← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7267

الأحاديث الواردة في البيوع المنهي عنها

سليمان بن صالح الثنيان

Полный текст (707 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومما ورد في هذا الفصل أيضاً: (١٠) حديث علي ﵁، وقد تقدم١. (١١) حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وقد تقدم٢. (١٢) حديث أبي جحيفة ﵁، وقد تقدم٣. (١٣) حديث عمر بن الخطاب ﵁، وسوف يأتي٤.

стр. 142

دلالة الأحاديث السابقة: يستفاد مما تقدم من الأحاديث الثابتة النهي عن بيع الكلب سواءً أكان مما أُذن بالانتفاع به أم لا، لعموم النهي الوارد عن ثمنها في الأحاديث السابقة. وهو مذهب مالك في المشهور عنه١، والشافعي٢، وأحمد٣. وجميع ما ورد في استثناء كلب الصيد فإنه ضعيف كما تقدم بيان ذلك مفصّلاً عند تخريج هذه الأحاديث. وذهب بعض أهل العلم إلى إباحة بيع الكلب إذا كان مأذوناً في اتخاذه ككلب الصيد ونحوه. وهو مذهب أبي حنيفة٤. وقالوا إن النهي عن ثمنها كان حين الأمر بقتلها، فلما نسخ الأمر بقتلها نسخ النهي عن ثمنها. وجعلوا حكمه حكم الحمار الأهلي الذي نهي عن أكله وأُبيح بيعه٥. والذي يترجح هو ما تقدم من النهي عن ثمن الكلاب ولو كانت مما ينتفع بها لعموم الأحاديث الواردة في النهي عن ثمنها وأنه خبيث. وأما دعوى نسخ هذه الأحاديث بأحاديث الإذن بالانتفاع بالكلاب فهي دعوى لا دليل عليها؛ لأن النسخ لابد أن يثبت بنص، وليس نسخ الأمر بقتل الكلاب دليلاً على نسخ النهي عن ثمنها؛ لعدم التلازم بينهما. ويدل على هذا: أن أحاديث تحريم بيعها وأكل ثمنها مطلقة عامة كلها، وأحاديث النهي عن اقتنائها منها المطلق ومنها المقيَّد الذي فيه الاستثناء

стр. 143

لبعض الكلاب. فلو كان النهي عن بيعها مقيداً مخصوصاً لجاءت به الآثار كذلك. فلما جاءت عامة مطلقة عُلم أنّ عمومها وإطلاقها مراد، فلا يجوز إبطاله١. وكذلك أحاديث النهي عن ثمنها متأخرة، فقد تقدم أن النهي عن بيعها جاء عن أبي هريرة ﵁ وقد أسلم في السنة السابعة. ولا يصح عن صحابي خلاف أحاديث النهي العامة٢. وكذلك يستفاد مما تقدم النهي عن ثمن السِّنَّور وهو الهر. وبه أفتى جابر بن عبد الله وأبو هريرة، وهو قول طاووس ومجاهد وجابر بن زيد٣، ورواية عن أحمد٤ اختارها أبو بكر عبد العزيز٥، وصححها ابن رجب٦. وقال ابن المنذر: "إن ثبت عن النبي ﷺ النهي عن بيعه فبيعه باطل وإلا فجائز"٧. وقد صح الحديث كما تقدم. وقال البيهقي: "متابعة ظاهر السنة أولى، ولو سمع الشافعي ﵀ الخبر الوارد فيه - أي في النهي عن ثمن السِّنَّور - لقال به - إن شاء الله -"٨. وذهب الجمهور إلى إباحة بيع السِّنَّور٩، وحملوا النهي على السِّنَّور المتوحش، أو غير المملوك، أو أن النهي عن ثمنها كان حين الحكم

стр. 144

بنجاستها، ثم لما حكم بطهارة سؤرها حل ثمنها، أو أن يحمل النهي على الكراهة. وغير ذلك من المحامل١. قال الزركشي: وكلها محامل ودعوى لا دليل عليها٢. وقال ابن القيم: لا يخفى ما في هذه المحامل من الوهن٣.

стр. 145

الفصل السابع: ما ورد في النهي عن بيع الحر ٤٧ - (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره". هذا الحديث من الأحاديث القدسية، وقد رواه البخاري١ وهذا لفظه، وابن ماجه٢، وأحمد٣، والطحاوي٤، وأبو يعلى٥، والطبراني في الصغير٦. إلا أن ابن ماجه والطحاوي والطبراني لم يجعلوه حديثاً قدسياً. رووه كلهم من طرقٍ عن يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عنه به. ورواه ابن الجارود٧، وابن حبان٨، والبيهقي٩، وزادوا بعد قوله "أنا خصمهم يوم القيامة": "ومن كنت خصمه خصمته"، ولفظ ابن حبان: "ومن كنت خصمه أخصمه".

стр. 146

وقد رواه البيهقي١، وابن الجارود تعليقاً من طريق النفيلي عن يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ به. فزاد النفيلي في الإسناد: "أبو سعيد المقبري"، وقد خالفه غيره فلم يذكروه٢. قال ابن حجر: المحفوظ قول الجماعة٣. والله أعلم. قال ابن الجوزي: الحر عبد الله، فمن جنى عليه فخصمه سيده٤.

стр. 147

دلالة الحديث السابق: يستفاد مما تقدم النهي عن بيع الحر. وقد حكى ابن المنذر١، والنووي٢ الإجماع على ذلك، سواء أكان الحر لم يسبق بعبودية، أو كان عبدًا ثم أعتقه سيده ثم كتم ذلك أو جحده، أو أن يستخدمه كرهًا بعد العتق٣. وأما ما رواه الطحاوي٤ والحاكم٥ كلاهما من طريق زيد بن أسلم قال: لقيت رجلاً بالإسكندرية يقال له سُرَّق٦. فقلت: ما هذا الاسم؟ فقال: سمانيه رسول الله ﷺ . قدمت المدينة فأخبرتهم أنه يقدم لي مال فبايعوني، فاستهلكت أموالهم فأتوا بي النبي ﷺ فقال: "أنت سُرَّق". فباعني بأربعة أبعرة ..." الحديث٧. ففيه أن النبي ﷺ باعه في دينٍ كان

стр. 148

عليه. فالجواب عنه ما أجاب به الطحاوي فقال: "كان ذلك في أول الإسلام يبتاع مَنْ عليه دين فيما عليه من الدين إذا لم يكن له مالٌ يقضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ١ "٢. قال المهلب: وإنما كان بيع الحر إثمه شديدًا؛ لأن المسلمين أكفاء في الحرية، فمن باع حرًا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له، وألزمه الذل الذي أنقذه الله منه٣.

стр. 149

الفصل الثامن: ما ورد في النهي عن بيع أمهات الأولاد ٤٨ - (١) عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : "نهى عن بيع أمهات الأولاد، لا يبعن، ولا يوهبن، ولا يورثن، يستمتع بها سيدها مادام حيًا، فإذا مات فهي حرة". رواه ابن عدي١، والدارقطني٢ بإسنادهما عن عبد الله بن مطيع، عن عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن دينار عنه به. قال ابن عدي - بعد أن ذكر أحاديث لعبد الله بن جعفر منها هذا الحديث - قال: "وهذه الأحاديث التي أمليتها لعبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ كلها غير محفوظات، لا يحدث بها عن ابن دينار غير عبد الله بن جعفر". وكلام ابن عدي السابق ذكره في ترجمة عبد الله بن جعفر بن نجيح المديني - والد الإمام علي بن المديني - مما يدل على أن ابن عدي يرى أن عبد الله بن جعفر في الإسناد هو هذا، ووقع في سند الدارقطني نسبة عبد الله بن جعفر بأنه المخرمي، والصواب هو ما تقدم بأنه ابن نجيح المديني، ويدل لذلك أن المعروف بالرواية عن عبد الله بن دينار إنما هو ابن نجيح المديني وليس المخرمي٣. والله أعلم.

стр. 150

وعبد الله بن جعفر بن نجيح المديني ضعيف. ضعفه ابنه علي بن المديني، وقال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدًا؛ يحدث عن الثقات بالمناكير، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال مرة: ليس بثقة. وقال ابن عدي: عامة حديثه لا يتابعه أحد عليه، وهو مع ضعفه يكتب حديثه. وقال الدارقطني: كثير المناكير١. وقال ابن حجر: ضعيف، يقال: تغير حفظه بآخرة٢. وأما عبد الله بن مطيع فهو ابن راشد البكري النيسابوري، ثقة٣. فمما سبق يتبين لنا أن هذه الطريق ضعيفة؛ لضعف عبد الله بن جعفر المديني، إلا أنه لم ينفرد به، بل تابعه عبد العزيز بن مسلم، وذلك فيما رواه الدارقطني أيضًا بإسناده عن يونس بن محمد، عن عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ به بنحوه٤. ويونس بن محمد هو أبو محمد البغدادي، ثقة ثبت٥. وعبد العزيز بن مسلم هو القسملي مولاهم المروزي ثم البصري، وثقه ابن نمير وابن معين وأبو حاتم والعجلي، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مرة: ربما وهم فأفحش٦.

стр. 151

وقال ابن حجر: ثقة عابد ربما وهم١. وقد اختلف عليه في هذا الحديث، فقد رواه يونس بن محمد البغدادي عنه - كما سبق - مرفوعًا، ورواه يحيى بن إسحاق السيلحيني عنه عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر نحوه موقوفًا٢. ويحيى بن إسحاق وإن كان أقل ضبطًا من يونس بن محمد؛ لأنه صدوق٣، ويونس ثقة، إلا أن المحفوظ هو حديث يحيى بن إسحاق، ويبين ذلك أن هذا الحديث رواه عن عبد الله بن عمر ﵄ نافع وعبد الله بن دينار، فأما رواية نافع فقد رواه عنه مالك٤، وعبيد الله بن عمر٥، وأيوب٦، وعبد الله بن عمر٧، وغيرهم، كلهم رووه عنه موقوفًا، وأما عبد الله بن دينار فرواه عنه الثوري٨، وهو من المقدمين فيه٩، وفليح بن سليمان١٠، وسليمان بن بلال١١، كلهم رووه موقوفًا.

стр. 152

فتبين بذلك أن رواية يحيى بن إسحاق عن عبد العزيز بن مسلم موافقة لرواية الجماعة عن عبد الله بن دينار، وأما رواية يونس بن محمد البغدادي عن عبد العزيز بن مسلم والتي فيها رفع الحديث إلى النبي ﷺ ، فهي رواية شاذة. ولعل الخطأ فيها من عبد العزيز بن مسلم؛ لأنه ذكر عنه الوهم كما سبق. والله أعلم. وأما قول ابن القطان: "عندي أن الذي أسنده خير ممن وقفه"١. فهذا القول منه يصح بالنظر إلى أن يونس بن محمد أوثق من يحيى بن إسحاق. ولكن قد سبق أن رواية يحيى بن إسحاق قد اعتضدت بالطرق الأخرى التي رواها الثقات عن عبد الله بن دينار، والتي فيها وقف الحديث على عمر ﵁، فبذلك تترجح رواية يحيى بن إسحاق بمتابعاتها، فتكون هي المحفوظة. والله أعلم. ولذا قال البيهقي: "هكذا رواه الجماعة عن عبد الله بن دينار - يعني موقوفًا - وغلط فيه بعض الرواة عن عبد الله بن دينار، فرفعه إلى النبي ﷺ ، وهو وهم لا يحل ذكره"٢. وممن حكم أيضًا بأن الموقوف هو المحفوظ الدارقطني٣، وعبد الحق٤. فمما سبق يتبين أن المحفوظ في هذا الحديث هو الوقف على عمر ﵁، وأما رفعه إلى النبي ﷺ فشاذ. وقد ذكر سعيد بن منصور في سننه٥ طرقًا أخرى موقوفة على عمر ﵁. والله أعلم.

стр. 153

دلالة الحديث السابق: أم الولد هي التي ولدت من سيدها في ملكه١، وهي تعتق بموته. ويدل هذا الحديث عن ابن عمر ﵄ على المنع من بيعها، ولكن تقدم أن الحديث لا يصح مرفوعًا عن النبي ﷺ ، وإنما هو من قول عمر ﵁. إلا أن جمهور العلماء قالوا بما يدل عليه الحديث، وهو النهي عن بيع أمهات الأولاد٢. وقد حكى بعضهم الإجماع عليه٣. إلا أن هذا الإجماع لا يصح، فقد خالف علي٤، وابن عباس٥، وابن الزبير٦ ﵃، فكانوا يقولون بجواز بيع أمهات الأولاد. وهذا القول حكي رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل٧، وابن تيمية٨ وغيرهما. واستدل بعض أصحاب هذا القول بحديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: "بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر ﵁ نهانا فانتهينا". رواه أبو داود٩، والنسائي في الكبرى١٠، وابن ماجه١١. وهو حديث صحيح.

стр. 154

وقول الصحابي: "كنا نفعل كذا" الجمهور على أنه إن أضافه إلى زمن النبي ﷺ فهو مرفوع؛ لأن ظاهر ذلك مشعر بأن رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وقررهم عليه؛ لتوفر دواعيهم على سؤالهم عن أمور دينهم١. وبهذا يعلم الجواب عن قول البيهقي٢ وغيره بأن ليس في حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ علم بذلك فأقرهم عليه.

стр. 155

الفصل التاسع: ما ورد في النهي عن بيع المدبر ٤٩ - (١) عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "المدبر لا يباع، ولا يوهب، وهو حر من الثلث". رواه الدارقطني١ من طريق عبيدة بن حسان، عن أيوب، عن نافع عنه به. وقال: "لم يسنده غير عبيدة بن حسان، وهو ضعيف، وإنما هو عن ابن عمر ﵄ موقوف من قوله". ثم روى بإسناده عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كره بيع المدبر. وقال: "هذا هو الصحيح موقوف". وعبيده٢ بن حسان الذي تفرد برواية الرفع عن أيوب قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات٣. فعلى هذا فإن رواية الرفع منكرة. وقد جاء الحديث من وجه آخر مختصرًا. فقد رواه ابن ماجه٤، والعقيلي٥، وابن عدي٦، والدارقطني٧، كلهم من طرق عن علي بن

стр. 156

ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عنه به بلفظ: "المدبر من الثلث". وقد ذكر ابن ماجه عقب إخراجه للحديث أن عثمان بن أبي شيبة- شيخه في هذا الحديث - أنه قال عن هذا الحديث: "هذا خطأ". وقال العقيلي: "لا يعرف إلا به" - أي بعلي بن ظبيان -. وقال الدارقطني في العلل: "غير ابن ظبيان يرويه موقوفًا"١. وعلي بن ظبيان٢ هذا قال فيه ابن معين وأبو داود: ليس بشيء. وقال ابن معين في رواية: كذاب خبيث ليس بثقة. وقال أبو حاتم والنسائي: متروك الحديث. وقال ابن المديني: حدثنا بثلاثة أحاديث مناكير - وذكر منها هذا الحديث -. وذكر ابن محرز هذا الحديث من مناكيره. وذكر الشافعي عن علي بن ظبيان هذا أنه قال: كنت أرفعه - يعني هذا الحديث - فقال لي أصحابي: لا ترفعه٣. وقد تساهل فيه الحافظ ابن حجر فجعله في مرتبة ضعيف٤. والذي يظهر لي من أقوال الأئمة فيه أنه ضعيف جدًا. والله أعلم. وقد ذكر هذا الحديث لأبي زرعة من هذا الطريق، فقال: هذا حديث باطل. وامتنع من قراءته٥.

стр. 157

وذكر ابن أبي حاتم أنه قد رواه خالد بن إلياس عن نافع عن ابن عمر ﵄ موقوفًا١. وقد رجح الدارقطني الموقوف أيضًا٢. فمما سبق يتبين أن الحديث منكر من طريقيه. والمعروف فيه أنه عن ابن عمر ﵄ موقوفًا عليه. والله أعلم.

стр. 158

دلالة الحديث السابق: التدبير: هو تعليق عتق العبد بالموت، وسمي العتق بعد الموت تدبيرًا؛ لأنه إعتاق في دبر الحياة١. والحديث الذي سبق ذكره في هذا الفصل في النهي عن بيع المدبر حديث ضعيف كما تقدم. وأخذ المالكية بما يدل عليه الحديث، فقالوا بالنهي عن بيع المدبر٢، ولأن بيعه مخالف للعتق. وقد وافقهم الحنفية٣ على قولهم إذا كان التدبير معلقًا بالموت، وأما إذا كان مقيدًا، مثل قوله: إذا قدمت من سفري فأنت حر، فيجوز بيعه عندهم. وقال الشافعي٤، وأحمد٥ في رواية: يجوز بيع المدبر مطلقًا؛ سواء أكان محتاجًا إلى ثمنه أم لا، وهو قول عائشة ﵂، ومجاهد، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز٦. وقال الحسن، وعطاء٧، وأحمد٨ في رواية: يجوز بيعه إذا احتاج إلى ثمنه. واستدل الشافعي وأحمد على جواز بيع المدبر مطلقًا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أعتق رجل منا عبدا له عن دبر، فدعا النبي ﷺ به فباعه". متفق عليه٩ واللفظ للبخاري.

стр. 159

إلا أن في لفظ البخاري: "أن رجلاً أعتق غلامًا له عن دبر فاحتاج ..."١ الحديث. ورواه النسائي بلفظ: "أعتق رجل من الأنصار غلامًا له عن دبر، وكان محتاجًا، وكان عليه دين، فباعه رسول الله ﷺ بثمانمائة درهم، فأعطاه فقال: "اقض دينك وأنفق على عيالك"٢. فهاتان الروايتان ونحوهما تؤيدان مذهب من علق الجواز بالحاجة إلى ثمنه. وهو أولى الأقوال؛ لأن فيه جمعًا بين الأدلة. والله أعلم.

стр. 160

الفصل العاشر: ما ورد في النهي عن بيع الولاء ٥٠ - (١) عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ "نهى عن بيع الولاء وهبته". رواه البخاري١، ومسلم٢، وأبو داود٣، والترمذي٤، والنسائي٥، وابن ماجه٦، ومالك٧، والطيالسي٨، وأحمد٩، والدارمي١٠. كلهم من طرق عن عبد الله بن دينار عنه به بهذا اللفظ. وقال مسلم: "الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث". يعني أنه لم يصح إلا من طريقه. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر".

стр. 161

وقال أيضًا: "عبد الله بن دينار قد تفرد بهذا الحديث عن ابن عمر"١. ومن المعلوم أن تفرد الثقة لا يضر، والترمذي لا يقصد في حكمه على الحديث بالتفرد تضعيفًا للحديث، وإنما يريد أن لا يصلح هذا الحديث إلا من طريق عبد الله بن دينار، وإلا فقد جاء هذا الحديث من غير طريقه، ومن ذلك: ما رواه ابن ماجه٢، والبيهقي٣ بإسنادهما عن يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر به. قال الترمذي: "هو وهم، وهم فيه يحيى بن سليم، وروى عبد الوهاب الثقفي وعبد الله بن نمير وغير واحد عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وهذا أصح من حديث يحيى بن سليم"٤. وقال نحوه البخاري٥، وأبو زرعة٦. وقال البيهقي: "هذا وهم من يحيى بن سليم أو من دونه في الإسناد والمتن جميعًا"٧. ويحيى بن سليم تكلم في حديثه عن عبيد الله بن عمر. فقال النسائي: "منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر"، وقال الساجي: "أخطأ في أحاديث رواها عن عبيد الله بن عمر"٨.

стр. 162

ورواه أيضًا الحاكم بإسناده عن محمد بن مسلم الطائفي، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "الولاء لحمة من النسب، لا تباع ولا توهب"١. ومحمد بن مسلم الطائفي قال فيه ابن معين: لا بأس به، وابن عيينة أوثق منه، وكان إذا حدث من حفظه يخطئ، وإذا حدث من كتابه فليس به بأس. وقال مرة: ثقة. وقال أحمد: ما أضعف حديثه. وقال أبو داود: ليس به بأس. وقال مرة: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به٢. وقد جعله ابن حجر في مرتبة: صدوق يخطئ من حفظه٣. إلا أنه قد وهم في هذا الحديث؛ فإن نافعًا إنما أخذه من عبد الله بن دينار عن ابن عمر. قاله أبو حاتم٤. وقال أيضًا: الناس يروون عن نافع عن ابن عمر موقوف "الولاء لحمة ..." وهذا هو الصحيح٥. فيرى أبو حاتم أن نافعًا سمع من ابن عمر أنه قال: "الولاء لحمة من النسب"، وأما قوله: "نهى عن بيع الولاء، وعن هبته" فإنما سمعه من عبد الله بن دينار عنه به. والله أعلم.

стр. 163

ورواه أيضًا ابن عدي بإسناده عن غسان بن عبيد، ثنا أشعث بن سعيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر به، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء، وعن هبته"١. قال ابن عدي: قال فيه - يعني غسان بن عبيد - عمرو بن دينار وإنما هو عبد الله بن دينار. ورواه الطبراني في الأوسط عن أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثني أبي، عن أبيه، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وهبته"٢. قال الطبراني: "لم يروه عن سفيان، عن عمرو بن دينار إلا يحيى بن حمزة، تفرد به ولده عنه، ورواه الناس عن سفيان، عن عبد الله بن دينار". وقال ابن حجر: هو وهم، والمحفوظ من حديث الثوري عن عبد الله بن دينار٣. فمما تقدم يتبين أن هذا الحديث لا يصح إلا من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ به. وما جاء من غير هذه الطريق فغير محفوظ، فصح قول مسلم والترمذي وغيرهما أن عبد الله بن دينار قد تفرد بهذا الحديث. والله أعلم

стр. 164

٥١ - (٢) عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الولاء لُحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب". رواه الطبراني في الكبير١، وابن عدي٢، وابن جرير الطبري٣، وهذا لفظهم. كلهم من طرق عن عبيد بن القاسم، عن إسماعيل بن أبي خالد عنه به. وعبيد بن القاسم هو الأسدي التيمي الكوفي. قال فيه ابن معين: ليس بثقة. وقال مرة: كذاب. وقال أبو زرعة: واهي الحديث، حدث أحاديث منكرة، لا ينبغي أن يحدث عنه. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ذاهب الحديث. وقال صالح بن محمد: كذاب. وقال البخاري: ليس بشيء٤. قال ابن حجر: متروك؛ كذبه ابن معين، واتهمه أبو داود بالوضع٥. فعلى هذا، فهذه الطرق ضعيفة جدًا لا يعتبر بها. وقد تصحف اسم عبيد بن القاسم في الإسناد الذي ساقه ابن التركماني لابن جرير الطبري إلى "عبثر بن القاسم" - وهو ثقة - فحكم ابن التركماني على هذا الإسناد بقوله: "رجاله ثقات"٦.

стр. 165

ولعل ذلك أيضًا وقع للحافظ ابن حجر، فإنه قال عن إسناد هذا الحديث: "ظاهر إسناده الصحة"١. والصواب ما تقدم، وهو أنه عبيد بن القاسم، وقد ساق ابن عدي هذا الحديث في ترجمته، وكذلك قاله أبو نعيم الأصبهاني٢. وللحديث إسناد آخر، فقد رواه أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة٣، وتاريخ أصبهان٤ - ومن طريقه أخرجه الخطيب البغدادي٥ - بإسناده عن يحيى بن هاشم السمسار، عن إسماعيل بن أبي خالد به مختصرًا. ويحيى بن هاشم السمسار تقدم الكلام فيه٦، وأنه ضعيف جدًا، وقد كذب. فهذه المتابعة لا يعتبر بها أيضًا، فيبقى الحديث ضعيفًا جدًا. والله أعلم. ٥٢ - (٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب". رواه ابن عدي٧ بإسناده عن يحيى بن أبي أنيسة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه به.

стр. 166

قال ابن عدي: هذا ليس بمحفوظ عن الزهري. وقال البيهقي: "ليس للزهري فيه أصل، ويحيى بن أبي أنيسة ضعيف بمرة، وإنما روي هذا اللفظ مرسلاً كما قدمنا ذكره"١. ويحيى بن أبي أنيسة قال فيه أحمد والنسائي والدارقطني وغيرهم: متروك الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال عمرو بن علي الفلاس: صدوق، كان يهم في الحديث. وقد اجتمع أصحاب الحديث على تركه إلا من لا يعلم. وقال يعقوب بن سفيان: لا يكتب حديثه إلا للمعرفة. وقال فيه أخوه زيد بن أنيسة: أخي يحيى يكذب٢. وتساهل فيه الحافظ ابن حجر فقال فيه: ضعيف٣. وأولى منه قول الذهبي: تالف٤. فعلى هذا فلا يصح هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁. ٥٣ - (٤) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الولاء بمنزلة النسب، لا يباع ولا يوهب، أقره حيث جعله الله". رواه البيهقي٥، وهذا لفظه، بإسناده عن عباس بن الوليد النرسي، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن علي به.

стр. 167

وعباس بن الوليد النرسي وثقه ابن معين والدارقطني، وكان ابن المديني يتكلم فيه، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات١. وجعله الحافظ ابن حجر في مرتبة الثقة٢. والذي يظهر لي أنه في مرتبة صدوق. والله أعلم. إلا أنه خولف في هذا الحديث؛ فقد رواه الشافعي٣، وعبد الرزاق٤، كلاهما عن سفيان بن عيينة به موقوفًا. ورواه كذلك معمر عن ابن أبي نجيح به موقوفًا٥. فهذه الروايات أقوى من رواية عباس بن الوليد. فعلى ذلك، فإن المحفوظ في هذا الحديث هو الوقف على علي ﵁، وأما رواية الرفع فهي شاذة. فإذا ترجح أن المحفوظ فيه هو الوقف، فإنه منقطع؛ لأن مجاهدًا لم يسمع من علي ﵁. قاله ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم٦ وغيرهم. والله أعلم.

стр. 168

دلالة الأحاديث السابقة: يستفاد مما تقدم النهي عن بيع الولاء وهبته. والولاء معناه: أنه إذا أعتق عبد اأو أمة صار له عصبة في جميع أحكام التعصيب عند عدم العصبة من النسب، كالميراث، وولاية النكاح، والعقل، وغير ذلك١. وقد قال جمهور العلماء بالنهي عن بيع الولاء٢؛ لأن حكم الولاء حكم النسب، فكما لا ينتقل النسب لا ينتقل الولاء. وكانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره، فنهى الشرع عن ذلك٣. وحكي عن عثمان وميمونة ﵄ وغيرهما جواز بيع الولاء٤. قال ابن بطال: لعلهم لم يبلغهم الحديث٥.

стр. 169

الفصل الحادي عشر: ما ورد في النهي عن بيع القينات ٥٤ - (١) عن أبي أمامة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ ١" إلى آخر الآية. رواه الترمذي٢ وهذا لفظه، وابن ماجه٣، والطيالسي٤، والحميدي٥، وأحمد٦، وابن جرير٧، والعقيلي٨، والطبراني في الكبير٩، والبيهقي١٠. كلهم من طرق عن علي بن يزيد الألهاني، عن القاسم أبي عبد الرحمن مولى يزيد بن معاوية عنه به. وأسقط من إسناد الحميدي وابن ماجه ذكر علي بن يزيد، وأسقط من إسناد ابن ماجه أيضًا القاسم أبو عبد الرحمن، وذلك أن ابن ماجه

стр. 170

رواه بإسناده عن عبيد الله الأفريقي، عن أبي أمامة ﵁، وعبيد الله بن زحر الأفريقي بينه وبين أبي أمامة بون شاسع، وهو إنما رواه عن علي بن يزيد الألهاني عن القاسم، عن أبي أمامة ﵁ كما في غير رواية ابن ماجه. وهذا الإسناد ضعيف جدًا؛ لحال علي بن يزيد. قال الترمذي: "حديث أبي أمامة إنما نعرفه مثل هذا من هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه وهو شامي". وقال الترمذي في الموضع الآخر: "هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة، والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قال: سمعت محمدًا - يعني البخاري - يقول: القاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف". انتهى. وقال الترمذي أيضًا: "سألت محمد عن إسناد هذا الحديث، فقال: عبيد الله بن زحر ثقة، وعلي بن يزيد ذاهب الحديث، والقاسم أبو عبد الرحمن مولى ثقة"١. وعبيد الله بن زحر ورد في إسناد الترمذي وأحمد وغيرهما. وقال العقيلي: "لا يعرف إلا به"، أي بعلي بن يزيد. وعلي بن يزيد تقدم قول البخاري فيه، وقال عنه أبو حاتم: ضعيف الحديث، أحاديثه منكرة. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. وقال يعقوب بن شيبة: واهي الحديث كثير المنكرات. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أيضًا: متروك الحديث. وقال الدارقطني: متروك٢. وقال ابن حجر: ضعيف٣.

стр. 171

ويظهر لي حسب ما تقدم من أقوال أئمة الجرح والتعديل أنه ضعيف جدًا. والله أعلم. وأما القاسم أبو عبد الرحمن فقد تكلم فيه أحمد، ولكن وثقه ابن معين، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة، والبخاري، والترمذي وغيرهم١. قال ابن حجر: صدوق يغرب كثيرًا٢. وقد تكلم بعضهم في أحاديث علي بن يزيد عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة ﵁. فقد قال ابن معين: "علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ضعاف كلها"٣. وقال أبو حاتم: "ليست بالقوية، وهي ضعاف"٤. وقال ابن حبان: "إذا روى عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا ما عملت أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة، بل التنكب عن رواية عبيد الله بن زحر على الأحوال أولى"٥ انتهى. وفي كلام ابن حبان مجازفة؛ لأن فيه اتهامهم بالوضع، ولم يسبق إلا ذلك، كيف وقد وثق بعضهم.

стр. 172

وقد تابع علي بن يزيد يحيى بن الحارث، وذلك فيما رواه ابن عدي١ بإسناده عن مسلمة بن علي، حدثني يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن، ولا جلوس إليهن، ولا استماع إليهن، ولا التجارة فيهن ..." الحديث. وفي إسناده مسلمة بن عُلَيّ (مصغرًا) ٢ الخشني، قال فيه ابن معين ودحيم: ليس بشيء. وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: لا ينبغي لأهل العلم أن يشغلوا أنفسهم بحديثه. وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. ونحو ذلك قال ابن حبان٣. وجعله ابن حجر في مرتبة "متروك"٤. وقد تابع مسلمة بن علي متابعة قاصرة الوليد بن الوليد. وذلك فيما رواه الطبراني في الكبير٥ بإسناده عن الوليد بن الوليد عن ابن ثوبان، عن يحيى بن الحارث به بنحوه. والوليد بن الوليد هو ابن زيد القيسي الدمشقي، قال فيه أبو حاتم: صدوق.

стр. 173

وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال ابن حبان: روى عن ابن ثوبان نسخة أكثرها مقلوبة. وقال الحاكم: روى عن عبد الرحمن بن ثوبان أحاديث موضوعة. ونحو ذلك قال أبو نعيم١. فعلى هذا فإن هذه المتابعة لا يعتبر بها. فمما تقدم يتبين أن هذا الحديث لا يصح عن أبي أمامة ﵁، بل هو ضعيف جدًا. والله أعلم. ٥٥ - (٢) عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ثمن القينة سحت، وغناؤها حرام، والنظر إليها حرام، وثمنها مثل ثمن الكلب، وثمن الكلب سحت، ومن نبت لحمه على السحت فالنار أولى به". رواه الطبراني في الكبير٢ وهذا لفظه، وابن عدي٣ بإسنادهما عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد عنه به. وفي هذا الإسناد يزيد بن عبد الملك، وقد تقدم أنه ضعيف جدًا٤. فعلى هذا فإن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف جدًا؛ لحال يزيد بن عبد الملك. والله أعلم.

стр. 174

٥٦ - (٣) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرم القينة؛ بيعها، وثمنها، وتعليمها، والاستماع إليها". رواه الطبراني في الأوسط١ بإسناده عن جعفر بن سليمان، عن سعيد بن أبي رزين، عن أخيه، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عنها به. وفي إسناده سعيد بن أبي رزين وأخوه، وهما مجهولان. قال عنهما ابن حزم: لا يدرى من هو ولا من أخوه٢. وقال الذهبي في سعيد: لا يعرف٣. وليث بن أبي سليم قد تقدم٤ أنه صدوق اختلط فلم يتميز حديثه فترك. ومما يدل على أنه اختلط في هذا الحديث أنه رواه مرة هكذا، ورواه مرة عن عبيد الله بن زحر عن القاسم عن عائشة ﵂ أو عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ به٥. والقاسم الشامي إنما يروي الحديث عن أبي أمامة ﵁، كما تقدم عند حديث أبي أمامة ﵁. ولذا قال البيهقي عن حديث عائشة: "ليس بمحفوظ، وروي عن ليث راجعًا إلى

стр. 175

الإسناد الأول. خلط فيه ليث"١. ويعني بقوله: "الإسناد الأول" حديث أبي أمامة ﵁. فعلى هذا فإن هذا الحديث لا يثبت عن عائشة ﵂. والله أعلم. ٥٧ - (٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغنيات وشرائهن وأكل ثمنهن وكسبهن". رواه تمام الرازي في فوائده٢ بإسناده عن أبي عمرو ناشب بن عمرو الشيباني، عن مقاتل بن حيان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عنه به. وفي إسناده ناشب بن عمرو، وهو ضعيف جدًا. قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف٣. ومن المعلوم أن البخاري إذا قال في راو ما "منكر الحديث" فيعني بذلك أنه لا تحل الرواية عنه٤. فعلى هذا فإن هذا الحديث ضعيف جدًا. والله أعلم.

стр. 176

٥٨ - (٥) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المغنيات، والنواحات، وعن شرائهن وبيعهن وتجارة فيهن، وقال: "كسبهن حرام". رواه أبو يعلى١، ومن طريقه ابن عدي٢ بإسناده عن علي بن يزيد الصدائي، عن الحارث بن نبهان، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور عنه به. قال ابن عدي: "لا أعلم روى هذا الحديث عن أبي إسحاق بهذا الإسناد غير الحارث، ولا عن الحارث غير علي بن يزيد الصدائي". وقال الهيثمي: "فيه ابن نبهان، وهو متروك"٣. والحارث بن نبهان هو الجرمي أبو محمد البصري. قال عنه ابن المديني: كان ضعيفًا ضعيفًا. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: رجل صالح، لم يكن يعرف الحديث ولا يحفظ، منكر الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وفي حديثه وهن. وقال أبو حاتم والنسائي: متروك الحديث. وقال النسائي مرة: ليس بثقة٤. وجعله ابن حجر في مرتبة: متروك٥. فعلى هذا فإن هذا الحديث عن علي ﵁ ضعيف جدًا؛ لحال ابن نبهان. والله أعلم.

стр. 177

دلالة الأحاديث السابقة: القينات: جمع قينة، وهي الجارية المغنية١. والأحاديث الواردة في هذا الفصل في النهي عن ثمنها كلها ضعيفة، بل شديدة الضعف. ولذلك قال بعض العلماء إن بيعها جائز؛ لأنها عين طاهرة، منتفع بها، فجاز بيعها٢. ومن العلماء من قال بجواز بيعها ما لم يقصد المشتري أن تكون مغنية له. فإن قصد الغناء بطل البيع٣. وهو داخل في الفصل الذي سبق ذكره في النهي عما يعلم أن المشتري يستعمل المبيع في الحرام. وأجاز بعض الفقهاء أن تباع في غير البلد الذي عرفت فيه بالغناء، واشترط بعضهم على البائع أن يبين للمشتري كونها مغنية؛ لأنه عيب فيها، فإن لم يبين، فللمشتري أن يردها بعيب غنائها٤. وكلام العلماء في حكم بيعها هو ما إذا كانت تغني غناء محرمًا، وهو الذي تصحبه آلة؛ كعود وطبل، أو يكون بأشعار ماجنة. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف". رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به٥، ووصله ابن حبان٦، والطبراني في الكبير٧ , وهو حديث صحيح٨.

стр. 178

فمن هذا الحديث وغيره يتبين أن شراء الأمة للغناء محرم. وبيعها على من يستعملها للغناء إعانة على الإثم والعدوان، وقد نهينا عنه. ويدخل في النهي عن بيع القينات النهي عن بيع كل وسيلة من وسائل الغناء؛ كالأشرطة المسموعة ونحوها التي تحوي الغناء المحرم، فإنه لا يجوز بيعها١، ولا تأجير المحلات لمن يبيعها٢. والله أعلم.

стр. 179

الفصل الثاني عشر: ما ورد في النهي عن بيع رباع مكة ٥٩ - (١) عن علقمة بن نضلة قال: "كانت رباع مكة في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر وعمر تسمى السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن". رواه ابن أبي شيبة١ وهذا لفظه، ومن طريقه ابن ماجه٢، وابن زنجويه٣، والأزرقي٤، والطحاوي٥، وابن أبي حاتم٦، والفاكهي٧، والطبراني٨، والدارقطني٩، والبيهقي١٠. كلهم من طرق عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عثمان بن أبي سليمان عنه به. وزاد الأزرقي والطحاوي والفاكهي والدارقطني بعد قوله "وعمر": "وعثمان". وزاد معاوية بن هشام في الإسناد نافع بن جبير بن مطعم. فقد رواه الدارقطني١١ بإسناده عن معاوية بن هشام، عن سفيان الثوري، عن

стр. 180

عمر بن سعيد، عن عثمان بن أبي سليمان، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن علقمة بن نضلة به. ومعاوية بن هشام متكلم فيه، ولا سيما في حديثه عن الثوري. فقد قال فيه يحيى بن معين لما سئل عن حديث معاوية بن هشام - قال: "صالح وليس بذاك"١. وقال ابن عدي: قد أغرب عن الثوري بأشياء٢. وقد خالفه في هذا الحديث الأحوص بن جوَّاب، فرواه عن الثوري عن عمر بن سعيد، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة به. رواه البيهقي٣. والأحوص بن جواب صدوق يهم٤، إلا أن روايته عن سفيان الثوري عن عمر بن سعيد هي الموافقة للروايات الأخرى عن عمر بن سعيد، وفي رواية يحيى بن سليم عن عمر بن سعيد التصريح بسماع عثمان بن أبي سليمان من علقمة بن نضلة٥. فبذلك تكون رواية معاوية بن هشام من باب المزيد في متصل الأسانيد. والله أعلم. وعلقمة بن نضلة ذكره ابن حبان في الثقات ضمن أتباع التابعين. وقال ابن منده: "ذكر في الصحابة وهو من التابعين". وممن ذكره في الصحابة ابن البرقي والعسكري وأبو نعيم وغيرهم٦.
следующие страницы →