٥٨ - (٥) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المغنيات، والنواحات، وعن شرائهن وبيعهن وتجارة فيهن، وقال: "كسبهن حرام".
رواه أبو يعلى١، ومن طريقه ابن عدي٢ بإسناده عن علي بن يزيد الصدائي، عن الحارث بن نبهان، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور عنه به.
قال ابن عدي: "لا أعلم روى هذا الحديث عن أبي إسحاق بهذا الإسناد غير الحارث، ولا عن الحارث غير علي بن يزيد الصدائي".
وقال الهيثمي: "فيه ابن نبهان، وهو متروك"٣.
والحارث بن نبهان هو الجرمي أبو محمد البصري. قال عنه ابن المديني: كان ضعيفًا ضعيفًا. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: رجل صالح، لم يكن يعرف الحديث ولا يحفظ، منكر الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وفي حديثه وهن. وقال أبو حاتم والنسائي: متروك الحديث. وقال النسائي مرة: ليس بثقة٤. وجعله ابن حجر في مرتبة: متروك٥.
فعلى هذا فإن هذا الحديث عن علي ﵁ ضعيف جدًا؛ لحال ابن نبهان. والله أعلم.
стр. 177
دلالة الأحاديث السابقة:
القينات: جمع قينة، وهي الجارية المغنية١.
والأحاديث الواردة في هذا الفصل في النهي عن ثمنها كلها ضعيفة، بل شديدة الضعف. ولذلك قال بعض العلماء إن بيعها جائز؛ لأنها عين طاهرة، منتفع بها، فجاز بيعها٢.
ومن العلماء من قال بجواز بيعها ما لم يقصد المشتري أن تكون مغنية له. فإن قصد الغناء بطل البيع٣. وهو داخل في الفصل الذي سبق ذكره في النهي عما يعلم أن المشتري يستعمل المبيع في الحرام.
وأجاز بعض الفقهاء أن تباع في غير البلد الذي عرفت فيه بالغناء، واشترط بعضهم على البائع أن يبين للمشتري كونها مغنية؛ لأنه عيب فيها، فإن لم يبين، فللمشتري أن يردها بعيب غنائها٤.
وكلام العلماء في حكم بيعها هو ما إذا كانت تغني غناء محرمًا، وهو الذي تصحبه آلة؛ كعود وطبل، أو يكون بأشعار ماجنة. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف". رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به٥، ووصله ابن حبان٦، والطبراني في الكبير٧ , وهو حديث صحيح٨.
стр. 178
فمن هذا الحديث وغيره يتبين أن شراء الأمة للغناء محرم. وبيعها على من يستعملها للغناء إعانة على الإثم والعدوان، وقد نهينا عنه.
ويدخل في النهي عن بيع القينات النهي عن بيع كل وسيلة من وسائل الغناء؛ كالأشرطة المسموعة ونحوها التي تحوي الغناء المحرم، فإنه لا يجوز بيعها١، ولا تأجير المحلات لمن يبيعها٢. والله أعلم.
стр. 179
الفصل الثاني عشر: ما ورد في النهي عن بيع رباع مكة
٥٩ - (١) عن علقمة بن نضلة قال: "كانت رباع مكة في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر وعمر تسمى السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن".
رواه ابن أبي شيبة١ وهذا لفظه، ومن طريقه ابن ماجه٢، وابن زنجويه٣، والأزرقي٤، والطحاوي٥، وابن أبي حاتم٦، والفاكهي٧، والطبراني٨، والدارقطني٩، والبيهقي١٠. كلهم من طرق عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عثمان بن أبي سليمان عنه به. وزاد الأزرقي والطحاوي والفاكهي والدارقطني بعد قوله "وعمر": "وعثمان".
وزاد معاوية بن هشام في الإسناد نافع بن جبير بن مطعم. فقد رواه الدارقطني١١ بإسناده عن معاوية بن هشام، عن سفيان الثوري، عن
стр. 180
عمر بن سعيد، عن عثمان بن أبي سليمان، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن علقمة بن نضلة به.
ومعاوية بن هشام متكلم فيه، ولا سيما في حديثه عن الثوري. فقد قال فيه يحيى بن معين لما سئل عن حديث معاوية بن هشام - قال: "صالح وليس بذاك"١.
وقال ابن عدي: قد أغرب عن الثوري بأشياء٢.
وقد خالفه في هذا الحديث الأحوص بن جوَّاب، فرواه عن الثوري عن عمر بن سعيد، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة به. رواه البيهقي٣.
والأحوص بن جواب صدوق يهم٤، إلا أن روايته عن سفيان الثوري عن عمر بن سعيد هي الموافقة للروايات الأخرى عن عمر بن سعيد، وفي رواية يحيى بن سليم عن عمر بن سعيد التصريح بسماع عثمان بن أبي سليمان من علقمة بن نضلة٥.
فبذلك تكون رواية معاوية بن هشام من باب المزيد في متصل الأسانيد. والله أعلم.
وعلقمة بن نضلة ذكره ابن حبان في الثقات ضمن أتباع التابعين. وقال ابن منده: "ذكر في الصحابة وهو من التابعين".
وممن ذكره في الصحابة ابن البرقي والعسكري وأبو نعيم وغيرهم٦.
стр. 181
وقال المزي: وقد ظن بعضهم أن له صحبة، وليس ذلك بشيء١.
وقال ابن حجر: تابعي صغير، أخطأ من عده في الصحابة٢.
فمما سبق يتبين أن الراجح في علقمة بن نضلة أن ليس له صحبة، وبذلك يعلم أن قول ابن التركماني٣ والبوصيري٤ عن هذا الإسناد: "على شرط مسلم" لا يصح، لأنه مرسل.
وأما عمر بن سعيد، وعثمان بن أبي سليمان فثقتان٥.
وقال الحافظ ابن حجر: "في إسناده انقطاع وإرسال"٦.
وفي قول الحافظ أن في إسناده انقطاعًا نظر، بل هو متصل إلى علقمة. وقد سبق أن عثمان بن أبي سليمان قد صرح بالسماع من علقمة بن نضلة، وأن من زاد نافع بن جبير بينهما فقد وهم.
فمما سبق يتبين أن الحديث رجاله ثقات، إلا أنه مرسل. والله أعلم.
والرباع: جمع ربع، وهو المنزل ودار الإقامة٧.
والسوائب: جمع سائبة. مأخوذ من سيب الشيء إذا تركه٨.
وأوله البيهقي بقوله: "فيه إخبار عن عادتهم الكريمة في إسكانهم ما استغنوا عنه من بيوتهم"٩.
стр. 182
٦٠ - (٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مكة حرام، وحرام بيع رباعها، وحرام أجر بيوتها".
رواه الدارقطني١، والحاكم٢ واللفظ لهما. كلاهما بإسنادهما عن أبي حنيفة عن عبيد الله بن أبي زياد عن أبي نجيح عنه به.
ورواه الدارقطني أيضًا بإسناده عن أبي حنيفة به، إلا أنه قال: "عن عبيد الله بن أبي يزيد". ولفظه: "إن الله حرم مكة، فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها"، وقال: "من أكل من أجر بيوت من مكة شيئًا فإنما يأكل نارًا".
قال الدارقطني: "كذا رواه أبو حنيفة مرفوعًا، ووهم أيضًا في قوله: عبيد الله بن أبي يزيد، وإنما هو ابن أبي زياد القداح، والصحيح موقوف".
وذكر ابن القطان احتمالاً آخر في أن الوهم في تسمية عبيد الله بن أبي زياد ليس من قبل أبي حنيفة، وإنما هو من الراوي عنه، وهو محمد بن الحسن، بدليل أن غير محمد بن الحسن رواه عن أبي حنيفة على الصواب٣. والله أعلم.
وقد رواه عيسى بن يونس، ومحمد بن ربيعة وغيرهما عن عبيد الله بن أبي زياد موقوفًا.
стр. 183
أما رواية عيسى بن يونس التي فيها وقف الحديث على عبد الله بن عمرو فقد رواها ابن أبي شيبة١، وابن زنجويه٢، والدارقطني٣، والبيهقي٤.
وأما رواية محمد بن ربيعة، فقد رواها الدارقطني٥ أيضًا. وتابعهما على الوقف أيضًا وكيع بن الجراح فيما رواه أبو عبيد٦ عنه عن عبيد الله بن أبي زياد به موقوفًا بلفظ: "من أكل من أجور بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نار جهنم". وتابعهم على الوقف أيضًا مسلم بن خالد الزنجي، رواه عنه الأزرقي٧.
لكن قد تابع أبا حنيفة على رواية الرفع أيمن بن نابل٨ عن عبيد الله بن أبي زياد به مرفوعًا بلفظ: "من أكل كرا بيوت مكة أكل نارًا". رواه الدارقطني٩. وفي إسناده محمد بن المتوكل المعروف بابن السري العسقلاني، تقدم الكلام فيه١٠، وأنه صدوق له أوهام كثيرة.
стр. 184
وقد خالفه في هذا الحديث حسين بن حسن السلمي، وهو صدوق١، فرواه عن المعتمر بن سليمان عن أيمن بن نابل به موقوفًا. رواه الفاكهي٢.
ورواه عبد الرزاق٣ بإسناد آخر موقوفًا أيضًا على عبد الله بن عمرو ﵄.
فالراجح في هذا الطريق الوقف على عبد الله بن عمرو ﵄. والله أعلم.
وللحديث طريق أخرى، فقد رواه الفاكهي٤، والعقيلي٥، والدارقطني٦، والحاكم٧، والبيهقي٨، وابن الجوزي٩، كلهم من طرق عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو ﵄ به مرفوعًا، ولفظ الدارقطني ومن بعده: "مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها".
وقال العقيلي: "لا يتابع عليه - يعني إسماعيل بن إبراهيم".
وقال الدارقطني: "إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ضعيف لم يروه غيره".
стр. 185
وأما الحاكم فتساهل في تصحيحه فقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ولذا تعقبه الذهبي بأن إسماعيل قد ضعفوه.
وقال البيهقي: "إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ضعيف، وأبوه غير قوي. واختلف عليه، فروي عنه هكذا، وروي عنه عن أبيه، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا ببعض معناه".
ويشير البيهقي في قوله: "واختلف عليه ..." إلى ما رواه الطحاوي١، وابن عدي٢ بإسنادهما عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر قال: سمعت أبي يذكر عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها" هذا لفظ الطحاوي.
وإسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر تقدم تضعيف الدارقطني والبيهقي له. وضعفه أيضًا ابن معين، وأبو داود، والنسائي. وقال البخاري: في حديثه نظر. وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه. وقال ابن حبان: فاحش الخطأ٣.
وجعله ابن حجر في مرتبة: ضعيف٤.
وفي هذه الطريق علة أخرى، وهي أن شريك بن عبد الله القاضي رواه عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قال: "بيوت مكة لا تحل إجارتها ولا بيع رباعها". رواه ابن أبي شيبة٥، والطحاوي٦، فجعله
стр. 186
من قول مجاهد ولم يرفعه. وشريك أوثق من إسماعيل بن إبراهيم١، وتابعه على ذلك متابعة قاصرة شعبة عن الأعمش، عن مجاهد قوله. رواه الفاكهي٢. ورواه غير شعبة عن العمش عن مجاهد، عن النبي ﷺ . رواه أبو عبيد٣، وابن أبي شيبة٤، وابن زنجويه٥، والأزرقي٦، والفاكهي٧، وابن الجوزي٨، كلهم من طرق عن الأعمش عن مجاهد به مرسلاً.
فمما تقدم يتبين أن هذا الحديث لا يصح مرفوعًا عن النبي ﷺ . والله أعلم.
стр. 187
دلالة الأحاديث السابقة:
تدل هذه الأحاديث على النهي عن بيع رباع مكة، إلا أن هذه الأحاديث ضعيفة كما سبق.
وقد اختلف العلماء في بيع رباع مكة، فقال أبو حنيفة: لا بأس ببيع بيوت مكة، ويكره بيع أراضيها. وفي رواية عن أبي حنيفة: لا يكره، وهو قول صاحبيه١. وهو أيضًا مذهب الشافعي٢، ومالك في رواية٣ وأحمد في رواية اختارها ابن قدامة٤.
والمشهور عند المالكية المنع من بيع رباعها٥. وعندهم رواية أخرى بالكراهة، ولا سيما في أيام الموسم؛ لكثرة الناس واحتياجهم إلى الوقف.
وعند الحنابلة رواية أخرى بالمنع من بيع رباعها٦، وعندهم رواية أخرى بجواز البيع دون الإجارة، وهذه الرواية اختارها ابن تيمية٧، وابن القيم٨.
وقد ذكر النووي أن سبب الخلاف بين العلماء في حكم بيعها مَبْنِيٌّ على أن مكة فتحت عنوة أم صلحًا٩؟ فمن رأى أنها فتحت صلحًا أجاز بيعها، وإلا منع. ورد ابن القيم ما ذكره النووي١٠.
стр. 188
وبالنظر إلى الأدلة يتبين أن الأحاديث الواردة في النهي عن البيع ضعيفة كما سبق، وأن دلائل الكتاب والسنة وعمل الخلفاء الراشدين تدل على الجواز.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ٢، فأضاف الدور إليهم، وهذه إضافة تمليك.
وقال النبي ﷺ وقد قيل له: أين تنزل غدًا بدارك بمكة؟ فقال: "وهل ترك عقيل من رباع أو دور" ٣، ولم يقل إنه لا دار لي، بل أقرهم على الإضافة، وأخبر أن عقيلاً استولى عليها، ولم ينزعها من يده.
وأما إضافة دورهم إليهم في الأحاديث، فأكثر من أن تذكر؛ كدار أم هانئ، ودار خديجة، وغير ذلك٤.
وأما من عمل الخلفاء الراشدين والصحابة، فقد باع صفوان بن أمية دارًا لعمر بن الخطاب ﵁ بأربعة آلاف درهم، فاتخذها سجنًا٥.
стр. 189
والقول بجواز بيع رباع مكة لا يدخل فيه الحرم ومشاعره؛ كالصفا والمروة، والمسعى، ومنى، وعرفة، ومزدلفة، فهي لا يختص بها أحد دون أحد، بل هي مشتركة بين المسلمين؛ إذ هي محل نسكهم ومتعبد هم١. والله أعلم.
стр. 190
الفصل الثالث عشر: ما ورد في النهي عن إضاعة المال ١
٦١ - (١) عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال".
رواه البخاري٢ واللفظ له، ومسلم٣، وأحمد٤، والدارمي٥، كلهم من طرق عن وراد كاتب المغيرة عنه به.
وقوله: "ومنع وهات" قال النووي في بيان معناها: "أن يمنع الرجل ما توجه عليه من الحقوق ويطلب ما يستحقه"٦.
وقال أيضًا: "في قوله ﷺ : "حرم ثلاثًا، وكره ثلاثًا"، دليل على أن الكراهة في هذه الثلاثة للتنزيه لا للتحريم"٧.
وقد سبق النووي إلى هذا الاستدلال الإمام ابن خزيمة٨. والله أعلم.
стр. 191
٦٢ - (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا، فيرضى لكم أن تعبد وه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
رواه مسلم١ واللفظ له، ومالك٢، وأحمد٣، كلهم من طرق عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عنه به.
стр. 192
دلالة الأحاديث السابقة
يستفاد مما تقدم النهي عن إضاعة المال. وإضاعة المال تشمل أمورًا كثيرة؛ كالإسراف في المباحات١، من ذلك في العصر الحاضر الإسراف في نفقات الزواج والحفلات، ومن إضاعة المال إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعًا٢، كشراء أدوات الأغاني، واللهو، وما يصد عن ذكر الله.
وقد ذكر العلماء أن من إضاعة المال بيع ما لا نفع فيه مطلقًا٣، كالحشرات التي لا ينتفع بها، والسباع التي لا تستعمل للصيد، ونحو ذلك مما لا نفع فيه٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بذل المال فيما لا ينفع في الدين ولا في الدنيا منهي عنه٥.
وذلك لأن الحكمة في جواز البيع الانتفاع بالمبيع٦، ولأن أخذ المال على ما لا نفع فيه من أكل المال بالباطل٧، وقد نهينا عنه.
стр. 193
الباب الثاني: الأحاديث الواردة عن بيع ما ليس مملوكآ للبائع وقت العقد أو لم يقبضه بعد
الفصل الأول: ما ورد في النهي عن بيع ما لم يملك، وبيع ما لم يقبض
...
.الفصل الأول: ما ورد في النهي عن بيع ما لم يملك أو لم يقبض وربح ما لم يضمن
٦٣ - (١) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه".
رواه البخاري١، ومسلم٢، وأبو داود٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، ومالك٦، وأحمد٧، والدارمي٨، كلهم من طرق عنه به. وفي لفظ بعضهم: "حتى يقبضه".
وفي لفظ للبخاري٩ ومسلم وأبي داود والنسائي وأحمد١٠: "لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يبتاعون جزافاً - يعني الطعام - يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤوه إلى رحالهم".
وفي لفظ للبخاري١١ ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه ومالك وأحمد١٢: "كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق فيبيعونه في مكانه،
стр. 194
فنهاهم رسول الله ﷺ ". ولفظ مسلم: "فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكانٍ سواه قبل أن نبيعه". وفي لفظ لأبي داود والنسائي: "نهى أن يبيع أحدٌ طعاماً اشتراه بكيلٍ حتى يستوفيه".
وقد أخطأ عبد الله بن عمر العمري في هذا الحديث، فرواه عن نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁ به. رواه البزار١، وأبو يعلى٢.
قال البزار: "لا نعلم أحداً قال: عن ابن عمر عن عمر إلا عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر ولم يتابع عليه".
وقد خالف عبد الله بن عمر العمري مالكٌ، وأخوه عبيد الله، وعمرُ بن محمد وغيرهم. فعلى هذا فإن المحفوظ في هذا الحديث هو أنه من مسند ابن عمر لا من مسند عمر ﵄. والله أعلم.
٦٤ - (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: "أمَّا الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض"، قال ابن عباس: "ولا أحسب كلَّ شيء إلا مثله".
رواه البخاري٣، واللفظ له، ومسلم٤، وأبو داود٥، والترمذي٦، والنسائي٧، وابن ماجه٨، كلهم من طرقٍ عن طاووس عنه به.
стр. 195
وفي لفظ بعضهم١: "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه".
وفي لفظ للنسائي: "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله".
وقد زاد البخاري ومسلم وأبو داود في روايتهم: "قال طاووس: قلت لابن عباس: لم؟ فقال: "ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ".
٦٥ - (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ عن بيع النخل حتى يؤكل منه، وحتى يوزن. فقال رجلٌ: وأيُّ شيء يوزن؟ قال رجلٌ إلى جنبه: حتى يحرز".
رواه البخاري٢ واللفظ له، ومسلم٣، وأحمد٤، والطبراني في الكبير٥، كلهم من طرقٍ عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري سعيد بن فيروز عنه به.
وقوله "حتى يحرز" قال النووي: قوله "حتى يحرز" هو تقديم الزاي على الراء، أي يخرص. ووقع في بعض الأصول بتقديم الراء وهو تصحيف، وإن كان يمكن تأويله لو صح٦.
وقال الحافظ ابن حجر: "حتى يحرز" بتقديم الراء على الزاي، أي يحفظ ويصان. وفي رواية الكشميهني بتقديم الزاي على الراء أي يوزن
стр. 196
أو يخرص. وفائدة ذلك معرفة كمية حقوق الفقراء قبل أن يتصرف فيها المالك، وصوَّب عياض الأول - أي يحرز - ولكن الثاني أليق بذكر الوزن"١ انتهى.
٦٦ - (٤) عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أنه قال لمروان: أحللت بيع الربا. فقال مروان: ما فعلت؟ فقال أبو هريرة ﵁: أحللت بيع الصِّكاك، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى " قال: فخطب مروان الناس فنهى عن بيعها.
قال سليمان: فنظرت إلى حرسٍ يأخذونها من أيدي الناس.
رواه مسلم٢ وهذا لفظه، وابن أبي شيبة٣، وأحمد٤، والطحاوي٥، كلهم من طرقٍ عن بكير بن عبد الله الأشج عنه به. ولفظ ابن أبي شيبة: "حتى يكتاله".
والصكاك: جمع صك، وهو الكتاب، وذلك أن الأمراء كانوا يكتبون للناس بأرزاقهم وأعطياتهم كتبًا، فيبيعون ما فيها قبل أن يقبضوها تعجلاً، ويعطون المشتري الصك ليمضي ويقبضه، فنهوا عن ذلك؛ لأنه بيع ما لم يقبض٦.
ورواه مالك٧ بلاغاً، وفيه: "دخل زيد بن ثابت ورجل من أصحاب النبي ﷺ على مروان بن الحكم ... " الحديث بنحوه.
стр. 197
قال الزرقاني في هذا المبهم: "هو أبو هريرة ﵁ كما في مسلم"١.
ورواه البزار٢، والطحاوي٣، والبيهقي٤، كلهم من طرقٍ عن مسلم بن أبي مسلم الجرمي عن مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان٥، فيكون لصاحبه الزيادة وعليه النقصان".
قال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة ﵁ إلا من هذا الوجه، تفرد به مخلد عن هشام".
وقال الهيثمي: "فيه مسلم بن أبي مسلم الخرمي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
ومسلم بن أبي مسلم الجرمي ذكره ابن حبان في الثقات٦، ولكن قال فيه: "ربما أخطأ". ووثقه الخطيب٧.
وقد حسن الحافظ ابن حجر هذا الإسناد٨. وسوف يأتي نحو هذا اللفظ من حديث جابر بن عبد الله ﵄. والله أعلم.
стр. 198
٦٧ - (٥) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "إذا ابتعت طعاماً فلا تبعه حتى تستوفيه".
رواه مسلم١، وأحمد٢، والطحاوي٣، وابن حبان٤، والبيهقي٥، كلهم من طرقٍ عن أبي الزبير عنه به.
وعند مسلم والبيهقي تصريح أبي الزبير بالسماع من جابر ﵁.
ورواه ابن ماجه٦، والدارقطني٧، والبيهقي٨ من طريق ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عنه ﵁، ولفظه: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري".
ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى صدوق سيء الحفظ جداً كما تقدم٩، إلا أن هذا الحديث حسن بشواهده١٠. والله أعلم.
стр. 199
٦٨ - (٦) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحلُّ سلفٌ وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك".
رواه أبو داود١، والترمذي٢، والنسائي٣، وابن ماجه٤ - مختصراً - وأحمد٥، والدارمي٦، والحاكم٧. كلهم من طرقٍ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به.
قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط جملة من أئمة المسلمين".
وفي لفظٍ لأحمد: "نهى عن بيعتين في بيعة"، بدل قوله: "ولا شرطان في بيع".
وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تقدم٨ أن الأقرب في الحكم عليه أنه من باب الحسن.
فعلى هذا فإن إسناد هذا الحديث حسن. والله أعلم.
وروى الطبراني في الأوسط٩، والحاكم في علوم الحديث١٠، وابن حزم في المحلّى١١، عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت
стр. 200
بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة - فذكر قصةً - جاء فيها أن أبا حنيفة حدّث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ "نهى عن بيع وشرط". وفي إسنادهم جميعاً عبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير، وهو متروك كما قال الدارقطني١. وكذلك شيخه محمد بن سليمان الذهلي، لم أجد له ترجمة.
وقد تابع عبد الله بن أيوب بن زاذان، عبد الله بن فيروز الديلمي، كما عند الخطابي في معالم السنن٢.
وعبد الله بن فيروز الديلمي والراوي عنه وهو محمد بن هاشم بن هشام، لم أجد لهما ترجمة.
وإضافة إلى ما تقدم من ضعف الإسناد، فإن في المتن نكارة، وذلك أن جميع طرق الحديث عن عمرو بن شعيب جاء فيها: "نهى عن شرطين في بيع". ولذا حكم ابن القيم على لفظ "نهى عن بيع وشرط"" بأنه لا يعلم له إسناد يصح، مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس، ولانعقاد الإجماع على خلافه٣.
وقد سبق ابن القيم في إنكار لفظ: "نهى عن بيع وشرط" شيخ الإسلام ابن تيمية٤.
وروى هذا الحديث ابن أبي شيبة٥، والبيهقي٦ من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيه: "بعث رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد إلى
стр. 201
أهل مكة فقال: تدري إلى أين بعثتك؟ بعثتك إلى أهل الله. ثم قال: "انههم عن أربع ... "، ثم ذكر الحديث بنحوه. وهذا لفظ ابن أبي شيبة.
ورواه ابن عدي١، والطبراني في الأوسط٢، والبيهقي٣، كلهم من طرقٍ عن يحيى بن بكير ثنا يحيى بن صالح الأيلي عن إسماعيل بن أمية عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ قال لعتاب بن أسيد: إني قد بعثتك على أهل الله، أهل مكة ... " الحديث.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أمية إلا يحيى بن صالح، تفرد به يحيى بن بكير".
وقال الهيثمي: "فيه يحيى بن صالح الأيلي، قال الذهبي: روى عنه يحيى بن بكير مناكير. قلت: ولم أجد لغير الذهبي فيه كلاماً، وبقية رجاله رجال الصحيح"٤.
ونسبة الهيثمي هذا الكلام للذهبي وهم؛ وذلك لأن الذهبي إنما نقل هذا الكلام من العقيلي وليس صادراً عنه٥. وتمام كلام العقيلي: "يحيى بن صالح الأيلي عن إسماعيل بن أمية عن عطاء أحاديث مناكير أخشى أن تكون منقلبة، هو بعمر بن قيس أشبه"٦. وعمر بن قيس هو المكي، المعروف بسندل، متروك٧.
стр. 202
وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمة يحيى بن صالح وقال: "قد روي عن يحيى بن بكير عن يحيى بن صالح الأيلي غير ما ذكرت، وكلها غير محفوظة".
وقال فيه البيهقي: "غير قوي"١.
ولذلك قال فيه ابن حجر: "منكر الحديث"٢.
وممن حكم على هذا الإسناد بالنكارة البيهقي٣.
فعلى ذلك فإن المحفوظ في هذا الحديث أنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وأما ما رواه النسائي في الكبرى٤، وابن حبان٥ بإسنادهما عن ابن جريج أخبرني عطاء عن عبد الله بن عمرو قال: يا رسول الله، إنا نسمع منك أحاديثًا فتأذن لنا أن نكتبها؟ قال: " نعم". فكان أول ما كتب كتاب النبي ﷺ إلى أهل مكة: "لا يجوز شرطان في بيع واحد، ولا بيع وسلف جميعاً، ولا بيع ما لم يضمن، ومن كان مكاتباً على مائة درهم فقضاها إلا عشرة دراهم فهو عبد، أو على مائة وقية فقضاها إلاّ وقيتين فهو عبد".
فقد اختلف في عطاء هذا هل هو الخراساني أم ابن أبي رباح؟
стр. 203
فذهب ابن حزم١ وتبعه عبد الحق٢ إلى أن عطاء هو الخراساني. واختار هذا الزيلعي٣.
وذهب ابن عساكر٤، والمزي٥، وابن كثير٦، وابن حجر٧ إلى أنه ابن أبي رباح.
стр. 204
والذي يترجح لي أنه عطاء الخراساني، وذلك لأنه جاء منسوباً بذلك في بعض الروايات كما عند عبد الرزاق١، وكذلك الخطيب البغدادي٢ مختصراً.
فإذا ترجّح أن عطاء هو الخراساني فإنه لم يسمع هذا الحديث من عبد الله بن عمرو ﵄ وإنما أخذه من عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، هكذا رواه الحاكم٣ والخطيب البغدادي٤ مختصراً. ويؤيد هذا أن الشافعي قال عن حديث النسائي وابن حبان: "لم أعلم أحداً روى هذا عن النبي ﷺ إلا عمرو ابن شعيب"٥.
ولعلّ هذا هو سبب حكم النسائي على حديث عطاء عن عبد الله بن عمرو هذا بقوله: "هذا حديث منكر، وهو عندي خطأ"٦. والله أعلم.
فعلى هذا فيكون رجع هذا الإسناد إلى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقد تقدم القول فيه. والله أعلم.
٦٩ - (٧) عن ابن عمر ﵄ قال: "ابتعت زيتاً في السوق، فلمّا استوجبته لنفسي لقيني رجلٌ فأعطاني به ربحاً حسناً، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجلٌ من خلفي بذراعي،
стр. 205
فالتفتُّ فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك؛ فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم".
رواه أبو داود١، وأحمد٢، وابن حبان٣، والطبراني٤، والدارقطني٥، والحاكم٦، كلهم من طرقٍ عن محمد بن إسحاق عن أبي الزناد عن عبيد بن حنين عنه به.
وعند أحمد وابن حبان تصريح ابن إسحاق بالسماع من أبي الزناد.
وقد تابع ابن إسحاق جرير بن حازم فيما رواه الطبراني٧، والدارقطني٨. وتابعه أيضاً إسحاق بن حازم فيما رواه الدارقطني٩، إلا أن في إسناده الواقدي، وهو محمد بن عمر، تركه أحمد وابن المبارك. وكذبه أحمد في رواية، والشافعي، وإسحاق، والنسائي، وابن المديني، وغيرهم١٠.
وأما أبو الزناد، فهو عبد الله بن ذكوان القرشي، وهو ثقة١١.
وعبيد بن حنين، فهو أبو عبد الله المدني، وهو ثقة١٢ أيضاً.
стр. 206
فمما سبق يتبين أن الحديث صحيح من حديث ابن إسحاق وجرير بن حازم. والله أعلم.
٧٠ - (٨) عن حكيم بن حزام ﵁ قال: يا رسول الله؛ يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي، أفأبتاعه له من السوق؟ قال: "لا تبع ما ليس عندك".
جاء هذا الحديث عن حكيم بن حزام ﵁ من ثلاث طرق:
الطريق الأولى: يوسف بن ماهك عنه به:
اختلف فيه فرواه أبو داود١ باللفظ المذكور، والترمذي٢، والنسائي٣، وابن ماجه٤، وأحمد٥، كلهم من هذا الطريق. قال الترمذي: "حديث حسن".
ورواه الطيالسي٦، وعبد الرزاق٧، وأحمد٨، وابن الجارود٩، والطحاوي١٠، كلهم من طرقٍ عن يوسف بن
стр. 207
ماهك عن عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام ﵁ به. فذكروا واسطة بين يوسف بن ماهك وحكيم بن حزام ﵁. وجميع من روى هذا الحديث عن يوسف بن ماهك لم يذكروا تصريح يوسف بن ماهك بالسماع من حكيم بن حزام ﵁ ما عدا رواية همام بن يحيى العَوْذي عن يحيى بن أبي كثير عن يعلى بن حكيم عن يوسف بن ماهك أن حكيم بن حزام حدثه به. رواها قاسم بن أصبغ في كتابه١.
واعتمد ابن حزم على رواية همام فأثبت اتصاله بين يوسف وحكيم بن حزام، فلذلك صحح الحديث من هذه الطريق٢. إلا أن رواية همام قد أُعلت بمخالفة غيره له ممن لم يذكر سماع يوسف من حكيم. فقال عبد الحق الإشبيلي: "هكذا ذكر- يعني هماماً - سماع يوسف بن ماهك من حكيم بن حزام، وهشام الدستوائي يرويه عن يحيى ويدخل بين يوسف وحكيم عبد الله بن عصمة، وكذلك هو بينهما في غير حديثٍ"٣.
وتابع هشاماً على روايته شيبان النحوي٤، وأبان العطار٥ وغيرهما.
والذي يظهر لي أن الخلل ليس من همام بن يحيى وإنما من نسخة كتاب قاسم بن أصبغ، فيكون سقط من كتابه ذكر
стр. 208
عبد الله بن عصمة بين يوسف بن ماهك وحكيم بن حزام ﵁. وقد روى ابن حبان١، والدارقطني٢ هذا الحديث من طريق همام بن يحيى عن يحيى بن أبي كثير به، وذكرا عبد الله بن عصمة بين يوسف وحكيم. قال ابن القطان: "هكذا رواه قاسم بن أصبغ، وأنا أخاف أن يكون سقط من الإسناد ابن عصمة، ورواية الدارقطني تبين ذلك"٣.
وممن رجّح ذكر الواسطة بين يوسف بن ماهك وحكيم بن حزام ﵁ ابن عبد الهادي٤.
فإذا ترجّح أن يوسف بن ماهك لم يسمعه من حكيم بن حزام ﵁ وأنه سمعه من عبد الله بن عصمة، فقد تابعه في الرواية عن عبد الله بن عصمة عطاء بن أبي رباح، وذلك فيما رواه النسائي٥، والشافعي٦، وأحمد٧، والطحاوي٨، كلهم من طرقٍ عن عطاء به.
فعلى ذلك فإن مدار هذه الطريق على عبد الله بن عصمة، وهو الجشمي، ذكره البخاري٩، وابن أبي حاتم١٠ ولم يذكرا
стр. 209
فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره مسلم في تابعي أهل مكة١. وذكره ابن حبان في الثقات٢.
وأما قول ابن حزم فيه: متروك٣. وكذا قول عبد الحق: ضعيف جداً٤. فأجاب عن قولهما ابن عبد الهادي فقال: "كلاهما مخطئ في ذلك، وقد اشتبه عليهما عبد الله بن عصمة هذا بالنصيبي أو غيره ممن يسمى عبد الله بن عصمة"٥.
وكذلك تعقب ابن القطان عبد الحق فقال: "بل هو مجهول الحال"٦.
وأما الذهبي فقد اضطرب فيه، فقال في الميزان: "لا يعرف"٧، وقال في الكاشف: "ثقة"٨، وأصاب ابن حجر فجعله في مرتبة: "مقبول"٩.
فمما سبق يتبين أن هذه الطريق ضعيفة لجهالة عبد الله بن عصمة، ولكنه يصلح للمتابعة، وقد توبع كما سيأتي.
стр. 210
الطريق الثانية: عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن موهب عن عبد الله بن محمد بن صيفي عنه به.
رواه النسائي١، والشافعي٢، وأحمد٣، والطحاوي٤، والطبراني٥ كلهم من هذا الطريق.
وصفوان بن موهب، وعبد الله بن محمد بن صيفي لم يوثقهما غير ابن حبان٦، ولذا قال الحافظ ابن حجر في كلٍّ منهما: "مقبول"٧.
والحكم على هذه الطريق كالحكم على الطريق السابقة.
الطريق الثالثة: عطاء بن أبي رباح عن حزام بن حكيم عن أبيه به.
رواه النسائي٨، وابن أبي شيبة٩، والطحاوي١٠، وابن حبان١١، والطبراني١٢ كلهم من هذا الطريق.
стр. 211
ولفظ النسائي: عن حكيم بن حزام ﵁ قال: ابتعت طعاماً من طعام الصدقة، فربحت فيه قبل أن أقبضه. فأتيت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له فقال: "لا تبعه حتى تقبضه ".
وحزام بن حكيم بن حزام لم يوثقه غير ابن حبان أيضاً١. ولذا قال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول"٢.
هذه هي الطرق التي وقفت عليها في حديث حكيم بن حزام ﵁. وأما ما رواه الطبراني٣ من طرقٍ عن محمد بن سيرين عن حكيم بن حزام ﵁ به فقد أعله بالانقطاع بين محمد بن سيرين وحكيم، البخاري٤ والترمذي٥. قال الترمذي: "هذا حديث مرسلٌ، إنما رواه ابن سيرين عن أيوب السختياني عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام".
فيكون بذلك قد عاد حديث محمد بن سيرين إلى حديث يوسف بن ماهك، وقد سبق ذكره.
والحديث بمجموع طرقه وشواهده حديث حسن. والله أعلم.
قال ابن المنذر: "بيع ما ليس عندك يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يقول: أبيعك عبد اً أو داراً معينة وهي غائبة، فيشبه بيع الغرر، لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها.
стр. 212
ثانيهما: أن يقول: هذه الدار بكذا على أن اشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها لك صاحبها"١.
قال ابن حجر: قصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني٢.
وقد روى الحديث العقيلي٣ والطبراني٤، كلاهما من طريق العلاء بن خالد الواسطي عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن حكيم ﵁ به، بلفظ: "نهاني رسول الله ﷺ عن أربع خصال في البيع: عن سلف وبيع، وشرطين في بيع، وبيع ما ليس عندك، وربح ما لم يضمن".
قال الهيثمي: "فيه العلاء بن خالد الواسطي، وثقه ابن حبان وضعفه موسى بن إسماعيل" ٥.
والعلاء بن خالد الواسطي رماه موسى بن إسماعيل بالكذب٦، وهو الذي روى عنه هذا الحديث، وكذلك رماه بالكذب يحيى القطان وابن معين٧.
وأما قول الهيثمي: "وثقه ابن حبان". فالجواب عنه أن ابن حبان قد اضطرب في العلاء بن خالد الواسطي، فذكره في الثقات٨ كما قال الهيثمي، وذكره أيضاً في المجروحين فقال فيه: "كان يُعْرف بأربعة أحاديث، ثم زاد الأمر وجعل يحدث بكلّ شيء سئل، فلا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه"٩.
стр. 213
فعلى هذا فإن الحديث بهذا اللفظ لا يثبت عن حكيم بن حزام ﵁ لحال العلاء بن خالد الواسطي.
وأما متن الحديث فهو ثابت من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ كما تقدم ذكر حديثه.
٧١ - (٩) عن عتَّاب بن أسيد ﵁ قال: "لما بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة نهاه عن شفِّ ما لم يضمن".
رواه ابن ماجه١ واللفظ له، وأبو يعلى٢. وإسنادهما واحد وهو عثمان بن أبي شيبة عن ابن فضيل عن ليث بن أبي سليم عن عطاء بن أبي رباح عنه به. إلا أن لفظ أبي يعلى أتم من لفظ ابن ماجه، ولفظه: "نهاه عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وشفِّ ما لم يضمن".
قال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف، وليث هو ابن أبي سليم ضعفه الجمهور، وعطاء هو ابن أبي رباح لم يدرك عتاباً" ٣. وذكر البوصيري بعض الشواهد له.
وقد تقدم الكلام في ليث بن أبي سليم وأنه ضعيف٤.
وأشار البوصيري إلى علة أخرى في هذا الإسناد، وهي الانقطاع بين عطاء وعتاب بن أسيد ﵁. وحكم على رواية عطاء بن أبي رباح عن عتاب ابن أسيد بالانقطاع المزي أيضاً٥.
стр. 214
وللحديث طريق أخرى، فرواه الطبراني في الكبير١ بإسناده عن موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن عتاب بن أسيد ﵁ أن النبي ﷺ قال له حين أمره على مكة: "هل أنت مبلغ عني قومك ما آمرك به؟ قل لهم: لا يجمع أحدٌ بيعاً ولا سلماً، ولا يبع أحدٌ بيع غرر، ولا يبع أحدٌ ما ليس عنده".
وموسى بن عبيدة هو ابن نُشيط الرَّبذي المدني. قال فيه ابن معين: ليس بالكذوب ولكنه روى عن عبد الله بن دينار أحاديث مناكير. وقال مرّةً: ليس بشيء. وقال أحمد: لا تحل الرواية عنه. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ضعيف الحديث جداً٢.
فمما تقدم يتبين أن موسى بن عبيدة الربذي ضعيف جداً، ولا سيما في عبد الله بن دينار، فلا يعتبر به. وهذا الحكم أولى من قول ابن حجر فيه في تقريب التهذيب: "ضعيف، ولا سيما في عبد الله بن دينار"٣. وأصاب في الفتح فقال: "ضعيف جداً"٤.
فمما تقدم يتبين أن إسناد هذا الحديث إلى عتاب بن أسيد ﵁ ضعيف. إلا أنه قد سبق عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال لعتّاب هذا الحديث. فهو من مسند عبد الله بن عمرو لا عتاباً ﵃.
стр. 215
٧٢ - (١٠) عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان ينهى رب النخل أن يدين في ثمر نخله حتى يؤكل من ثمرتها مخافة أن يدين بدينٍ كثير فتفسد الثمرة فلا يوفَّى عنه، وكان ينهى رب الزرع أن يدين في زرعه حتى يبلغ الحصد، وكان ينهى رب الذهب إذا باعها بطعامٍ في الثمر أن يبيع الطعام حتى يكال الطعام فيقبضه مخافة الربا".
رواه الطبراني في الكبير١ بإسناده عن مروان بن جعفر السمري، عن محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن جعفر بن سعد بن سمرة عن خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عنه به.
ومروان بن جعفر قال فيه أبو حاتم: صدوق صالح الحديث٢.
وأما محمد بن إبراهيم بن خبيب، فقال ابن حبان: لا يعتبر بما انفرد به من الإسناد٣.
وقد تابعه يوسف بن خالد السمتي كما عند البزار٤، إلا أن يوسف بن خالد متروك كما تقدم٥.
فعلى هذا فلا تصلح هذه المتابعة لشدة ضعف يوسف بن خالد السَّمتي.