← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7266

الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية

عبد الرؤوف المناوي

Полный текст (325 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقيل: معنى النوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه، وهو نجم آخر يقابله من ساعته في المشرق في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يومًا، وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة، فإن لها أربعة عشر يومًا، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وإنما سُمي نوءًا؛ لأنه إذا سقط الغارب ناء الطالع -أي: نهض وطلع- وذلك الطلوع هو النوء، وبعضهم يجعل النوء السقوط، كأنه من الأضداد، قال أبو عبيد١: ولم يسمع في النوء أنه سقوط إلا في هذا الموضع. وكانت العرب تضيف الأمطار، والرياح، والحر، والبرد إلى الساقط منها، وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه، فتقول: مطرنا بنوء كذا. قال أبو عبيد: الأنواء ثمانية وعشرون نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة، كلها من الصيف، والشتاء، والربيع، والخريف، يسقط منها في كل ثلاث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكلاهما معلوم مسمى، وانقضاء هذه الثمانية والعشرين كلها مع انقضاء السنة، ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول مع استئناف السنة المقبلة، وكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم، وطلع آخر؛ قالوا: لابد من أن يكون عند ذلك مطر، أورياح، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى ذلك النجم، فيقولون: مطرنا بنوء الثريا، والدبران، والسماك. انتهى. قال شمر: هذه الثمانية والعشرون التي أراد أبو عبيد هي منازل القمر، وهي معروفة عند العرب وغيرهم من الفرس، والروم، والهند، لم يختلفوا أنها ثمانية وعشرون، ينزل القمركل ليلة في منزلة منها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] قال: وقد رأيتها بالهندية، والرومية، والفارسية مترجمة، قال: وهي بالعربية فيما أخبرني به ابن الأعرابي: "السرطان، والبطين، والنجم، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرق، والجبهة، والخراثان، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلد، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، وفرغ الدلو المؤخر.

стр. 72

والحوت" قال: ولا تستنيء العرب بها كلها، إنما تذكر بالأنوار بعضها، وهي معروفة في أشعارهم، وكلامهم. وإنما غلَّظ الشرع في ذلك؛ لأنَّ العرب كانت تزعم: أن ذلك المطر الذي جاء بسقوط نجم هو فعل النجم، وكانت تنسب المطر إليها، ولا يجعلونه سُقيًا من الله، وإن وافق سقوط ذلك النجم المطر يجعلون النجم هي الفاعلة. قال أبو إسحاق: وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، ولم يرد ذلك المعنى، ومراده: أنَّا مطرنا في هذا الوقت، ولم يقصد إلى فعل النجم، فذلك والله أعلم جائز، كما جاء عن عمر ﵁: أنه استسقى بالمصلى، ثم نادى العباس كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد وقوعها. فوالله ما مضت تلك السبع حتى غيث الناس، فإنما أراد عمر رضي الله تعالى عنه: كم بقي من الوقت الذي جرت به العادة: أنه إذا تم أتى الله بالمطر؟ والصحيح: أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى النجم، ولو على طريق المجاز، فقد صرح ابن مفلح في "الفروع" بأنه يحرم قول: مطرنا بنوء كذا، وجزم في الإنصاف بتحريمه، ولو على طريق المجاز، ولم يذكر خلافًا قال في فتح المجيد: وذلك أن القائل لذلك نسب ما هو من فعل الله تعالى الذي لا يقدر عليه غيره إلى خلق مسخر لا ينفع، ولا يضر، ولا قدرة له على شيء، فيكون ذلك شِركًا أصغر، والله أعلم.

стр. 73

شرح حديث: إن أحب عبادي إلي أعجلم فطراً ... ٣٤- "إن أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا"، رواه أحمد، والترمذي عن أبي هريرة١. ش- فيه استحباب تعجيل الفطر للصائم رمضان كان أو غيره، وورد في ذلك أحاديث، منها ما رواه سهل بن سعد: أن النبي ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر" ٢ أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما، وعن أبي ذر: أن

стр. 74

النبي ﷺ قال: "لا تزال أمتي بخير ما أخرُّوا السحور وعجلو الفطر" ١ أخرجه أحمد، وجاء في سنن أبي داود ما بين حكمة ذلك، فقد روى بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يزال الدين ظاهرًا ما عجَّل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون" ٢، ففي هذا إشارة إلى أن هذا الفعل دخل فيه التحريف من أهل الكتاب، فبمخالفتهم ورد تحريفهم قيام الملة، والله أعلم.

стр. 75

شرح حديث: إن أوليائي من عبادي ... ٣٥- " إن أوليائي من عبادي، وأحبَّائي من خلقي الذين يُذكرون بذكري، وأُذكر بذكرهم" ١. روه الطبراني في الكبير والحكيم، وأبو نعيم عن عمرو بن الجموح. ش- هذا ترغيب في ذكر الله تعالى، وبيان منزلة أولياء الله تعالى وأحبابه، أسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، ومعنى -والله أعلم- الذين يُذكرون بذكري: أن الناس إذا رأوا من كان مستقيمًا في عمله، مواظبًا على صلواته، وصيامه، مقبلًا على مرضاة ربه؛ ذكروا الله تعالى، وقالوا: لا إله إلا الله، سبحانه القادر، جلَّ الخالق، عز الموفق، وإذا ذكر الناس الله؛ ذكروهم لمحاسن أوصافهم، وجمال صفاتهم، وحسن سيرتهم.

стр. 76

شرح حديث: إن بيوتي في الأرض المساجد ... ٣٦- "إنَّ بُيُوتي في الأرض المساجد، وإن زُوَّاري فيها عمارها" ١. رواه أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري. ش- البيوت: الأماكن التي يصطفيها المولى جل ذكره لتنزلات رحمته، وصعود وهبوط ملائكته في الأرض، والمساجد: جمع مسجد، وهو بيت الصلاة، وإن زوار الله -تنزهت ذاته، وتباركت أسماؤه- في هذه البيوت عمارها الذين يقيمون فيها الصلوات، ويحيون فيها السنن، ويمنعون البدع، ويذكرون الله تعالى، ويتدارسون العلم، أولئك الزوار حقًا.

стр. 77

شرح حديث: إن عبداً أصححت له بدنه ... ٣٧- "إنَّ عبدًا أصححتُ له بدنه، وأوسعتُ عليه في الرزق، ثم لم يَفِد إليَّ بعد أربعة أعوام لمحروم" ١. رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى عن أبي الدرداء.

стр. 78

شرح حديث: إن عبداً أصححت له جسمه ... ٣٨- "إنَّ عبدًا أصححت له جسمه، وأوسعت عليه في معيشته، فمضى عليه خمسة أعوام لا يَفِد إلي لمحروم". رواه ابن حبان، وأبو يعلى عن أبي سعيد١. وابن عساكر عن أبي هريرة٢. ش- الوفد: هم القوم يجتمعون، ويردون البلاد، واحدهم: وافد. وكذلك الذين

стр. 79

يقصدون الأمراء لزيارةٍ، واسترفاد، وانتجاع، وغير ذلك، والمعنى -والله أعلم-: أن العبد إذا كان صحيح الجسم، كثير الرزق، فحقَّ عليه أن يتذكر ذلك، ويعلم: أن هذا من مولاه تَفضُّل منه وإحسان، فيقوم ببعض حق الشكر له ﵎ للزيارة في بيته -وهو الكعبة- ومن لم يفعل ذلك، وتناءى، وكسل؛ فهو محروم من نعم الله جل ذكره، وإحساناته، ولا يخفى أن من كان هذا حاله لحقيق بالحرمان، والله أعلم.

стр. 80

شرح حديث: إن عبدي المؤمن بمنزلة كل خير ... ٣٩- "إنَّ عبدي المؤمن بمنزلة كل خير، يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه" ١. رواه أحمد عن أبي هريرة. ش- يعني: أنَّ العبدَ المؤمن يحمد الله في كل حال، في السراء، والضراء، فهو بمنزلة الخير، لا يأتي إلا بنفع، وفائدة، ومع هذا فإن الله جل ذكره ينزع نفس عبده من بين جنبيه؛ أي: يقبض روحه إليه إذا حان أجله، وهو صار لأمر ربه، مستسلم لقضائه؛ وهذا مثل للعبد الحقيقي، فإنه لا يرى من مولاه إلا كل خير، ولا يفتر عن عبادته في كل حال؛ لأن حق المولى لا يقدَّر بزمن، ولا عمل، لاسيما أن الله جل ذكره الذي أوجد عبده من العدم، وألبسه حلة ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وأسبغ نعمة ظاهرةً وباطنةً. اللهم وفقنا لطاعتك! وزاد المدني في كتابه: الإتحافات السنية في آخرالحديث، ورواه البيهقي في شعب الإيمان.

стр. 81

شرح حديث: إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني ... ٤٠- "إنَّ عبدي كلَّ عبدي الذي يذكرني وهو مُلاقٍ قِرْنه" ١. رواه الترمذي عن عمارة بن زعكرة. ش- القرن -بكسر الأول وسكون ثانيه-: الكفء، والنظير في الشجاعة والحرب، ويجمع على أقران، والمعنى: أن عبدي الحقيقي، الذي أخلص في العبادة، ولم يغفل عن ذكري، هو من ذكرني في ساحة القتال مع قرنه، وخصمه؛ ويستنقذ روحه من براثن عدوه، فهو في هذه اللحظة إذا ذكر الله ؛ فإنه لا ينساه، ولا يغفل عن ذكره في

стр. 82

غيرها، فهو عبدٌ يحق له أن يتَّصف بما في الحديث من قوله: "إنَّ عبدي كلَّ عبدي" ... إلخ والله أعلم. قال المدني: أخرجه ابن سعد، والترمذي، وضعفه، والطبرني في الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان.

стр. 83

شرح حديث: إن لعبدي علي عهداً إن أقام الصلاة ... ٤١- "إن لعبدي علي عهدًا إن إقامَ الصلاة لوقتها ألا أعذِّبه، وأن أدخله الجنة بغَيْر حساب" ١. رواه الحاكم عن عائشة. ش- العهد: الموثق، وتقدَّم تفسيره في شرح الحديث"٣٠"، وإقامة الصلاة لوقتها: المحافظة عليها في أوقاتها المشروعة. وأل في الصلاة للعهد، وهي الصلاة الكاملة، المستوفية للأركان، والشروط، والسنن، والمستحبات. ولا شك أن من أتى بها كذلك يكون عبدًا مؤمنًا حقًا، فيجتنب المنهيات، ويفعل المأموريات، يشغل نفسه في طاعات ربه؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه المنزل على رسوله المكرم: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ومن كان هذا حاله؛ فإنه حقيق ألا يعذب بعذاب الله، وأن يدخل الجنة بغير حساب، والله أعلم، وهنا عزا المصنف الحديث إلى الحاكم، وظاهره إلى كتابه المستدرك، وليس كذلك، بل ذكره في تاريخه كما بينه المدني في كتابه.

стр. 84

شرح حديث: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة ... ٤٢- "إنَّا أنزلنا المال لإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولوكان لابن آدم وادٍ لأحب أن يكون له ثان، ولو كان له واديان لأحب أن يكون لهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب" ١. رواه أحمد، والطبراني في الكبير عن أبي واقد الليثي. ش- يعني: أن الله أنزل المال، وأوجده، وجعله بين يدي خلقه؛ ليقيموا به شعائر الدين، ويظهروا معًالم الشرع من صلاة، وزكاة، وغيرهما لا أن يضعوا ما رزقهم الله من المال في غير موضعه، يصرفوه في الملاهي والملذات، وفي

стр. 85

غير طاعات الله، وإحياء سنة نبيه ﷺ ، فإنَّ قيامَ العالم بإحياء قوانين دينهم، وسلوك نهج كلياته، وإبراز مفروضاته، وسننه، ومستحباته، ففي ذلك سعادتهم دنيا وأُخرى، ويكون وضع الشيء في محله المشروع له. وما تأخرت الأمم وانتشر الفساد فيها إلا بنبذ تعاليم الرسل والأنبياء، وطرح ما أتوا به من المحاسن والمشروعات، والأخذ بما تسوله لهم أنفسهم من السوء، والفحشاء، والانقياد لما تزينه لهم شياطينهم من المعتقدات الباطلة والأعمال الفاسدة. فأرجو الله تعالى أن يوفق الأمم أجمع إلى الأخذ بدين الإسلام، دين العز، والقوة، والرحمة، والرأفة، والسلام، والأمان، والسهل الممكن لكل إنسان! ولما كان الإنسان بطبعه ميالًا إلى حب المال، شرِهًا، طمعًا، لا يشبع، وليس له حدي ينتهي إليه إلا ما كان من مادته، والجزء الأكبر فيه؛ قال الله تعالى في الحديث لو كان لابن آدم واد -أي: من ذهب، أوفضة- لأحب أن يكون له ثانٍ، ولوكان له واديان لأحب ... إلخ، ولا يملأ جوفه إلا التراب؛ لأنه منه خلق، وإليه يعود، والله أعلم.

стр. 86

شرح حديث: إنك إن ذهبت تدعو على آخر ... ٤٣- "إنَّك إن ذهبت تدعو على آخر من أجل أنه ظلمك، وإنَّ آخر يدعو عليك إنك ظلمته، فإن شئت استجبنا لك، وعليك، وإن شئت أخَّرتكما إلى يوم القيامة، فأوسعكما عفوي" ١. رواه الحاكم عن أنس. ش- فيه: أن الله حليم ورؤوف بعباده يحب تأخير الجزاء إلى الآخرة، ولا يجازي عبده عقب ارتكابه الجُرم؛ ليشمله عفوه جل، وعز يوم القيامة، ويثيب صاحب الحق بحسب مظلمته، وتعدي الغير عليه. وفيه أيضًا: أن الله تبارك يستجيب للمظلوم، ويحبس شكايته عنده ذخرًا له في وقت يكون أحوج ما يكون إليه. سبحانك يا رب ما أحلمك بعبادك، وأرأفك بهم!.

стр. 87

شرح حديث: إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع ... ٤٤- "إنما أتقبَّل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطلْ على خلقي، ولم يبت مُصرًا على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم المسكين، وابن السبيل، والأرملة، ورحم المصاب. ذلك نوره كنور الشمس. أكلؤُهُ بعزتي، وأستحفظه بملائكتي، أجعل له في الظلمة نورًا،

стр. 88

وفي الجهالة حِلمًا، ومثلُهُ في خَلْقي كمثل الفردوس في الجنة" ١ رواه البزار عن ابن عباس. ش- أعظم أعمال الدين بعد الإقرار بالشهادتين الصلاة، ولذلك كانت صلة بين الرب والعبد، ولها فوائد كثيرة، ومنافع عظيمة، منها: أنها تنهي صاحبها عن الفحشاء، والمنكر، ومن نجده يصلي الصلوات الخمس، ويواظب عليها، وهو مقبلٌ على شهوات نفسه، مطيع لهواه، ليس عليه سمات أهل الصلاح والتقوى، نعلم أن صلاته غير مقبولة؛ لأنها لم تستوف الشروط المعتبرة شرعًا حسية كانت أو معنوية؛ بدليل ما ذكر في الحديث. وليست الشروط، والأركان، والمستحبات التي تذكر في كتب الفقه كافية في أن يكون المصلي ناجيًا من عذاب الله يوم القيامة، بل لابد من أشياء أخر تضاف إليها، كما في الحديث، وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٩] فبيَّن الله تعالى في هذه الآيات أوصاف المؤمن الذي نجا، وفاز من العقاب والعتاب، ومن لم يتصف بهذه الصفات فحاله حال خوف، وخطر، ولذلك قال الله في الحديث: "إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي" أي: إنما تقبل صلاة من تواضع بصلاته لله جل، وعلا، ولم يستطل على الناس، ويحتقرهم، ويترفع عليهم، ولم يَبِتْ مصرًا على معصية الله تعالى، بل إذا فعل معصية ووقع في جريمة فليبادر إلى الله بتوبة نصوح قبل أن يمضي عليها الوقت، وتسجل في كتاب الأعمال، وكان غالب نهاره في ذكر المولى ﵎، ورحم الفقير، والمسكين، وابن السبيل: المسافر الغريب الذي ليس له أنيس، ولا مأوى، ومن كانت أرملةً خاليةً من الزوج، وتعول نفسها، ورحم من كان أصيب بجائحة، أو مرض، أو فاقة، ولم يجد ما يسد حاجته، أو يدفع مصيبته، فمن اتَّصف بهذه الأوصاف الحميدة

стр. 89

كان نوره كنور الشمس، يظهر لأهل الله من ملائكةٍ، وأنبياء، وأولياء، ويستظل به أهل الفسوق -اللهم اجعلنا ممن اتصف بهذه الصفات الكاملة، ووفقنا لأن نموت ونلقاك ونحن على حبك-! فيحفظه المولى جل ذكره بعزته؛ أي: بقوته وشدته، ولا يخفى على الفطن ما في هذا التعبير من الاعتناء والحماية والصيانة لعبده المطيع المتصف بهذه الخصال، ومع كل هذا الإكرام يجعل له المولى نورًا في الظلمة، وحلمًا في الجهالة، وما أحلى هذا التشبيه في قوله تعالى: "ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة" فإن الفردوس من أحاسن الجنان، وأرفعها، وأعلاها منزله، والله أعلم.

стр. 90

شرح حديث: إني أنا الله لا إله إلا أنا ... ٤٥- "إني أنا الله لا إله إلا أنا، من أقرَّ لي بالتوحيد؛ دخل حصني، ومن دخل حصني؛ أمن من عذابي" ١. رواه الشيرازي في الألقاب عن علي. ش- التوحيد: إفراد الله جل وعلا بالتأثير والضُّرِّ، والنفع، والرزق، والخلق، والإيجاد إلى غير ذلك مما لم يمكن لغير الله أن يتصف به. والحصن: المكان الذي لا يقدر عليه لارتفاعه، ومنعته، وجمعه: حصون. والمعنى والله أعلم: أن العبد إذا اعتقد، وأقر لله بالوحدانية؛ أي: في ذاته، وصفاته، وأفعاله؛ أمن من عذاب الله جل ذكره؛ لأنه دخل في حصنه، وحماه الذي لا يصل إليه أحد، ولا يلحق من ولجه أذى.

стр. 91

شرح حديث: إني إذا أخذت كريمتى عبد ... ٤٦- "إني إذا أخذت كريمتي عبدٍ، فصبر، واحتسب؛ لم أرضَ له ثوابًا دون الجنة" ١. رواه ابن ماجه، وأبو يعلى، والطبراني عن ابن عباس.

стр. 92

شرح حديث: إن أوليائي من عبادي ... ٤٧- "إن أوليائي من عبادي، وأحبائي من خلقي، الذين يذكرون

стр. 93

بذكري، وأُذْكر بذكرهم" ١. رواه الحكيم، وأبو نعيم عن عمرو بن الجموح. ش- الحديث الأول تقدم برقم "٢٠"والثاني تقدم برقم"٣٢"وزاد فيه: رواه الطبراني في الكبير.

стр. 94

شرح حديث: إني حرمت الظلم على نفسي ... ٤٨- "إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته محرمًا بينكم، فلا تظالموا! يا عبادي! كلكم ضالٌ إلا من هديته، فاستهدوني؛ أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني؛ أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني؛ أكسكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا غير الشرك، فاستغفروني؛ أغفر لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري، فتضروني، ولن تبلغوا نفعي؛ فتنفعوني. يا عبادي! لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي! لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا؛ فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك؛ فلا يلومن إلا نفسه" ١. رواه مسلم، وأبو عوانة، وابن حبان، والحاكم عن أبي ذر. ش- هذا الحديث شريف القدر، عظيم المنزلة، جليل الموقع، جامع لفوائد شتى، قد تضمن من قواعد الدين العظيمة: من العلوم، والأعمال، والأصول، والفروع، وغير ذلك مما لا يحصره قلم، ولا يحصيه عاد؛ لذلك كان الإمام أحمد بن

стр. 95

حنبل ﵁ يقول: هو أشرف حديث لأهل الشام، وكان أبو إدريس الخولاني١ إذا حدَّث به جثا على ركبته، كما ذكره مسلم في صحيحه، وراويه هو إمام أهل الصوفية الذي قيل فيه: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجةً منه" ٢ فالله نفى الظلم عن نفسه بقوله: "إني حرمت الظلم على نفسي" أي: لا يليق، ولا ينبغي أن أتَّصف به، وهو مستحيل في حقه تعالى؛ لأن الظلم قبيح، ونفاه الباري تعالى في غير موضع من كتابه، فقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ [النحل: ١١٨] وقال: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٨] وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٧٧] ونفى تبارك ذكره إرادته الظلم أيضًا بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] ونفى خوف العباد له بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] قال أهل التفسير من السلف في هذه الآية: لا يخاف أن يظلم فيحمل عليه سيئات غيره، ولا يهضم، فينقص من حسناته، يعني: أن المحسن لا يظلم في الآخرة فينقصه الله جل ذكره من إحسانه، أو يجعله لغيره، ولا يظلم مسيئًا فيجعل عليه سيئات غيره، بل لها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت. وقد أفاد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٤١] . وللعلماء في تفسير الظلم المنفي هنا أقوال، وتنازع، فبعضهم قد شذ، وبعضهم قد غلا، وتجاوز، والقول الوسط في ذلك ما أشرنا إليه

стр. 96

قبل، وهو: أنَّ الظلم الذي حرمه الله على نفسه، ونفى إرادته كما تقدَّم هو مثل أن يترك حسنات المحسن، فلا يجزيه بها، ويعاقب البريء على ما لم يفعل من السيئات، ويعاقب هذا بذنب غيره، أو يحكم بين الناس بغير القسط، ونحو ذلك من الأفعال التي يُنزَه الرب عنها لقسطه، وعدله، وهو قادر عليها، وإنما استحق الحمد، والثناء؛ لأنه ترك الظلم، وهو قادر عليه، وكما أن الله منزه عن صفات النقص، والعيب، فهو أيضًا منزه عن أفعال النقص، والعيب. وقوله: " وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا" -هو بفتح التاء- وتخفيف الظاء في الأصول المعتبرة، ونقل ابن حجر: أنه روي مشددًا، والأشهر تخفيفها؛ أي: جعلت الظلم بينكم يا عبادي محرمًا، فلا يظلم بعضكم بعضًا، والخطاب للثقلين؛ لاختصاصهم بالتكليف، وتعاقب التقوى والفجور، ولأن ما بعده من الألفاظ كالطعام، والكسوة ينص على ذلك، وهذه الجملة تجمع الدين كله، فإن ما نهى الله عنه راجع إلى الظلم، وكل ما أمر به راجع إلى العدل ولهذا قال تعالى في كتابه الحكيم: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥] . وقال الإمام تقي الدين بن تيمية في شرح هذا الحديث: فأخبر أنه جل ذكره أرسل الرسل، وأنزل الكتاب والميزان لأجل قيام الناس بالقسط، وذكر أنه أنزل الحديد الذي به ينصر هذا الحق، فالكتاب يهدي، والسيف ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا، ولهذا كان قوام الناس بأهل الكتاب، وأهل الحديد، كما قال من قال من السلف: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: الأمراء، والعلماء، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] أقوالًا تجمع العلماء، والأمراء، ولهذا نص أحمد، وغيره على دخول الصنفين في هذا الآية؛ إذ كل منهما تجب طاعته فيما يقول به من طاعة الله، وكان نواب رسول الله ﷺ في حياته كعلي، ومعاذ، وأبي موسى، وعتاب بن أسيد، وعثمان بن أبي العاص، وأمثالهم يجمعون الصنفين، وكذلك خلفاؤه من بعده كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ونوابهم، ولهذا كانت السنة: أن الذي يصلي بالناس هو صاحب الكتاب، والذي يقوم بالجهاد هو صاحب الحديد. انتهى. وقال العلامة السعد في شرح الأربعين النووية: إذا الظالم ينحط عن رتبة النبوة ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] وعن درجة الولاية: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وعن مرتبة السلطنة "بيت الظالم خراب ولو بعد حين" وعن نظر الخلائق

стр. 97

"جبلت القلوب على حبِّ من أحسن إليها، وبُغض من أساء إليها" ١ وعن حظ نفسه وتبقى خسارته في الدنيا، والعقبى ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] وفي الترمذي مرفوعًا: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنَّك ولو بعد حين"٢، وحُكِي: أن الأمير نوحًا لما وضع الخراج على أهل سمرقند، بعث بريدًا إلى أميرها، فأحضر الأئمة، والمشايخ، وأعيان البلد، وقرأ عليهم الكتاب، فقال الفقيه أبو منصور الماتريدي للبريد: قد أديت رسالة الأمير، فاردد إليه الجواب، وقل له: زدنا ظلمًا حتى نزيد في دعاء الليل، ثم تفرقوا فلم تذهب إلا أيام حتى وجدوه قتيلًا وفي بطنه زج رمح مكتوب: بغى والبغي سهامٌ تنتظر ... أتته من أيدي المنايا والقَدَر سهامٌ أيدي القانتاتِ في السَّحر ... يرمين عن قوسٍ لها الليل وَتَر ولا شك أنَّ كلَّ خيرٍ وصلاح داخل في القسط والعدل، وكل شر وفسادٍ داخل في الظلم، والظلم يتفاوت، وبعضه أشد ضررًا من بعض، فهو في جميع أنواعه وأفراده ممنوع، ينفر عنه الطبع السليم، وتأباه الفطرة، وكذلك يمتنع عمومًا من حيث متعلقه، سواء كان الظلم ظلمًا لمسلم، أو لكافر، قريبٍ، أو بعيدٍ، صاحب، أو عدو، اعتدى عليك أم لم يعتد. فهو محرم في كل شيء، ولكل أحد. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة:

стр. 98

٨] أي: يحملنكم بغض قوم وهم الكفار على عدم العدل ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] . وقوله: "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته" إلخ، بعد ما ذكر جل شأنه في أول الحديث ما أوجبه من العدل، وحرمه من الظلم على نفسه، وعلى عباده عمومًا عقب ذلك بذكر إحسانه إلى عباده، وإنعامه عليهم مع غناه عنهم، وفقرهم إليه، وأنهم لا يقدرون على جلب منفعة لأنفسهم، ولا دفع مضرة إلا أن يكون هو الميسر لذلك، وأمر عباده أن يسألوه ذلك، وأخبر أنهم لا يقدرون على نفعه، ولا ضره مع عظم ما يوصل إليهم من النعماء، ويدفع عنهم من البلاء، وجلب المنفعة ودفع المضرة إما أن يكونا في الدين، أو في الدنيا، فصارت أربعة أقسام: الهداية، والمغفرة، وهما جلب المنفعة. ودفع المضرة في الدين والكسوة، والطعام، وهما جلب المنفعة ودفع المضرة في الدنيا، وإن شئت قلت: الهداية، والمغفرة يتعلقان بالقلب الذي هو ملك البدن، وهو الأصل في الأعمال الإرادية. والطعام، والكسوة يتعلقان بالبدن؛ الطعام لجلب المنفعة، واللباس لدفع المضرة. وفتح الأمر بالهداية، فإنها وإن كانت الهداية النافعة هي المتعلقة بالدين، فكل أعمال الناس تابعة لهدي الله إياهم، والله أعلم، أفاده الإمام المجتهد ابن تيمية في شرحه مع بسط. وقوله: "كلكم ضال" أي: من شأنكم، وجبلتكم الضلالة كما روي: "أن الله خلق الخلق في ظلمة الطبيعة، فألقى عليهم من نوره ... إلخ" ١ أي: في ظلمة الطبيعة من الميل إلى الشهوات، والركون إلى المحسوسات، والغفلة عن أسرار عالم الغيب ومالك السموات، فألقى عليهم من نوره، أي: بسبب ما نصب لهم من الحجج النيرة، فمن أصابه من ذلك النور؛ اهتدى، ومن أخطأه؛ ظل عن الطريق المستقيم، وغوى. فالناس خلقوا لا يهتدون إلى طريق الصواب والنهج السَّويِّ إلا بمرشدٍ، وهادٍ. فمن هداه الله يشرح صدره، وينور قلبه ويصفي استعداده عما ينافي قبول الحق والصراط المستقيم من ظلمات الشكوك: والشبه، واتِّباع الهوى، والعمل بالبدع التي

стр. 99

تصادم الشرع الشريف، فإن كل بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار. كما أخبر بذلك شفيع المذنبين من النار، فينبت فيه شجر التصديق، والإيقان بما جاء به سيد ولد عدنان من أصول الدين، وفروعه، فينمو بأغصان الطاعات في كل حين، ووقت، ثم يثمر بثمار المشاهدة والتجليات، وعلم اليقين، فيرى الحق حقًا فيتبعه، ويرى الباطل باطلًا فيجتنبه، وهذا لا ينافي قوله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة ... " ١ الحديث، فإن هذه ظلمة طارئة على الفطرة الأولى، كما يشير إليه ما روي: "خلق الله الخلق على معرفته، فاغتالتهم الشياطين" وقال ابن المبارك ﵁: يولد على ما يصير إليه من سعادة، أو شقاوة، فمن علم أنه يصير مسلمًا موحدًا؛ ولد على فطرة الإسلام، والتوحيد، ومن علم أنه يصير كافرًا جاحدًا نعماء ربه؛ ولد على فطرة الكفر. ويستدل ذلك بقوله تعالى، وهو أصدق القائلين: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] . وقوله: "فاستهدوني أهدكم" أي: اطلبوا مني الهداية الموصلة إليَّ؛ مع أنه سبحانه يهدي من يشاء بحسن الرعاية، وجميل العناية إظهار الافتقار، والإشعار بأنه لا هداية قبل سؤاله إياه، فربما قال: إنما أوتيته على علم عندي، فيضل بذلك، ويشقى، فإذا سأل ربه الأمور الدنيوية، والأخروية،؛ فقد اعترف على نفسه بالعبودية، ولمولاه بالربوبية، وهذا مقام شريف، ومشهد لطيف، وفيه دليل لأهل السنة والجماعة على أن المتهدي من هداه الله تعالى، وبإرادته اهتدى من اهتدى لا بما سواه، وأن غير المهتدي لم يُرِد الله هدايته، فلم يهتد لذلك، ولو أرادها له لاهتدى؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] إلى غير ذلك من الآي، والله أعلم. وقوله في الحديث: "يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته" لما فرغ من الامتنان بالأمور الدينية شرع في الامتنان في الأمور الدنيوية، فقال: ... إلخ، وكرر النداء.

стр. 100

زيادةً في تشريفهم، وتعظيمهم، ولذا أضافهم إلى نفسه جل شأنه. قال الإمام العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية في شرحه: فينقضي أصلين عظيمين: وجوب التوكل على الله في الرزق المتضمن جلب المنفعة كالطعام، ودفع المضرة كاللباس. وأنه لا يقدر غير الله على الإطعام والكسوة قدر مطلقة، وإنما القدرة التي تحصل لبعض العباد تكون على بعض أسباب ذلك ولهذا قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقال: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] فالمأمور به هو المقدور لعباد. وكذلك قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤- ١٦] وقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] وقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] فذمَّ من يترك المأمور به اكتفاءً بما يجري به القدر. ومن هنا يعرف: أن السبب المأمور به، أو المباح لا ينافي وجوب التوكل على الله في وجود السبب: بل الحاجة والفقر إلى الله ثابتة مع فعل السبب؛ إذ ليس في المخلوقات ما هو وحده سبب تام لحصول المطلوب، ولهذا لا يجب أن تقترن الحوادث بما قد يجعل سببًا إلا بمشيئة الله تعالى؛ فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فمن ظن الاستغناء بالسبب عن التوكل؛ فقد ترك ما أوجب الله عليه من التوكل، وأخل بواجب التوحيد، ولهذا يُخذل أمثال هؤلاء إذا اعتمدوا على الأسباب، فمن رجا نصرًا، أو رزقاً من غير الله خذله الله، كما قال علي ﵁: لا يرجونَّ عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، وقد قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢] إلخ ما قال؛ يعني: أن الله جل ذكره خلق الخلق كلهم ذوي فقر إلى الطعام، فكل طاعم كان جائعًا حتى يطعمه الله، يسوق الرزق إليه، وتصحيح الآلات التي هيأها له، فلا يظن ذو الثروة: أن الرزق الذي في يده وقد رفعه إلى فيه أطعمه إياه أحد غير الله تعالى. وفيه أيضًا: أدب الفقراء، كأنه قال: لا تطلبوا الطعام من غيري فإن هؤلاء الذين تطلبون منهم أنا الذي أطعمهم، فاستطموني أطعمكم، وكذلك ما بعده أفاده الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد١ في شرحه، والله أعلم.

стр. 101

قوله: "تخطئون" بضم التاء، وسكون الخاء المعجمة، وكسر الطاء المشالة، هذه هي الرواية المشهورة. وروي بفتح أوله، وثالثه. والخطأ يطلق على معان، قال الراغب في مفرداته: الخطأ: العدول عن الجهة، وذلك أضرب؛ أحدها: أن يريد غير ما تحسن إرادته، فيفعله، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، يقال: خطئ يخطأ، خطأً، وخطاءة -أي: بكسر الأول فيهما- والثاني: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يريد، فيقال: أخطأ إخطاء، فهو مخطئ، وهذا قد أصاب في الإرادة، وأخطأ في الفعل. والثالث: أن يريد ما لا يحسن فعله، ويتفق منه خلافه، فهذا مخطئ في الإرادة، ومصيب في الفعل، فهو مذموم بقصده، وغير محمود على فعله. وجملة الأمر: أن من أراد شيئًا، فاتفق منه غيره، يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده؛ يقال: أصاب. وقد يقال لمن فعل فعلًا لا يحسن، أو أراد إرادة لا تجعل: أنه أخطأ؛ ولهذا يقال: أصاب الخطأ، وأخطأ الصواب، وأصاب الصواب، وأخطأ الخطأ، وهذه اللفظة مشتركة كما ترى، مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن يتأملها. انتهى بنوع تصرف. وقوله: "بالليل والنهار": أن في ساعاتهما، وأوقاتهما، وقدم الليل على النهار؛ لأن الليل ظلمة، وهي الأصل، والنور طارئ عليها يسترها، ولأن المقام يقتضي تقديمه؛ إذا أكثر المعاصي والآثام تعمل في الليل. والاستغفار من الذنوب: طلب تقديمه؛ إذا أكثر المعاصي والآثام تعمل في الليل. والاستغفار من الذنوب: طلب المغفرة، والعبد أحوج شيء إليه لما تقدم. وقد جاء في القرآن الحكيم ذكر الاستغفار، والتوبة، والأمر بهما، والحث عليهما في غير آية، فلا حاجة إلى إيرادها خوف الإطالة. وأما من الحديث النبوي، فلا مانع من ذكر نبذة من ذلك. روي الترمذي، وابن ماجه من حديث أنس بن مالك خادم الرسول ﷺ عن النبي ﵊ قال: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" ١ وأخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "والله إني لأستغفر الله، وأتوب إليه كل يوم مئة مرة" ٢ وأخرج أيضًا من حديث الأغرِّ المزني

стр. 102

سمع النبي ﷺ يقول: "يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم، واستغفروه، فإني أتوب إلى الله، وأستغفره كل يوم مئة مرَّة" ١ وخرج الإمام أحمد بن حنبل من حديث حذيفة قال: "كان في لساني ذربٌ -أي: حاد اللسان، لا أبالي بما أقول- على أهلي لم أعده إلى غيره، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: أين أنت من الاستغفار يا حذيفة! إني لأستغفر الله كل يوم مئة مرة" ٢، وخرج الإمام أحمد بن حنبل، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مئة مرة يقول: "رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم! " ٣. والمغفرة العامة لجميع الذنوب نوعان؛ أحدهما: المغفرة لمن تاب، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] إلى قوله: ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ فهذا السياق مع سبب نزول الآية يبين: أن المعنى: لا ييأس مذنب من مغفرة الله تعالى، ولو كانت ذنوبه ما كانت؛ فإن الله جل ذكره لا يتعاظمه ذنب من أن يغفره لعبده التائب. وقد دخل في هذا العموم الشرك وغيره من الذنوب؛ فإن الله تعالى يغفر ذلك لمن تاب منه؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] إلى قوله ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] قال الإمام

стр. 103

تقي الدين أحمد بن تيمية: وهذا القول الجامع بالمغفرة لكلِّ ذنبٍ للتائب منه، كما دل عليه القرآن، والحديث هو الصواب عند جماهير أهل العلم، وإن كان من الناس من يستثني بعض الذنوب، كقول بعضهم: إن توبة الداعية إلى البدع لا تقبل باطنًا للحديث الإسرائيلي الذي منه: "فكيف من أضللت" وهذا غلط، فإن الله قد بين في كتابه، وسنة رسوله أن يتوب على أئمة الكفر الذين هم أعظم من أئمة البدع، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] قال: الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم: عذبوا أولياءه، وفتنوهم، ثم هو يدعوهم إلى التوبة، كذلك توبة القاتل وغيره إلى آخر ما قال. وثانيهما: المغفرة بمعنى تخفيف العذاب، أو بمعنى تأخيره إلى أجلٍ مسمى، وهذا عام مطلقًا، لهذا شفع النبي ﷺ في عمه أبي طالب مع موته على الشرك فنقل من غمرةٍ من نار حتى جعل في ضحضاح من نار، في قدميه نعلان من نار يغلي منهما دماغه. قال: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار "١ على هذا المعنى دل قوله ﵎: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥] وقوله جل ذكره: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] وغير ذلك من الآيات. قال العلامة الحافظ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الأربعين حديثًا النووية: في هذا الكلام من التوبيخ ما يستحي منه كل مؤمن. وكذلك: أن الله خلق الليل؛ ليطاع فيه، ويعبد بالإخلاص، حيث تسلم الأعمال فيه غالبًا من الرياء والنفاق، أفلا يستحي المؤمن ألا ينفق الليل فيما خلق له من الطاعات حتى يخطئ فيه، ويعصي الله تعالى في مواطنه؛ وأما النهار: فإنه خلق مشهودًا من الناس فينبغي من كل فطن أن يطيع الله فيه أيضًا، لا يتظاهر بين الناس بالمخالفة، وكيف يحسن بالمؤمن أن يخطئ سرًا أو جهرًا؛ لأنه قد قال بعد ذلك: "وأنا أغفر الذنوب جميعًا" فذكر الذنوب بالألف واللام التي للتعريف، وأكدها بقوله:

стр. 104

"جميعًا"، وإنما قال ذلك قبل أمره إيانا بالاستغفار؛ لئلا يقنط أحد من رحمة الله لعظم ذنبٍ ارتكبه. انتهى. وقوله: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري ... " إلخ. الضرُّ -يفتح أوله، ويضم-: الضرر، ضد النفع، وهو منصوب بنزع الخافض، أو لن تصلوا إلى ضرري، كذا في بعض شروح الأربعين؛ قال الأزهري: كل ما كان سوء حال وفقر، وشدة في بدن؛ فهو ضر بالضم؛ وما كان ضد النفع؛ فهو بفتحها. انتهى. ولما كانت الجبلة والعادة في الخلق أن يوصل بعضهم إلى بعض نفعًا، أو ضرًا، وكان هذا مألوفًا لهم فيما بينهم، فإذا رأيت إحسانًا من أحد، أو إساءة من أحد إليك فتجتهد لأن توصل إليه نظير صنعه من خير، أو شر، أو منفعة، أو مضرة فالناس وراء المنافع أيًا كان وكل بحسبه، أراد المولى جل ذكره أن يبين لخلقه وعبيده: أنه سبحانه لا يصله شيء من طاعتكم، فينتفع به، ولا يصله شيء من معصيتكم فتضرونه به؛ بل أعمالكم الطيبة الصالحة تثابون عليها يوم القيامة، وتنتفعون بها في الآخرة، وكذلك أعمالكم الخبيثة، فإنكم تجازون عليها يوم الموقف الأعظم، وتعذبون بسبب ما ارتكبتموه من الأمور المخلة، فليجتهد كل إنسان: ويدخر لنفسه من الأعمال الصالحات ما يعود نفعه عليه في وقت شدة حاجته إليه، وليجهد نفسه على منعها من ارتكاب ما يخل بالآداب الإنسانية، والقواعد الشرعية لئلا يكون وزر ذلك عليه في يوم لا شفيع يشفع إلا بإذن الله . قال قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا نهاهم عنه بخلًا به عليهم، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم. وقد ورد في ذلك آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدً ا﴾ [النساء: ١٣١] أي: لم يزل كذلك. وقال حاكيًا عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] وقال: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] وقال: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٤٤] وقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] والمعنى والله أعلم: أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه، ويطيعوه، كما أنه يكره منهم أن يعصوه. ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشد من فرح من ضلت راحلته التي عليها طعامه، وشرابه بفلاة من الأرض، وطلبها حتى أعيا، وأيس منها، واستسلم للموت، وأيس من الحياة، ثم غلبته عيناه فنام، واستيقظ، فإذا

стр. 105

هي قائمة عنده. وهذا أعلى ما يتصوره المخلوق من الفرح والسرور، وهذا كله مع غناه عن طاعات عباده، وتوبتهم إليه، وأنه إنما يعود نفعها إليها دونه، ولكن هذا من كمال جوده، وإحسانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ورفع الضر عنهم، فهو يحب من عباده أن يعرفوه، ويحبوه، ويخافوه، ويتقوه، ويطيعوه، ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب أحد غيره، وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر لهذا الحديث: "من علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة ثم استغفرني؛ غفرت له، ولا أبالي" ١. وفي الصحيح عن النبي ﷺ : "واللهِ لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها" ٢. وقوله: "يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم ... إلخ" بعد ما ذكر الله تعالى أنه جل ذكره لا ينتفع من عباده بطاعتهم إياه، ولا يحصل له ضرر بسبب عصيانهم إياه، بل الانتفاع والضرر عائدان عليهم، ومجازون بذلك، عقب ذلك بأن ملكه جل ثناؤه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا كلهم بررة، أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، كذلك لا ينقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كان جميع الإنس والجن عصاة، فجرة، قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته، وصفاته، وأفعاله، فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان، وفيه دليل على أن الأصل في التقوى والفجور هي القلوب، فإذا بر القلب، واتقى؛ برت الجوارح، وإذا فجر القلب؛ فجرت الجوارح. أفاده الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم بنوع تصرف. وقوله: "ولو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ... إلخ" الصعيد: وجه الأرض، وظاهرها؛ أي: في مقام واحد. وقوله: فسألوني؛ أي: في تلك الحالة بألسنة مختلفة حوائج مؤتلفة. قال السعد: وقيد السؤال بالاجتماع في صعيد واحد؛ لأن تزاحم الأسئلة، وترادف الناس في السؤال مع كثرتهم، وكثرة مطالبهم؛ بما يضجر المسؤول منه، ويدهشه، وذلك يوجب حرمانهم، وتخييبهم؛ أي: تعسر إنجاح مطالبهم، وإسعاف مآرابهم. وليس كذلك في حقه

стр. 106

سبحانه، وتعالى. وفيه إشارة إلى كمال قدرته ، وكمال ملكه، وأن ملكه وخزائنه لا تنفد، ولا تنقص بالعطاء. ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد. وفي ذلك حث الخلق على سؤاله، وإنزال حوائجهم به. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت! ولكن ليعزم، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء" ١. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أفرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق السموات والأرض؛ فإنه لم يغض ما في يمينه" ٢. وقوله: "لا يغيضها" أي: ينقصها، وقال أبو سعيد الخدري: إذا دعوتم الله؛ فارفعوا في المسألة، فإن ما عنده لا ينفده شيء، وإذا دعوتم؛ فاعزموا، فإن الله لا مستكره له. وقوله: "لم ينقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخِل البحر" المخيط، والخياط: ما يخاط به، وهي الإبرة، إذا الفعال، والمفعل، والمفعال من صيغ الآلات التي يفعل بها، كالمسعر، والحلاب، والميشار، وهو بكسر الميم، وإسكان الخاء، وفتح الياء. وقوله: "أدخل البحر" بصيغة المجهول، ونصب البحر على ثاني المفعول، وهذا التشبيه من باب تشبيه المفعول بالمحسوس للتفهيم، وقوله ذلك لتحقيق أن ما عنده لا ينقص البتة، كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] فإن البحر إذا غمست فيه إبرة، ثم أخرجت لم تنقص من البحر بذلك شيئًا، وكذلك لو فرض: أنه شرب منه عصفور مثلًا، فإنه لا ينقص من البحر البتة، ولهذا ضرب الخضر لموسى ﵉ هذا المثل في نسبة علمهما إلى علم الله ، وذلك لأن البحر لا يزال تمده مياه الدنيا، وأنهارها الجارية، فمهما أخذ منه لم ينقصه شيء؛ لأنه يمده ما هو أزيد مما أخذ منه، وهكذا طعام الجنة وما فيها، فإنه لا ينقص، كما قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢- ٣٣] وقد تبين في الحديث الذي خرَّجه الترمذي، وابن ماجه السب الذي لأجله

стр. 107

لا ينقص ما عند الله بالعطاء بقوله: "ذلك بأني جواد، واجد، ماجد، أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت إنما أقول له كُنْ، فيكون"١. وقال بعضهم في ذلك: لا تخضعنَّ لمخلوق على طمعٍ ... فإن ذلك مضرٌ منك بالدين واسترزق اللهَ مما في خزائنِه ... فإنَّما هي بين الكاف والنون لما بين الله ﷻ كمال قدرته، وتمام ملكه، وسعه نعمائه، وقوة نفوذه؛ أراد أن يبين لخلقه: أنه تعالى ذكره مع كونه موصوفًا بهذه الصفات الفائقة الحد، والحصر، فلا يترك لعبد من عباده عملًا من الأعمال قل، أو كثر، صغر، أو عظم خيرًا، أو شرًا إلا أحصاه، وكتبه عليه، ثم يرد عليه جزاء ذلك، ويوفيه له على حسبه تامًا لا ينقص منه شيئًا. قال الإمام العلامة أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية في شرح هذه الجملة: فبين: أنه محسن إلى عباده في الجزاء على أعمالهم الصالحة إحسانًا يستحق به الحمد؛ لأنه هو المنعم بالأمر بها، والإرشاد إليها، والإعانة عليها، ثم إحصائها، ثم توفية جزائها، فكل ذلك فضل منه، وإحسان؛ إذ كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، وهو وإن كان قد كتب على نفسه الرحمة، وكان حقًا عليه نصر المؤمنين، كما تقدم بيانه؛ فليس وجوب ذلك كوجوب حقوق الناس بعضهم على بعض الذي يكون عدلًا، لا فضلًا؛ لأن ذلك إنما يكون لكون بعض الناس أحسن إلى البعض، واستحق المعاوضة، وكان إحسانه إليه بقدرة المحسن دون المحسن إليه، ولهذا لم يكن المتعوضان ليخص أحدهما بالتفضل على الآخر لتكافئهما، وهو قد بين في الحديث: أن العباد لم يبلغوا ضره، فيضروه، ولن يبلغوا نفعه، فينفعوه، فامتنع حينئذ أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق، بل هو الذي أحق الحق على نفسه بكلماته، فهو المحسن بالإحسان، وبإحقاقه، وكتابته على نفسه، فهو في كتابة الرحمة على نفسه، وإحقاقه نصر عباده المؤمنين، ونحو ذلك محسن إحسانًا مع إحسان، ليتدبر اللبيب هذه التفاصيل التي يتعين بها فصل الخطاب في هذه المواضع التي عظم فيها الاضطراب فمن بين موجب على ربه بالمنع أن يكون محسنًا متفضلًا، ومن بين مسو بين عدله

стр. 108

وإحسانه، وما تنزه عنه من الظلم والعدوان، وجاعل الجميع نوعًا واحدًا، وكل ذلك حَيدٌ عن سنن الصراط المستقيم، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. وكما بين أنه محسن في الحسنات، متمٌ إحسانه بإحصائها، والجزاء عليها؛ بين أنه عادل في الجزاء على السيئات، فقال: "ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" كما تقدم بيانه في مثل قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وعلى هذا الأصل استقرت الشريعة الموافقة لفطرة الله التي فطر الناس عليها كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن شداد بن أوس، عن النبي ﷺ أنه قال: " سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ١. ففي قوله: "أبوء لك بنعمتك علي" اعتراف بنعمته عليه في الحسنات، وغيرها. وقوله: "وأبوء بذنبي" اعتراف منه بأنه مذنب، ظالم لنفسه، وبهذا يصير العبد شكورًا لربه، مستغفرًا لذنبه، يستوجب مزيد الخير، وغفران الشر من الشكور والغفور الذي يشكر اليسير من العمل، ويغفر الكثير من الزلل. وقد ورد في إحصاء أعمال العباد وتوفيتهم إياها بالجزاء عليها آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨] وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] إلى غير ذلك. وقوله: "ثم أوفيكم إياها" الظاهر: أن المراد توفيتها يوم القيامة، كما قال تعالى في كتابه الحكيم: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ويحتمل أن المراد: يوفى عباده جزاء أعمالهم في الدنيا، والآخرة كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وقد روي عن النبي ﷺ : أنه فسَّر ذلك بأن

стр. 109

المؤمنين يجازون بسيائتهم في الدنيا، وتدخر لهم حسناتهم في الآخرة، فيوفون أجورهم، وأما الكافر: فإنه يعجَّل له في الدنيا ثواب حسناته، وتدَّخر له سيئاته، فيعاقب بها في الآخرة، ويوفيه جزاءها من خير، أو شر، فالشر يجازى به مثله من غير زيادة إلا أن يعفو الله عنه، والخير تضاعف الحسنة عنه بعشرة أمثالها إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلم قدرها إلا الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] أفاده الحافظ ابن رجب. وقله: "فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" أي: فمن وجد ما يثاب عليه من الخير فليحمد الله تعالى على توفيقه لطاعته، وليعلم أنه من فضل الله ورحمته، ومن وجد غير ذلك الخير -وهو الشر- أو ما لا ثواب عليه؛ فلا يلومن إلا نفسه ولذا ورد: "ليس بتحسر أهل الجنة يوم القيامة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله تعالى فيها" ١، فمن وجد غير محض الخير، ولو لم يكن صريح الشر؛ ينبغي أن يلوم نفسه في مقام المراقبة، وحال المحاسبة، ولذا قال الشيخ البستي: زيادةُ المرءِ في دنياه نقصان ... وربحُه غير محضِ الخير خُسران فلا يلومن إلا نفسه لبقائها على الظلمة الأصلية لها، فآثرت شهواتها، ومستلذاتها على رضا خالقها، ورازقها، فكفرت بنعمه، ولم تذعن لحكمه، فاستحقت أن يعاملها ربها بمقتضى عدله، وأن يحرمها من أيادي كرمه وفضله. ففي الحديث إشارة إلى أن الخير كله فضل من الله على عبده من غير استحقاق، والشر كله من عند ابن آدم من اتباع هوى نفسه، كما قال : ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] فالله إذا أراد توفيق عبد، وهدايته أعانه، ووفقه لطاعته، وكان ذلك فضلاً منه ورحمة؛ وإذا أراد خذلان عبد وكَّله إلى نفسه، وخلى بينه وبينها، فأغواه الشيطان لغفلته عن ذكر الله فاتبع هواه، وكان أمره فرطًا. وكان ذلك عدلًا منه، فإن الحجة قائمة على العبد بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، فما بقي لأحد من الناس على الله حجة بعد الرسل ... إلخ. وقوله: "فمن وجد خيرًا.. إلخ" يحتمل أن يكون ذلك في الدنيا، ويحتمل أن يكون ذلك في الآخرة. أما الأول فيكون حينئذ مأمورًا بالحمد لله على ما وجده من جزاء

стр. 110

الأعمال الصالحة الذي عجَّل له في الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ويكون مأمورًا بلوم نفسه على ما فعلت من الذنوب التي وجد عاقبتها في الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١] فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء؛ رجع إلى نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة، والاستغفار. روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه عن النبي ﷺ : أنه قال: "إن المؤمن إذا أصابه سقم، ثم عافاه الله منه؛ كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة له فيما يستقبل من عمره. وإن المنافق إذا مرض، وعُوفي؛ كان كالبعير عقله أهله، وأطلقوه، لا يدري بما عقلوه، ولا بما أطلقوه" ١. وإن كان المراد الثاني كان إخبارًا منه بأن الذي يجدون الخير في الآخرة يحمدون الله على ذلك، وأن من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه حين لا ينفعه اللوم، فيكون الكلام لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخير، كقوله ﷺ : "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". والمعنى: أن الكاذب عليه ﷺ يبتوأ مقعده من النار. وفي هذا الباب آيات، وأحاديث كثيرة في هذا المعنى، وفيما ذكرناه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد. والله أعلم.
следующие страницы →