وفوقه: أن يتردد فيه، فيهُم به، ثم ينفر عنه، فيتركه، ثم يهم به، ثم يترك كذلك، ولا يستمر على قصده، وهذا هو التردد، فيعفى عنه أيضًا. وفوقه: أن يميل إليه، ولا ينفر عنه، لكن بل لا يصمم على فعله، وهذا هو الهم، فيعفى عنه أيضًا.
وفوقه: أن يميل إليه، ولا ينفر عنه بل يصمم، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهم، وهو على قسمين:
"القسم الأول" أن يكون من أعمال القلوب صرفًا، كالشك في الوحدانية، أو النبوة، أو البعث، فهذا كفر، ويعاقب عليه جزمًا، ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر، كمن يحب ما يبغض الله، ويبغض ما يبحه الله، ويحب للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا يأثم، ويلتحق به الكبر، والعجب، والبغي، والمكر، والحسد.
وفي بعض هذا خلاف؛ فعن الحسن البصري١: أن سوء الظن بالمسلم وحسده معفو
стр. 49
عنه، وحملوه على ما يقع في النفس مما لا يقدر على دفعه، لكن من يقع له ذلك مأمور بمجاهدة النفس على تركه.
"والقسم الثاني" أن يكون من أعمال الجوارح، كالزنى، والسرقة، فهو الذي وقع فيه النزاع، فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلًا، ونقل عن نص الشافعي، ويؤيده ما وقع في حديث خريم بن فاتك المنبه عليه قبل، فإنه حيث ذكر الهم بالحسنة قال: علم الله أنه أشعرها قلبه، وحرص عليها، وحيث ذكر الهم بالسيئة لم يقيد بشيء، بل قال فيه: ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، والمقام مقام الفضل، فلا يليق التحجير فيه.
وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم، وسأل ابن المبارك سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بما يهم به؟ قال: إذا جزم بذلك، واستدل كثير منهم بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وحملوا حديث أبي هريرة الصحيح المرفوع: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به، أو تكلم" ١ على الخطرات، كما تقدم.
ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفة: يُعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصةً بنحو الهم، والغم، وقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة، لكن بالعتاب، لا بالعذاب، وهذا قول ابن جريج٢، والربيع بن أنس٣، وطائفة، ونسب ذلك إلى ابن عباس أيضًا، واستدلوا بحديث النجوى الماضي شرحه في باب ستر المؤمن على نفسه من كتاب الأدب، واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهم بالمعصية ما يقع في الحرم المكي، ولو لم يصمم، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ
стр. 50
عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ذكره السدّي في تفسيره عن مرَّة، عن ابن مسعود، وأخرجه أحمد من طريقه مرفوعًا، ومنهم من رجحه موقوفًا، ويؤيد ذلك: أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه، فمن همَّ بالمعصية فيه خالف الواجب بانتهاك حرمته.
وتعقب هذا البحث بأن تعظيم الله آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك فمن هم بمعصية لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذه بما دونه، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة الله؛ لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشد من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى! نعم من هم بالمعصية قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن هم بمعصية الله قاصدًا الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفو عنه من هم بمعصية ذاهلًا عن قصد الاستخفاف.
وهذا تفصيل جيد، ينبغي أن يستحصر عند شرح حديث: "لا يزني الزاني وهو مؤمن" ١.
وقال السبكي٢: الكبير الهاجس لا يؤاخذ به إجماعًا، والخاطر، وهو جريان ذلك الهاجس وحديث النفس لا يؤاخذ به لحديث الباب. والعزم -وهو قوة ذلك القصد، أو الجزم به، ورفع التردد - قال المحققون: يُؤاخذ به، وقال بعضهم: لا، واحتجَّ بقول أهل اللغة: هم بالشيء: عزم عليه، وهذا لا يكفي، قال: ومن أدلة الأول حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفهما ... " ٣ الحديث، وفيه: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" فعلل بالحرص. واحتج بعضهم بأعمال القلوب، ولا حجة معه؛ لأنها على قسمين:
стр. 51
أحدهما لا يتعلق بفعل خارجي وليس البحث فيه، والثاني يتعلق بالملتقيين عزم كل منهما على قتل صاحبه، واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه، وهو شهر السلاح إشارته به إلى الآخر، فهذا الفعل يؤاخذ به سواء حصل القتل أم لا، انتهى. ولا يلزم من قوله: "فالقاتل والمقتول في النار" أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق. والله أعلم.
стр. 52
شرح حديث: إذا اشتكى عبدي فأظهر المرض
...
٢٤- "إذا اشتكى عبدي فأظهر المرض من قبل ثلاثٍ فقد شكاني" ١. رواه الطبراني في الأوسط عنه.
ش- الشكوى والشكاة والشكاية: المرض، والمعنى: إذا مرض العبد فأظهر مرضه، وأخبر به من يراه، أو يزروه قبل ثلاث أيام؛ فقد شكا مولاه الرحيم إلى عبده الضعيف، وأخبر بما يقاسيه من ألم المرض الذي أوجده فيه ربه، وخالقه، وليس هذا حال المؤمن القوي الإيمان بل حال ضعفاء القلوب. اللهم اجعلنا من عبادك الصابرين في السراء والضراء!
стр. 53
شرح حديث: أربع خصال: واحدة فيما بيني وبينك
...
٢٥- "أربع خِصال: واحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي، وواحدة لي، وواحدة لك. فأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئًا. وأما التي لك: فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك: فمنك الدعاء، وعليَّ الإجابة. وأما التي بينك وبين عبادي: ترضى لهم ما ترضى لنفسك" ١. رواه أبو نعيم عن أنس.
ش- في الحديث أربع خصال: الخصلة الأولى تختص بالله جل ذكره، أعني: العبادة، وهي في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد، وبعير معبد؛ أي: مذلل، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة، والخضوع، والخوف. قال الراغب الأصفهاني
стр. 54
في مفرداته: العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، والعبادة ضربان: عبادة بالتسخير، وهي الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم، وتكون للإنسان، والحيوانات والنبات. وعبادة باختيار، وهي لذوي النطق، وهي المأمور بها في نحو قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٦] . اهـ ولا يجوز فعلها شرعًا، ولا عقلًا إلا الله تعالى؛ لأنه المستحق لكونه موليًا لأعظم النعم من الحياة، والوجود، وتوابعهما؛ لذلك يحرم السجود لغيره ؛ لأن وضع أشرف الأعضاء على أهون الأشياء وهو التراب، ومواطئ الأقدام والنعال غاية الخضوع. وقيل: لا تستعمل إلا في الخضوع له سبحانه، وما ورد من نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وارد على زعمهم تعريضًا لهم ونداءً على غباوتهم؛ وتستعمل بمعنى الطاعة، ومنه ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] وبمعنى الدعاء، ومنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] وبمعنى التوحيد، ومنه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وكلها متقاربة المعنى.
والخصلة الثانية: هي مختصة بالعبد، وهي استحقاق الأجر، وجزاؤه على عمله الصالح يعني: أن الله يجزي العبد على ما عمل من الخير، وأما ما عمل من الشر: فأمره موكول إلى ربه وموجده، إن شاء حاسبه عليه وعاقبه، وإن شاء غفر له وسامحه. سبحانك يا رب ما أحلمك، وأرأفك بعبدك المذنب!
والخصلة الثالثة: مشتركة بين الله تنزهت صفاته، وبين العبد الضعيف، وهو أن العبد إذ دعا الله في السرِّ والعلن؛ استجاب له، ولبَّاه، وقد ورد في الدعاء وفضله آثار كثيرة نأتي بنبذة منها. روى أصحاب السنن الأربع، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن أبي شيبة في مصنفه من حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة" ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ١ الآية [غافر: ٦٠] وأخرج
стр. 55
الترمذي من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء مخُّ العبادة" ١. وأخرج الترمذي، وابن حبان، وصححه من حديث سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يردُّ القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر" ٢، وأخرج الحاكم في المستدرك، والبزار عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة" ٣. ومعنى يعتلجان: يتصارعان، ويتدافعان. وأخرج الترمذي، وابن حبان من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" ٤ وأخرج ابن حبان في صحيحه
стр. 56
من حديث أنس ﵁: "لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد" ١. وأخرج الحاكم في المستدرك، وصححه من حديث أبي هريرة ﵁: "الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض" ٢، والإجابة مشروطة بأن لا يكون في الدعاء دعوة فيها إثم، أو قطيعة رحم.
روى أحمد في مسنده، والبزار وأبو يعلى -قال المنذري بأسانيد جيدة - وأخرجه أيضًا الحاكم، وقال: صحيح الإسناد من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها". -زاد في المشكاة- قالوا: إذًا نُكثر؟ قال: "الله أكثر" أي: فضله٣، رواه أحمد وأخرج الترمذي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كف عنه من السوء مثله ما لم يدعُ بإثمٍ، أو قطيعة رحم" ٤، وأخرج
стр. 57
أبو داود، والترمذي، وحسنه، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين من حديث سلمان، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين" ١ وفي قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وما تقدم من الأحاديث دليل على أن دعاء المسلم لا يُهمل، بل يُعطى ما سأله؛ إما معجلًا، وإما مؤجلًا بفضل الله .
الخصلة الرابعة: مشتركة بين العبد وبين إخوانه الآدميين، وهي أن يرضى لأخيه من الخير والطاعات ما يرضى أن يكون مثله له، ومقابله: أن يكره لأخيه من الشر ما يكره لنفسه أن تلقاه، وهذا معنى ما رواه البخاري، ومسلم عن أبي حمزة أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٢: قال الإمام محيي الدين النووي رحمه الله تعالى: الأولى أن يحمل ذلك على عموم الأخوة حتى يشمل الكافر والمسلم، فيحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من دخوله في الإسلام، كما يحب لأخيه المسلم دوامه على الإسلام، ولهذا كان الدعاء بالهداية: للكافر مستحبًا. والحديث محمول على نفي الإيمان الكامل عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والمراد: المحبة بإرادة الخير والمنفعة، ثم المراد: المحبة الدينية، لا المحبة البشرية، فإن الطباع البشرية قد تكره حصول الخير، وتمييز غيرها عليها: والإنسان يجب عليه أن يخالف الطباع البشرية، ويدعو لأخيه، ويتمنى له ما يحب لنفسه، والشخص متى لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه كان حسودًا، فعلى الإنسان أن يعالج نفسه، ويحملها على الرضا بالقضاء، ويخالفها بالدعاء لعدوه بما يخالف النفس.
وقال أبو الزناد٣: ظاهر هذا الحديث التساوي، وحقيقته: التفضيل؛ لأن الإنسان
стр. 58
يحبُّ أن يكون أفضل الناس، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل هو في جملة المفضولين، ألاترى أن الإنسان يحب أن ينتصف من حقه، ومظلمته، فإن أكمل إيمانه وكان لأخيه عنده مظلمة أو حق؛ بادر إلى إنصافه من نفسه وإن كان عليه فيه مشقة. قال المدني في هذا الحديث: أخرجه أبو يعلى الموصلي، وأبو نعيم عن أنس، وضُعف.
стр. 59
شرح حديث: اذكروني بطاعتي أذكركم
...
٢٦- "اذكروني بطاعتي؛ أذكركم بمغفرتي فمن ذكرني وهو مطيع؛ فحق علي أن أذكره وهومني بمغفرتي، ومن ذكرني وهو لي عاصٍ، فحق علي أن أذكره وهو لي بمَقتٍ" ١. رواه الديلمي، وابن عساكر عن أبي هند الرازي.
ش- أمر الله تعالى عبيده بأن يذكروه وهم متلبسون بالطاعة؛ ليكون الذكر مقبولًا يُثاب عليه، ويدخر لديه ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩] ثم فصل ذلك في الحديث بأن العبد إذا ذكر خالقه وهو مطيع؛ فحق على الرب تباركت أسماؤه أن يذكره وهومن حزب أولياء الله تعالى وذاكريه بالمغفرة؛ بحيث إذا بدرت منه بادرة، أو وقع في هفوة يغفرها له ويسامحه. وإذا ذكره العبد وهو عاصٍ فحقَّ على الله جل ذكره أن يذكره وهو -مملوك لله عبده- بمقت. والمقت في الأصل أشد البغض، وهذه من الصفات التي سبق الكلام فيها في حديث: "إذا تقرب ... إلخ" رقم"١٢"فارجع إليه.
стр. 60
شرح حديث: اشتد غضبي على من ظلم
...
٢٧- "اشتدَّ غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرًا غيري". رواه الطبراني في الكبير، والقضاعي عن علي١.
стр. 61
ش- الغضبُ: صفة من صفات الله جل ذكره التي ليس كمثلها شيء، وفيها ما تقدَّم بين السلف والخلف، وهو في وصف المخلوق به: ثوران دم القلب إرادة الانتقام، ولذلك قال النبي ﷺ : "اتقوا الغضب، فإنه جمرة توقد في قلب ابن آدم، ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه، وحمرة عينيه؟ " ١. وقد قسم في جانب المخلوق إلى محمود، ومذموم، فالأول: ما كان في جانب الدين، والحق، والثاني: ما كان في خلافه. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان، أو زيادة، وإما بعدول عن وقته، أو مكانه. وهو قبيح عند جميع الملل، وعاقبته وخيمة، وقد ورد في ذم من اتَّصف به آيات كثيرة، وآثار يكل القلم عن إحصائها، وهو يتفاوت ضعفًا وقوةً، ولا شك: أن ظلم من يجد أنصارًا مثاله يغيثونه من مظلمته، وينصرونه من ظالمه أقل ممن ظلم من لا يجد ناصرًا يأخذ بيمينه، ويمنعه من ظالمه إلا رب الأرباب، من يجيب دعوة المظلوم من غير حجاب، فظلم من هذا حاله أشد جرمًا، وأكبر إثمًا من حال من ظلم من له حمية، أو شوكة، أو ملجأ. والله أعلم.
стр. 62
شرح حديث: اطلبوا الخير عند الرحماءمن أمتي
...
٢٨- "اطْلبُوا الخير عند الرحماء من أمتي؛ تعيشوا في أكنافهم؛ فإن فيهم رحمتي، ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم؛ فإن فيهم سَخَطي" ١. رواه القضاعي عن أبي سعيد.
ش- الرحماء: جمع رحيم، وهو مبالغة راحم، والأكناف: جمع كنف بالتحريك: الجانب، والناحية، وهذا ترغيب في أن يكون الإنسان رحيمًا، فيكون له حمىً، وظل، وجانب يلجأ إليه البشر، ويحتمون فيه؛ لأن الله وضع رحمته فيه. وفيه ذمٌ للقاسية قلوبهم، المنزوع منهم الرحمة، والحال فيهم سخط الله وعقابه. والمعنى: اطلبوا الخير عند الرحماء الرقيقة قلوبهم، السهلة عريكتهم، فإنكم إن فعلتم ذلك؛
стр. 63
عشتم في أكنافهم؛ لأن فيهم رحمة الله تعالى، وكرمه، وجوده. ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم، الغليظة أفئدتهم، فإنكم لا تنجحوا، ولا تحظوا ببغيتكم؛ لأن الله جل ذكره وضع فيهم سخطه، وكراهته، وشدة غضبه. اللهم اجعلنا من الرحماء الذين يعيشون تحت كنفك، وظلك!
стр. 64
شرح الحديث: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت
...
٢٩- "أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". رواه أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة١، والطبراني في الأوسط عن أنس٢، وابن جرير عن أبي سعيد٣، وعن قتادة مرسلًا.
ش- أعددت: هيأت لعبادي الصالحين شيئًا لم تر العيون مثله، ولا سمعت الآذان به، ولا خطر على قلب أحد من البشر، ولا شك أن نعيم الجنة وتحفها شيء لا يمكن للإنسان أن يصفه؛ لأنه باقٍ لا يلحقه التغيير، والانحلال، ولا العطب، والاضمحلال، بخلاف ملذات الدنيا، ونعيمها، فإنها سريعة الفناء، قليل الانتفاع بها. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: سبب هذا الحديث: أن موسى ﵇ سأل ربه: من أعظم أهل الجنة منزلة؟ قال: "غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" أخرجه مسلم، والترمذي من طريق الشعبي
стр. 65
سمعت المغيرة بن شعبة على المنبر رفعه إلى النبي ﷺ : "أنَّ موسى سأل ربه" ١ فذكر الحديث بطوله.
стр. 66
شرح حديث: افترضت على أمتك خمس صلوات
...
٣٠- "افترضت على أُمَّتك خمسَ صلواتٍ، وعهدت عندي عهدًا أنه من حافظ عليهن لوقتهن؛ أدخلته الجنة، ومن لم يُحافظ عليهنَّ؛ فلا عهد له عندي" ١. رواه ابن ماجه، وأبو نعيم عن قتادة.
ش- العهد الموثق ووضعه لما من شأنه أن يراعى، ويتعهد، كالقول، والقرار، واليمين، والوصية، والضمان، والحفظ، والزمان، والأمر، يقال: عهد الأمير إلى فلان بكذا: إذا أمره، ويقال للنار من حيث أنها تراعى بالرجوع إليها، وللتاريخ لأنه يحفظ، وقوله: "ومن لم يحافظ عليهن" أي: على الصلوات الخمس بأن ضيعها كلها، أو بعضها، وذلك يصدق على من أخَّر صلاة واحدة عن وقتها المضروب لها، فلا عهد له عند الله في دخول الجنة، قال السندي في تعليقه على سنن ابن ماجه: بل أمره مفوض إلى الله في تعذيبه، أو إدخاله الجنة، وفي الزوائد: في إسناده نظر من أجل ضُبارة ودويد. انتهى.
стр. 67
شرح حديث: أعددت لعبادي الذين آمنوا
...
٣١- "أعددت لعبادي الذين آمنوا، وعملوا الصالحات ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ١. رواه ابن جرير عن أنس بلاغًا.
стр. 68
ش- تقدم شرح مثله قريبًا.
стр. 69
شرح حديث: إن السموات والأرض ضعفت عن أن تسعني
...
٣٢- "إنَّ السموات والأرض ضَعُفتْ عن أن تسعني، ووسعني قلب المؤمن" ١. رواه أحمد عن وهب بن منبه.
ش- هذا إشارة إلى أن المؤمن أفضل من السموات والأرض؛ لأن قلبه أوسع منهما، وفيه ما تقدم والخلاف في ذلك بين السلف، والخلف. فعلى الإنسان أن يؤمن بذلك، ويسلم.
стр. 70
شرح حديث: إن الذي قال: مطرنا بنوء كذا وكذا
...
٣٣- "إن الذي قال: مُطرنا بنوءِ كذا وكذا؛ فقدكفر بي، وآمن بذلك النجم، وإن الذي يقول: إن الله سقانا؛ فقد آمن بي، وكفر بذلك النجم" ١. رواه الطبراني في الأوسط عن ابن مسعود.
ش- النوء: النجم إذا مال للمغيب، والجمع: أنواء، ونوآن -بضم الأول- حكاه ابن جني مثل: عبد، وعبدان، وبطن، وبطنان. قال حسان بن ثابت شاعر الإسلام ﵁:
ويثربُ تعلم أنَّا بها ... إذا قحط الغيث نوآتها
стр. 71
وقيل: معنى النوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه، وهو نجم آخر يقابله من ساعته في المشرق في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يومًا، وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة، فإن لها أربعة عشر يومًا، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وإنما سُمي نوءًا؛ لأنه إذا سقط الغارب ناء الطالع -أي: نهض وطلع- وذلك الطلوع هو النوء، وبعضهم يجعل النوء السقوط، كأنه من الأضداد، قال أبو عبيد١: ولم يسمع في النوء أنه سقوط إلا في هذا الموضع. وكانت العرب تضيف الأمطار، والرياح، والحر، والبرد إلى الساقط منها، وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه، فتقول: مطرنا بنوء كذا.
قال أبو عبيد: الأنواء ثمانية وعشرون نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة، كلها من الصيف، والشتاء، والربيع، والخريف، يسقط منها في كل ثلاث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكلاهما معلوم مسمى، وانقضاء هذه الثمانية والعشرين كلها مع انقضاء السنة، ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول مع استئناف السنة المقبلة، وكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم، وطلع آخر؛ قالوا: لابد من أن يكون عند ذلك مطر، أورياح، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى ذلك النجم، فيقولون: مطرنا بنوء الثريا، والدبران، والسماك. انتهى.
قال شمر: هذه الثمانية والعشرون التي أراد أبو عبيد هي منازل القمر، وهي معروفة عند العرب وغيرهم من الفرس، والروم، والهند، لم يختلفوا أنها ثمانية وعشرون، ينزل القمركل ليلة في منزلة منها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] قال: وقد رأيتها بالهندية، والرومية، والفارسية مترجمة، قال: وهي بالعربية فيما أخبرني به ابن الأعرابي: "السرطان، والبطين، والنجم، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرق، والجبهة، والخراثان، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلد، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، وفرغ الدلو المؤخر.
стр. 72
والحوت" قال: ولا تستنيء العرب بها كلها، إنما تذكر بالأنوار بعضها، وهي معروفة في أشعارهم، وكلامهم.
وإنما غلَّظ الشرع في ذلك؛ لأنَّ العرب كانت تزعم: أن ذلك المطر الذي جاء بسقوط نجم هو فعل النجم، وكانت تنسب المطر إليها، ولا يجعلونه سُقيًا من الله، وإن وافق سقوط ذلك النجم المطر يجعلون النجم هي الفاعلة.
قال أبو إسحاق: وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، ولم يرد ذلك المعنى، ومراده: أنَّا مطرنا في هذا الوقت، ولم يقصد إلى فعل النجم، فذلك والله أعلم جائز، كما جاء عن عمر ﵁: أنه استسقى بالمصلى، ثم نادى العباس كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد وقوعها. فوالله ما مضت تلك السبع حتى غيث الناس، فإنما أراد عمر رضي الله تعالى عنه: كم بقي من الوقت الذي جرت به العادة: أنه إذا تم أتى الله بالمطر؟ والصحيح: أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى النجم، ولو على طريق المجاز، فقد صرح ابن مفلح في "الفروع" بأنه يحرم قول: مطرنا بنوء كذا، وجزم في الإنصاف بتحريمه، ولو على طريق المجاز، ولم يذكر خلافًا قال في فتح المجيد: وذلك أن القائل لذلك نسب ما هو من فعل الله تعالى الذي لا يقدر عليه غيره إلى خلق مسخر لا ينفع، ولا يضر، ولا قدرة له على شيء، فيكون ذلك شِركًا أصغر، والله أعلم.
стр. 73
شرح حديث: إن أحب عبادي إلي أعجلم فطراً
...
٣٤- "إن أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا"، رواه أحمد، والترمذي عن أبي هريرة١.
ش- فيه استحباب تعجيل الفطر للصائم رمضان كان أو غيره، وورد في ذلك أحاديث، منها ما رواه سهل بن سعد: أن النبي ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر" ٢ أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما، وعن أبي ذر: أن
стр. 74
النبي ﷺ قال: "لا تزال أمتي بخير ما أخرُّوا السحور وعجلو الفطر" ١ أخرجه أحمد، وجاء في سنن أبي داود ما بين حكمة ذلك، فقد روى بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يزال الدين ظاهرًا ما عجَّل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون" ٢، ففي هذا إشارة إلى أن هذا الفعل دخل فيه التحريف من أهل الكتاب، فبمخالفتهم ورد تحريفهم قيام الملة، والله أعلم.
стр. 75
شرح حديث: إن أوليائي من عبادي
...
٣٥- " إن أوليائي من عبادي، وأحبَّائي من خلقي الذين يُذكرون بذكري، وأُذكر بذكرهم" ١. روه الطبراني في الكبير والحكيم، وأبو نعيم عن عمرو بن الجموح.
ش- هذا ترغيب في ذكر الله تعالى، وبيان منزلة أولياء الله تعالى وأحبابه، أسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، ومعنى -والله أعلم- الذين يُذكرون بذكري: أن الناس إذا رأوا من كان مستقيمًا في عمله، مواظبًا على صلواته، وصيامه، مقبلًا على مرضاة ربه؛ ذكروا الله تعالى، وقالوا: لا إله إلا الله، سبحانه القادر، جلَّ الخالق، عز الموفق، وإذا ذكر الناس الله؛ ذكروهم لمحاسن أوصافهم، وجمال صفاتهم، وحسن سيرتهم.