← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 726

مدخل إلى القرآن الكريم عرض تاريخي وتحليل مقارن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (172 стр.). Показаны 141–172 · переход к 146.

стр. 141

زوجات وذرية (١)، فضلا عن أنه يقدر الجمال الإنساني (٢)، ولما كان هناك اتفاق على تحديد الحاسة الخلقية بأنها ليست في انعدام الشعور بل في السيطرة على الأهواء الذاتية، وجب أن نأخذ في اعتبارنا العامل الثاني وهو: الإرادة. وهنا نراه ﵇ يتمتع بقدرة على الامتناع، بلغت من قوتها أنه يستطيع أن يحرم على نفسه المباح من الطعام لمجرد عدم إثارة سوء تفاهم (٣). ولقد قالت عنه عائشة إنه لم يوجد مثله في التحكم في حواسه (٤)، ثم يأتي أخيرا موضوع خضوعه المطلق لتعاليم الله ﵎ التي تعلو على نظرته وميوله. ونذكر بهذه المناسبة القاعدة القرآنية التي تحدد له فئات النساء اللاتي يستطيع أن يتزوج منهن (٥)، والقاعدة الأخرى التي جاءت في وقت آخر لتحرم عليه صراحة عقد أي زواج جديد مهما كانت قوة رغبته فيه، ولا أن يتبدل بزوجاته زوجات أخر (٦). ولقد بلغت هذه السلسلة من القواعد ذروتها في حالة مطلّقة زيد (ابنه بالتبني) وهي الزيجة الوحيدة المنصوص عنها في القرآن (٧) فنراه يحاول بكل جهده أن يمنع إتمام هذا الزواج. ولكن قانون القرآن يفرضه عليه فرضا ليضع حدا (ليس فقط بالنص كما كان الرسول ﷺ يرجو، وإنما بالتطبيق العملي أيضا) لنظام تبني الأطفال في

стр. 142

الوثنية الذي كان يقضي بالتماثل بين الابن المتبني والابن الشرعي. وهو ما يمكن تسميته حرفيا: الزواج بدافع الواجب رغم أي شعور معارض. وإذا بحثنا الظروف التي عقدت فيها زيجاته الأخرى، نجد أن أغلبها فرضت عليه - ليس بدافع من ضرورة تشريعية مشابهة - وإنما لاعتبارات إنسانية سامية مثل مواساة وتشريف زوجة شهيد أو مهاجر مات بين أصحابه في هجرته أو توثيق بعض الروابط القبلية بين القبائل التي تعاهد معها أو إيجاد جو مناسب لعتق أسرى قبيلة بأكملها (وقد كانوا بالفعل في أيدي المسلمين، وأعتقهم المسلمون في الحال نظرا لقرابتهم الجديدة برسول الله ﷺ ... الخ ولكن هل يجب أن يكون الإنسان مؤرخا لكي يستطيع أن يحكم على الطابع الأخلاقي لرجل عاش شبابه في العفاف المطلق، وبعد زواجه عاش مع زوجته الوحيدة بإخلاص ما يقرب من ثلاثين عاما، وأنه لم يشرع في زواجه الثاني (١) إلا وقد بلغ الخامسة والخمسين؟ وإذا أخذنا في اعتبارنا مشاغله وانشغالاته وأعباءه وهمومه المختلفة العامة منها والخاصة: مثل إقامة الصلوات الخمس منذ الفجر حتى العشاء، وتعليم القرآن، وتوزيع الصدقات العامة، والفصل في المنازعات، ومقابلة الوفود، ومراسلة الملوك والحكام، وقيادة المعارك العسكرية وسن التشريع، وتأسيس الدولة ... الخ. وباختصار العناية بكل شيء، وبكل الناس. ثم بعد ذلك قيام الليل راكعا أو ساجدا أو قائما، متوجها إلى السماء ... كل هذا يدعونا إلى الاعتقاد بأن الباعث الحقيقي على الزواج هو شيء آخر بعيد كل البعد عن إرضاء الغريزة البهيمية (٢).

стр. 143

الادعاء باختلاف الأساس بين التعاليم المكية والمدنية في القرآن: ورغبة في عدم الوقوف عند هذه المعارضة العامة ضد الحرب وتعدد الزوجات، أراد بعض المستشرقين أن يتوغلوا أكثر ببحثهم في نصوص القرآن. فاعتقدوا أنهم وجدوا اختلافا جذريا بين تعاليم القرآن في الفترة المكية وتعاليمه في الفترة المدنية. ففي مكة مثلا كانت الأساطير اليهودية والمسيحية في حالة تخطيط أولى (١). ولما اتصل محمد ﷺ في المدينة باليهود استطاع أن «يألف قصص إبراهيم ﵇، وعلاقات الأنساب بين إسماعيل ﵇ والشعب العربي» (٢) ولقد «عاش في البداية وهو يسيطر عليه وهم جميل، بأن دعوته أي القرآن، تتفق تماما مع كتب اليهود والمسيحيين المقدسة ولكن معارضة اليهود المريرة أثبتت له العكس» (٣). وكانت الصلاة في البداية مرتين في اليوم والليلة؛ أما في المدينة فقد أضيفت إليها صلاة ثالثة هي صلاة العصر «وواضح أن القصد من ذلك كان محاكاة اليهود» (٤). «ولنفس السبب شرع يوم عاشوراء؛ وتحولت القبلة إلى بيت المقدس» (٥)، وهما إجراءان تم نسخهما فيما بعد بسبب موقف اليهود العدائي من الإسلام (٦). وهكذا يتأثر التشريع التعبدي بالتقلبات السياسية (٧)، وحتى فكرة القرآن عن الله طرأ عليها تغيير من تأثير المواقف الحربية في الفترة المدنية «فانضمت صفة القوة والجبروت ضد الكفار المعاندين إلى صفة

стр. 144

القصص الديني اليهودي والمسيحي في القرآن: لنعد أدراجنا كي نرى مدى صحة هذه الملاحظات. فيما يختص بالقصص الميسيحي واليهودي بوجه عام، يؤسفنا ألا نجد ما يؤيد هذه الملاحظة من قريب أو بعيد. والرجوع إلى النص القرآنى يثبت لنا العكس تماما، فالسور المكية هي التي تعرض (١) أطوار قصص التوراة بتفاصيلها الدقيقة، ولم تترك للسور المدنية سوى فرصة استخلاص الدروس منها وغالبا في تلمحات موجزة. علاقة الأنساب بين العرب وبين إبراهيم وإسماعيل ﵉: أما موضوع إبراهيم ﵇ بصفة خاصة، فإننا لا نعرف شعبا آخر له مثل ما للعرب من شغف بعلم الأنساب حيث يحرصون على الاحتفاظ في ذاكرتهم بسلسلة أجدادهم حتى وصلوا إلى الجيل العشرين. فهل من المحتمل أن يبقى هذا الشعب في جهالة تامة بأصله حتى آخر لحظة؟ وإذا لم يذكرهم وجود الكعبة بينهم - وفيها بعض الاماكن المعروفة تحمل اسم ابراهيم واسماعيل ﵉ بعلاقاتهم بهذه الأسماء المجيدة، فيمكن على الأقل أن يكونوا قد سمعوا عنها من اليهود جيرانهم منذ عدة قرون قبل الهجرة. وعلى كل حال يبدو لنا أن القرآن

стр. 145

من اليهود جيرانهم منذ عدة قرون قبل الهجرة. وعلى كل حال يبدو لنا أن القرآن لم ينتظر انتقاله إلى المدينة لتوثيق هذه الرابطة، لأنه سبق للسور المكية أن أشارت إلى ذلك (١) بل إنها دعت الرسول ﷺ إلى اتباع ملة إبراهيم الحنيف ﵇ (٢). موقف الإسلام من الأديان السابقة: هل طرأ على موقف الإسلام من الأديان السابقة تطور في موطنه الجديد؟ وهنا أيضا نرجع إلى النص القرآني الذي يوضح لنا أن السور المكية وهي تطالب بشهادة أهل الكتاب للإدلاء بعلمهم عن الكتب المقدسة (٣)، فإنها تدين في نفس الوقت الكتابيين الذين اتبعوا الشيطان وتحالفوا معه (٤). وفي مقابل هذا احتفظ القرآن في المدينة بموقفه من العلماء الذي يستشهد بهم وهو يؤكد أن عددا منهم لا يرغب في أداء الشهادة (٥). وهكذا يفرق القرآن في الحالتين بين الكتب المقدسة ذاتها، والعلماء الذين يتبعونها بإخلاص، وبين هؤلاء الذين يسمون أنفسهم يهود أو نصارى، وهم يتبعون أهواءهم. عدد صلوات المسلمين: أما عدد صلوات المسلمين فنقرر أنه لا يوجد في جميع المراجع والمؤلفات الإسلامية التي أطلعنا عليها أية إشارة إلى مثل هذا التطور، ومن المؤسف حقا أن النقاد الغربيين لا يدلوننا على الوثائق التي إستقوا منها هذه الفكرة الغريبة. فطبقا لجميع الحقائق التي في متناول أيدينا فإن عدد هذه الصلوات خمس منذ أول لحظة

стр. 146

شرعت فيها الصلاة بمكة .. هكذا حددها الرسول ﷺ وأوضح تفاصيلها بكل دقة، ويشير القرآن إلى ذلك بايجاز في عدة مواضع (١). ومن المحتمل أن يكون قد تسرب هذا الفهم الخاطئ إلى ذهن الكتاب الغربيين بسبب سوء تفسير عبارة «الدلوك» الواردة بسورة الاسراء. سن عاشوراء وتحويل القبلة: ولم يرد بالقرآن ذكر يوم عاشوراء، لكن علماء الحديث (٢) يقررون أن قريشا كانت تحرص قبل الإسلام على الصوم في هذا اليوم، وأن الرسول ذاته كان يصومه قبل الهجرة. ونعرف أيضا أن الأحاديث توصي بالصوم في ذلك اليوم (٣). أما القول بأن الرسول ﷺ اتخذ قراره في البداية لمحاكاة اليهود وأنه رجع فيه بعد ذلك بسبب تغير الموقف السياسي، فإنه قول لا يتفق مع الوقائع المقررة. أما بشأن القبلة، فقد كان المؤمنون بالفعل يولّون وجوههم في الصلاة إلى بيت المقدس في فترة معينة قبل الهجرة. ولكن الادعاء بأن تغيير القبلة نحو الكعبة (وهو تغيير له ما يبرره في القرآن (٤) كان نتيجة معاداة اليهود للإسلام، فهو ادعاء يتضمن تداخلا في التواريخ. فقد بدأت عداوة اليهود في عام ٦٢٥ الميلادي بينما كان تحويل القبلة في عام ٦٢٣ م. فكرة الله في مكة وفي المدينة: تبقى الملاحظة الأخيرة التي تتعلق بفكرة القرآن عن الله. والرجوع إلى النص

стр. 147

القرآني يكفي ليوضح لنا ما إذا كان إله الإسلام قد غير وجهه. بحسب ما إذا كان العرض قبل أو بعد الهجرة. فالقرآن يتحدث دائما عن الله بوصفه المجازى للعالمين عما يعملون من الخير أو الشر، والسور المكية تصور كلا من الجانبين في وقت واحد (١). أما السور المدنية فشأنها شأن السور المكية تبدأ بالبسملة. ومن نافلة القول أن نؤكد أن حب الله لعباده يبدو دون ما اختلاف في كل من الفترتين، على أنه نصيب المحسنين والمقسطين والصابرين والمتقين؛ وأن غضبه، من نصيب الظالمين والمختالين والكافرين. ولكن ما يستحق التأكيد حقا، هو عكس الظاهرة التي لاحظها الناقدون: فقد لاحظوا أن صفة الرحمة تبدو أكثر في السور المكية. ولكن الواقع يكذب ذلك فما أكثر ظهور «إله الحرب» في السور المكية، حيث تكثر قصص التاريخ القديم بشره وفساده، والعقاب الأليم الذي نزل بأممه والتهديد فيها ضمني (ولكنه دائم) للقرى التي تسلك نفس الطريق. وأكثر من ذلك أننا إذا بحثنا النص القرآني عن كثب، سنجد أن الحروب التي صدر بها الأمر من المدينة ضد المعتدين لم تكن إلا تنفيذا لإنذار عام وصريح أعلن وتكرر ذكره قبل ذلك في مكة (٢). مصطلح النسخ في القرآن: ويوجد في أساس هذا الاعتراض الأخير وفي منشأ كثير غيره، خطأ نود أن ننوه

стр. 148

عنه بكلمة وهو يتصل بالفكرة الشائعة عن مصطلح «النسخ» (١) أو «الإلغاء» في الإسلام. فالباحثون في الإسلام من غير المسلمين يفهمونها إما بمعنى الرجوع في أمر صادر، وإما بمعنى اكتشاف حقيقة كانت مجهولة فيما مضى. وكل من المعنيين لا يتفق مع مدلول اللفظ الصحيح. ففي مجال المعرفة النظرية لم ولن يوجد ناسخ أو منسوخ في التعاليم المنزلة. ومعنى النسخ هنا «الحصول على علم جديد» فإذا طبقنا ذلك على علم الله ، يكون ذلك عين الكفر واللامعقول، وعلى العكس في المجال العملي. فقد وجد النسخ بالفعل سواء في تعاليم الدين الواحد، أو في التعاليم من دين إلى دين آخر «لقد قالوا لكم كذا وأنا أقول لكم شيئا آخر». ولكن ما المقصود بمثل هذا التغيير؟ هل ينسخ القانون لأن التجارب أثبتت أنه كان مجافيا للعدل، أو كان مصاغا صياغة خاطئة منذ البداية؟

стр. 149

إذا كان هذا مقبولا في أمورنا البشرية فلا جدال في أنه غير مقبول على الإطلاق في أمر التشريع الإلهي المنزل لأن الله لا يرجع في قراره ولا يراجع نفسه أبدا. فكل من القاعدة التي يبطل تطبيقها، والقاعدة التي يستحدثها.، تتصف بالقداسة، وكل منهما، إذا وضعت في زمنها، تمثل الحكمة الوحيدة التي تفرض نفسها. فسواء أكان الأمر يتعلق بالتقدم أو بالارتداد، باللين أو بالشدة، فلا يمكن التغيير في فكر المشرع، وإنما في الأحداث التاريخية ومتطلباتها للحلول المتنوعة. وأحيانا ينص صراحة في صيغة القانون الأول بأنه مؤقت (١) والغالب يكون ذلك مستترا ولا نعلمه إلا من القانون التالي له، الذي قد يوحى بأنه حل ارتجالي، بينما في الحقيقة كل شيء كان متوقعا ومرتبا بتسلسل بحسب التواريخ المحددة (٢). فمن المتفق عليه أن المشرع الناجح لا يعامل الناس في مرحلة الانتقال بنفس الطريقة التي يعاملهم بها بعد أن وصل نضجهم إلى مرحلته الأخيرة. بل على العكس يجب عليه كالطبيب الماهر، أن يغير من نظمهم حسب تقدم كفاءتهم وقدرتهم على الفهم والإدراك. فهذا المسلك التدريجي في التعليم والتشريع ليس عيبا، وإنما هو أنجح المناهج في تكوين النفوس الواعية المستنيرة المشبعة بالحكمة، والأمم المنظمة، والخلق المتين. كان الغرض من الملاحظات التي ابداها الكتّاب الغربيون والتي فندناها في هذا الفصل هو أن يثبتوا - بناء على نقد من داخل التعاليم القرآنية - وجود بعض الاقتباسات من الوثائق الدينية «بالمدينة». فلو أنهم نجحوا في مسعاهم لكان ذلك بمثابة طريقة غير مباشرة لإثبات وجود علاقة بين الرسول ﷺ وبين أهل الكتاب تلقّى عن طريقها العلم عنهم. فلماذا إذن لم يتجهوا مباشرة ليضعوا أيدينا على

стр. 150

شخص أو الأشخاص الذين تلقى محمد ﷺ منهم العلم؟ لم يجسر أي مؤرّخ يقدر مسئوليته العلمية أن يفعل ذلك. ولكن كيف يمكن تصور أن محمدا ﷺ وهو يعيش وسط حكماء اليهود لم يحاول قط أن يتصل بهم؟ ومن جهة أخرى ماذا كان موقفهم منه؟ إن القرآن يرشدنا في هذا الشأن ويقسمهم إلى فئتين: الغالبية العظمى وكانت تعادي الإسلام حتى من قبل أن يدوس الرسول ﷺ أرض بلادهم - فقد كانت تخفي علمها عنه، وفي مناسبات عديدة، حاولت بلا جدوى خداعه وبث المكائد في طريقه. وكانوا أحيانا يلقون عليه عن طريق إخوانهم بأسئلة محرجة عن الروح (١)، وعن بعض الألغاز التاريخية (٢)، وأحيانا أخرى يطالبونه بأن ينزل عليهم من السماء كتابا مدونا (٣)، وأحيانا ينكرون نصوصا أكد الرسول ﷺ وجودها في كتبهم، ولا يعترفون بها إلا بعد تحديهم وإثبات غشهم (٤). وهكذا نرى أن هؤلاء كانوا بعيدين كل البعد عن موقف الملقن المتصف بالترحيب. وبالعكس كان هناك فريق من علماء بني إسرائيل الذين ضاقوا ذرعا بادعاءات اليهود العنصرية وبغرورهم الذاتي، فحضروا إلى الرسول ﷺ ليستمعوا إلى تعاليمه وليتفحصوا وجهه. وعندما تعرفوا عليه في الحال - بناء على بعض العلامات الموجودة في كتبهم - شهدوا له بصدق رسالته (٥). وأشهر شخصية في هذا الفريق هو عبد الله بن سلام، والظروف التي أعلن فيها إسلامه لها دلالة

стр. 151

عظيمة. فقد كان اليهود يعتبرون هذا الرجل، أوسعهم علما، وأحسنهم خلقا. وذلك قبل إعلان إسلامه مباشرة، فلما أعلن إسلامه أنكروا عليه كل ذلك بعد اتخاذه قراره مباشرة وفي نفس الجلسة (١). وبين هاتين الفئتين المعادية والخاضعة، لم يترك التاريخ مكانا «لأصدقاء معلمين» للرسول ﷺ . علاقة ابن سلام وسلمان الفارسي ومريم القبطية: أما الادعاء بأن محمدا ﷺ تلقي علمه من ابن سلام هذا، فلا ينطوي ذلك على تحريف للحقائق التاريخية فحسب بالخلط بين دور التابع والمتبوع، وإنما ينطوي أيضا على قلب في ترتيب الأحداث التاريخية (٢) المعروفة لأن جوهر حقائق التوراة كله كان قد أعلن بدقة في مكة، وقبل أن تتاح الفرصة لأمثال عبد الله بن سلام أن «يروا وجه الرسول ﷺ » (٣) والجدير بالملاحظة أن الآيات القليلة التي نزلت بالمدينة تتعلق في أغلبها بالحقائق الدينية المسيحية التي ينكرها اليهود تماما. إذن مهما بذل المغرضون من محاولات لتجميع نقط التشابه بين الحقائق القرآنية والحقائق اليهودية والمسيحية (٤)، سنقول: جهد ضائع بل إن ذلك سيكون معناه

стр. 152

بالحرف الواحد اصطناع أسلحة تفيد منها المبادئ القرآنية. إذ أن هذه التعاليم موجودة في الكتب المنزلة السابقة ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩] كما أن شهادة علماء بني إسرائيل دليل كاف على صدقها ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧]. تطابق وليس اقتباس: ولكن الاتفاق شيء، والاقتباس شيء آخر، وبينهما فراغ شاسع لم يحظ - حتى الوقت الحاضر على الأقل - بأن يجد من يملأه. ***

стр. 153

خاتمة نتيجة البحث السلبية عن مصادر طبيعية: لقد بحثنا - مسترشدين بالوقائع التاريخية - افتراض وجود مصدر بشرى لتعاليم القرآن. فتتبعنا مؤسس الإسلام في مراحل حياته المزدوجة: الحياة العادية وحياة الرسالة، في مسقط رأسه أو في موطنه الأخير، في رحلاته وفي اتصالاته، وتعرضنا لقدرته على القراءة ولمدى توفر الوثائق تحت يده. فجميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها وعدم قدرتها على تقديم أي احتمال لطريق طبيعي أتاح له فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة. ورغم الجهد الذهني الذي نبذله لتضخيم معلوماته السمعية ومعارف بيئته، فإنه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرا كافيا لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون ... الخ. الوحي نقطة تحول في علم الرسول ﷺ لا في خلقه: وفي مواجهة ذلك يطلعنا القرآن الكريم على تحول ضخم في حياة الرسول ﷺ بنزول الوحي عليه. إذ تحول من رجل عادي إلى رسول ونبي. إنهما حياتان مختلفتان تمام الاختلاف (١). فكل ما يمكننا معرفته عن حياته قبل البعثة ينحصر في خط أساسي، وهو أنه كان على درجة ممتازة من الأخلاق (٢). فلقد عرف في شبابه بين مواطنيه باسم «الأمين» كما يحدثنا مؤرخوه.

стр. 154

شهادة خصومه عن صدقه وإخلاصه: وفي مشاغله اليومية لم يرتكب عملا يشينه، ولم يشترك في عبادة الأوثان، وطبقا لما يقول أعداؤه، فإنه لم يكذب أبدا، والشهادة النموذجية العلنية في هذا الموضوع، قدمها أبو سفيان زعيم المعسكر المناويء للإسلام، والذي لم يعتنق الإسلام إلا بعد عامين من هذه الشهادة التي استخلص منها الأمبراطور هرقل أنه «لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله (١).

стр. 155

وفيما عدا هذه الحقائق وأمثالها. لا يوجد من الناحية العملية أي ضوء يمكن أن يكشف لنا أنه كان يتوفر عنده في ذلك الوقت بعض المعارف المذهبية أو الاستعداد لمهمة النبوة. لأنه لم يكن يدري ﴿مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] ولم يكن حظه أكثر من حظ قومه من حيث معرفة القصص الديني (١). ولم يكن يتوقع هو أيضا أن يكلّف بدور المرسل من عند الله (٢). كما لم يكن يعرف كيف يرشد نفسه إلى (٣) الطريق القويم. فهل حاول أن يسأل الطبيعة أو يسأل نفسه؟ من المحتمل ذلك ولكن الرد الذي يمكن أن يتلقاه لم يكن يتعدى الحقائق المبهمة والدارجة لما جرى العرف على تسميته «بالديانة الطبيعية». أما العلم الصحيح والحقائق المفصلة في كل مجال فلم تكن لتصله إلا قطرة بعد قطرة على مدي ثلاثة وعشرين سنة. خصائص الوحي المتقطعة: والواقع أن الناس جميعا يعرفون أن نزول القرآن كان منجما ومجزءا. وفي مقدورنا أن نحدد لكل دفعة من الآيات تاريخا تقريبيا لنزولها، بل إن معاصري الرسول ﷺ كثيرا ما حضروا كشهود عيان، وشاهدوا بأنفسهم الأعراض الخارجية لظاهرة الوحي. التي كانت بالنسبة للرسول ﷺ تجربة عاشها، ولم يصطنعها. إنها حادث يتلقاه بكل سلبية، وليس في قدرته الهروب منه عند مجيئه. ولا في استطاعته أن يتهيأ له إذا احتاج إليه (٤).

стр. 156

في مجال هذه التجربة الحية يتعين علينا أن نبحث عن المصدر الحقيقي لتعاليم الرسول ﷺ . فإن كل درس من القرآن كان فصلا جديدا يضاف إلى ذخيرته العلمية. إنه كالمصباح الذي تنطفئ أضواؤه في الوقت الذي تتوقف فيه صلصلة النص المنزل. وبعيدا عن ضوء هذا العلم الرباني. يعود النبي ﷺ إلى حدود قدرته البشرية. فأمام الماضي والمستقبل، وأمام كل ما يصعب على الذكاء الإنساني السليم اختراق حجبه، لا يسعه إلا أن يضع علامة استفهام كغيره من الناس بكل أمانة وبكل تواضع. من أين ينبع إذن هذا الوحي؟ أليس من أعماق نفسه ؟ إن الوقائع تثبت لنا عكس ذلك: فطابع الأفكار التي تبلّغ إليه عن طريق الوحي إما تجريبي، وإما فوق مستوى العقل. أي أنها بعيدة كل البعد عن مجال العقل الصافي، وكذلك عن الشعور المحصور في منابعه العادية. والجدير بالملاحظة هنا - وهو ما يتعارض تماما مع إلهام الشعراء والفلاسفة - أن الأمر ليس أفكارا تنبع من داخل نفسه. وإنما هو سماع صوتي صافي. أي أن الأفكار لا تسبق الحديث هنا. فضلا عن أنها تلازمه. ولقد انزعج الرسول ﷺ ذاته من هذه الظاهرة السمعية في بداية الأمر. فعندما أراد أن يلتقط آيات الوحي التي يتعين عليه تبليغها حرفيا إلى قومه فيما بعد، وجد نفسه مضطرا لأن يكرر النص لنفسه كلمة كلمة أثناء تلقي الوحي. ولم يتوقف عن اتباع هذه الطريقة إلا عندما تلقى أمرا صريحا في هذا الشأن، مع ضمان بأن الله سيعلمه إياه ويشرحه له (١). ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ هذه كلمة تستحق أن تسترعي الانتباه وتضعنا أمام وحي نصي بدون قيد ولا شرط. ومن المعلوم أيضا موقف الرسول ﷺ المليء بالخشية والتقديس نحو القرآن المنزل عليه، وإيمانه بأنه كلام الله ذاته، ولم يكن في مقدوره أن يدخل عليه أي

стр. 157

تعديل (١). وعند تفسيره كان موقفه كموقف أي مفسر أمام نص ليس له (٢). وكان يرتعد لفكرة أن ينسب إلى الله قولا لم يقله، مهما كان هذا القول بسيطا (٣) ... كما كان يشعر بحرس من السماء وبمراقبين يقظين يحيطون به ويراقبونه فيما يقوم به تجاه رسالته (٤). الوقائع تثبت العكس: وليس صحيحا أن القرآن يعكس شخصية الرسول ﷺ . ففي أكثر الأوقات لا يذكر شيئا عنه، ويتجرد تماما من الإشارة إليه. وعندما يورد شيئا عنه فلكي يحكم عليه أو يضبط سلوكه أو يسيطر عليه. وفيما يتعلق بأفراحه وأحزانه، نعلم كم كان حزنه لوفاة أبنائه وأصدقائه حتى اطلق اسم «عام الحداد» على العام الذي فقد فيه زوجته وعمه، وفقد معهما العون المعنوي الذي كان يسانده أمام الصعوبات التي كانت تقابله في سبيل نشر دعوته. فهل نجد في القرآن أقل صدى لكل هذا؟ ولكن بمجرد أن يتعلق الموضوع بسلوك أخلاقي، نرى التعارض جليا بين السلطة التشريعية، والنفس الخاضعة المستسلمة. كما يتعارض التشدد مع التساهل؛ والصراحة القصوى مع الحياء؛ والحلم وطول الأناة مع نفاذ الصبر وليس من النادر أن يتضمن الدرس اللوم الشديد لأقل مخالفة منه للمثل الأعلى المنشود (٥) (¬،٦).

стр. 158

القرآن لا يعكس شخصية الرسول ﷺ : وطالما أنه ليس لديه أمرا أو تعاليم صريحة من الوحي في أمر ما، نرى محمدا ﷺ ذا طبيعة خجولة حيية ووديعة (١) حساسا لما قد يقال عنه (٢)، لا يقطع دون أصحابه برأي (٣) يمتنع عن اتخاذ أية خطوة عند أقل شك (٤)، معترفا بعدم علمه بمصيره الشخصي ومصير غيره (٥). التعارض بين موقف محمد ﷺ قبل وبعد كل تنزيل: ولكن بمجرد أن يتلقي علمه من الوحي نراه يبلغ رسالته في ثقة وقوة، لا تستطيع أية قوة في الأرض أن تضلله. ويقف موقف المعلم والمرّبي لجميع الناس المتعلمين منهم وذوي الجهالة (٦). ومنذ قبل الهجرة يعلن أن من جوهر رسالته أن

стр. 159

يهدي شعب بني إسرائيل، وبوجه عام جميع الأمم التي تلقت دينا سماويا. وهو مكلف بأن يبلغهم الحقيقة في منازعاتهم وخلافاتهم (١)، وعندما يصدر حكمه لا يجامل فيه هؤلاء ولا أولئك (٢) إنه يسير في خطوات ثابتة وراسخة، فيفصل في الأمور ويعلن الحقيقة. وفي هذا الموقف المنطلق المتسم بالحزم، لا نرى أي أثر لذلك الشعور بالقلة الذي يتصف به الشخص حين يجمع شتات علمه ذات اليمين وذات الشمال، ولا نشعر ببرود الذكاء المدبر الذي يمكنه أن يرفض اليوم ما سبق أن أعلنه بالأمس، أو يهدم في الغد ما يبنيه اليوم. فوراء هذه الدفعة الصلبة نكتشف بسهولة قوة عظيمة ليست قوة هذا الإنسان. ولهذا نراه أمام قوى العالم، وفي المواقف الحرجة من حياته، يتمتع بروح لا تضطرب، وبإيمان لا يتزعزع في معية الله وعونه (٣). ولهذا نراه أيضا يعرض نفسه وأهله عن طيب خاطر لأخطار المباهلة (٤) (¬،٥)، بينما يتراجع المترددون المتشككون. اعتراف العلماء المسيحيين عن الإخلاص الشخصي للنبي ﷺ : وأمام هذه الأدلة الكثيرة القاطعة اتفق في الوقت الحاضر كثير من الكتاب المسيحيين (٦) الذين يبحثون عن الحقيقة في نزاهة على أن النبي العربي ﷺ يتمتع بإخلاص وصدق نفسي يؤهلانه لأن يكون ذا قوة بالغة في التأثير والإقناع. هل هي أوهام لا شعورية ؟: إلا أنه لا يترتب بالضرورة على تقرير هذا الإخلاص النفسي اعتبار الوحي من

стр. 160

مصدر رباني. فمن المحتمل أن يكون الموحى إليه ضحية أوهام لا شعورية، عندما تظهر فجأة في ذهنه أفكار وتعبيرات يظن أنها جديدة كل الجدّة، بينما هو في الواقع يجتر المعارف القديمة والقائمة في أعماق نفسه، واندثرت في طي النسيان. بل ومن المحتمل أن يعتقد أن متحصلاته العلمية الحديثة أتت إليه من طريق الوحي والإلهام طالما أنها تؤكد في نفسه إيمانه بإلهاماته الشخصية وهو لا يدري عن مصدرها الحقيقي شيئا. افتراض تعارضه مع الواقع: إن هذه الأوهام، وهذا الضعف في الذاكرة، أعراض حالة ذهنية غير سوية، ليست لها صلة على الإطلاق بالحالة التي نحن بصددها لا من حيث الشخص، ولا من حيث الموضوع. فمن حيث الموضوع: وبقدر ما في إمكان التاريخ أن يضيء لنا الطريق - نرى إما انعدام المصادر الشعبية، وإما شائعات غامضة ومتناقضة، لا تنهض لتفسير استقامة الخط الذي اتبعه القرآن، وتفسير خطواته الحازمة الفاصلة. أما من حيث الشخص ذاته: - فليس هناك أدنى علامة تشير عنده من قريب أو بعيد عن خلل عقلي، بل العكس هو الصحيح. ولا نرى خيرا من شهادة «رنان» Renan في هذا الموضوع لنسجلها هنا «لم يخلق عقل قط بمثل صفاته ولم يوجد إنسان قط تحكم مثله في فكره» (المرجع السابق ص ١٠٨٠). ولا ننكر أن المقياس الذاتي قد يكون عاجزا عن التمييز بين حالة اليقظة وبين حالة النوم فالإقتناع باستخدام الحواس، ومواجهة الحقيقة، موجود سواء أكان الإنسان في حالة نوم أو في حالة يقظة. ولكن مضاهاة الحقائق النابعة من الحالتين، يمكن أن ترشدنا في حكمنا بإيجابيتها عن يقين حسب درجة توافقها أو إختلافها. طريقة التحقق من صحة الوحي: فبعد أن مر محمد ﷺ بالتجربتين يتكلم بذهن واع عن اتصاله المزدوج بعالم المنظور وعالم الغيب، بالمادة وبالروح. إنها تجربة عاشها وتحقق منها وتكررت معه

стр. 161

آلاف المرات. فقد استمع بكل وضوح إلى الرسول ﷺ المتحدث باسم الله، ورآه بعينه بوضوح كامل في شكله العظيم (١)، ورآه مرات عديدة ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى،﴾ ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١٧، ١١] وهل يجوز أن ننكر على إنسان سليم البدن والعقل ما رأى ﴿أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢]. التطابق الكامل لتعاليمه مع الحقيقة: ولكننا - نحن المستمعين - لا نستطيع أن نمر بتجربته، ولا أن نعيشها كما عاشها. هذا صحيح ولكن لدينا من وسائل المراجعة ما يساعدنا على أن نتحقق مما إذا كان هذا مجرد هلوسة أو ظاهرة مرضية - «تنتاب ذوي القدرات الخارقة وحدهم» (٢). أو أن صوت الحق ذاته هو الذي يلهمه. ولتحقيق هذا الغرض علينا أن نراجع محتوى تعاليمه ومضمونها لا مدى تأكيده واقتناعه بها. وإليك ثلاث عينات: ١ - في الماضي: حقائق دينية وأخلاقية وتاريخية: لقد رأينا من أمثلة المبادئ الأخلاقية، أنه لا يستطيع أي حماس شخصي أو أية معارف مبهمة وغير مباشرة عن الكتب المقدسة - أن تضمن للنبي العربي ﷺ هذا التوافق والتطابق العجيب بينها وبين تعاليمه. وكأن التوراة كانت تحت بصره دائما، أو أنه حفظها عن ظهر قلب، حتى يمكنه أن يستخرج منها التعاليم التي تلزمه في كل مناسبة (٣). ومع هذا التطابق المدهش، لاحظنا من بحثنا استقلالا في لهجته وفي طريقته في عرض الدروس والمواعظ القرانية. وقد يكون من المفيد حقا أن نعقد مقارنة بين التوراة والقرآن عن صفات الله والملائكة والأنبياء وما وراء الكون ... إلخ ولكن ذلك سيكون خروجا عن دائرة

стр. 162

هذا «المدخل». فعلينا إذن أن نكتفي بالقول بأنه عندما يشترك هذان الكتابان في الحديث عن موضوع واحد (١)، فإن جوهر المعنى يتشابه بينهما بشكل يستلفت الأنظار، بحيث يكاد ينحصر الاختلاف في فروق طفيفة وثانوية، مع تميز النص القرآني في الغالب باتزانه واتجاهه نحو استخلاص العبر والدروس من كل عرض. ولقد كتب جول دافيد في مقال معنون «توافقات واختلافات بين القصص الديني في التوراة والقرآن» يقول «إن الجوهر واحد، والاختلاف ليس إلا في الشكل، وفي تفاصيل طفيفة للغاية» (٢). وأننا لا نسمي الزيادة أو الحذف «اختلافا» لأننا نرى أن ما يستحق أن يطلق عليه ذلك هو التعارض والتناقض. ومع ذلك فالاختلاف بهذا المعنى نادرا جدا بين هذين الكتابين وقابل للتأويل. ويعتمد المتشككون على مثل هذه الاختلافات التافهة، ليرفضوا الإسلام ككل، ولكن المنطق يتطلب موقفا مغايرا. ففي الوقت الذي نضع فيه ثقتنا في الرواة الموثوق بهم نتوقف أمام نقط الاختلاف وحدها، إما لنعلق حكمنا، وإما لنحاول البحث عن نوع من الربط يسمح لنا بتصحيح بعض الروايات بغيرها. وما يتبع للتوفيق والتدرج بين الأناجيل الأربعة، ينبغي أن يتبع في دراسة مجموع المواعظ والوصايا الدينية التي تركها لنا جميع رسل الله ﵈. فالجميع عندنا مقدسون ومنزهون. ورغم المسافة الشاسعة التي تفصل بينهم من حيث الزمان والمكان ورغم اختلاف الأجناس واللغات، فقد مروا بنفس التجربة؛ وهي الاتصال بعالم الغيب، وإن تطابق أقوالهم في جوهر تعاليمهم، ينبغي أن يفتح أعين الغافلين على صدقهم وصحة مبادئهم التي تناولت بالوصف الحقائق العليا من زوايا مختلفة. ٢ - في الحاضر: حقائق علمية: ولكن القرآن في دعوته إلى الإيمان والفضيلة لا يسوق الدروس من التعاليم

стр. 163

الدينية والأحداث الجارية وحدها، وإنما يستخدم في هذا الشأن الحقائق الكونية الدائمة، ويدعو عقولنا إلى تأمل قوانينها الثابتة - لا بغرض دراستها وفهمها في ذاتها فحسب - وإنما لأنها تذكر بالخالق الحكيم القدير. ونلاحظ أن هذه الحقائق التي يقدمها تتفق تماما مع آخر ما توصل إليه العلم الحديث. مثل المنبع الخفي الذي يخرج منه العنصر الجنسى للإنسان (١)؛ والمراحل التي يمر بها الإنسان وهو في بطن أمه (٢)؛ وعدد التجويفات المظلمة التي يتم الخلق بداخلها (٣)؛ والمنشأ المائى لجميع المخلوقات الحية (٤)؛ وتكوين المطر (٥)؛ ودائرية السماء والأرض (٦)؛ وكروية الأرض غير المكتملة عند الأقطاب (٧)؛ ومسيرة الشمس إلى نقطة معلومة (٨)؛ وتعايش الحيوانات في جماعات تشبه المجتمعات الإنسانية (٩)؛ ووصف حياة النحل (١٠) بصفة خاصة؛ وثنائية النباتات والمخلوقات الأخرى. وهي حقيقة علمية كان يجهلها عصر الرسول ﷺ (١١). والتلقيح بواسطة

стр. 164

الرياح ... (١) (¬،٢) إلخ. ٣ - في المستقبل: في التأكيد وفي النفي وفي الإغفال: وبالإضافة إلى هذه الحقائق المقررة، أعلن القرآن عن أحداث ستتم فيما بعد، رأيناها تقع كما كان متوقعا بالضبط. وهكذا تنبأ بالمواقف الثلاثة لمعارضيه (في البداية موقف المخالف ثم موقف الميال للتوفيق وأخيرا المعادي)، وبتتابع مراحل مصائرهم على التوالي بحسب كل موقف: مجاعة ورخاء وهزيمة (٣). وأعلن عن

стр. 165

الهزيمة التي منيت بها قريش ببدر في العام الثاني الهجري، وذلك قبل الهجرة بسنوات عديدة، على أنها ستقع في نفس الوقت الذي ينهزم فيه الفرس من الرومان (١). وحادثة عجيبة وقعت في هذه المعركة، وكان القرآن قد تنبأ بها في بداية الإسلام وهي ضربة السيف التي تلقاها شخص يدعي الوليد بن المغيرة على أنفه وتركت عليها علامة أثارت سخرية قومه منه مدى حياته (٢). ولا حاجة إلى ذكر الظروف المخيبة للآمال، والتي أعلن القرآن بالرغم منها انتصاره القريب على أعدائه، فضلا عن خلود دعوته على مر الزمان (٣). بل وقيام دولة الإسلام الفتية على الأرض (٤)، وعجز كل قوى الأرض عن القضاء عليها (٥). ولم يغفل الكلام عن مستقبل الطائفتين الدينيتين السابقتين، وعلاقاتهما المستقبلة، وهي الانشقاق والخلاف إلى يوم القيامة بالنسبة للمسيحية (٦)، وتشتت بني إسرائيل في أقطار الأرض والاضطهاد الذي سيقع عليهم في كل مكان حتى نهاية العالم، وحاجتهم الدائمة إلى الحيف (٧) وتفوق المسيحيين على اليهود إلى يوم القيامة (٨) (¬،٩) .. إلخ.

стр. 166

منهج القرآن الكامل ينهض دليلا كافيا على مصدره الرباني: وهكذا تشترك أحداث الماضي والحاضر والمستقبل في مجال الواقع لكي تتوافق مع عالم الأفكار وتؤيدها. بماذا نخلص من كل هذا؟ بأحد أمرين: فإما أن يكون هناك ميثاق معقود مع العناية الإلهية تولت بمقتضاه السهر على هذه الدعوة لعصمتها من كل زلل، وإما أن الله يخدعنا عندما يترك جميع الأدلة القاطعة تنحاز إلى كذّاب خدّاع، ولا يترك لنا بصيصا من الضوء يعاوننا على كشف أمره. ولكن قيمة القرآن لا تقف عندما يصرح به فقط، بل إن إعجازه يمتد إلى ما يمتنع عن قوله أو يسقطه عن قصد. فوراء العلم الذي يقدمه لنا يضرب النطاق حول منطقة حرام، لا يخترقها علمنا المحدود استأثر بها علم الله. فهل حالف النجاح أية محاولة لاختراق هذا الحاجز بخطوات ثابتة؟. ومهما أقيم من محطات الأرصاد الجوية، فإن التنبؤات ستظل احتمالية وما هي الروح؟ إن كلمة الفلسفة في هذا الموضوع كانت: لا أدري (١).

стр. 167

وقول قاصر: أن تقول إن القرآن دائرة معارف عصره، فلقد كانت لجميع العصور أوهامها التي اعتبرتها حقائق مقررة ولم يثبت خطؤها إلا فيما بعد. ولكن القرآن في مسلكه بين مجالات العلم لا يتأرجح أبدا والحقائق التي يسوقها كانت وستظل لا تقهر (١). إنه لا يقع في الأخطاء الموروثة - التي كانت في العصور القديمة والتي تتميز بها الجزيرة العربية، كما أنه لا يتوقف عند تفاصيل حقيرة أو دارجة أو تحمل طابع البيئة التي نزل فيها. ولقد عبر «لامنز» في كتابه «مهد الإسلام قبيل الهجرة» عن أسفه، لأن هذا الكتاب لم يقدم معلومات أو تفاصيل توصف بها بلاده من حيث العلوم المناخية والجوية، بينما يطيل تأملاته أمام النجوم والجبال والسحاب والمظاهر العادية الأخرى التي يصفها بالعجائب (ص - ٨٩) وهنا يمكن في رأينا الدليل على أن القرآن ليس انتاجا محليا، لأن الحقائق التي يقدمها هي من النوع الذي يسهل على جميع العقول إدراكه واستخلاص الفائدة الأخلاقية منه. ولهذا نرى مكانه سامقا فوق كل الاعتبارات الجغرافية والعنصرية وغيرها. ولهذا أيضا لا يذكر عموما أسماء الأشخاص والأماكن التي يتحدث عنها، ولا يركز إلا على العبر والدروس التي تفيد في تربية الإنسانية، إن هذا المنهج الكامل المتكامل الذي ينفرد به القرآن وحده هو في ذاته برهان وأي برهان. لقد انتشرت الدعوة القرآنية في البداية في الجزيرة العربية بين العرب ولكن غايتها هي أفراد البشرية أجمعين (٢). ***

стр. 168

ملحوظة في الوقت الذي كاد مخطوط هذا الكتاب أن يتم نسخه على الآلة الكاتبة، ظهر كتاب من تأليف البروفسور بلاشير بعنوان: «مدخل إلى القرآن» (باريس نشر ميزونوف ١٩٤٧) إلا أن هذا البحث لا يتناول الموضوع من نفس الزاوية وبالتالي لا يزدوج مع كتابنا.

стр. 169

المراجع القرآن هو النص الجوهري الذي تعتمد عليه دراستنا في هذا الكتاب، وأرقام السور والآيات مستمدة من طبعة المصحف الصادرة في القاهرة باللغة العربية عام ١٣٤٧ هجرية. ونظرا لأن الترجمات الفرنسية المختلفة للقرآن (ترجمات كازمرسكي وماردروس مونتيه وبيل - تيجاني وسفاري) قد روجعت وصححت بمعرفتنا فإن النصوص الفرنسية المقدمة هنا عن الآيات القرآنية لا تنتمي إلى أي مترجم معين. ومن كل اطلاعاتنا في الآداب المختلفة سوف لا نورد هنا من المراجع إلا ما أشرنا إليه في كتابنا سواء أكانت تتفق أو تتعارض مع بحثنا، وذلك حسب الترتيب الأبجدي لأسماء المؤلفين.

стр. 170

- أ - المراجع العربية ابن أبي داود : كتاب المصاحف المطبعة الرحمانية بالقاهرة ١٩٣٦ م ابن سعد : الطبقات ٨ أجزاء طبع ليدن ١٣٣٥ هـ ابن النديم : الفهرست طبع ليبزيج ١٨٧٢ م ابن هشام : سيرة الرسول ﷺ جزءان طبع صبيح بالقاهرة ١٩٢٩ م أبو داود : السنن ٤ أجزاء طبع الخشاب بالقاهرة على هامش الزرقاني على الموطأ ١٣١٠ هـ البخاري : الجامع الصحيح ٩ أجزاء طبع بولاق بالقاهرة ١٢٨٩ هـ الترمذي : الجامع (أو السنن) جزءان طبع بولاق بالقاهرة ١٢٩٢ هـ دراز : النبأ العظيم طبع المليجي بالقاهرة ١٣٥٢ هـ الرازي : مفاتيح الغيب (المعروف بالتفسير الكبير) ٦ أجزاء بولاق بالقاهرة ١٢٧٨ هـ راستوفدوني : تاريخ القرآن والمصاحف طبع بطرسبورج ١٣٢٣ هـ الزنجاني : تاريخ القرآن طبع لجنة التأليف والتجمة والنشر بالقاهرة ١٩٣٥ م السيوطي : الإتقان في علوم القرآن جزءان المطبعة الأزهرية بالقاهرة ١٣٤٤ هـ السيوطي : الجامع الصغير (مع زياداته التي ضمها إليه النبهاني وجمعها تحت اسم الفتح الكبير) ٣ أجزاء طبع الحلبي بالقاهرة ١٣٥٠ هـ

стр. 171

السيوطي : الدر المنثور ٦ أجزاء طبع الحلبي بالقاهرة ١٣١٤ هـ طاهر الجزائري التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن طبع المنار بالقاهرة ١٩٣٤ م العقاد : الله طبع دار المعارف بالقاهرة ١٩٤٧ م مالك : الموطأ جزءان بشرح السيوطي طبع الحلبي بالقاهرة ١٣٤٩ هـ مسلم : الصحيح (أو الجامع الصحيح) ٨ أجزاء طبع إستامبول ١٣٣٤ هـ النبهاني : الأنوار المحمدية طبع بيروت ١٣١٢ هـ النووي : تهذيب الأسماء واللغات طبع لندن (جمعية نشر النصوص الشرقية) ١٨٤٧ م

стр. 172

- ب - المراجع الأوروبية