← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7267

الأحاديث الواردة في البيوع المنهي عنها

سليمان بن صالح الثنيان

Полный текст (707 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٤ - وحديث أبي المليح بن أسامة بن عمير عن أبيه رضي الله عنهأن رسول الله ﷺ : " نهى عن جلود السباع"١. ٥ - وحديث أبي ريحانة ﵁: " أن رسول الله ﷺ حرم عشرة: الوشر، والوشم، والنتف، ومكامعة٢ الرجل للرجل ليس بينهما ثوب، ومكامعة المرأة بالمرأة ليس بينهما ثوب، وخطي الحرير على أسفل، وخطي الحرير على العاتقين، والنمر - يعني جلد النمر - والنهبة، والخاتم إلا لذي سلطان"٣.

стр. 37

وهذه الأحاديث وإن كان في بعضها مقال، إلا أنها بمجموعها تصلح للاحتجاج بها. وممن قال بجواز بيع جلود الميتة إذا دبغت إذا كانت من حيوان مأكول اللحم في حال الحياة الأوزاعي، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور١، وأحمد في رواية اختارها القاضي٢، وابن قدامة٣، وابن تيمية٤، وغيرهم. وقال أبو حنيفة٥، والشافعي في الجديد٦: يباح بيع جلد الميتة مطلقًا إذا دبغ، إلا الخنزير، واستثنى الشافعي أيضًا الكلب وما تولد عنهما. وهذا القول رواية عن أحمد٧. ودليل هذا القول قوله ﷺ : " إذا دبغ الإهاب فقد طهر" ٨. وأما استثناء الكلب والخنزير فلأنهما نجسان قبل موتهما٩. وهذا القول يجب أن يقيد بالأحاديث الواردة في النهي عن جلود السباع التي قد سبق ذكرها. وكذلك قوله ﷺ : " دباغ الأديم ذكاته"، وقد سبق بيان وجه الاستشهاد به على أن الدباغ خاص لجلد ما يؤكل لحمه.

стр. 38

هذا فيما يتعلق بجلد الميتة، وكلام العلماء فيه. أما شعر الميتة وصوفها، فجمهور العلماء على أنه طاهر يجوز بيعه١، لأنه لا تحل فيه الحياة الحيوانية، ومنع الشافعي من ذلك٢. والراجح هو قول الجمهور، وقد بين ابن القيم ضعف قول الشافعي هنا٣. أما عظم الميتة، فمنع بيعه جمهور العلماء٤، وأجاز بيعه أبو حنيفة٥، وأحمد في رواية٦. والراجح هو قول الجمهور؛ لأن عظم الميتة منها، فهو داخل في قوله ﷺ : " إن الله حرم بيع الخمر والميتة ..." الحديث. وليس من دليل قائم يدل على إخراج العظم من هذا الحكم. وقد أخذ بعض العلماء من النهي عن بيع الميتة النهي عن بيع كل نجس. قال الخطابي: فيه دليل على فساد بيع السرقين٧، وبيع كل شيء نجس العين٨. وقال البغوي: في تحريم الخمر والميتة دليل على تحريم بيع الأعيان النجسة وإن كان منتفعًا بها في أحوال الضرورة٩.

стр. 39

ويجب التنبيه هنا إلى أنه وإن حرم بيع الميتة وما يقاس عليها من الأعيان النجسة، فهذا التحريم لا يتعدى إلى الانتفاع بها؛ فالميتة مثلاً وإن حرم بيعها، فإنه يجوز الانتفاع بها بإطعامها للبزاة والصقور ونحوها، وأيضًا الزيت النجس وإن حرم بيعه، فإنه يجوز الانتفاع به في الاستصباح ونحوه. وهكذا السرقين النجس، فإنه وإن حرم بيعه، فإنه يجوز الانتفاع به في عمارة الأرض للزرع والثمر عند جمهور العلماء١، وهكذا. فإن قيل: كيف يباح الانتفاع بالشيء ويحرم بيعه؟ فالجواب: أنه لا يلزم من إباحة الانتفاع إباحة البيع. فالصحابة ﵁ لما سمعوا بالنهي عن بيع الميتة سألوا النبي ﷺ عن بيع شحومها، وذلك لما فيها من المنافع، فنهاهم النبي ﷺ عن بيع شحومها، ولم ينههم عن الانتفاع بها. قال الشافعي في كلامه على الانتفاع بالزيت النجس: " ويستصبح به، فإن قيل: كيف ينتفع به ولا يبيعه؟ قيل: قد ينتفع المضطر بالميتة ولا يبيعها، وينتفع بالطعام في دار الحرب ولا يبيعه في تلك الحال، قال: وقد نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، وأباح الانتفاع به في بعض الأحوال، فغير مستنكر أن ينتفع الرجل بالزيت ولا يبيعه في هذه الحال"٢. وقال ابن القيم: " ينبغي أن يعلم أن باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بيعه حرم الانتفاع به، بلا لا تلازم بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع"٣. وأما الخنزير فهو مجمع على تحريم بيعه أيضًا٤؛ وذلك لنجاسته.

стр. 40

قال ابن القيم: تحريم بيع الخنزير يتناول جملته، وجميع أجزائه الظاهرة والباطنة١. وهل يقاس على الخنزير كل ما لا نفع فيه مباح من الحيوانات؟ قال البغوي في ذلك: تحريم بيع الخنزير دليل على أن ما لا ينتفع به من الحيوانات لا يجوز بيعها، مثل الأسد، والقرد، والدب، والحية، والعقرب، والفأرة، والحدأة، والرخمة، والنسر، وحشرات الأرض ونحوها٢. وأما ما لا نفع فيه مطلقًا فسوف يأتي ذكر النهي عن بيعه في فصل النهي عن إضاعة المال - إن شاء الله تعالى -. وأما الأصنام فهي جمع صنم، وهو ما عبد من دون الله، وكان مصورًا على صورة ما. فإن لم يكن مصورًا فهو وثن٣. وحرم بيع الأصنام حتى لا تنتشر في المجتمع الإسلامي، فتكون سببًا لوقوع الناس في الشرك بالله، واتخاذها آلهة من دون الله. قال ابن القيم: وأما تحريم بيع الأصنام فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك على أي وجه كانت، ومن أي نوع كانت؛ صنمًا أو وثنًا، أو صليبًا، وكذلك الكتب المشتملة على الشرك، وعلى عبادة غير الله، فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها. وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتخاذها، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها، فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها٤.

стр. 41

الفصل الثاني ما ورد في النهي عن بيع الخمر ٦ - (١) عن عائشة ﵂ قالت: " لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا، خرج النبي ﷺ إلى المسجد فقرأهن على الناس، ثم حرم تجارة الخمر". رواه البخاري١، واللفظ له، ومسلم٢، وأبو داود٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، وأبو داود الطيالسي٦، وأحمد٧، والدارمي٨. كلهم من طرق عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق عنها به. - وقولها: " لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا" المراد بها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ ...﴾ الآيات٩.

стр. 42

ووقع في مسند أحمد " لما نزلت الآية التي في البقرة في الخمر قرأها رسول الله ﷺ في المسجد ثم حرم التجارة في الخمر"١. فهذه الرواية فيها أن الآية التي نزلت وحرم عندها التجارة في الخمر هي آية الخمر من سورة البقرة، بينما الرواية السابقة أن الآيات هي الآيات التي كانت في الربا. ورواية أحمد وإن كان ظاهرها أولى من الرواية الأخرى؛ لموافقتها لسياق الحديث، فإن آخره " ثم حرم التجارة في الخمر" إلا أنها مردودة لأمور أربعة: الأول: أن الرواية التي جاء فيها أن الآيات هي آيات الربا أكثر من التي جاء فيها أنها في الخمر. الثاني: روى سعيد بن منصور٢ هذا الحديث في سننه بإسناد صحيح بلفظ: " لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا ..." الحديث، فقوله: " من آخر سورة البقرة" يدل على أنها آيات تحريم الربا، وليست الآيات في الخمر. الثالث: أن آية البقرة ليس فيها تحريم الخمر، وسورة البقرة قد تقدم نزولها في المدينة، وأما الخمر فتأخر تحريمها، فإنها حرمت في سورة المائدة. وأما قول السيوطي: " إن الرواية التي فيها أن الآية كانت في تحريم الخمر تدل على أنه كان في الآيات المذكورة تحريم ذلك، وكأنه نسخت تلاوته"٣.

стр. 43

فقوله هذا ضعيف؛ لأن هذا متفرع على صحة الرواية وسلامتها من المعارضة، والأمر ليس كذلك. الرابع: أن رواية أحمد في سندها زياد بن عبد الله البكائي، وهو متكلم فيه١. قال الحافظ ابن حجر: " صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين"٢. وقد عارضه غيره في هذه الرواية، فروايته تكون منكرة. وقد تابعه داود بن الزبرقان عن عبد الأعلى، والحجاج عن أبي الضحى به، ولفظه: " لما نزلت سورة البقرة، نزل فيها تحريم الخمر، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك" رواه الخطيب٣. إلا أن داود بن الزبرقان قد ضعفه أكثر الأئمة تضعيفًا شديدًا٤. ولذا جعله ابن حجر في مرتبة: متروك٥. فهذه المتابعة لا تصلح؛ لشدة ضعف داود. إذا تقرر أن الرواية المحفوظة هي قولها: " لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا" فربما يشكل على هذا أن آيات الربا من آخر ما نزل من القرآن، وتحريم الخمر تقدم قبل ذلك بمدة، فقد روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: " آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا"٦. والجواب عن هذا

стр. 44

الإشكال ما نقله الإمام النووي عن القاضي عياض وغيره، حيث قالوا: تحريم الخمر هو في سورة المائدة، وهي نزلت قبل آية الربا بمدة طويلة، فإن آية الربا آخر ما نزل أو من آخر ما نزل، فيحتمل أن يكون هذا النهي عن التجارة متأخرًا عن تحريمها١. ويحتمل أنه أخبر بتحريم التجارة حين حرمت الخمر، ثم أخبر به مرة أخرى بعد نزول آية الربا توكيدًا ومبالغة في إشاعته، ولعله حضر المجلس من لم يكن بلغه تحريم التجارة فيها قبل ذلك. والله أعلم٢. وقال ابن كثير: " قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله، حرم الخمر وما يفضي إليه؛ من تجارة ونحو ذلك"٣. ٧ - (٢) عن عبد الرحمن بن وعلة أنه سأل عبد الله بن عباس ﵄ عما يعصر من العنب، فقال ابن عباس: إن رجلاً أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ : " هل علمت أن الله قد حرمها؟ "، فقال: لا. فسارَّ إنسانًا، فقال له رسول الله ﷺ : " بم ساررته؟ "، فقال: أمرته ببيعها. فقال: " إن الذي حرم شربها حرم بيعها". قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها.

стр. 45

رواه مسلم١، وهذا لفظه، ومالك٢، ومن طريقه النسائي٣، ورواه أحمد٤، والدارمي٥، والطحاوي٦، كلهم من طرق عن ابن وعلة به. ولفظ أحمد في رواية، والدارمي: " سألت ابن عباس عن بيع الخمر ..." الحديث. وابن وَعْله اسمه عبد الرحمن بن وعلة السبئي، أصله من مصر، ثم انتقل إلى المدينة وسكنها٧، وقد تقدم٨ أنه وثقه ابن معين، والعجلي، والنسائي، وابن عبد البر، وغيرهم. - قوله: " إن رجلاً أهدى لرسول الله ﷺ ": جاء في رواية لأحمد: " كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف أو من دوس"٩، وفي رواية له أيضًا " رجل من دوس"١٠. وقد روى أحمد بسنده عن نافع بن كيسان، عن أبيه " أنه يتجر بالخمر في زمن النبي ﷺ ..." الحديث١١ بمعنى حديث ابن عباس.

стр. 46

ونافع بن كيسان هو الثقفي١، فكذلك أبوه هو كيسان الثقفي، فلعله هو الرجل من ثقيف الذي ورد في حديث ابن عباس. وقد جزم بذلك الزرقاني٢. وقال الحافظ ابن حجر: يستفاد من حديث كيسان تسمية المبهم في حديث ابن عباس٣. - قوله: " أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر"، قال الزرقاني: ثم احذر أن يخطر ببالك أن النبي ﷺ شرب الخمر قبل تحريمها، فلا يلزم من إهداء الراوية كل عام قبل التحريم أن يشرب، بل يهديها، أو يتصدق بها، أو نحو ذلك، وقد صانه الله تعالى من قبل النبوة عما يخالف شرعه، وهو لم يشرب الخمر المحضر من الجنة ليلة المعراج٤. - قوله: " راوية خمر": قال أبو عبيد: الراوية هي المزادة، وقال غيره: إنما تقال الراوية للبعير خاصة٥. قال النووي: وهذا الحديث يدل لأبي عبيد، فإنه سماها راوية ومزادة، قالوا: سميت راوية لأنها تروي صاحبها ومن معه، والمزادة لأنها يتزود فيها الماء في السفر وغيره، وقيل: لأنه يزاد فيها جلد ليتسع٦.

стр. 47

- قوله: " هل علمت أن الله قد حرمها"، جاء في مسند أحمد سبب عدم علمه، ففي رواية عنده: " أن رجلاً خرج والخمر حلال"١، وفي رواية له أيضًا: " هل علمت أن الله قد حرمها بعدك"٢، كما أنه قد وقع في مسند أحمد تحديد العام الذي لقي فيه الرجل النبي ﷺ ، وهو قوله: " فلقيه بمكة عام الفتح"٣. - قوله: " فسارَّ إنسانًا": في رواية لأحمد: " فأقبل الرجل على غلامه"٤، وفي روايةٍ له أيضًا: " فالتفت الرجل إلى قائد البعير"٥. وأما المسارة فهي خفض الصوت بالكلام٦. ٨ - (٣) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهقال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بالمدينة يقول: " يا أيها الناس؛ إن الله تعالى يعرض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرًا، فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به". قال: فما لبثنا إلا يسيرًا حتى قال النبي ﷺ : " إن الله تعالى حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع". قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها".

стр. 48

أخرجه مسلم١، وهذا لفظه، وأبو يعلى٢، والبيهقي٣. كلهم عن عبيد الله بن عمر القواريري، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة به. وسعيد الجريري وإن كان قد اختلط٤، إلا أن رواية عبد الأعلى عنه قبل الاختلاط٥؛ ولذا خرجها مسلم في صحيحه. - قوله: " إن الله يعرض بالخمر": التعريض خلاف التصريح من القول٦. - قوله: " فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به". قال النووي: في هذا الحديث بذل النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم؛ لأنه ﷺ نصحهم في تعجيل الانتفاع بها ما دامت حلالاً٧. - قوله: " فمن أدركته هذه الآية"، هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٨. - قوله: " فسفكوها". السفك هو الإراقة والإجراء لكل مائع٩. ولعل سفك الصحابة للخمر في الطريق يشكل على من يقول بنجاسة الخمر، وهم الجمهور؛ لأنها لو كانت نجسة لما سفكوها في الطريق مع نهي النبي ﷺ عن التخلي في الطرقات، ولكن أجاب القرطبي عن هذا بأنه

стр. 49

لم يكن عند الصحابة كنف في بيوتهم، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة. وقال القرطبي: وأيضًا يمكن التحرز منها؛ فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن من الكثرة بحيث تصير نهرًا يعم الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها١. قال محمد الأمين الشنقيطي ﵀ بعد ذكره لقول القرطبي: وهو ظاهر٢. ٩ - (٤) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه". جاء هذا الحديث عن ابن عمر من طرق. الطريق الأولى: عن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، وأبي طعمة عنه: رواه من هذا الطريق أبو داود٣ باللفظ السابق، وابن ماجه٤، وأبو بكر بن أبي شيبة٥، وأحمد٦، والبيهقي٧، كلهم من طرق عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز به.

стр. 50

ولفظ ابن ماجه وأبي بكر بن أبي شيبة وأحمد: " لعنت الخمر على عشرة أوجه ..." الحديث. وعندهم أيضًا وعند البيهقي زيادة: " وآكل ثمنها". أما عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي١، وأبو طعمة٢، فكلاهما قال فيه الحافظ ابن حجر: مقبول٣. وأبو طعمة قد وثقه ابن عمار الموصلي، وأما تكذيب مكحول له فرده الحافظ بأنه لم يكذبه التكذيب الاصطلاحي٤. وأما عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فقال فيه الذهبي: ثقة٥. وقال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق يخطئ٦. وعند الرجوع إلى أقوال العلماء فيه نجد أن قول الحافظ الذهبي أقرب من قول الحافظ ابن حجر. فعلى هذا يكون هذا الطريق حسنًا لغيره؛ لوجود المتابعة بين عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي وأبي طعمة. وقد رواه البغوي٧ بإسناده عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي - وحده - عن ابن عمر.

стр. 51

ورواه أحمد١، والطحاوي٢، والبيهقي٣ من طرق عن ابن لهيعة، عن أبي طعمة - وحده - عن ابن عمر. قال الهيثمي: " فيه أبو طعمة، وقد وثقه محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وضعفه مكحول، وبقية رجاله ثقات"٤. وقد تقدم الكلام في أبي طعمة، وأما ابن لهيعة فقد جاءت الرواية عنه من طريق ابن وهب، ورواية ابن وهب عنه سبق أنه قد قوَّاها بعض أئمة الجرح والتعديل٥. وقد تابع ابن لهيعة في الرواية عن أبي طعمة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز. وقد سبق أن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي وأبا طعمة تابع كل منهما الآخر. الطريق الثانية: عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أخرجه أحمد٦، والطبراني٧، والحاكم٨، والبيهقي في شعب الإيمان٩، وأبو نعيم الأصبهاني١٠. كلهم من طرق عن فليح بن سليمان، عن سعيد بن عبد الرحمن بن وائل١١ به.

стр. 52

وقال الطبراني: لم يروه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر إلا سعيد المدني، تفرد به فليح. وفليح بن سلمان هو الخزاعي، ويقال: الأسلمي، أبو يحيى المدني، ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وابن المديني، وغيرهم. وقال الدارقطني: يختلفون فيه، وليس به بأس. وقال ابن عدي: لا بأس به١. وقد احتج به صاحبا الصحيحين٢. قال فيه الحافظ: صدوق كثير الخطأ٣. وأما سعيد بن عبد الرحمن، فهو الأنصاري، ذكره البخاري٤، وابن أبي حاتم٥، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلاً. وذكره ابن حبان في الثقات٦. فعلى هذا يكون هذا الإسناد ضعيفًا؛ للكلام في فليح بن سليمان، وجهالة سعيد بن عبد الرحمن، إلا أن هذا الإسناد عن ابن عمر حسن لغيره؛ للطرق التي ورد فها هذا الحديث عنه.

стр. 53

الطريق الثالثة: ثابت بن يزيد الخولاني عنه: أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار١، والحاكم٢، والبيهقي في السنن الكبرى٣، وفي شعب الإيمان٤. كلهم من طرق عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح، وابن لهيعة، والليث بن سعد عن خالد بن يزيد، عن ثابت بن يزيد الخولاني " أنه كان له عم يبيع الخمر، وكان يتصدق، فنهيته عنها فلم ينته، فقدمت المدينة ..." الحديث. وفيه أنه لقي ابن عباس، ثم لقي ابن عمر، فكان من حديث ابن عمر ﵄ له أن رسول الله ﷺ قال: " لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها، وشاربها وساقيها، وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها ومشتريها، وآكل ثمنها"، ثم ذكر خرق النبي ﷺ لزقاق الخمر. وقد أخرج الطبراني هذا الحديث٥، إلا أنه وقع عنده ذكر الحديث كاملاً من حديث ابن عباس فقط، مع أن إسناد الطبراني

стр. 54

يلتقي بإسناد البيهقي وغيره. فالظاهر أن في رواية الطبراني قَلْبًا؛ لأنه جعل قصة ابن عمر وحديثه لابن عباس ﵁. والله أعلم. وأما رجال الإسناد، فإن ثابت بن يزيد الخولاني قال فيه ابن حزم: مجهول. وتبعه عبد الحق، وذكره ابن حبان في الثقات١. وذكر البخاري أن بعض الرواة رواه عن ثابت بن يزيد، عن ابن عمه، سمع ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم٢. قال ابن أبي حاتم: وهو الصحيح٣. وأما خالد بن يزيد، فهو الجمحي، ويقال السكسكي، أبو عبد الرحيم المصري، وثقه أبو زرعة، والنسائي، وغيرهما٤. ولذا قال في الحافظ ابن حجر ﵀: ثقة فقيه٥. فعلى هذا، فهذا الإسناد ضعيف؛ لجهالة ثابت بن يزيد، والانقطاع بينه وبين ابن عمر ﵄، إلا أنه صالح للاعتبار. والله أعلم. الطريق الرابعة: شراحيل بن بكيل عنه: رواه الطحاوي٦ عن الربيع بن سليمان الأزدي، عن طلق بن السمح اللخمي، عن أبي شريح، عن خالد بن يزيد، عن شراحيل بن بكيل بنحو حديث ثابت بن يزيد الخولاني عن ابن عمر.

стр. 55

وشراحيل بن بكيل ذكره البخاري١، وابن أبي حاتم٢، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في الثقات٣. ولم أجد من وثقه غيره. فهو مجهول جهالة حال لا عين؛ لكونه قد روى عنه جماعة من الثقات. وأبو شريح هو عبد الرحمن بن شريح الاسكندراني، من رجال الجماعة. قال فيه ابن حجر: ثقة فاضل، لم يصب ابن سعد في تضعيفه٤. وأما طلق بن السمح اللخمي فهو أبو السمح المصري الاسكندراني. قال فيه أبو حاتم: شيخ مصري ليس بمعروف٥. وقال فيه الذهبي: مصري فيه ضعف٦. ولعل الضعف الذي أشار إليه الذهبي هو جهالة طلق بن السمح. وقال ابن حجر في التقريب: مقبول٧. وأما الربيع بن سليمان فهو الجيزي، أبو أحمد الأزدي. قال فيه ابن يونس والخطيب: ثقة٨.

стр. 56

وقد ذكر لأبي حاتم هذا الحديث من طريق طلق عن أبي شريح عن شراحيل، فقال: ابن شريح لا أظنه أدرك ابن بكيل١. ولكن الإسناد الذي ساقه الطحاوي ليس فيه هذه العلة؛ لكون عبد الرحمن بن شريح روى الحديث عن خالد بن يزيد، عن ابن بكيل، فلا انقطاع. فتبقى علة هذا الإسناد الجهالة في طلق بن السمح وابن بكيل. إلا أن هذا الإسناد متابع بالطرق الأخرى للحديث، فيرتقي إلى درجة الحسن لغيره. والله أعلم. الطريق الخامسة: سالم بن عبد الله عن أبيه: رواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان٢، والطبراني في الأوسط٣، كلاهما من طريق يعقوب، عن ليث بن أبي سليم، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله لعن الخمر بعينها، وعاصرها ومعتصرها، وبائعها ومشتريها، وحاملها والمحمولة إليه، وساقيها وشاربها، وآكل ثمنها "٤. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ليث إلا يعقوب.

стр. 57

ويعقوب هو القمي. قال فيه النسائي: ليس به بأس. ووثقه الطبراني. وذكره ابن حبان في الثقات١. وقال الذهبي: صدوق٢. وقال ابن حجر: صدوق يهم٣. وليث بن أبي سليم ضعفه ابن عيينة، والقطان، وأحمد، وأبو حاتم وغيرهم٤. وقال ابن حجر: صدوق اختلط جدًا، ولم يتميز حديثه فترك٥. فمما سبق يتبين أن هذه الطريق ضعيفة؛ لضعف ليث بن أبي سليم، إلا أنه بالنظر إلى طرق هذا الحديث يكون بها حسنًا لغيره. والله أعلم. الطريق السادسة: محمد بن أبي حميد عن أبي توبة المصري عنه: رواه أبو داود الطيالسي٦، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان٧، ولفظه: " نزلت في الخمر ثلاث آيات ..." الحديث. وفيه " إن الله لعن الخمر، ولعن غارسها، ولعن شاربها، ولعن عاصرها، ولعن موكلها، ولعن مديرها، ولعن ساقيها، ولعن حاملها، ولعن آكل ثمنها، ولعن بايعها".

стр. 58

وأبو توبة المصري١، قال ابن عساكر: لم أجد له ذكرًا في شيء من الكتب٢. ومع جهالته فإن في حديثه هذا لفظًا منكرًا، وهو قوله: " لعن غارسها" كما قال الحافظ ابن حجر٣. وأما محمد بن أبي حميد فهو الأنصاري الزُّرَقي، قال فيه أحمد: أحاديثه مناكير. وقال ابن معين: ضعيف ليس حديثه بشيء. وقال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة٤. فجملة أقوال الأئمة فيه على تضعيفه تضعيفًا شديدًا. إلا أن الحافظ ابن حجر قال فيه في التقريب " ضعيف"٥ فقط، وبالنظر إلى أقوال الأئمة فيه يظهر أن فيه ضعفًا شديدًا. وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث من طريق أبي داود الطيالسي، فقال أبو حاتم: هذا خطأ، إنما هو أبو طعمة، قارئ مصر عن ابن عمر٦.

стр. 59

ولعل الخطأ الذي ذكره أبو حاتم منشؤه من محمد بن أبي حميد، فإنه منكر الحديث كما سبق في قول البخاري وأبي حاتم وغيرهما. فمما سبق يتبين أن هذا الطريق ضعيف جدًا بسبب محمد بن أبي حميد، والعلة التي ذكرها أبو حاتم، وأيضًا جهالة أبي توبة المصري. الطريق السابعة: نافع عنه: رواه ابن عدي١، والخطيب٢ بإسنادهما عن أبي نصر التمَّار، عن كوثر به بلفظ: " إن الله لعن الخمر، وعاصرها والمعتصرة له، والجالب والمجلوب إليه، والبائع والمشتري، والساقي والشارب، وحرم ثمنها على المسلمين". وكوثر هو ابن حكيم. قال فيه أحمد: أحاديثه بواطيل ليس بشيء. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك٣. وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمة كوثر عند سياقه لبعض مناكيره عن نافع، فقال بعد ذلك: وهذه الأحاديث عن كوثر عن نافع عن ابن عمر غير محفوظة. فعلى هذا فإن هذا الطريق ضعيف جدًا لا يصلح للاعتبار. الطريق الثامنة: حبيب بن أبي ثابت به: رواه الحارث بن أبي أسامة، عن يحيى بن هاشم، عن ابن أبي ليلى به بلفظ: " الخمر حرام، وبيعها حرام، وثمنها حرام" ٤.

стр. 60

ويحيى بن هاشم هو السمسار. قال فيه أبو حاتم: كان يكذب، وكان لا يصدق، ترك حديثه١، واتهمه يحيى بن معين وصاعقة وغبرهما بالكذب٢. فهذا الطريق لا يعتبر به. والخلاصة في حديث ابن عمر أنه حسن بمجموع طرقه، على أن له شواهد تؤيده أيضًا كما سيأتي - إن شاء الله -. ١٠ - (٥) عن أنس ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها، وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه، وساقيها وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها والمشتراة له". رواه الترمذي٣، وهذا لفظه، وابن ماجه٤، والطبراني في الأوسط٥. كلهم من طرق عن أبي عاصم عن شبيب بن بشر به، قال الترمذي: هذا حديث غريب. وشبيب بن بشر وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لين الحديث، حديثه حديث الشيوخ. وقال البخاري: منكر الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ كثيرًا٦. قال الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ٧.

стр. 61

وعند النظر في أقوال هؤلاء الأئمة نجد أنه في مرتبة الضعيف؛ لكون أكثرهم على ذلك. وأما أبو عاصم، فهو الضحاك بن مخلد، الإمام المشهور. وعلى هذا فإن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف شبيب بن بشر، إلا أن للحديث شواهد تؤيده وتجعله حسنًا لغيره؛ كحديث ابن عمر ﵄ السابق، وحديث ابن عباس ﵄ الآتي. وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا الحديث في التلخيص فقال: رواته ثقات١. وقول الحافظ هذا فيه نظر؛ لكون شبيب بن بشر متكلم فيه، ولم يوثقه غير ابن معين، وأما بقية الأئمة فيضعفونه، وقد سبق قول الحافظ فيه، فلا يمكن أن يقال والحالة هذه: رواته ثقات. والله أعلم. ١١ - (٦) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: " أتاني جبريل فقال: يا محمد؛ إن الله لعن الخمر، وعاصرها ومعتصرها، وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها، وساقيها ومستقيها". أخرجه أحمد٢ وهذا لفظه، وابن حبان٣، والطبراني٤، والحاكم٥، والبيهقي في شعب الإيمان٦ من طريق الحاكم. كلهم من طرق عن

стр. 62

مالك بن خير١ الزبادي٢ المصري، عن مالك بن سعد به. وصححه الحاكم. ومالك بن سعد التجيبي قال فيه أبو زرعة: مصري لا بأس به٣. وذكره ابن حبان في الثقات٤. وأما مالك بن خير الزبادي. فقد ذكره البخاري٥، وابن أبي حاتم٦ ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في الثقات٧. وقال ابن القطان: هو ممن لم تثبت عدالته٨. وتعقبه الذهبي بقوله: وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدًا نص على توثيقهم، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح، ولذا قال الذهبي: محله الصدق٩. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي نسبه.. إلى آخره، لا ينازع١٠ فيه، بل ليس كذلك، بل هذا شيء نادر؛ لأن غالبهم معروفون بالثقة إلا من خرجا له في الاستشهاد١١.

стр. 63

فعلى هذا فإن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ لجهالة مالك بن الخير. إلا أنه بشواهده كحديث ابن عمر، وأنس يكون حسنًا لغيره. وأما قول المنذري: رواه أحمد بإسناد صحيح١. ففيه نظر؛ لما تقدم من حال مالك بن خير. والله أعلم. ١٢ - (٧) عن ابن مسعود ﵁ قال: " لعن رسول الله ﷺ الخمر، وشاربها وساقيها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها ومبتاعها، وآكل ثمنها". رواه البزار٢ وهذا لفظه، والطبراني٣، وابن عدي٤. كلهم من طرق عن عيسى بن أبي عيسى الحناط، عن الشعبي، عن علقمة به. وقال البزار - وقد ذكر حديثًا قبله بسنده عن عيسى بن أبي عيسى عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود - قال البزار: فهذان الحديثان لا نعلم رواهما عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله إلا عيسى بن أبي عيسى. وقال الهيثمي: فيه عيسى بن أبي عيسى الحناط، وهو ضعيف٥. وعيسى ابن أبي عيسى الحناط ضعفه يحيى القطان، وأحمد. وقال ابن معين: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه. وقال الفلاس، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني: متروك الحديث٦. لهذا جعله الحافظ ابن حجر في مرتبة: متروك٧.

стр. 64

وقد ذكر أبو حاتم أن عيسى هذا قد حدث أيضًا بهذا الحديث عن الشعبي عمن حدثه عن النبي ﷺ . قال أبو حاتم: هذا من عيسى١. وهذا الاضطراب الذي ذكره أبو حاتم يعود لشدة ضعف عيسى كما سبق في أقوال الأئمة. فمما سبق يتبين أن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف جدًا؛ لشدة ضعف عيسى بن أبي عيسى. ومثل هذا لا يرتقي بالشواهد. والله أعلم. ١٣ - (٨) عن عبد الرحمن بن غنم، أن الداري كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية خمر، فلما كان عام حرمت جاء براوية، فلما نظر إليه نبي الله ﷺ ضحك، قال: " هل شعرت أنها قد حرمت بعدك؟ "، قال: يا رسول الله؛ أفلا أبيعها فأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله ﷺ : " لعن الله اليهود؛ انطلقوا إلى ما حرم عليهم من شحوم البقر والغنم فأذابوه فجعلوه ثمنًا له، فباعوا به ما يأكلون، وإن الخمر حرام، وثمنها حرام، وإن الخمر حرام، وثمنها حرام، وإن الخمر حرام، وثمنها حرام". رواه أحمد٢ وهذا لفظه، وأبو يعلى الموصلي٣، والطبراني في المعجم الكبير٤ باختصار. من طرق عن شهر بن حوشب، حدثني عبد الرحمن بن غنم به. والراوي عن شهر بن حوشب هو عبد الحميد بن بهرام، كما في مسند أحمد، وأما أبو يعلى والطبراني، فروياه بإسنادهم عن عبد الحميد بن جعفر، حدثني شهر بن حوشب.

стр. 65

ولم أجد بعد البحث أن عبد الحميد بن جعفر يروي عن شهر بن حوشب، وإنما المعروف بالرواية عن شهر هو عبد الحميد بن بهرام، حتى كان يقال فيه: صاحب شهر بن حوشب١. فالله أعلم. وظاهر إسناد أحمد أنه مرسل؛ لأن عبد الرحمن بن غنم لم يشهد هذا الحديث؛ لأنه تابعي٢. ولكن في إسناد الطبراني التصريح بأن عبد الرحمن بن غنم قد حدثه تميم الداري بهذا الحديث، وهو صاحب القصة. وشهر بن حوشب الخلاف فيه مشهور، فقد ضعفه شعبة، وموسى بن هارون. وقال أحمد: ما أحسن حديث. ووثقه. وقال أيضًا: ليس به بأس. وقال البخاري: حسن الحديث , وقوى أمره. وقال ابن معين: ثقة. وقال أيضًا: ثبت. ووثقه أيضًا يعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه شهر وغيره من الحديث فيه من الإنكار ما فيه. وشهر ليس بالقوي في الحديث، وهو ممن لا يحتج بحديثه ولا يتدين به. وقال أيضًا: ضعيف جدًا. وقال ابن القطان: لم أسمع لمضعفه حجة٣.

стр. 66

قال الذهبي: الاحتجاج به مترجح١. وقال العلائي: " شهر بن حوشب اختلف في الاحتجاج به، والراجح قبوله"٢. وقال ابن حجر: " صدوق كثير الإرسال والأوهام"٣. وقوى بعض العلماء حديث شهر بن حوشب إذا كان من طريق عبد الحميد بن بهرام. قال يحيى القطان: من أراد حديث شهر فعليه بعبد الحميد بن بهرام. وقال أحمد: حديثه عن شهر مقارب، كان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن. وهي سبعون حديثًا طوالاً. وقال أيضًا: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر٤. فمما سبق يتبين لنا أن هذه الطريق صالحة للاعتبار، ولا سيما وقد جاء حديث شهر بن حوشب من طريق عبد الحميد بن بهرام. وللحديث طريق أخرى أخرجها الطبراني في الأوسط٥ بإسناده عن الصباح بن محارب، عن أشعث بن سوار، عن أبي هبيرة يحيى بن عباد قال: سمعت تميمًا الداري قال: أهدي للنبي ﷺ زق خمر قد حرمت، فقال بعضهم: لو باعوها فأعطوا ثمنها للمسلمين؟ فأمر بها النبي ﷺ فأهريقت في واد من أودية المدينة، وقال: " لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم شحومها فباعوها وأكلوا أثمانها". قال الطبراني: " لم يرو هذا الحديث عن أشعث عن أبي هبيرة إلا الصباح بن محارب".

стр. 67

وقال الهيثمي: " فيه أشعث بن سوار، وهو ثقة وفيه كلام"١. وأشعث بن سوار قال فيه ابن معين: ضعيف. وقال مرة: ثقة. وقال أبو زرعة: لين. وضعفه النسائي والدارقطني وابن سعد وأبو داود وابن حبان. وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق٢. وجعله ابن حجر في مرتبة: " ضعيف"٣. والصباح بن محارب قال فيه أبو زرعة وأبو حاتم: صدوق. ووثقه العجلي. وقال العقيلي: يخالف في بعض حديثه٤. وجعله ابن حجر في مرتبة: " صدوق ربما خالف"٥. فالحديث بمجموع طريقيه يكون حسنًا لغيره على أقل الأحوال. والله أعلم. وقد استدل الحافظ ابن حجر برواية تميم الداري لهذا الحديث بأن الخمر إنما حرمت بعد سنة ثمان؛ لأن إسلام تميم الداري كان بعد الفتح٦. والله أعلم.

стр. 68

١٤ - (٩) عن عامر بن ربيعة ﵁ أن رجلاً من ثقيف يكنى أبا تمام أهدى إلى رسول الله ﷺ راوية خمر، فقال رسول الله ﷺ : "إنها قد حرمت يا أبا تمام"، فقال له: يا رسول الله؛ فأستنفق ثمنها؟ فقال النبي ﷺ : "إن الذي حرم شربها حرم ثمنها". رواه الطبراني في الأوسط١ من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه به. وقال: " لم يرو هذا الحديث عن أبي بكر بن حفص إلا زيد بن أبي أنيسة، ولا يروى عن عامر بن ربيعة إلا بهذا الإسناد ". وقال الهيثمي: " رجاله رجال الصحيح "٢. وهو كما قال. وعبد الله بن عامر بن ربيعة، ولد على عهد النبي ﷺ ، ووثقه العجلي وأبو زرعة وغيرهما٣. وروى هذا الحديث محمد بن الحسن عن أبي حنيفة، حدثنا محمد بن قيس، أن رجلاً من ثقيف يكنى أبا عامر كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية خمر ... " الحديث٤ بنحو حديث الطبراني، وهو مرسل؛ لأن محمد بن قيس من التابعين. وذكر الحافظ ابن حجر أن ابن السكن رواه من طريق زيد بن أبي أنيسة عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن عامر، عن رجل من ثقيف يقال له أبو عامر٥. ليس فيه عامر بن ربيعة.

стр. 69

ورواية ابن السكن هذه تؤيد ما وقع في رواية محمد بن الحسن أن الرجل يكنى أبا عامر، وقد ذكر ابن حجر أنا أبا موسى المديني قال: إحدى الروايتين تصحيف. قال الحافظ: والراجح أنه أبو عامر١. ١٥ - (١٠) عن عبد الواحد البناني قال: كنت مع ابن عمر، فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن؛ إني أشتري هذه الحيطان تكون فيها الأعناب، فلا نستطيع أن نبيعها كلها عنبًا حتى تعصر. فقال: فعن ثمن الخمر تسألني، سأحدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ . كنا جلوسًا مع النبي ﷺ إذ رفع رأسه إلى السماء، ثم أكب ونكت في الأرض وقال: "الويل لبني إسرائيل". فقال له عمر: يا نبي الله؛ لقد أفزعنا قولك لبني إسرائيل، فقال: "ليس عليكم من ذلك بأس؛ إنهم لما حرمت عليهم الشحوم فتواطؤه فيبيعونه فيأكلون ثمنه، وكذلك ثمن الخمر عليكم حرام". أخرجه أحمد٢، ومسدد٣ بإسنادهما عن عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز بن صهيب به. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا عبد الواحد، وقد وثقه ابن حبان٤. وقال البوصيري: رجاله ثقات٥.

стр. 70

وعبد الوارث بن سعيد، وعبد العزيز بن صهيب كلاهما ثقة١. وعبد الواحد البناني ذكره البخاري ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً٢. ولم أجد من ذكر عبد الواحد في الثقات غير ابن حبان٣، فهو مستور، ويحتاج إلى متابع، إلا أن للحديث شواهد تؤيده؛ كحديث جابر مرفوعًا: "قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها، جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه". وكذلك حديث ابن عباس مرفوعًا: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". وأحاديث أخرى تقدمت. فالحديث حسن لشواهده. والله أعلم. ١٦ - (١١) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن خمس: عن ثمن الكلب، وثمن الخنزير، وثمن الخمر، وعن مهر البغي، وعن عسب الفحل". رواه الطبراني في الأوسط٤ بإسناده عن الوليد بن شجاع، ثنا أبي، حدثني زياد بن خيثمة، عن عبد الله بن عيسى، عن شهر بن حوشب به. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عيسى إلا زياد بن خيثمة. تفرد به ابن شجاع بن الوليد. وقال الهيثمي: إسناد حسن٥.

стр. 71

والوليد بن شجاع ثقة، كما قال الحافظ ابن حجر١، وشجاع بن الوليد قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق ورع له أوهام٢. وزياد بن خيثمة هو الجعفي الكوفي. قال فيه الحافظ: ثقة٣. وأما عبد الله بن عيسى فقد ذكر جماعة بهذا الاسم، ولم أجد من ذكر منهم أنه يروي عن شهر بن حوشب، أو أنه من شيوخ زياد بن خيثمة، والظاهر أنه عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي؛ لأنه في طبقة شيوخ زياد بن خيثمة. وعبد الله بن عيسى هذا وثقه ابن معين، والعجلي، والنسائي وغيرهم. وقال ابن المديني: هو عندي منكر الحديث٤. وخلص فيه ابن حجر إلى أنه: ثقة٥. وشهر بن حوشب تقدم الكلام فيه٦. ومتن الحديث له شواهد تؤيده، فإن المنهيات الخمس الواردة في الحديث قد ثبت عن النبي ﷺ النهي عنها في أحاديث في الصحيحين وغيرهما سبق بعضها، ويأتي بعضها، فيكون هذا الإسناد بشواهده حسنًا لغيره. والله أعلم.

стр. 72

١٧ - (١٢) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً من ثقيف أهدى لرسول الله ﷺ راوية من خمر بعدما حرمت الخمر، فأمر بها رسول الله ﷺ ففتقت، فقال الرجل: لو أمرت بها فتباع! فقال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا حرم شربها حرم بيعها". رواه الطبراني في المعجم الأوسط١ عن المقدام بن داود، عن عبد الله بن يوسف، وعثمان بن صالح عن ابن لهيعة، عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ، عن محمد بن المنكدر عنه. وقال: لم يروه عن محمد بن زيد إلا ابن لهيعة. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط عن المقدام بن داود، وهو ضعيف٢. والمقدام بن داود هو الرعيني المصري، من شيوخ الطبراني، قال فيه النسائي: ليس بثقة. وقال ابن يونس وغيره: تكلموا فيه. وضعفه الدارقطني. وقال مسلمة بن قاسم: روايته لا بأس بها٣. فالراجح فيه أنه ضعيف، فإن أكثر الأئمة على ذلك، ولا سيما النسائي والدارقطني. ومسلمة بن قاسم الذي قواه متكلم فيه، فقد ضعفه غير واحد٤. قال الذهبي: ضعيف٥.

стр. 73

وأيضًا فإن في الإسناد ابن لهيعة، وقد تقدم أنه ضعيف؛ لاختلاطه١. وأما محمد بن زيد، ومحمد بن المنكدر فثقتان٢. فعلى هذا فإن هذا الإسناد ضعيف؛ لضعف المقدام بن داود، وابن لهيعة، إلا أن للحديث شاهدًا من حديث ابن عباس٣، وتميم الداري٤ وغيرهما، فيكون بها حسنًا لغيره. والله أعلم. ١٨ - (١٣) عن نافع بن كيسان أن أباه أخبره أنه كان يتجر بالخمر في زمن النبي ﷺ ، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إن جئتك بشراب جيد، فقال رسول الله ﷺ : "يا كيسان؛ إنها قد حرمت بعدك"، قال: أفأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنها قد حرمت وحرم ثمنها"، فانطلق كيسان إلى الزقاق فأخذ بأرجلها ثم أهراقها. رواه أحمد٥، وابن أبي عاصم٦، والروياني٧، والطبراني في معجميه الأوسط٨ والكبير٩، وابن عساكر١٠. كلهم من طرق عن ابن لهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى، عن نافع بن كيسان به.

стр. 74

وابن لهيعة قد تقدم الكلام فيه١، وسليمان بن عبد الرحمن بن عيسى هو الخراساني الدمشقي، حديثه في المصريين. وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي وغيرهم٢. وجعله الحافظ ابن حجر في مرتبة: ثقة٣. ونافع بن كيسان هو الثقفي، ذكره ابن حجر في القسم الأول من كتابه الإصابة٤. وقال في تعجيل المنفعة: ذكره ابن شاهين وطائفة في الصحابة٥. ولكن الحافظ ابن حجر جعل سليمان بن عبد الرحمن؛ الراوي عن نافع بن كيسان في الطبقة السادسة من كتابه تقريب التهذيب، وقد ذكر أنه يذكر في هذه الطبقة من لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة. فإما أن يكون ترجح لدى الحافظ أن نافعًا ليس من الصحابة، أو يكون فات عليه رواية سليمان عن نافع. والله أعلم. وممن صرح أنه ليس من الصحابة الهيثمي في مجمع الزوائد، فقال فيه: مستور٦. ولكن الذي يترجح أنه من الصحابة؛ لتصريح أكثر الأئمة بذلك. والله أعلم. وأما قول الطبراني في الأوسط: لا يروى عن كيسان إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة، فهو متعقب بأنه نفسه ﵀ قد

стр. 75

روى الحديث في معجمه الكبير من غير هذا الطريق، فقد رواه بإسناده عن يحيى بن أبي كثير، حدثني إسماعيل بن أبي خالد الفدكي، أخبرني محمد بن عبد الله الطائفي أن نافع بن كيسان أخبره أن أباه حمل خمرًا إلى المدينة ..." الحديث١. ورواه بهذا الإسناد أيضًا ابن عساكر٢. ويحيى بن أبي كثير من الثقات، إلا أنه يدلس٣، وقد صرح بالتحديث في هذا الطريق، فانتفت هذه العلة، وإسماعيل بن أبي خالد الفدكي قال فيه ابن حجر: صدوق٤. ولم أجد من وثق إسماعيل هذا إلا ابن حبان٥. ومحمد بن عبد الله الطائفي، لعله محمد بن عبد الله بن عياض الطائفي. ذكره ابن حبان في الثقات٦. وقال ابن حجر: مقبول٧. وللحديث شواهد تؤيده، كحديث ابن عباس٨، وتميم الداري٩ وغيرهما. فالحديث بطريقيه وشواهده حسن لغيره. والله أعلم.
следующие страницы →