والوليد بن شجاع ثقة، كما قال الحافظ ابن حجر١، وشجاع بن الوليد قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق ورع له أوهام٢.
وزياد بن خيثمة هو الجعفي الكوفي. قال فيه الحافظ: ثقة٣.
وأما عبد الله بن عيسى فقد ذكر جماعة بهذا الاسم، ولم أجد من ذكر منهم أنه يروي عن شهر بن حوشب، أو أنه من شيوخ زياد بن خيثمة، والظاهر أنه عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي؛ لأنه في طبقة شيوخ زياد بن خيثمة. وعبد الله بن عيسى هذا وثقه ابن معين، والعجلي، والنسائي وغيرهم.
وقال ابن المديني: هو عندي منكر الحديث٤. وخلص فيه ابن حجر إلى أنه: ثقة٥.
وشهر بن حوشب تقدم الكلام فيه٦.
ومتن الحديث له شواهد تؤيده، فإن المنهيات الخمس الواردة في الحديث قد ثبت عن النبي ﷺ النهي عنها في أحاديث في الصحيحين وغيرهما سبق بعضها، ويأتي بعضها، فيكون هذا الإسناد بشواهده حسنًا لغيره. والله أعلم.
стр. 72
١٧ - (١٢) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً من ثقيف أهدى لرسول الله ﷺ راوية من خمر بعدما حرمت الخمر، فأمر بها رسول الله ﷺ ففتقت، فقال الرجل: لو أمرت بها فتباع! فقال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا حرم شربها حرم بيعها".
رواه الطبراني في المعجم الأوسط١ عن المقدام بن داود، عن عبد الله بن يوسف، وعثمان بن صالح عن ابن لهيعة، عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ، عن محمد بن المنكدر عنه. وقال: لم يروه عن محمد بن زيد إلا ابن لهيعة.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط عن المقدام بن داود، وهو ضعيف٢.
والمقدام بن داود هو الرعيني المصري، من شيوخ الطبراني، قال فيه النسائي: ليس بثقة. وقال ابن يونس وغيره: تكلموا فيه. وضعفه الدارقطني.
وقال مسلمة بن قاسم: روايته لا بأس بها٣.
فالراجح فيه أنه ضعيف، فإن أكثر الأئمة على ذلك، ولا سيما النسائي والدارقطني.
ومسلمة بن قاسم الذي قواه متكلم فيه، فقد ضعفه غير واحد٤. قال الذهبي: ضعيف٥.
стр. 73
وأيضًا فإن في الإسناد ابن لهيعة، وقد تقدم أنه ضعيف؛ لاختلاطه١.
وأما محمد بن زيد، ومحمد بن المنكدر فثقتان٢.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف؛ لضعف المقدام بن داود، وابن لهيعة، إلا أن للحديث شاهدًا من حديث ابن عباس٣، وتميم الداري٤ وغيرهما، فيكون بها حسنًا لغيره. والله أعلم.
١٨ - (١٣) عن نافع بن كيسان أن أباه أخبره أنه كان يتجر بالخمر في زمن النبي ﷺ ، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إن جئتك بشراب جيد، فقال رسول الله ﷺ : "يا كيسان؛ إنها قد حرمت بعدك"، قال: أفأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنها قد حرمت وحرم ثمنها"، فانطلق كيسان إلى الزقاق فأخذ بأرجلها ثم أهراقها.
رواه أحمد٥، وابن أبي عاصم٦، والروياني٧، والطبراني في معجميه الأوسط٨ والكبير٩، وابن عساكر١٠. كلهم من طرق عن ابن لهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى، عن نافع بن كيسان به.
стр. 74
وابن لهيعة قد تقدم الكلام فيه١، وسليمان بن عبد الرحمن بن عيسى هو الخراساني الدمشقي، حديثه في المصريين. وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي وغيرهم٢. وجعله الحافظ ابن حجر في مرتبة: ثقة٣.
ونافع بن كيسان هو الثقفي، ذكره ابن حجر في القسم الأول من كتابه الإصابة٤. وقال في تعجيل المنفعة: ذكره ابن شاهين وطائفة في الصحابة٥.
ولكن الحافظ ابن حجر جعل سليمان بن عبد الرحمن؛ الراوي عن نافع بن كيسان في الطبقة السادسة من كتابه تقريب التهذيب، وقد ذكر أنه يذكر في هذه الطبقة من لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة. فإما أن يكون ترجح لدى الحافظ أن نافعًا ليس من الصحابة، أو يكون فات عليه رواية سليمان عن نافع. والله أعلم.
وممن صرح أنه ليس من الصحابة الهيثمي في مجمع الزوائد، فقال فيه: مستور٦. ولكن الذي يترجح أنه من الصحابة؛ لتصريح أكثر الأئمة بذلك. والله أعلم.
وأما قول الطبراني في الأوسط: لا يروى عن كيسان إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة، فهو متعقب بأنه نفسه ﵀ قد
стр. 75
روى الحديث في معجمه الكبير من غير هذا الطريق، فقد رواه بإسناده عن يحيى بن أبي كثير، حدثني إسماعيل بن أبي خالد الفدكي، أخبرني محمد بن عبد الله الطائفي أن نافع بن كيسان أخبره أن أباه حمل خمرًا إلى المدينة ..." الحديث١. ورواه بهذا الإسناد أيضًا ابن عساكر٢.
ويحيى بن أبي كثير من الثقات، إلا أنه يدلس٣، وقد صرح بالتحديث في هذا الطريق، فانتفت هذه العلة، وإسماعيل بن أبي خالد الفدكي قال فيه ابن حجر: صدوق٤.
ولم أجد من وثق إسماعيل هذا إلا ابن حبان٥.
ومحمد بن عبد الله الطائفي، لعله محمد بن عبد الله بن عياض الطائفي. ذكره ابن حبان في الثقات٦. وقال ابن حجر: مقبول٧.
وللحديث شواهد تؤيده، كحديث ابن عباس٨، وتميم الداري٩ وغيرهما. فالحديث بطريقيه وشواهده حسن لغيره. والله أعلم.
стр. 76
١٩ - (١٤) عن الحسن أن مولى لعثمان بن أبي العاص سأله أن يعطيه مالاً يتجر فيه والربح بينهما، فأعطاه عشرين ألف درهم، فاشترى به خمرًا، ثم قدم به الأبلة، فخرج إليه عثمان، فلم يدع منها دنًا ولا غيره إلا كسره، قال عثمان: " إن رسول الله ﷺ لعن الخمر وشاربها، ومشتريها وبائعها، وعاصرها وحاملها ".
رواه الطبراني في المعجم الكبير١، والأوسط٢ وهذا لفظه، بإسناده عن عبد الله بن عيسى الخزاز، عن يونس بن عبيد، عن الحسن به.
قال الطبراني في الأوسط: تفرد به عقبة بن مكرم.
وقال الهيثمي: فيه عبد الله بن عيسى الخزاز، وهو ضعيف٣.
وعبد الله بن عيسى متكلم فيه. قال أبو زرعة: منكر الحديث.
وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الساجي: عنده مناكير.
وقال ابن عدي: يروي عن يونس وداود مالا يوافقه عليه الثقات، وهو مضطرب الحديث، وليس ممن يحتج به، وأحاديثه إفرادات كلها، ويختلف فيه لاختلافه في رواياته٤.
وجعله ابن حجر في مرتبة: ضعيف٥.
إلا أن عبد الله بن عيسى قد توبع في هذا الحديث، فقد تابعه سالم بن نوح كما عند البزار٦، وسالم مختلف فيه؛ فوثقه أحمد، وأبو زرعة، والساجي وغيرهم. وضعفه ابن معين في رواية عنه، والنسائي وغيرهما٧.
стр. 77
وجعله ابن حجر في مرتبة: صدوق له أوهام١.
وباقي رجال الإسناد ثقات.
والأُبُلَّة: هي بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى، في زاوية الخليج الذي يدخل إلى البصرة٢.
وللحديث طريق أخرى أخرجها البزار٣، والطبراني في المعجم الكبير٤، بإسنادهما عن سالم بن نوح قال: أخبرني الجريري عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عثمان بن أبي العاص به. ولفظ البزار: " أن مولى لعثمان بن أبي العاص اشترى خمرًا، فقال له عثمان: اردده، فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخمر وحرم ثمنها، ولفظ الطبراني: "لعن رسول الله ﷺ شاربها وبائعها - يعني الخمر".
والجريري هو سعيد بن إياس، وهو ثقة، إلا أنه اختلط٥، وسالم بن نوح لم أقف على تمييز روايته، هل هي قبل الاختلاط أم بعده؟ ولكن الظاهر أنه روى عنه بعد الاختلاط؛ لأنه من صغار الرواة عنه، وقد قال أبو داود: كل من أدرك أيوب، فسماعه من الجريري جيد٦، وسالم يبعد أنه أدرك أيوب السختياني؛ فإن الأخير توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة٧، وسالم توفي سنة مائتين٨.
فعلى ذلك فإن الحديث بطريقيه حسن لغيره. والله أعلم.
стр. 78
٢٠ - (١٥) عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً كان يهدي للنبي ﷺ كل عام راوية من خمر، فأهداها إليه عامًا وقد حرمت. فقال النبي ﷺ : "إنها قد حرمت"، فقال الرجل: أفلا أبيعها؟ فقال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها"، قال: أفلا أكارم بها اليهود؟ قال: "أن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود". قال: فكيف أصنع بها؟ قال: شنها في البطحاء".
رواه الحميدي١، وابن أبي عمر٢، كلاهما عن سفيان بن عيينة، ثنا سالم أبي النضر، عن رجل به.
والحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ لأن فيه رجلاً مبهمًا. إلا أن الحديث إلى قوله: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" له شواهد؛ كحديث ابن عباس٣، وتميم الداري٤ وغيرهما، فيكون بها حسنًا لغيره.
- وقوله: "أكارم بها اليهود": قال ابن الأثير: "المكارمة أن تهدي الإنسان شيئًا ليكافئك عليه. وهو مفاعلة من الكرم"٥.
- وقوله: "شنها في البطحاء": أي صبها في البطحاء٦.
стр. 79
٢١ - (١٦) عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إن عندي مالاً ليتيم، فاشتريت به خمرًا؛ فتأذن لي أن أبيعها فأرد على اليتيم ماله؟ فقال النبي ﷺ : "قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الثروب، فباعوها وأكلوا أثمانها "، ولم يأذن له النبي ﷺ في بيع الخمر.
رواه عبد الرزاق١، عن معمر، عن قتادة، وثابت، وأبان، كلهم عنه به، ومن طريق عبد الرزاق رواه أبو يعلى٢، وابن حبان٣.
وهذا الإسناد فيه علة، وهي أن معمرًا وإن كان ثقة، إلا أنه تكلم في حديثه عن قتادة وثابت، فقال ابن معين: معمر عن ثابت ضعيف. وقال: حديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب، كثير الأوهام٤. وقال الدارقطني في العلل: " معمر سيء الحفظ لحديث قتادة والأعمش "٥.
وأما أبان، فهو ابن أبي عياش، قال فيه ابن سعد، وأحمد، والفلاس، والنسائي، والدارقطني: متروك الحديث. واتهمه شعبة وأحمد بالكذب٦.
ولذا جعله الحافظ ابن حجر في مرتبة: " متروك "٧.
стр. 80
وعلى هذا فإن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف. ومما يبين ضعفه أن المحفوظ في حديث أنس ليس فيه ذكر البيع، وإنما طلب أبو طلحة تخليل الخمر، فلم يأذن له النبي ﷺ .
فقد روى مسلم١، وأبو داود٢، والترمذي٣ من طرق عن أنس بن مالك قال: " إن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا، قال: أهرقها. قال: أفلا أجعلها خلاً؟ قال: "لا". هذا لفظ أبي داود.
ولفظ مسلم والترمذي: "أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلاً؟ فقال: لا".
- وقوله: "حرمت عليهم الثروب": هو الشحم الرقيق الذي يغطي الكرش والأمعاء٤.
٢٢ - (١٧) عن بكر بن عبد الله المزني قال: لما حرمت الخمر أتوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله؛ أنبيعها فننتفع بأثمانها؟ قال: "أهريقوها".
أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة٥، عن عباد بن العوام، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي عنه به.
وهذا إسناد رجاله ثقات٦، إلا أنه مرسل.
стр. 81
وحصين بن عبد الرحمن وإن كان قد اختلط إلا أن رواية عباد عنه قبل الاختلاط١.
ولكن يشهد لمعناه حديث أبي سعيد الخدري٢، وحديث عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس٣ وغيرهما من الأحاديث، فيكون بها حسنًا لغيره. والله أعلم.
٢٣ - (١٨) عن محمد بن علي بن الحسين، أن رجلاً أهدى إلى رسول الله ﷺ مزادة من خمر، فأمر ببيعها، فما ولى قال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" فأمر بوكائها ففتحها.
رواه مسدد٤ قال: ثنا يحيى عن جعفر بن محمد به. ويحيى هو القطان.
والإسناد قال فيه البوصيري: معضل٥.
وهذا الحكم فيه نظر؛ لأن محمد بن علي بن الحسين قد لقي بعض الصحابة؛ كابن عباس، وجابر بن عبد الله وغيرهما، فهو من التابعين٦، فلا يقال - والحالة هذه - إن حديثه معضل، على أنه يمكن أن يكون
стр. 82
محمد بن علي بن الحسين أخذ هذا الحديث من هذا الرجل صاحب القصة. والله أعلم.
والحديث مع إرساله، فإن له شاهدًا من حديث ابن عباس، وتميم الداري، فيكون حسنًا لغيره. والله أعلم.
٢٤ - (١٩) عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من باع الخمر فليشقص الخنازير".
رواه أبو داود السجستاني١، وأبو داود الطيالسي٢، والحميدي٣، والدارمي٤، وابن أبي شيبة٥، وأحمد٦، والبيهقي٧، وهذا لفظهم.
كلهم من طرق عن طعمة بن عمرو الجعفي، عن عمر بن بيان التغلبي، عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه.
وطعمة بن عمرو الجعفي وثقه ابن معين، وابن نمير وغيرهما، وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به٨. وجعله ابن حجر في مرتبة: "صدوق"٩.
стр. 83
وأما عمر بن بيان التغلبي فقد وقع عند الدارمي، وأحمد، والبيهقي: عمرو بن بيان، ولكن قال الدارمي: إنما هو عمر بن بيان.
وقد سأل عبد الله بن أحمد أباه عن هذا الحديث فقال له: من عمر بن بيان؟ فقال أحمد: لا أعرفه١.
وقال أبو حاتم في عمر بن بيان: معروف٢. وذكره ابن حبان في الثقات٣. وقال ابن حجر: مقبول٤.
وعروة بن المغيرة بن شعبة قال فيه الحافظ ابن حجر: ثقة٥.
ولم يتابع عمر بن بيان على هذا الحديث، فيبقى حديثه في مرتبة الضعيف؛ لعدم وجود التوثيق المعتبر له.
- وقوله: "فليشقص الخنازير"، قال الخطابي: معناه فليستحل أكلها. والتشقيص يكون من وجهين:
أحدهما: أن يذبحها بالمشقص، وهو نصل عريض.
والوجه الآخر: أنه يجعلها أشقاصًا وأعضاء بعد ذبحها، كما تعضى أجزاء الشاة إذا أرادوا إصلاحها للأكل.
ومعنى الكلام إنما هو توكيد التحريم والتغليظ فيه، يقول: من استحل بيع الخمر، فليستحل أكل الخنازير؛
стр. 84
فإنهما في الحرمة والإثم سواء، أي: إذا كنت لا تستحل أكل لحم الخنزير فلا تستحل ثمن الخمر١.
قال ابن الأثير: وهذا لفظ أمر معناه النهي، تقديره: من باع الخمر فليكن للخنازير قصابًا٢.
٢٥ - (٢٠) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رجل يحمل الخمر من خيبر إلى المدينة فيبيعها من المسلمين، فحمل منها بمال، فقدم به المدينة، فلقيه رجل من المسلمين، فقال: يا فلان؛ إن الخمر قد حرمت. فوضعها حيث انتهى على تل وسجى عليها بالأكسية، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ بلغني أن الخمر قد حرمت. قال: "أجل"، قال: إلى أن أردها على من ابتعتها منه، قال: "لا يصلح ردها". قال: إلى أن أهديها لمن يكافئني منها، قال: "لا". قال: إن فيها مالاً ليتامى في حجري، قال: "إذا أتانا مال البحرين فأتنا نعوض أيتامك من مالهم"، ثم نادى بالمدينة، قال: فقال الرجل: يا رسول الله؛ الأوعية ننتفع بها؟ قال: "فحُلُّوا أوكيتها "، فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي.
أخرجه أبو يعلى٣ وهذا لفظه، والطبراني في الأوسط٤. كلاهما من طريق جعفر بن حميد الكوفي، حدثنا يعقوب القمي عن عيسى بن جارية به.
стр. 85
قال الهيثمي: وفي إسناد الجميع يعقوب القمي، وعيسى بن جارية، وفيهما كلام، وقد وثقا١.
أما يعقوب القمي فقد تقدم٢.
وأما عيسى بن جارية فقال فيه ابن معين: عنده مناكير. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو داود: منكر الحديث. وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة٣. وقال النسائي: منكر الحديث. وجاء عنه: متروك٤. وقال الحافظ ابن حجر: فيه لين٥.
وأما جعفر بن حميد، فهو من شيوخ أبي يعلى، أخرج له مسلم في صحيحه في موضع واحد ووثقه مطين، وذكره ابن حبان في الثقات٦. وقال الحافظان الذهبي٧ وابن حجر٨: ثقة.
فعلى هذا؛ فإن الإسناد ضعيف؛ لضعف عيسى بن جارية. والله أعلم.
стр. 86
٢٦ - (٢١) عن أم سليم ﵂ قالت: لما نزل تحريم الخمر أمر رسول الله ﷺ هاتفًا يهتف: "ألا إن الخمر قد حرمت، فلا تبيعوها ولا تبتاعوها، ومن كان عنده منها شيء فليهرقه".
رواه الطبراني في الأوسط١ من طريق الوليد بن محمد الموقري، عن الزهري، عن أنس، عن أبي طلحة، عنها به.
وقال: لم يروه عن الزهري إلا الوليد.
وقال الهيثمي: فيه الوليد بن محمد الموقري، وهو ضعيف٢.
والوليد بن محمد عامة أئمة الجرح والتعديل يضعفونه، ولا سيما في الزهري، فإنه كما قال ابن حبان: يروي عن الزهري أشياء موضوعة لم يروها الزهري قط٣.
وقال الحافظ ابن حجر: متروك٤.
وعلى هذا؛ فإن الحديث بهذا الإسناد ضعيف جدًا، فلا يعتبر به.
٢٧ - (٢٢) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "إن الله حرم عليكم عبادة الأوثان، وشرب الخمر، والطعن في الأنساب، ألا وإن الخمر لعن شاربها وعاصرها، وساقيها وبائعها، وآكل ثمنها". فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله؛ إن كنت رجلاً كانت هذه تجارتي، فاعتقبت في الخمر مالاً، فهل
стр. 87
ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي ﷺ : "إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب".
فأنزل الله تصديقًا لقول رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ ١، فالخبيث الحرام.
أخرجه الواحدي٢، والأصبهاني في الترغيب والترهيب٣، بإسنادهما عن أبي عبد الله الحاكم، أخبرني محمد بن القاسم المؤدب ببغداد، ثنا محمد بن يوسف بن يعقوب الرازي، ثنا إدريس بن علي الرازي، ثنا يحيى بن الضريس، ثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر به.
ومحمد بن يوسف بن يعقوب الرازي، قال فيه الدارقطني: يضع الحديث والقراءات والنسخ، وضع نحوًا من ستين نسخة قراءات ليس لشيء منها أصل، ووضع الأحاديث المسندة ما لا يضبط٤.
وساق الدارقطني حديثًا بإسناده عن محمد بن يوسف بن يعقوب الرازي، ثنا إدريس بن علي الرازي، ثنا يحيى بن الضريس. ثم قال الدارقطني: المتهم بوضعه محمد بن يوسف٥.
وإدريس بن علي لم أجد له ترجمة في شيء من كتب الجرح والتعديل، ولعله من وضع محمد بن يوسف الرازي.
فعلى هذا، فإن هذا الحديث بهذا الإسناد موضوع. والله أعلم.
стр. 88
ومما ورد في هذا الفصل أيضًا:
(٢٣) حديث جابر بن عبد الله ﵄ وقد تقدم١.
(٢٤) حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدم٢.
(٢٥) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وقد تقدم٣.
(٢٦) حديث علي ﵁، وقد تقدم٤.
(٢٧) حديث ابن عباس ﵄، وقد تقدم٥.
(٢٨) حديث ابن عباس ﵄، وسوف يأتي٦ - إن شاء الله -.
стр. 89
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم من الأحاديث الثابتة أن بيع الخمر محرم، بل هو من كبائر الذنوب؛ لثبوت اللعن في حق بائع الخمر.
وقد أجمع أهل العلم على تحريم بيع الخمر١.
والخمر: هي كل ما خامر العقل، كما قال عمر رضي الله عنه٢، أي خالطه وغطاه٣، من كل مسكر؛ مشروب أو مأكول. سواء أكان من العنب أم من غيره؛ لحديث النبي ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"٤، فكل ما كان مسكرًا فهو خمر يحرم شربه وبيعه والتجارة فيه، فيدخل في هذا النبيذ المسكر، والحشيشة٥، والكحول، وسائر المسكرات القديمة والحديثة٦.
وإذا خللت الخمر فلا يحل بيعها؛ لقول النبي ﷺ لما سئل عن الخمر تتخذ خلاً. قال: لا٧.
قال النووي: هذا دليل الشافعي والجمهور أنه لا يجوز تخليل الخمر، ولا تطهر بالتخليل٨.
وأما إذا تخللت بنفسها، فقال النووي: أجمعوا أنها إذا انقلبت بنفسها خلاً طهرت٩.
стр. 90
وإنما فرق الشارع بين حكم الخمر إذا تخللت بنفسها وإذا تخللت بفعل آدمي؛ لأن الشارع نهى عن اقتناء الخمر، وأمر بإراقتها، فإذا قصد التخليل كان قد فعل محرمًا، والعين إذا كانت محرمة لم تصر محللة بالفعل المنهي عنه؛ لأن المعصية لا تكون سببًا للنعمة والرحمة، فكان من العدل ردع المحتال على المحرم لتحليله بمعاملته بنقيض قصده؛ كمن قتل مورثه، فإنه لا يرثه، بخلاف ما لو مات حتف أنفه١.
ونهي عن بيع الخمر؛ قطعًا لها، ومنعًا من انتشارها بين المسلمين؛ لما فيها من الأضرار الكثيرة التي ذكر الله بعضها في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٢.
والقيام ببيع الخمر من التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عنه في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ٣.
فيجب على المسلمين الاحتساب في منع بيعها في المجتمع المسلم؛ لأنه وسيلة إلى إفساده، وأما أهل الذمة فإنهم لا يمنعون من بيعها بشرط أن يكون ذلك سرًا، ولا يبيعوها لمسلم٤.
وقد أخذ جمهور العلماء أيضًا من نهي الشارع عن بيع الخمر النهي عن بيع كل نجس؛ لكون الخمر نجسة.
وقد سبق الكلام في بيع النجاسات عند الحديث عن حكم بيع الميتة٥.
стр. 91
الفصل الثالث: ما ورد في النهي عن بيع الدم
٢٨ - (١) عن أبي جُحيفة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب وثمن الدم، ونهى عن الواشمة والموشومة، وآكل الربا وموكله ولعن المصورين".
رواه البخاري١ واللفظ له، وأبو داود٢ - مختصراً -، والطيالسي٣، وابن أبي شيبة٤، وأحمد٥، وأبو يعلى٦، والطبراني في الكبير٧، كلهم من طرقٍ عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه به.
وفي لفظٍ لهم - سوى أبي داود - عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه "أنه اشترى حجّاماً فأمر بمحاجمه فكسرت. فسألته عن ذلك فقال ... " الحديث، وفي استدلال أبي جحيفة بهذا الحديث الذي فيه النهي عن ثمن الدم على النهي عن كسب الحجام ما يبين أن أبا جحيفة لم يكن عنده نصٌّ صريح عن النبي ﷺ في النهي عن كسب الحجام. فمن روى الحديث
стр. 92
عن أبي جحيفة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن كسب الحجام، فقد أخطأ في لفظه. والله أعلم.
وزاد البخاري، وابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو يعلى، والطبراني: "وكسب البغي"، وعند الطيالسي: "وعن كسب المومسة"، وهما بمعنى واحد.
وزاد الطيالسي بإسنادٍ صحيح: "وعن عسب الفحل".
وجاء الحديث من وجهٍ آخر. فقد روى الطبراني في المعجم الكبير١ بإسناده عن يحيى بن عباد بن دينار الحرشي ثنا يحيى بن قيس الكندي عن عبد الملك بن عمير عن أبي جحيفة عن البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ "أنه نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن، وعسب الفحل".
ويحيى بن عباد بن دينار الحرشي لم أجد له ترجمة فيما لدي من المصادر. وقد وجدت الهيثمي قد قال أيضاً: "لم أجد من ترجمه"٢.
ويحيى بن قيس الكندي، ذكره البخاري٣، وابن أبي حاتم٤، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً. وذكره ابن حبان في الثقات٥.
فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف. وكذلك لم يقع ذكر البراء بن عازب في شيء من طرق هذا الحديث غير هذه الطريق، فيكون ذكر البراء بن عازب ﵁ في الإسناد منكراً، والله أعلم.
стр. 93
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد من هذا الحديث عن أبي جحيفة ﵁ النهي عن بيع الدم. وقد اختلف في المراد به كما قال الحافظ ابن حجر: "فقيل: أُجرة الحجامة، وقيل: هو على ظاهره، والمراد تحريم بيع الدم كما حرم بيع الميتة والخنزير، وهو حرامٌ إجماعاً، أعني بيع الدم وأخذ ثمنه"١. وممن نقل الإجماع أيضاً على النهي عن ثمن الدم ابن المنذر٢، وابن عبد البر٣.
وقد كان أهل الجاهلية يجمدون الدم ثم يأكلونه فجاء الإسلام وحرم أكل الدم أولاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ... ﴾ الآية٤، ثم نهى عن بيع الدم لنجاسته.
والدم الذي نهي عن بيعه في حديث أبي جحيفة ﵁ وإن كان قد اختلف في المراد به كما سبق، إلا أن الدم الذي يخرج من جسم الحيوان محرّمٌ أيضاً من وجهٍ آخر، وهو أن الشارع إذا حرَّم على قومٍ أكل شيءٍ حرّم عليهم ثمنه، كما سيأتي في الفصل التالي - إن شاء الله تعالى -. وأيضاً فإن ركن البيع في بيع الدم منعدم، وهو مبادلة المال بالمال، فإن الدم لا يعد مالاً عند أحد٥.
وأما إذا احتاج مريض إلى دم فإنه وإن جاز نقل الدم له٦، فإنه لا يجوز بيعه عليه لعموم النهي عن بيع الدم، ولما فيه من مخالفةٍ لمكارم الأخلاق.
стр. 94
فإن لم يجد المريض إلا من يبذل له الدم بعوض فيباح له أن يشتري الدم من صاحبه والإثم على البائع١.
فإن قيل: كيف يجوز نقل الدم ولا يجوز بيعه؟ فالجواب أن يقال بأنّ النهي عن بيع الشيء لا يستلزم النهي عن الانتفاع به كما سبق عند الكلام على ثمن الميتة. وكذلك العكس، فإنه لا يلزم من إباحة الانتفاع بالشيء إباحة ثمنه كما سيأتي عند الكلام على ثمن الكلب.
ويستثنى من النهي عن بيع الدم ما استثني من تحريم أكله وهو الكبد والطِّحال. فقد روى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : "أُحلِّت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد". رواه أحمد٢، وابن ماجه٣، والدارقطني٤.
إلا أن الراجح في هذا الحديث الوقف. وممن رجح الوقف أبو زرعة، وأبو حاتم، والدارقطني، وغيرهم٥. إلا أن هذا الموقوف في حكم المرفوع كما قال ابن عبد الهادي٦ وابن حجر٧، "لأن قول الصحابي: "أُحل لنا" و "حُرِّم علينا كذا" مثل قوله: "أُمرنا بكذا، ونهينا عن كذا"٨.
стр. 95
الفصل الرابع: ما ورد في النهي عن ما حرم أكله وشربه
...
الفصل الرابع: ما ورد في النهي عن بيع ما حرم أكله وشربه
٢٩ - (١) عن ابن عباس ﵄ قال: بلغ عمر أن فلاناً باع خمراً، فقال: قاتل الله فلاناً، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها".
رواه البخاري١ وهذا لفظه، ومسلم٢، والنسائي٣، والحميدي٤، وابن أبي شيبة٥، والدارمي٦، والبزار٧، وأبو يعلى٨. كلهم من طرقٍ عنه به. وفي رواية مسلم وغيره: توضيح المبهم الواقع في لفظ البخاري في الذي باع الخمر بأنه سمرة ابن جندب ﵁.
ومعنى قوله "جملوه" أي أذابوه - وقد تقدم تفسيرها -٩.
وأما سبب بيع سمرة بن جندب ﵁ للخمر فاختلف في ذلك على أقوال.
стр. 96
فقيل: إنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم معتقداً جواز ذلك، وكان ينبغي له أن يوليهم بيعها فلا يدخل في محظور وإن أخذ أثمانها منهم بعد ذلك لأنه لم يتعاط محرماً.
الثاني: ما قاله الخطابي وهو أن يكون باع سمرة العصير ممن يتخذه خمراً.
الثالث: أن يكون خلل الخمر وباعها، وكان سمرة يعتقد جواز ذلك - ولكن هذا ضعيف لأن في الحديث أنه باع خمراً، والخمر إذا خللت لا تعود إلى ما كانت عليه.
ورجح ابن الجوزي والقرطبي القول الأول، وبين الحافظ ابن حجر أنه على هذا القول يحتمل أن يكون بعض من ولاهم عمر ﵁ استعمل سمرة على قبض الجزية، وذلك لأن سمرة لم يكن والياً لعمر ﵁. وأما ما ذكره ابن الجوزي من أن عمر ﵁ استعمل سمرة على البصرة فوهم. قاله ابن حجر١.
ولعله مما يؤيد هذا القول ما رواه الحميدي٢، والبيهقي٣ بإسنادٍ فيه راوٍ لم يسم عن ابن عباس ﵄ قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر يقول بيده هكذا - يعني يحركها يميناً وشمالاً - عويمل لنا بالعراق، عويمل لنا بالعراق خلط في فيء المسلمين أثمان الخمر والخنازير، وقد قال رسول الله ﷺ : "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها". وعند عبد الرزاق٤ نحو هذا بلفظ: "رأيت عمر يقلِّب كفيه ويقول: قاتل الله سمرة عويمل لنا بالعراق ... " الحديث.
стр. 97
٣٠ - (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قاتل الله يهوداً، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها".
رواه البخاري١ وهذا لفظه، ومسلم٢، وأحمد٣. كلهم من طرقٍ عن الزهري عن سعيد بن المسيب عنه به.
وفسّر البخاري "قاتل" بمعنى لعن. وقد جاء بلفظ اللعن في أحاديث أخرى في هذا الفصل.
٣١ - (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: "رأيت رسول الله ﷺ جالساً عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك فقال: "لعن الله اليهود - ثلاثاً -، إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه".
رواه أبو داود٤، وأحمد٥، وأبو يعلى٦، وابن حبان٧، والطبراني في الكبير٨، والدارقطني٩، والبيهقي١٠، وابن عبد البر١١. كلهم من طرقٍ عن خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد به.
стр. 98
وهذا إسناد صحيح، فإن بركة أبا الوليد وثقه أبو زرعة وذكره ابن حبان في الثقات١. وجعله ابن حجر في مرتبة: ثقة٢.
وفي رواية لأحمد٣ وقع في الإسناد: هشيم عن خالد الحذاء عن بركة بن العريان المجاشعي به.
وقد ذكر لأبي حاتم رواية هشيم هذه فقال: "هذا خطأ، إنما هو بركة أبي الوليد، وهم فيه هشيم"٤.
ونحوه ما نقل ابن عبد البر عن أحمد بن زهير أنه قال: سمعت أبي - وهو زهير بن حرب - يقول: وأبو العريان الذي يحدث عنه خالد اسمه أنيس٥.
والجواب عن هذا أن مسلماً ذكر أن بركة المجاشعي يكنى أبا العريان٦. وكذلك نقل ابن خلفون أن بركة أبا الوليد يقال له أبو العريان٧. ويؤيد هذا أن الطبراني وابن عبد البر روياه بإسنادهما عن هشيم عن خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس به. فدلّ على أن هشيماً لم يخطئ وإنما نسبه مرةً وكنّاه أخرى. والله أعلم.
стр. 99
٣٢ - (٤) عن أسامة بن زيد ﵁ قال: دخلنا على رسول الله ﷺ نعوده وهو مريض، فوجدناه نائماً قد غطَّى وجهه ببردٍ عدني، فكشف عن وجهه ثم قال: "لعن الله اليهود يحرمون شحوم الغنم ويأكلون أثمانها".
رواه ابن أبي شيبة١ وهذا لفظه، والحارث بن أبي أسامة٢، ومن طريقه أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة٣، ويعقوب بن شيبة٤، والبزار٥، والحاكم٦، والضياء المقدسي٧. كلهم من طرقٍ عن الأعمش عن جامع بن شداد عن كلثوم الخزاعي عنه به.
وقال البزار: "هذا الحديث لا نعلمه يروى عن أسامة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وكلثوم الخزاعي هو ابن علقمة بن ناجية الخزاعي المصطلقي. ذكره بعضهم في الصحابة، ولكن قال أبو نعيم: لا تصح له صحبة٨. وقال ابن عبد البر:
стр. 100
"أحاديثه مرسلة، لا تصح له صحبة"١. ولذا ذكره ابن حبان في ثقات التابعين٢.
وجعله ابن حجر في مرتبة: ثقة.
والذي يظهر لي أنه على الاصطلاح الذي وضعه ابن حجر في تقريب التهذيب ينبغي أن يقول فيه: "مقبول" فإنه ليس بصحابي ولم يوثقه غير ابن حبان.
إلا أن للحديث شواهد تؤيده، وهي ما سبق ذكره من أحاديث هذا الفصل، كحديث جابر بن عبد الله ﵄ -٣، فيكون بها حسناً لغيره. والله أعلم.
٣٣ - (٥) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثمن الحريسة٤ حرام، وأكلها حرام".
رواه أحمد٥ عن يحيى بن يزيد النوفلي، عن أبيه، عن جبير بن أبي صالح، - وكان يقال له ابن نفيلة - عنه به.
ويحيى بن يزيد هو ابن عبد الملك النوفلي. قال فيه أحمد: لا بأس به. ولم يكن عنده إلا حديث أبيه، ولو كان عنده غير حديث أبيه لتبيّن أمره.
стр. 101
وقال أبو حاتم: منكر الحديث، لا أدري منه أو من أبيه، لا ترى حديثه حديثاً مستقيماً. وقال أبو زرعة: لا بأس به، إنما الشأن في أبيه١ - ثم نقل عن أحمد كلامه المتقدم -. ويعنون بذلك أن يحيى بن يزيد لم يرو عن غير أبيه، وأبوه متكلم فيه - كما سيأتي - فلا يعلمون النكارة أهي من قبله أو من قبل أبيه. وضعفه أيضاً ابن عدي٢.
وأما يزيد بن عبد الملك النوفلي فقد قال فيه ابن سعد: كان جلداً صارماً ثقة، وقال مرّة: عنده مناكير. وقال ابن معين: ليس حديثه بذاك. وقال أيضاً: ما كان به بأس. وقال أحمد: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جداً. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال مرّة: واهي الحديث. وقال البخاري: أحاديثه شِبْه لا شيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أيضاً: ليس بثقة٣. وأما ابن حجر فجعله في مرتبة الضعيف٤.
والذي يظهر لي أنه ضعيف جداً لما سبق من أقوال الأئمة فيه.
وأما جبير بن أبي صالح فقال فيه ابن حجر: إنما هو بشير - بوزن عظيم - وذكر ابن حجر اختلاف نسخ المسند في ذلك. وهو على كل قولٍ مجهول٥.
فعلى هذا فإن الحديث ضعيف جداً لا يعتبر به. والله أعلم.
стр. 102
وللحديث طريق أخرى، فقد أخرجه إسحاق بن راهويه١، والحاكم٢ من طريق مصعب بن محمد عن شرحبيل بن سعد مولى الأنصار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد شرك في عارها وإثمها". قال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه.
ورواه ابن أبي شيبة٣ بإسناده عن مصعب بن محمد عن رجلٍ من أهل المدينة قال: قال النبي ﷺ ... " الحديث بمثله.
وتعقب الذهبي تصحيح الحاكم بأن في إسناده مسلم بن خالد الزنجي وشرحبيل وهما ضعيفان٤.
أما مسلم بن خالد الزنجي فقد قال فيه ابن سعد: كان كثير الغلط في حديثه. وقال ابن المديني: ليس بشيء. وقال ابن معين: ثقة. وقال البخاري: منكر الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، يعرف وينكر. وقال ابن عدي: حسن الحديث وأرجو أنه لا بأس به٥.
وخلص فيه ابن حجر إلى أنه "فقيه صدوق كثير الأوهام"٦.
وشرحبيل بن سعد قال فيه مالك: ليس بثقة. وقال ابن معين: ليس بشيء، يضعّف. وقال أبو زرعة: ليِّن. وقال النسائي: ضعيف. وقال
стр. 103
الدارقطني: ضعيف يعتبر به١. وجعله الحافظ ابن حجر في درجة: "صدوق اختلط بآخرة"٢.
ويظهر لي أن أولى ما يقال فيه ما قاله الدارقطني. والله أعلم.
فعلى هذا فإن هذه الطريق ضعيفة، وهي صالحة للاعتبار.
وللحديث أيضاً طريق أخرى، فقد أخرج ابن عدي٣ بإسناده عن ابن لهيعة حدثنا إسحاق بن أبي فروة عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من اشترى سرقة وهو يعلمها فقد شرك في عارها وإثمها". إلا أن في الإسناد إسحاق بن عبد الله بن أبي وفرة، قال فيه أحمد: لا تحل عندي الرواية عنه. وقال البخاري: تركوه. وقال عمرو بن علي وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم: متروك٤.
ولذا قال ابن حجر: متروك٥.
فعلى هذا، فلا يعتبر بهذه الطريق.
فعلى هذا، فإن الحديث ضعيف وأحسن طرقه طريق مصعب بن محمد عن شرحبيل به. والله أعلم.
стр. 104
٣٤ - (٦) عن عبد الله بن أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ : " قاتل الله اليهود، نُهوا عن أكل الشحم فباعوه فأكلوا ثمنه".
رواه مالك١ عن عبد الله بن أبي بكر به مرسلاً.
وعبد الله بن أبي بكر هو عبد الله بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي. ثقة من الخامسة٢.
ويشهد لهذا المرسل الأحاديث الأخرى في هذا الفصل، فيكون بها حسناً لغيره. والله أعلم.
٣٥ - (٧) عن تميم الدَّاري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل ثمن شيءٍ لا يحل أكله وشربه".
رواه الدارقطني٣ بإسناده عن شبابة بن سوّار عن أبي مالك النخعي عن المهاجر أبي الحسن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه به.
ورجاله ثقات ما عدا أبا مالك النخعي الواسطي. قيل اسمه عبد الملك بن الحسين، وقيل عبادة بن الحسين. وقد تكلم فيه الأئمة. فقال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال عمرو بن علي: ضعيف منكر الحديث. وقال أبو داود: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال مرة: متروك الحديث٤.
стр. 105
وخلص فيه الحافظ ابن حجر إلى أنه: "متروك"١.
فعلى هذا فإن إسناد هذا الحديث ضعيف جداً لا يعتبر به. والله أعلم.
ومما ورد في هذا الفصل أيضاً:
(٨) حديث ابن عباس ﵄، وقد تقدم٢.
(٩) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وقد تقدم٣.
(١٠) حديث عبد الرحمن بن غنم عن تميم الداري ﵁، وقد تقدم٤.
(١١) حديث ابن عمر ﵄، وقد تقدم٥.
стр. 106
دلالة الأحاديث السابقة:
يستفاد مما تقدم من الأحاديث الثابتة أن ما حرم الله ورسوله ﷺ أكله وشربه فثمنه حرام، وفي حكم الأكل والشرب ما حرم تحريماً مطلقاً كالصلبان والصور المحرمة وغيرها؛ لأن في بيعه تعاونًا على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عنه.
وفي بيعه أيضاً محادّة لله ورسوله ﷺ في تحريمهما له، فإن في بيعه إعانة على مخالفة هذا التحريم.
وقد تقدم أن الله لعن اليهود بسبب بيعهم لشحوم الميتة بعد أن نهوا عن أكلها، فمن باع ما حرم الله ورسوله ﷺ من مأكول أو مشروب أو غيره فقد عرَّض نفسه للعنة الله - والعياذ بالله - وإن لم يتناول هذا المحرم.
ويدخل في النهي عن بيع ما حرم أكله وشربه ما لو كان المشتري ليس مسلماً. فإن في حديث ابن عباس ﵄ أن عمر ﵁ أنكر على من باع الخمر لأهل الذمة فقال: "قاتل الله فلاناً ... " الحديث.
وقول النبي ﷺ : "إن الله إذا حرّم على قومٍ أكل شيءٍ حرم عليهم ثمنه" حمل الطبري هذا الحديث على ما حرم مما هو نجس١. وجعله ابن عبد البر وارداً فيما حرم أكله ولم يبح الانتفاع به٢.
والأولى أن يقال هذا الحديث عام فلا يخرج منه إلا ما خصّه الدليل كما قال الشوكاني٣، كالإنسان يحرم أكله ويباح بيعه إذا كان عبداً،
стр. 107
وكذا الحمار الأهلي يحرم أكله ويباح بيعه، ونحو ذلك مما خص من العموم. والله أعلم.
ولا يدخل في النهي الوارد عن بيع ما حرم الله ورسوله ﷺ ما إذا كان التحريم ليس عامًا لجميع الناس، كما في الذهب والحرير، يجوز للرجال بيعهما مع أنه يحرم عليهم لبسهما.
فقد روى البخاري١ واللفظ له، ومسلم٢ وغيرهما عن ابن عمر- ﵄: أن عمر ﵁ رأى حلة سيراء تباع، فقال: يا رسول الله؛ لو ابتعتها لتلبسها للوفد إذا أتوك والجمعة، قال: "إنما يلبس هذه من لا خلاق له".
وأن رسول الله ﷺ بعث بعد ذلك إلى عمر ﵁ حلة سيراء حريرًا كساها إياه، فقال عمر ﵁: كسوتنيها وقد سمعتك تقول فيها ما قلت. فقال: "إنما بعثت بها إليك لتبيعها أو تكسوها".
стр. 108
الفصل الخامس: ما ورد في النهي عن بيع ما يعلم أن المشتري يستعمل المبيع في الحرام
٣٦ - (١) عن عمران بن حصين ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة".
رواه أحمد بن منيع١، والبزار٢، والعقيلي٣، والطبراني في الكبير٤، وابن عدي٥، والبيهقي٦. كلهم من طرقٍ عن بحر بن كنيز السقاء عن عبيد الله بن القبطية عن أبي رجاء العطاردي عنه به.
وبحر بن كَنِيز هو أبو الفضل السَّقاء قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال أبو داود والنسائي والدارقطني: متروك٧. وقال ابن عدي: كل رواياته مضطربة ويخالف الناس في أسانيدها ومتونها والضعف على حديثه بيِّن. وقال أيضاً: هو إلى الضعف أقرب منه إلى غيره٨. وجعله ابن حجر في مرتبة الضعيف٩.
стр. 109
والذي يظهر لي أنه ضعيف جداً لما تقدم من قول أكثر الأئمة فيه. والله أعلم.
وللحديث إسناد آخر، فقد رواه ابن عدي١ - ومن طريقه البيهقي٢ - وعلقه العقيلي٣ - ووصله البيهقي٤ - والخطيب البغدادي٥ بإسنادهم عن محمد بن مصعب عن أبي الأشهب عن أبي رجاء عنه به.
وأبو الأشهب هو جعفر بن حيان السعدي العطاردي البصري. ثقة٦.
وأما محمد بن مصعب، فهو ابن صدقة القُرقُسائي. قال فيه ابن معين: ليس بشيء.
وقال أيضاً: لم يكن من أصحاب الحديث، كان مغفلاً.
وقال أيضاً: ليس يدري ما يحدث.
وقال أحمد: لا بأس به.
وقال أبو زرعة: صدوق في الحديث، ولكنه حدث بأحاديث منكرة، فسأله ابن أبي حاتم: فليس هذا مما يضعفه؟ قال: نظن أنه غلط فيه.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن حبان: ساء حفظه فكان يقلب الأخبار ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به٧.
стр. 110
وخلص الحافظ ابن حجر إلى أنه صدوق كثير الغلط١.
ومما يدل على غلطه أنه قد اضطرب في هذا الحديث، فرواه مرة مرفوعاً كما سبق، وأخرى موقوفاً على عمران بن حصين ﵁، وذلك فيما رواه العقيلي٢، وابن عدي٣، والبيهقي٤ بأسانيدهم عن يحيى بن معين عن محمد بن مصعب بإسناده موقوفاً.
وتابع محمد بن مصعب على الوقف سلم بن زرير كما قال العقيلي. وقد رواه أيضاً موقوفاً البخاري تعليقاً مجزوماً به عن عمران٥ ﵁، ولذا رجح البيهقي وقفه فقال: رفعه وهم والموقوف أصح٦. وكذلك قال الحافظ ابن حجر: الصواب وقفه٧.
وجعل ابن معين٨ والعقيلي الحديث من قول أبي رجاء، فيكون مقطوعاً.
ولكن الذي يظهر أنه موقوف على عمران بن حصين ﵁ كما قال البيهقي وابن حجر لمتابعة سلم بن زرير لمحمد بن مصعب. والله أعلم.