فبمظهرها وجوهرها تشبع حاجة كل من يفهم اللغة العربية. والقرآن - حامل هذه الرسالة - كان وسيظل النموذج الذي لا يبارى في الأدب العربي. فجمال أسلوبه محل إعجاب الجميع في كل العصور. وإذا نظرنا نظرة مجردة إلى الصفات الأدبية التي ينطوي عليها، نستطيع أن نقول إنه يعتبر المثل الأعلى لما يمكن أن يسمى أدبا بوجه عام. إذ أن لغة القرآن تمتاز بالسمو والجلالة، لا بالغواية والتأثير.
إنها تأخذ بالقلوب أكثر مما تغري الأسماع؛ إنها تثير الإعجاب لا المتعة؛ إنها تفحم بالحجة أكثر مما تستثير العواطف وتجلب السرور الهادئ لا الصاخب.
بعض خصائص التركيب القرآني:
ففي العصر الذهبي للغة العربية - حيث بلغت الذروة في الصفاء والقوة، وحيث كانت تخلع ألقاب التشريف والتكريم علانية على الشعراء والخطباء في المسابقات السنوية، ما أن ظهر محكم التنزيل حتى اكتسح الحماس للشعر والنثر، وأنزلت المعلقات السبع من باب الكعبة واتجهت كل الأسماع إلى هذا الإعجاز الجديد في اللغة العربية.
فلغة القرآن مادة صوتية، تبعد عن طراوة لغة أهل الحضر. وخشونة لغة أهل البادية، وتجمع - في تناسق حكيم - بين رقة الأولى وجزالة الثانية، وتحقق السحر المنشود. بفضل هذا التوفيق الموسيقي البديع بينهما.
إنها ترتيب في مقاطع الكلمات في نظام أكثر تماسكا من النثر، وأقل نظما من الشعر، يتنوع في خلال الآية الواحدة ليجذب نشاط السامع، ويتجانس في آخر الآيات سجعا، لكي لا يختل الجرس العام للوقفات في كل سورة (١).
أما كلماته، فمنتقاة من بين الكلمات المشهورة، دون أن تهبط إلى مستوى الدارج، ومختارة من بين الكلمات السامية، التي لا توصف بالغريب إلا نادرا.
وتمتاز بالإيجاز العجيب في الكلام. إذ تعبر بأقل عدد من الكلمات عن أفكار
стр. 107
كبيرة يصعب التعبير عنها في العادة إلا بجمل مطولة نسبيا.
ويضاف إلى هذا النقاء في التعبير، وهذا التركيز الشديد في المعنى - حيث لا تقابلنا كلمة زائدة بل اختصار معجز أحيانا - وضوح أخاذ، كأنه تحد سافر بحيث أن رجل الشارع قليل الحظ من المعرفة، يستطيع أن يقول لنفسه: لقد فهمت جيدا. ومع ذلك نجد العمق والمرونة والإيحاء والإشعاع في كل جانب مثل أوجه قطعة الماس البراقة، إلى درجة أن جميع العلوم والفنون الإسلامية تستمد على الدوام من هذا المصدر قواعدها ومبادئها. إنها حقيقة مقررة عرفها الناس جميعا، وهي أن كلا من النبيل والحقير، والسطحي والباحث الدؤوب، يلتقون على فهم القرآن. كأن كل عبارة فيه مفصلة تفصيلا بما يناسب عقلية كل منهم بحسب درجته في العلم والمعرفة.
وكل هذا في موضوعات غير مطروقة في الأدب الجاهلي، ونادرا ما تعرض لها الشعراء والخطباء إلا من بعيد وبصور مبهمة وموجزة، بحيث يحق لنا أن نؤكد بدون تردد أنه من الناحية اللغوية البحتة، كان ظهور القرآن خلقا للغة جديدة، ولأسلوب جديد.
أما ما يبدو أنه فوق طاقة البشر حقا في الأسلوب القرآني، فهو أنه لا يخضع للقوانين النفسية التي بمقتضاها نرى العقل والعاطفة لا يعملان إلا بالتبادل وبنسب عكسية، بحيث يؤدي ظهور إحدى القوتين إلى اختفاء الأخرى. ففي القرآن لا نرى إلا تعاونا دائما في جميع الموضوعات التي يتناولها - بين هاتين النزعتين المتنافرتين.
وبالإضافة إلى الموسيقي الخالدة التي تعلو هذا الأسلوب المتنوع، نرى أن الكلمات ذاتها بمعناها المجازي - سواء أكانت وصفا أو إستدلالا أو سن قاعدة في القانون أو في الأخلاق - تسعى بقوة وتجمع في نفس الوقت بين التعليم والإقناع والتأثير وتمنح القلب والعقل نصيبه المنشود. وعلاوة على ذلك فإن هذا الكلام الرباني وهو يؤثر على هذا النحو، في قوانا المختلفة - يحتفظ دائما وفي أي موضع بهيبة مدهشة وبجلالة قوية لا تتأرجح ولا تضطرب.
стр. 108
وربما لا يكون هناك ما يدعو للوقوف طويلا أمام هذا الوصف التجريدي الذي ليس له معنى ولا قيمة إلا بمراجعة مضمونه على النص القرآني. وهو العمل الذي قمنا به في كتاب آخر (١) ولا ينبغي أن نكرره هنا. فالعربي الأصيل الذي تسري في دمه غريزة اللغة، ليس في حاجة إلى هذا التحليل لكي يقدر بنفسه طابع النص القرآني الفريد. وما يستفاد من هذه الدراسة البطيئة المنطقية، يدركه هو بفطنته وفطرته. فهو يشعر بالقرآن وكأنه آت من السماء، ينفذ إلى القلوب، ويبهر الأبصار.
السمو الفريد حتى بالنسبة لحديث الرسول ﷺ :
ولقد أدرك الكفار هذا التأثير في عهد الرسول ﷺ . واختلفوا في التماس التفسير والتعليل له، إذ وجدوه ظاهرة غريبة إلى درجة أن اطلقوا عليه «سحرا».
وحتى في عصرنا الحاضر، ورغم بعد الزمن واختلاط الأجناس وانحراف فطرة اللغة، نجد العرب على اختلاف دياناتهم، يعترفون بالسمو والجلال والهيبة التي ينفرد بها النص القرآني لا بالنسبة للأدب العربي بوجه عام، ولكن حتى بالنسبة لأحاديث الرسول ﷺ ذاته المعروفة ببلاغتها الرفيعة. فالواقع أنه يتوفر تحت أيدينا اليوم آلاف من أحاديث الرسول ﷺ ، منها ما كان بعد تفكير عميق امتد إلى ما يقرب من الشهر مثل حديث الإفك، وأحاديث أخرى كانت على أثر وحي بالمعنى لا بالنص مثل «اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك» (٢) فجميع عبارات الرسول ﷺ وجمله يتميز عنها النص القرآني تمييزا صارخا، وكأنه شعاع من الشمس يمر خلال
стр. 109
ضوء منبعث من نجفة من الشموع، إذ نلحظ في القرآن فى الحال لهجة فريدة لا تنبعث من قلب رجل، وليست سوى نفحة ربانية.
خطأ كثير من العلماء بشأن وحدة السور القرآنية:
وقبل أن نترك هذا الفصل ينبغي أن نركز بعض الجهد على نقطة غفل عنها جميع المستشرقين فضلا عن بعض علماء المسلمين، وهي طريقة القرآن الكريم في معالجة أكثر من موضوع في السورة الواحدة. فعند ما لاحظ بعضهم بنظرته السطحية - عدم توافر التجانس والربط الطبيعي بين المواد التي تتناولها السورة، لم ير القرآن في جملته إلا أشتاتا من الأفكار المتنوعة، عولجت بطريقة غير منظمة، وبدون أي ربط منطقي بينها، بينما رأي البعض الآخر أن علة هذا التشتيت المزعوم ترجع إلى الحاجة إلى تخفيف الملل الناتج من رتابة الأسلوب، والحزن المترتب على تكرار النغمة مما يتنافي مع المثالية في الأسلوب العربي. وهناك فريق آخر لم ير في الوحدة الأدبية لكل سورة - وهو ما يستحيل نقله في أية ترجمة - إلا نوعا من التعويض لهذا النقص الجوهري في وحدة المعنى. وفريق آخر يضم غالبية المستشرقين رأى - وهو يهدف إلى تبرئة الرسول ﷺ الذي قدم كل سورة من القرآن على شكل وحدة مستقلة - أن هذا العيب يرجع إلى الصحابة الذين جمعوا القرآن وقاموا بهذا الخلط عندما جمعوا أجزاءه ورتبوها على شكل سور.
إن هذه التفسيرات لا تبدو صالحة للأخذ بها. إذ أن السنة والأثر الصحيح متفقان على أن السور كانت بالشكل الذي نقرأها به اليوم. وبتركيبها الحالي منذ حياة الرسول ﷺ . إذن قد يرجع السبب إلى عيب أصيل لا تكاد تجدي معه التبريرات السابقة إذا كانت حقا وحدة السورة لا تعدو أن تكون سلسلة من الحروف والصوتيات تخفي تشتيتا وتفرقا جوهريا في المعنى، وتترك فواصل لا يقبلها المنطق في مسيرة الأفكار وتقفز قفزات مفاجئة في السورة عند الإنتقال من موضوع إلى موضوع جديد.
стр. 110
تجربة خاصة:
فعندما نريد أن نقدر جمال لوحة مرسومة لا ينبغي أن نحصر نظرتنا في جزء ضيق منها حيث لا نجد إلا ألوانا متنوعة تتجاور أو تتنافر أحيانا، بل يجب أن نرجع قليلا إلى الوراء، ليتسع مجال الرؤية وتحيط بالكل في نظرة شاملة، تستطيع وحدها أن تلاحظ التناسق بين الأجزاء والتوافق في التركيب. فبمثل هذه النظرة ينبغي دراسة كل سورة من سور القرآن الكريم لنقدر أبعادها الحقيقية. ولقد قمنا في الماضي أثناء تدريسنا بجامعة الأزهر - بتطبيق هذه القاعدة في دراسة لاحدى السور المدنية (هي سورة البقرة) ولسورتين مكيتين (هما سورتي يونس وهود) ولم يكن اختيارنا لهذه السور عن قصد، وإنما كانت كلها مقررة في البرنامج الدراسي. فالواقع أننا وجدنا أكثر مما كنا نتطلب من بحثنا. فقد كنا نبحث عما إذا كان هناك نوعا من الترابط في الأفكار التي تتناولها السورة الواحدة، ولقد وضح لنا بما أثار دهشتنا أن هناك تخطيطا حقيقيا واضحا ومحددا يتكون من ديباجة وموضوع وخاتمة. فتوضح الآيات الافتتاحية الأولى من السورة الموضوع الذي ستعالجه في خطوطه الرئيسية ثم يتبع ذلك التدرج في عرض الموضوع بنظام لا يتداخل فيه جزء مع جزء آخر، وإنما يحتل كل جزء المكان المناسب له في جملة السورة، وأخيرا تأتي الخاتمة التي تقابل الديباجة.
هذه الوحدة من العجائب نظرا للظروف التي تتم فيها وتجعلها مستحيلة بالنسبة للقوى البشرية:
فإذا أخذنا في اعتبارنا التواريخ التي لا حصر لها والتفتيت المتناهي في نزول الآيات. ولاحظنا أن هذا الوحي كان بوجه عام مرتبطا بظروف ومناسبات خاصة، فإن ذلك يدعونا إلى التساؤل عن الوقت الذي تمت فيه عملية تنظيم كل سورة على شكل وحدة مستقلة. وهذا التساؤل يضعنا أمام نقطة محيرة. فسواء افترضنا أن هذا الترتيب كان قبل أو بعد إكتمال نزول القرآن، فقد كان ينبغي أن يتبع، إما الترتيب التاريخى للنزول، وإما الترتيب المنطقي البسيط المبني على تجانس
стр. 111
الموضوعات. إلا أن السور القرآنية تتنوع موضوعاتها ولا تخضع لأي من الفرضين أو الترتيبين السابقين، مما يدعونا إلى ترجيح وجود تصميم معقد يكون قد وضع في وقت سابق لنزول القرآن على قلب الرسول ﷺ . ولكن سرعان ما نميل إلى الانصراف عن هذا الافتراض بسرعة لأننا نرى مدى الجرأة والإستحالة التي ينطوي عليها وضع نظام سابق حسب ترتيب تحكمي بين فقرات حديث سوف يطلب إلقاؤه أو إظهاره على مدار عشرين عاما، وبما يتناسب مع عديد من الملابسات والظروف التي تستدعي هذا الحديث والتي لا يمكن توقعها أو التنبؤ بها. غير أن السنة تؤكد لنا هذا الإفتراض الغريب وتؤيده. فالواقع أنه فور نزول الوحي على الرسول ﷺ كان كل جزء منه صغيرا أو كبيرا يوضع في السور التي لم تكن قد اكتملت بعد وفي مكان محدد من السورة، وفي موضع رقمي من آياتها، وفي ترتيب لم يكن دائما هو الترتيب التاريخي. وبمجرد وضع الآية أو الآيات في موضع ما، بقيت فيه إلى الأبد، دون أن يطرأ عليها تحويل أو تصحيح. من هذا نقول إنه لا بد كان هناك تصميم لكل سورة، فضلا عن تصميم أو خطة عامة للقرآن في جملته، بمقتضى كل منهما، كأن كل وحي جديد يوضع في مكانه توا بين آيات هذه السورة أو تلك، من السور المفتوحة.
انفراد في تجميع الأجزاء القرآنية مما يثبت وجود خطة سابقة:
ولا شك أن طريقة القرآن هذه ليست لها مثيل على الإطلاق. فلا يوجد أي كتاب من الكتب في الأدب أو في أي مجال آخر، يمكن أن يكون قد تم تأليفه على هذا النحو أو في مثل هذه الظروف. وكأن القرآن كان قطعا متفرقة ومرقمة من بناء قديم، كان يراد إعادة بنائه في مكان آخر على نفس هيئته السابقة. وإلا فكيف يمكن تفسير هذا الترتيب الفوري والمنهجي في آن واحد، فيما يتعلق بكثير من السور، إذا لم تكن الصحائف الخالية والصحائف التامة تمثل وحدة كاملة في نظر المؤلف؟.
стр. 112
تصميم يتحدى الطبيعة ونجاحه معجزة المعجزات:
ولكن أي ضمان تاريخي يستطيع أن يتحصل عليه الإنسان عند وضع مثل هذه الخطة، إزاء الأحداث المستقبلة، ومتطلباتها التشريعية، والحلول المنشودة لها، فضلا عن الشكل اللغوي الذي يجب أن تقدم به هذه الحلول، وتوافقها الأسلوبي مع هذه السورة بدلا من تلك؟ وكيف يمكن مجرد تجميع وتقريب هذه القطع المبعثرة بعضها من بعض بدون تعديل أو لحام أو وصلات - رغم تنوعها الطبيعي وتفرقها التاريخي - أن يجعل منها وحدة عضوية متجانسة يتوافر فيها ما نرجوه من التماسك والجمال؟ ألا يصدر مثل هذه المشروع، وقد بلغ هذا المبلغ من الطموح، إلا عن حلم خيالي، أو عن قوة فوق قدرة البشر؟. وبمعنى آخر إذا كان الاضطراب في النظام المنطقي أو الخلل اللغوي والبلاغي، هما النتيجة الحتمية لمثل هذا المشروع إذا اضطلع به إنسان لما يشتمل عليه من تعقيد محير، ألا ينبغي أن نستنتج من هذه المقدمات ذاتها، أن اكتمال هذه الخطة وتحقيقها بالصورة المرجوة، يتطلب تدخلا من قوة عظمى، تتوفر فيها القدرة على إقامة مثل هذا التنسيق المنشود؟ وإلا فمن هو المخلوق الذي يستطيع أن يوجه الأحداث بما يتوافق تماما مع هذا التصميم المرسوم، أو كيف يمكن أن نخرج من مجموعة مصادفات بمثل هذا البناء الأدبي الرفيع وهو القرآن؟
فإذا كانت السورة القرآنية من نتاج هذه الظروف، تكون وحدتها المنطقية والأدبية في نظرنا معجزة المعجزات. ولقد صرح بوجود هذه الوحدة المزدوجة كثير من ذوي الاختصاص في هذا الشأن، ومن بينهم: أبو بكر النيسابوري وفخر الدين الرازي وأبو بكر بن العربي وبرهان الدين البيقاعي (١) وأبو اسحق الشاطبي.
ولمراجعة هذا على بعض المختارات من القرآن - نشير إلى كتابنا السابق «النبأ العظيم».
وإننا لا ندعي أن هذه المختارات تمثل نموذجا مطابقا لباقي سور القرآن، وإلا نكون قد فصلنا في أمر تجريبي بناءا على حكم سابق. والواقع أنه قد يصعب في
стр. 113
بعض السور التمييز بين الفكرة الرئيسية والأفكار الثانوية، أو اكتشاف العلاقة بين هذه الأفكار بعضها وبعض أو بينها وبين النواة المركزية للسورة. وقد نجهل حتى الظروف التي استدعت التجميع بينها في سورة واحدة. ومن المفهوم أن تركيز عبارات القرآن الكريم وجزالة معناها قد تترك بين كل جزء وآخر نقاطا للوصل، وعديدا من الخيوط الإرشادية، مما جعل المفسرين يختلفون في الربط بين هذه الأجزاء. ولكن أيا كانت الطريقة التي نتبعها، وأيا كانت درجة الدقة في معرفتنا، وسواء أكان الرسول الكريم ﷺ ذاته يعرف ذلك أو لا يعرفه، فإن هذا التصميم كان موجودا بالفعل وأسهم في تحقيق ذلك الترتيب الذي كان موضوعا في زمن سابق على نزول القرآن.
فضلا عن هذا التخطيط المنطقي والإسلوبي فقد اتبع الوحي مسلكا تربويا:
أما الذين لا يهتمون بالكشف عن هذا التخطيط في السور القرآنية فإنهم يستطيعون أن يتأملوا تخطيطا آخر ذا طابع أسلوبي، وبمقتضاه يمكن ملاحظة أن الأجزاء التي ستتجاور مجهزة مقدما بطريقة معينة بحيث يتزاوج بعضها مع بعض بدون تصادم أو ثغرات، كل ذلك مع تنوع الموضوعات واختلاف البعد الزمني الذي يفصل بين كل موضوع وآخر.
ولكن إعجابنا سيصل إلى ذروته إذا أدركنا أن هذه الأجزاء المبعثرة من الآيات القرآنية، قد اتبعت في نزولها تخطيطا آخر مختلفا تماما عن التخطيط الذي تحدثنا عنه في الفقرات السابقة. وما علينا إلا أن نستعرض - من أولها إلى آخرها - المراحل التدريجية للعرض خلال الثلاث والعشرين سنة؛ من النبوة إلى الرسالة (من «اِقْرَأْ» بسورة العلق إلى «قُمْ فَأَنْذِرْ» بسورة المدثر) ومن الدعوة السرية إلى الدعوة الجهرية ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]، ومن دعوة الرسول ﷺ لأقاربه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] إلى دعوة مكة بأسرها، ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [القصص: ٥٩]، ثم القرى المجاورة ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾
[الأنعام: ٩٢]، ثم البشرية جمعاء ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾
стр. 114
[الأنبياء: ١٠٧]، ومن إرساء القواعد الأساسية للإسلام (فى السور المكية) إلى التطبيق العملي (في السورة المدنية)، ومن التبغيض في شرب الخمر ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾
[البقرة: ٢١٩]، إلى تحريمها صراحة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، ومن الدعوة إلى الصبر واحتمال الأذى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [النساء: ٧٧]، إلى المقاومة المسلحة ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] .... الخ.
وقد يكفي أن نسجل هنا تاريخين على جانب من الأهمية، هما تاريخ انطلاق الدعوة وتاريخ اختتامها. فالتاريخ الأول هو يوم غار حراء، حين تلقى محمد ﷺ الوحي لأول مرة، وأعلن فيه أنه سيتلقى علما من قبل الله ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤ - ٥]، وسيكلف بمهمة شاقة ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل: ٥]. أما التاريخ الثاني فهو يوم حجة الوداع، حين أعلن الرسول ﷺ بأن رسالته قد تمت، وأن مهمته على الأرض قد انتهت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾
[المائدة: ٣] وبعد ذلك لم يلبث الرسول ﷺ أن لحق بالرفيق الأعلى.
إن هذا التطور إذن كان متفقا مع خطة تربوية وتشريعية موضوعة في وقت سابق، في إجمالها وفي تفصيلها، بمعرفة منزل الوحي . فإذا كانت هذه النصوص ذاتها التي كانت تتبع في نزولها تخطيطا تربويا ممتازا، قد تحولت بمجرد نزولها من شكلها التاريخي لكي تتوزع وتتجمع في شكل آخر على هيئة إطارات محددة ومختلفة الأطوال بحيث يظهر من هذا التوزيع المقصود في النهاية، كتاب يقرأ، مكون من وحدات كاملة، لكل منها نظامها الأدبي والمنطقي، لا يقل روعة عن النظام التربوي العام، فهذا هو التخطيط المزدوج الذي لا يمكن أن يصدر عن علم بشر.
***
стр. 115
الباب الثالث المصدر الحقيقي للقرآن
الفصل الأول: البحث عن مصدر القرآن في الفترة المكية
الفصل الثاني: البحث عن مصدر القرآن في الفترة المدنية
стр. 116
ينبغي أن تسبق دراسة مصدر أي كتاب دراسة محتواه. أما القرآن فإن دراسة مصدره تستوجب مخالفة هذه القاعدة. لأن فكرة مصدره الإلهي ليست فقط جزءا من دعوته، وإنما هي الجزء الأساسي منها. ومن أول القرآن إلى آخره نراه يتحدث إلى الرسول ﷺ أو يتحدث عنه ولا يتركه أبدا يعبر عن فكره الشخصي.
وفي كل جزء منه يتكلم الله ﵎ ليصدر أمرا، أو ليشرع قانونا، ليخبر أو لينذر. فنقرأ «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ .... ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ... ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ ... ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ﴾ .... ﴿اُتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .... ﴿بَلِّغْ﴾ .... افعل كذا .... لا تفعل كذا
﴿سَيَقُولُونَ﴾ .... ﴿قُلْ﴾ ... » وحتى عندما لا يتضمن النص بعض علامات الأمر (مثل سورة الفاتحة) فكل شيء يدل عليها.
ولكن كيف لا ننسب كلام القرآن والأفكار التي يتضمنها إلى الشخص الذي جاء به، باعتبارها نابعة من فكره الشخصي أو منقولة مما تعلمه في بيئته بالطريق الطبيعي؟ كيف يمكن أن نجعل من هذا الإنسان مجرد أداة استقبال يقدم كتابه جاهزا وتاما من مصدر خارجي وغير بشري؟ لا شك أن مثل هذا الإدعاء يبلبل الأفكار لمخالفته للقوانين النفسية ولو في مظهرها العادي على الأقل.
لا شك أن محمدا ﷺ وهو يؤكد هذا القول لم يكن أول من أثار قضية الوحي. بل إنه كان أكثر تواضعا في هذا الشأن من موسى ﵇ الذي - كما يقول القرآن - تلقى التوراة في لقاء مباشر بينه وبين الله ﵎، حيث سمع كلام الله ذاته. أما بالنسبة لمحمد ﷺ فالقرآن قول رسول سماوي. وسيط بينه وبين الله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] وفيما عدا هذا الاختلاف فإنهما متفقان في نسبة ما تلقياه إلى ما وراء الكون.
فأما المؤمنون بالوحي من حيث المبدأ العام، فمن حقهم ألا يطبقوه على ظاهرة معينة إلا بعد استنفاد جميع فرص التفسير الطبيعي لهذه الظاهرة. وإذا ما رضخوا
стр. 117
في النهاية واعترفوا بمنشئها الإلهي المباشر يكون هذا الاعتراف آخر مطاف البحث وقرار العلم، بعد استنفاد جميع الوسائل الممكنة.
فلنبعد إذن من بحثنا الحجة التي يمكن استخلاصها من الإعجاز اللغوي في القرآن، والمؤيدة لمصدره الإلهي، ونتساءل عما إذا كان يمكن تفسير الأفكار التي يتضمنها القرآن بسبب آخر غير الوحي. والواقع أن بحوثا ودراسات كثيرة قد سلكت هذا السبيل في الماضي. ومما يشرف القرآن والسنة أنهما سجلا، بكل عناية وإنصاف، جميع الآراء التي أبداها معاصرو النبي ﷺ ، لتعليل هذه الظاهرة وتبريرها، وهي تشتمل على افتراضات لا تعتمد على الحلول الممكنة والمعقولة وحدها، وإنما تلجأ إلى كل مستحيل وغير معقول لا يتوانى أي عقل ساخر عن التعبير عنه للحط من شأن أي جديد، مهما كانت جديته وأهميته بالنسبة للبشرية. وهذا يجعلنا نقرر أن البحوث الحديثة في هذا المجال لا تعدو أن تكون زيادة أو تكرارا لنفس الكلام القديم وإن اختلفت في الشكل والأسلوب.
والغرض من هذا الجزء الثالث هو دراسة مختلف الحلول في شكلها الحاضر، وسنتبع في هذا الصدد الترتيب الزمني. فنقسم البحث إلى فصلين بحسب ما يكون الحديث عن المرحلة المكية أو المرحلة المدنية.
***
стр. 118
الفصل الأول البحث عن مصدر القرآن في الفترة المكية
البيئة الوثنية: صورتان من حياة العرب في الجاهلية:
نحاول بأبسط الافتراضات أن نجد في بيئة الحجاز المحدودة - إن لم يكن في مسقط رأس الرسول ﷺ جميع العناصر الضرورية لبناء الدعوة القرآنية. ومن هذه النظرة قدم لنا «إرنست رنان» نموذجا فريدا لحياة العرب قبل الإسلام. ففي مقال له عن «محمد ومصادر الإسلام» (١)، عرض لنا هذا العالم الفرنسي صورة رائعة للجزيرة العربية في القرن السادس بعد الميلاد. وبدلا من هذا الشعب المشرك الذي تعرفه الدنيا، وضع لنا شعبا آخر لم يعرف في حياته عن الله تعددا ولا تنوعا وإنما عرفه كإله واحد لم يلد ولم يولد (انظر صفحة ١٠٧٠ - ١٠٧١) ولقد نجح «رنان» في إبراز الذوق الأدبي الرفيع لهذا الشعب، ونظرته الواقعية القوية، وفي إغفال سائر الصفات الأخرى التي لا تشرفه. فبدلا من هذه النزعة المادية الطاغية الفاسدة التي لا تلتفت إلى أي تفكير ينتمي إلى الحقائق السامية، رسم لنا مجتمعا في أوج حماسه الديني التقت فيه جميع الديانات وجميع الحضارات بالإضافة إلى أن الدين كان شغله الشاغل (صفحة ١٠٨٩) وعلى هذا المنوال لا تعدو أن تكون رسالة محمد ﷺ إلا امتدادا للحركة الدينية التي سادت في عصره دون أن يسبقها محمد ﷺ في أي جديد (نفس الصفحة).
ولكن الصورة الحقيقية للحياة العربية في هذه الحقبة من الزمان، نجدها في القرآن ذاته، وتختلف عن ذلك كل الاختلاف. فلقد سبق أن رأينا كيف كان
стр. 119
العرب يطمسون التوحيد الأولي تحت أركام من الخرافات والأساطير (١). وأما الجانب الخلقي والاجتماعي فلم يكن أسعد من ذلك حالا، فوأد الأطفال (٢)، والبغاء (٣)، وزنا المحارم (٤)، وابتزاز المهور وإرث نساء الأقارب كرها (٥)، وظلم اليتامي (٦)، والجشع وإهمال الفقراء وازدراء الضعفاء (٧)، كان هو الطابع الغالب.
بل ان المروءة العربية المشهورة كان القرآن يعتبرها عاطفة في غير موضعها، ملطخة بالرذيلة والفساد، إن لم تكن الفساد بعينه؛ فلم يكن الغرض منها سوى الإسراف والمباهاة (٨).
وباختصار كانت حياتهم حياة (الضلال المبين) (٩)، وزمانهم زمن «الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى» (١٠).
ولقد كانوا يحتفظون في عاداتهم ببعض الآثار من ديانة إبراهيم واسماعيل ﵉ مثل الحج، ولكن هذه الآثار ذاتها، كانت تختلط بأخطاء وأوهام كثيرة (١١).
стр. 120
الحنفاء:
وفي وسط هذه الجموع من الناس ذات الجهل المفضوح، كانت تتميز صفوة قليلة العدد تعرف في الأثر باسم «الحنفاء»، أي الثائرين على الرأي العام، والتي اعتمد عليها «رنان» ليصور لنا خصائص مجتمع العرب في هذا العصر. لقد كانت هذه الفئة عددا ضئيلا يعد على الأصابع، بينما جموع هذا الشعب الغفير لم تعر لوجود هذه الفئة أي اهتمام. وعلينا أن نرجع إلى أدب العصر الجاهلي لكي نستوثق من ذلك. فقد كان الحاضرون في سوق عكاظ لا يتناظرون في الدين، وإنما في المفاخر الدنيوية. وكانت كل قبيلة تستعرض عبقريتها الأدبية، ومغامراتها في الفروسية، ومفاخر الآباء والأجداد. ولا نكاد نجد أثرا للفكر الديني في أشهر القصائد المعروفة بالمعلقات الذهبية.
وبعد هذا كله، ماذا كانت دعوة هؤلاء «المصلحين» السابقين لمحمد؟ يقينا: لا شيء!! سوى أنهم أناس متمردون على عصرهم لأن إشراك مواطنيهم، وعاداتهم القاسية، وإباحيتهم، لم تكن لترضى عنه نفوسهم، فتطلعوا إلى دين صحيح ظاهر حاولوا التماسه خارج محيطهم ولم يكن عندهم عنه أية فكرة دقيقة قادرة على أن تنبئ عن دعوة القرآن ولو من بعيد. ولقد اعترف زيد بن عمرو بن نفيل - أكثر هذا الفريق حزما واستقلالا - أنه كان يجهل كيفية عبادة الله (١).
وكل ما كان يمكن استخلاصه من وجود هؤلاء الحنفاء، وهو ما صرح به رنان ذاته عن حق - إنه كان يوجد في ذلك الوقت «نوع من القلق والانتظار المبهم» الذي كان يتفاعل في «هذه النفوس الممتازة نتيجة مشاعر وتوقعات ورغبات غير محددة» (صفحة ١٠٩٠). ومهما ردد الناس من عبارات: الله والدين والأنبياء والكتب والجنة في هذه المرحلة، فلم يكن لهذه الكلمات صدى في نفوسهم عن أية فكرة واضحة ومتميزة.
стр. 121
الصابئون:
واذا كان لا بد من الحديث عن الأنظمة الدينية المعروفة في ذلك الوقت في إطار البيئة التي ولد فيها الرسول ﷺ ، فإن الحديث عن مذهب الصابئين أولى من الحديث عن الحنفاء. ويقصد بهذه الكلمة الواردة في القرآن (١) طائفة وثنية متميزة (صابئي حران الذي ينسبون أنفسهم إلى صابي بن سث، الذي كان يدّعي نشر تعاليم ديانة أبيه، وأنه كان عنده كتابها باللغة السريانية)؛ أو أنها طائفة يهودية مسيحية تسمى «الصابئة» (من مسيحيي يوحنا المعمداني)، أو أنها هي ذاتها الطائفة الوثنية الأولى التي كانت تنتحل هذا الإسم. المسألة محل خلاف؛ ولقد ذكر الفيومي هذا التفسير الأخير في قاموسه العربي (المصباح المنير). وعلى كل حال هناك اعتباران يقتضيان استبعاد التفسير الثاني، أولهما هو اختلاف أصل كلمة «صبأ» عن أصل «سبح» والثاني سكوت السنة والأثر عن مباديء الصابئة:
وهي الفيض والتجسيد على حين أن الأفكار الجوهرية والشعائر الأساسية للصابئين كانت معروفة وفندها القرآن والسنة. ولقد انتشرت بعض عادات هذا المذهب في قريش إلى درجة أنه يصعب عزلها عن الوثنية السائدة. وذلك مثل:
١ - تأليه الملائكة والكواكب وتأثيرها على الأحداث الأرضية (٢).
٢ - نصيب الأسد الذي كان يؤخذ من القرابين ليقدم إلى الآلهة الأقل في الدرجة بدلا من تقديمها إلى الله (٣).
٣ - عبارة الابتهال التي كانت تتضمن الشرك بالله وتستخدم في الحج (٤) .... الخ.
وهناك بعض الشعائر الأخرى والعادات التي تتميز تماما عن كل من العادات الوثنية والإسلامية. فقد كان الحج عند الصابئين يتم بحران بالعراق، وليس حول
стр. 122
الكعبة؛ كم كانت قرابينهم تحرق تماما ولا يؤكل منها شيء (١)، وكانوا يحرمون تعدد الزوجات ولا يزاولون الختان (٢). وكانت عباداتهم طقوسا يقصد بها الكواكب: فقد كانت تمارس ثلاث مرات يوميا، بحيث تتوافق تماما مع شروق الشمس والزوال والغروب، وذلك بما يخالف مواعيد الصلاة في الإسلام.
وهكذا نرى الوثنية التي كانت سائدة بالحجاز لا تقدم لنا تفسيرا سليما عن مصدر القرآن الكريم، سواء وصفت بالرّقة أو الخشونة، بالخرافات والشك، أو بروح النقد.
البيئة اليهودية والمسيحية:
لنترك إذن هذه الأوساط ونتجه ببحثنا إلى مكان آخر، فلعل البيئة اليهودية والمسيحية وقتئذ تلقي لنا بعض الضوء على هذا الموضوع.
وسوف لا نعول كثيرا على قصة الراهب بحيرى الواردة في الأثر، والتي تذكر أن محمدا ﷺ قابله وهو في الثانية عشر من عمره عندما صاحب عمه أبا طالب في سفره إلى سوريا. فالصواب يمنعنا من الأخذ بهذه المقابلة العارضة، واعتبارها مصدرا لتعليم محمد ﷺ ، لأن الحادثة إما أنها أسطورية، أو أنه يتعين علينا أخذ كل الوقائع التى تذكرها في الحسبان. وحينئذ نجد أن القصة تذكر أن هذه المقابلة كانت في حضور جميع أفراد القافلة؛ وأن محمدا ﷺ كان في دوره «مسؤولا» لا مستمعا، وبانتهاء الاستجواب خلص الراهب إلى نبوءة مضمونها توقع بعثة هذا الشاب رسولا في المستقبل. إن الفكرة إذن تفند نفسها (٣).
هل يتعين علينا أن نتوقف لنبحث احتمالا آخر من نفس النوع؟ يقال إنه كان
стр. 123
يوجد في ضواحي مكة بعض أفراد من المغامرين الرومان، أو الزنوج الأحباش «بائعون للنبيذ»، أو «كادحون» يقطنون «الأحياء المنزوية» (١). ويقال أيضا «أن الإنجيل درس في الحانات لعقليات خام» (٢). فهل كان التقاء محمد ﷺ بالأفكار الدينية في هذه الأماكن؟ أنهم يتركوننا في الغموض والإبهام ولا يقدمون لنا وثيقة واحدة عن علاقات فعلية لمحمد ﷺ من هذا النوع. وفي مواجهة هذا الغموض فإن لدينا عديدا من الأسباب تحول دون أن نأخذ مأخذ الجد إمكان وجود مثل هذه العلاقات بل حدوث تأثيرها:
رحلات الرسول ﷺ ومشاهداته (فرضان لا يعول عليهما):
ففي المقام الأول نجد أن شواغل الرسول ﷺ قبل بعثته كانت معروفة ومحددة.
إذ يقدم لنا التاريخ الثابت المؤكد هذه الشخصية وهي تتحرك على التوالي في أماكن ثلاثة: إما في الخلاء يرعى الأغنام، وإما في التجارة مسافرا مع القوافل وإما في المجتمع العام مع رؤساء القبائل. فلا خلقه ولا مولده ولا مشاغله. تجعلنا نتصوره يتردد على هذه البيئة الهابطة.
أما السبب الثاني فهو أنه لم يكن لهذه العلاقة أية جدوى. فهؤلاء المطمورون لم يكونوا يجهلون دينهم (٣) فحسب ولكن بصفة خاصة - وهنا تتركز حجة القرآن - كانت لغتهم الأجنبية حاجزا طبيعيا أمام النبي ﷺ (٤).
وأخيرا إذا كان هذا المصدر صالحا بالفعل للأخذ عنه، ألم يكن طبيعيا وفي متناول معارضيه أن يلجأوا اليه ويحطموا به طموح محمد ﷺ بدلا من أن يكلفوا أنفسهم عناء السفر إلى المدينة بحثا عن أسلحة علمية يوجهونها ضده كما سنرى؟
стр. 124
الإتصال بالجموع المسيحية في سوريا:
إننا نفضل أن نتكلم عن بيئة أوسع دائرة وثقافة أغنى بحيث يمكن أن تكون أفكارها الدينية وطقوسها قد ساهمت في تكوين النظام الإسلامي. فقد رأينا أن محمدا ﷺ في شبابه كان من وقت لآخر يسافر إلى سوريا في تجارته وربما إلى اليمن لنفس الغرض (١). ومن المعلوم أن الغساسنة بسوريا، وبني الحارث بنجران في اليمن، كانوا قد اعتنقوا المسيحية (فضلا عن وجود القبائل اليهودية بالمدينة وخيبر التي لم يتصل بها محمد ﷺ إلا بعد الهجرة). فلماذا لا يكون هذا المسافر العربي - بما عرف عنه من ملاحظة ذكية واهتمام فطري بالمسائل الأخلاقية - قد تأثر بأخلاق وأفكار هذه المجتمعات التي تفوق في سموها ورقتها أخلاق قومه الخشنة التي كانت تثير حنقه؟.
كان هذا رأي «جولد سيهر» وآخرين. فلقد اعتقد هذا المفكر المجري أن مقارنة محمد ﷺ لحياة قومه وتقاليدهم، بانطباعاته الحية التي اكتسبها من رحلاته العديدة قد أوجدت عنده الدفعة الأولى لنظامه الإصلاحي (٢).
إلى أي حد سيساعدنا هذا الرأي في حل المشكلة؟ أولا هل دخل محمد في الأراضي المسيحية الحقيقية؟ بعض الكتاب يشكون في هذا نظرا لعدم وجود أية إشارة في القرآن عن المظاهر الخارجية للديانة المسيحية. بينما يتكلم بتوسع عن أعماق روح المسيحية الشرقية مما يتناقض تماما مع مسلك الشعراء العرب المعاصرين للرسول ﷺ ، والذين زاروا هذه البلاد (٣). وهناك كتاب آخرون أكثر اقترابا من الحقيقة، إذ يؤكدون أن رحلات القوافل التجارية التي صاحبها الرسول ﷺ لم نقده إلى أبعد من سوق (حباشا) بتهامة وغراش باليمن (٤).
стр. 125
ولنفرض أنه اتصل بالفعل بالمسيحية في ذلك الوقت، فهل كان سيجد ما يسره؟ لنستمع أولا إلى ملاحظات بعض الكتاب المسيحيين: يقول «ج. سال»:
إذا قرأنا التاريخ الكنسي بعناية، فسنرى أن العالم المسيحي قد تعرض منذ القرن الثالث لمسخ صورته، بسبب أطماع رجال الدين، والانشقاق بينهم، والخلافات على أتفه المسائل، والمشاجرات التي لا تنتهى، والتى كان الأنقسام يتزايد بشأنها.
وكان المسيحيون في تحفزهم لإرضاء شهواتهم واستخدام كل أنواع الخبث والحقد والقسوة .. قد انتهوا تقريبا إلى طرد المسيحية ذاتها من الوجود، بفعل جدالهم المستمر حول طريقة فهمها. وفي هذه العصور المظلمة بالذات ظهرت، بل وثبتت أغلب أنواع الخرافات والفساد .. ولقد وجدت الكنيسة الشرقية نفسها بعد مجمع «نيقيه» ممزقة بسبب الخلافات بين أنصار أريوس وسابليوس ونسطور ويوتيخيوس.
ولقد رأى رجال الدين أن يمنح ضباط الجيش بعض الحماية، وبهذه الحجة كان العدل يباع علنا مما شجع كل نوع من أنواع الفساد والرشوة. أما بالنسبة للكنيسة الغربية، فقد بلغ الخلاف بين دماز Damase وأرزيسيان Ursicien على كرسي الأسقفية بروما في شدته حد اللجوء إلى العنف والقتل. ولقد قامت هذه الإنشقاقات أساسا نتيجة أخطاء الأباطرة ولا سيما الأمبراطور قسطنس. وزادت حدة في ظل حكم جستنيان، الذي اعتقد أنه ليس هناك أي جرم في قتل أي رجل يخالفه في فهم العقيدة. هذا الفساد في الأخلاق وفي العقيدة الذي ساد بين الأمراء وبين رجال الدين، استتبع بالضرورة فساد الشعب عامة. حتى أصبح شغل الناس الشاغل على اختلافهم هو جمع المال بأية وسيلة مهما كانت لإنفاقه بعد ذلك في الترف والرذيلة (١).
وصف المسيحية في ذلك الوقت بمعرفة الكتاب المسيحيين:
ولقد كتب تايلور في كتابه «المسيحية القديمة» المجلد الأول صفحة ٢٦٦ يقول
стр. 126
«إن ما قابله محمد ﷺ وأتباعه في كل اتجاه .. لم يكن إلا خرافات منفرة، ووثنية منحطة ومخجلة، ومذاهب كنسية مغرورة، وطقوسا دينية منحلة وصبيانية، بحيث شعر العرب ذوو العقول النيرة، بأنهم رسل من قبل الله، مكلفين بإصلاح ما ألمّ بالعالم من فساد .. » وعندما وصف راهب مورخ الآلام والعذاب والذي أوقعه الفرس بشعب فلسطين في زمن محمد ﷺ لم يتردد في أن يقرر أن الله لم يصب المسيحيين هناك بقسوة الذنادقة الظلمة إلا بسبب ظلمهم وشرورهم. وعندما أراد «موشايم» Mosheim وصف هذا العصر، رسم صورة للمقارنة، أبرز فيها التعارض بين المسيحيين الأوائل والأواخر، وخرج بأن الديانة الحقيقية في القرن السابع كانت مدفونة تحت أكوام من الخرافات والأوهام السخيفة، حتى أنه لم يكن في مقدورها أن ترفع رأسها (١).
وكأن هذه الصفحات قد كتبت لتفسرالآية القرآنية الوجيزة من سورة المائدة ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾
[المائدة: ١٤]، فهذه الآية الكريمة تشير مجرد إشارة إلى البعد الذي كان بين المسيحية والمسيحيين في عصر الرسول ﷺ وتعلن أن الإنشقاق الناتج من هذا البعد سيمتد إلى يوم القيامة.
فهل كان مسلك العرب الذين تنصروا أحسن حالا من مسلك المسيحيين أنفسهم؟ لا - فرغم تنصر قبائل العرب بسوريا في الجاهلية (الغساسنة)، احتفظوا بعاداتهم وتقاليدهم الوثنية القديمة (٢). ولقد قال عليّ إن ما أخذه التغالبة من المسيحية لم يكن سوى شرب الخمر (٣) ويقرر «هوارت» Huart في
стр. 127
النهاية «مهما كان إغراء الفكرة التي تقول بأن تفكير المصلح الشاب (محمد) ﷺ قد تأثر بقوة عندما شاهد تطبيق الديانة المسيحية بسوريا، فإنه يتحتم استبعادها. نظرا لضعف الوثائق والأسس التاريخية الصحيحة» (١).
هذا إذن هو المشهد الحي الذي يمتد أمام نظر المشاهد. فحيثما اتجه وجد ضلالا يحتاج إلى الهداية. وانحرافا يتطلب التقويم. ولن يجد أبدا نموذجا أخلاقيا ودينيا يصلح لأن ينقله محمد ﷺ أو يبني عليه نظامه الإصلاحي. فلا شك أن المواد التي صادفها حتى الآن قد تجمعت في بناء يصلح للهدم، ولم يكن فيها ما يصلح ليقيم عليه بناءه الجديد.
الاتصال بالكتب المقدسة:
فلنوسع حقل البحث قليلا. إذ خارج العالم الملموس والمنظور، يوجد العالم المسموع، وبيئة الكتب والإطلاع. وإذا لم يصلح المثل والواقع، فقد يصلح الدرس.
ولكن من أين يأتي الدرس؟ ومن هو حامله؟.
إن أول إجابة تتبادر إلى الذهن في هذا المجال، هو أن محمدا ﷺ قد استخلص دروسه من مطالعاته المباشرة للكتب المقدسة القديمة سواء كانت مسيحية أو يهودية أو غيرها (٢). ولكن هل كان محمد ﷺ يعرف القراءة والكتابة؟
هل كان محمد ﷺ يقرأ ؟:
يجيب القرآن بالنفي؛ ويبرهن بأمية الرسول الكريم ﷺ على ربانية تعليمه. إنه لا يقرر فحسب أنه أمّي من شعب أمّي (٣)، أي غير متعلم، وليس فقط كما يريد
стр. 128
«سبرنجر» أنه ينتمي إلى شعب وثني لم يتلق أي كتاب سماوي من قبل (١)، وإنما يؤكد، بصريح العبارة، أنه لم يسبق له أن قرأ كتابا قبل القرآن، أو كتب بيده: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
ولا شك أن معارضيه كانوا يعرفون فيه هذه الأمية جيدا، لأنهم عندما أرادوا تعليل المصدر الذي تلقى عنه أساطير العصور القديمة، لم يجرؤوا أن يقولوا «كتبها» وإنما قالوا «اِكْتَتَبَها» أي كتبها له غيره ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان: ٥] وهما عبارتان مختلفتان تمام الاختلاف، إلا أنه التبس معناهما على بعض المستشرقين (٢).
стр. 129
عدم وجود توراة باللغة العربية في تلك الفترة:
وحتى على فرض أنه كان يعرف القراءة، فقد كانت هناك عقبة يستحيل تذليلها، لأن في هذا الوقت، لم تكن قد وجدت بعد توراة ولا إنجيل باللغة العربية (١). ووجود هذه الوثائق بلغات أجنبية جعلها حكرا لبعض العلماء المتحدثين بأكثر من لغة الذين حفظوها بعناية، بل لقد وصفهم القرآن بالبخل بما عندهم من العلم، بحيث أنهم لم يكونوا يتنازلون عن بضع أوراق من التوراة إلا مع حرصهم على إخفاء الجزء الأكبر منها (٢). وسوف يكشف القرآن فيما بعد فى المدينة، وسائلهم الأخرى لإخفاء العلم شفويا (٣)، وتحريريا (٤). وعلى كل حال لم ينبئنا التاريخ عن أي اتصال كان بين النبي ﷺ وبين وسط العلماء قبل الهجرة.
فطالما أن الكلام يدور في العموميات التي يصعب التحكم فيها، فلا شك أنه
стр. 130
يمكن افتراض وجود مثل هذه العلاقة، وذلك بإتاحة الفرصة لكل حدس وخيال، أما عندما نطالب بالتحديد فإنه يحدث التناقض والتخبط في الحال (١).
الاقتباس من الشعراء ومن الفكر الشعبي:
ولكن إذا كان محمد ﷺ لم يحصل على أفكاره الدينية لا من نصوص التوراة مباشرة ولا بفضل أي تعليم منهجي من العلماء ذوي الاختصاص، أليس من المحتمل أن يكون قد جمعها من بعض الشعراء العرب اليهود أو النصارى أو ما شابههم؟
نلاحظ أولا أن القرآن يوضح لنا أن الرسول ﷺ لم يكن يؤلف الشعر بوجه عام، بحيث اعتبره القرآن بالنسبة للرسول ﷺ لهوا لا يليق بشخصه ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] ونمر على هذه النقطة بسرعة، ونتساءل عن هذا التعليم الذي يمكن أن يخرج من هذا النوع من الأدب؟ وهنا نجد اتجاهين في الأدب الجاهلي: الأول وهو أن بعض الشعراء، مثل الأعشى، كان يهتم بوصف التقاليد والطقوس الكنسية. وهو ما لا نجد له أثرا في القرآن بل لقد كان اهتمام هؤلاء الشعراء ينصب أكثر على شرب الخمر، الذي سيوجه إليه القرآن ضربته القاضية بدلا من تحبيذه. فالقرآن لا ينتمي إذن إلى هذه الفئة. أما النوع الثاني من الشعر، فقد كان يكاد يتخصص تماما في الأفكار الدينية؛ وقصائد أمية بن أبى السلط أصلح نموذج لهذا النوع، حيث نقابل موضوعين أساسيين هما: وصف الحياة الأخروية، وقصص الديانات القديمة، وفي بعض المواضع بنفس عبارات القرآن.
فلماذا لا نرى هنا النموذج الذي أخذ عنه محمد ﷺ ؟.
وإذا حالف التوفيق محاولة إثبات هذه العلاقة، سيكون ذلك أهم اكتشاف علمي، يخفف عنا عبء التفسيرات الغيبية ولو جزئيا. وستكون نظرة الكتاب الذين اعتبروا شعر أمية الحلقة بين القرآن والتوراة (٢). نظرة صائبة.
стр. 131
ولكي نتمسك بهذه الحجة لا شك أن أول شرط يطلب إثباته أو طرحه هو صحة الشعر موضوع البحث. ولكننا لا ننوي أن نثير أي خلاف على هذه النقطة.
فإذا كان هناك بعض جامعي الشعر. مثل حماد وخلف الأحمر، قد اشتبه في أنهم لفقوا بعض الأشعار ونسبوها إلى القدماء بعد أن خلطوها بشعر هؤلاء، فإن تعميم هذا العمل المشبوه - بحيث يشكل كل الشعر العربي أو الجاهلي على الأقل - سيتضمن نوعا من المبالغة.
إلا أنه لا يكفي أن يكون النص صحيحا لكي يمكن اعتباره مصدرا للنص المشابه له، وإنما يجب أن يكون سابقا له في التاريخ. ولكن قضية أسبقية شعر أمية بالنسبة لآيات القرآن قضية مستحيلة الحل. لأن محمدا ﷺ وأمية قد عاصر كل منهما الآخر، وهما أيضا من نفس العمر تقريبا، فضلا عن أن أمية عاش واستمر في قرض الشعر طوال ما يقرب من ثماني سنوات بعد نزول آخرآية من سور القرآن المكية التي يوجد تشابه بينها وبين شعر أمية. بحيث يكون من التعسف الادعاء بأن هذا الشعر كان سابقا للقرآن من حيث التاريخ.
ونضيف أن أمية لم يدّع الأصالة ولا الإلهام، بل إنه كثيرا ما عبر عن خيبة أمله وأسفه في هذا الشأن، مما يحملنا على الإعتقاد بأنه قد اندفع إلى التقليد بروح المنافسة وعلى عكس ذلك، لقد أعلن محمد ﷺ على مسمع من جميع معاصريه بأنه لم يتلق علمه من بشر. ولنأخذ في اعتبارنا موقف خصوم النبي ﷺ في هذا الموضوع. فلقد كانوا دائما على يقظة لأقل ثغرة ليوجهوا من خلالها ضربتهم، ويحولوها إلى سخرية واستهزاء. ألم يكن من الأيسر لهم أن يضعوا يده على مسروقاته المفضوحة من شعر أمية الذي لم يكن قد جف مداده، بدلا من أن يوجهوا حججهم في كل اتجاه، وأن يلجأوا إلى كل افتراض، وصل إلى حد وصم الرسول ﷺ بالجنون لتفسير ظاهرة القرآن العجيبة؟.
ومن هذا نخلص - إن لم يكن بتأكيد - فعلى الأقل باحتمال كبير، بأن القرآن هو الذي كان أساس الإنتاج الأدبي في عصر نزوله، كما كان يقينا أساسه في
стр. 132
العصور التالية. ولا يضير فن الشعر في شيء أن نشكك في أصالة مصادره، بعكس ما قد يحدث إذا قلنا نفس الشيء عن مذهب ديني. لأن الشاعر لا يركز اهتمامه في الحقيقة التي يعلنها، بقدر ما يركزه في جمال القالب الذي يقدمها فيه، بغض النظر عن المصدر الذي يبحث فيه عن خاماته سواء في حكمة القدماء أو المعاصرين، في وقائع تجاربه، أو في الرأي العام، في أي شعور أو خيال، مهما كانت درجة هبوطه. ولقد أثبت نقد شعر أمية بصفة خاصة، أنه يرجع إلى عدة مصادر مختلفة - وهذا ما لاحظه هوارت - فعندما يتكلم الشاعر عن وصف النار يقلد أسلوب التوراة، وعندما يشرع في وصف الجنة يستخدم عبارات القرآن، وعندما يقص التاريخ الديني يلجأ أحيانا إلى الأسطورة الشعبية، وإلى ما يشبه الأساطير الميثولوجية (أو أساطير الآلهة اليونانية) حيث يتمثل الشخص أحيانا في صورة إنسان، وأحيانا في صورة حيوان أو نبات.
وتبقي أمامنا مرحلة أخيرة في مجال هذا التنقيب عن المصادر الطبيعية الخارجية للقرآن، ألا وهي: الأفكار الشعبية.
إننا لا ننوي أن ننفي عن محمد ﷺ وهو في شبابه - أي نوع من العلم المنقول إليه بطريق السمع عن الأديان السابقة. فليس من المقبول عقلا الادعاء بأنه كان يعيش في عزلة تامة تجعله أجهل من شعبه في هذه النقطة. ويبدو لنا هذا الشعب من خلال القرآن الكريم وقد توفرت عنده بعض المعلومات عن الأديان السابقة، مما جعله يطلب من الرسول ﷺ أن يأتي بآيات ربانية تشبه الآيات التي جاء بها المرسلون من قبل (١)، ويعارض دعوة الوحدانية بما كان قد سمعه عن آخر الأديان المنزلة (٢)، ويقارن ملة عيسى ﵇ بعقيدة الوثنية (٣)، ومن السهل
стр. 133
أن نتصور أن بعض المعلومات الأخرى عن التوراة قد انتشرت بين طبقات الشعب العربي بفضل تلاقي هذه الأديان في الجزيرة العربية.
ولكن أسبابا كثيرة، تحول بيننا وبين أن نوسع من خيالنا في هذا الشأن منها:
أولا: عدم توفر الدعاية واختفاء الرؤساء الدينيين.
ثانيا: ندرة المعتنقين الجدد وتشتتهم - وبصفة خاصة - جهلهم.
ثالثا: اعتزاز العرب القدماء بجنسهم، وقلة اهتمامهم بالأمور التي لا تتعلق بمصالحهم المباشرة أو تاريخهم القومي.
رابعا: عدم وجود الموضوعات الدينية في أدبهم، فيما عدا بعض الاستثناءات القليلة. ومن الجدير بالملاحظة هنا، أن نرى أن الاهتمام - حتى من جانب الذين سافروا وتعلموا - كان ينحصر في أشياء أخرى غير الأمور الدينية. فعندما أراد «النضر بن الحارث» منافسة القصص القرآني، شرع يقص على مستمعيه أساطير ملوك فارس القدامى، ومغامرات أبطالها، مثل رستم واسفندار (١) ... الخ، بدلا من قصص الأنبياء والمرسلين. وماذا كان ينشد النابغة الذبياني في شعره؟ يقول هوارت (٢): تاريخ الملك سليمان. ومعني ذلك أن بريق ومظاهر حياة البذخ هي التي كانت تستهوي العرب وقتئذ.
وإزاء سكوت التاريخ عن الدرجة الفعلية للمعارف المدونة، التي كانت تتوفر عند هذا الشعب الأمّي الغافل، فكل ما نستطيع عقلا أن ننسبه إليه يجب ألا يتعدى بعض المعلومات المبهمة والبدائية التي لا تختلف عما سبق توضيحه، ولا تهدينا إلى مصدر الحقائق القرآنية، بما اتصفت به من اتساع ودقة وعمق. والواقع أن تصور هذا الشعب الذي كان في عصر «الجاهلية» على درجة من العلم تؤهله للمشاركة في العلوم التي اقتصرت معارفها على بعض العلماء المعدودين في ذلك
стр. 134
الوقت، تعد فكرة غريبة لا تستقيم مع الحقائق المقررة. فلم يسبق في أي عصر من عصور التاريخ، وعند أكثر الشعوب تحضرا وعلما، أن وجدنا مثل هذا الربط بين الجاهل وبين العالم المتخصص. فهذا الأخير وحده هو الذي يستطيع أن يتحدث عن «القنبلة الذرية» لأنه يعلم أسرارها، بينما الآخر لا يملك أكثر من ترديد اسمها دون أن يدري عن تركيبها شيئا. وكل هذا لا يعدو أن يكون تفكيرا مبنيا على الاستنتاج، لا يجوز الاعتماد عليه إلا في غياب الحقائق اليقينية، وإليك ما يقوله القرآن الكريم الذي لا يلتزم الصمت عن جدّة تعاليمه بالنسبة للعرب، بما فيهم النبي ﷺ ، ففي مواضع كثيرة لا يفوته - وهو يقص بعض قصص القرآن - أن يؤكد أن محمدا ﷺ فضلا عن قومه - لم يكونوا يألفون أو يعلمون منها شيئا قبل نزول الوحي على الرسول ﷺ (١)، فإذا كان الأمر على خلاف ذلك، ماذا كان ينتظر من أعداء الإسلام؟.
وحتى على فرض تسرب بعض التفاصيل إلى معارف العرب البدائية، هل كان يستطيع محمد ﷺ أن يثق بكل بساطة في علم الجماهير، وهو الذي كان يقف مما يرويه العلماء موقف التحدي؟ ونظرا لأن الأفكار التي كانت رائجة في هذا المجتمع الديني الكبير لم يكن لها اتجاه واحد، بل كان لكل من المشركين والصابئين ورجال الدين والفرس واليهود والنصارى أسلوبهم الخاص في عرض الحقيقة! ففي أي فريق من هؤلاء كان الرسول ﷺ يستطيع أن يضع ثقته؟ وعلى أي دعوة من هذه المتناقضات يعتمد؟ وهب أنه حرص على أن يقص علينا عقيدة كل طائفة، وكل مذهب، وكل فرع، من تلك المذاهب المعاصرة، فأي خليط مخيف كنا
стр. 135
سنجده في القرآن (١).
تأملاته الفكرية الشخصية:
وهنا يتعين علينا إدخال عامل جديد ألا وهو العامل الشخصي.
فقد يظن أن الرسول ﷺ وهو في فترات تعبده في حراء قبيل نزول الوحي، بل وهو في خلوته عندما كان يرعى الغنم فى شبابه - كان ينطلق في تأملاته العميقة باحثا عن نوع الحقيقة في هذا الموضوع أو ذاك، وبعد إتمام بحثه يقوم بالإختيار والتحديد.
وهنا يجدر بنا التمييز بين مجالين من مجالات المعرفة الإنسانية، ألا وهما المعرفة الإمبيريفية (المنبعثة من الحياة اليومية) والمعرفة العقلية. فالتاريخ الإنساني لا يخضع لمنطقنا لأنه قد يشتمل على أحداث تتعارض مع ما يقبله العقل، فلا يستطيع محمد ﷺ بانطوائه على نفسه أن يكتشف حادثا ما وقع في تاريخ ما من الزمان الغابر. ولهذا تتركز الجهود على المقارنة بين القصص الديني في القرآن، وبينه في الكتب المنزلة السابقة للبحث عن الطريقة التي نتج عنها هذا التوافق العجيب.
ثمار تأملاته الشخصية:
ولكن إذا كانت التأملات العقلية غير ذات جدوى في مجال الأحداث الواقعية، فإنها بلا أدنى شك تكون ذات قيمة عظيمة في مجال الكشف عن الحقائق الخالدة. فما هي حدود العقل الصافي المجرد في مادة الدين؟ إنها ضيقة بلا شك لأن العقل في مقدوره أن يثبت لنا ضلال الوثنية والخرافات وفراغها وعدم جدواها ولكن متى أزاح من طريقه هذه الخزعبلات، فماذا يبني مكانها؟ فليست هناك دعوة أو مذهب أو نظرية تنبنى على حقائق سلبية. ومن الأرجح أن محمدا ﷺ قد وجد نفسه - وهو في هذه المرحلة - في موقف الحنفاء، أي قلقا وحزينا، وهو
стр. 136
الحال الذي يرسمه لنا القرآن عن صورته قبيل نزول الوحي عليه: لقد كان حزينا وكأنه يئن تحت حمل ثقيل (١).
ولنفرض أن اجتياز مرحلة البحث الأولى كان سريعا، وأن اكتشاف الحقيقة الجوهرية كان سهلا أو حدث في وقت مبكر. ولكن معرفة الله ليست هي كل العلم الديني الموجود في القرآن، والطريق الموصل إلى هذا العلم طويل ومتعثر إن لم يكن مغلقا ومسدودا أمام عقل الإنسان في حالة اعتماده على إمكانياته المحدودة. بأي إلهام إذن استطاع محمد ﷺ أن يكتشف صفات الله العديدة، وأسمائه الحسنى، وعلاقة الله بالكون المنظور وغير المنظور، والمصير الذي ينتظر الإنسان بعد الموت ... ومن غير أن يتراجع في حقيقة سبق أن أعلنها، ومع احتفاظه في نفس الوقت بتوافقه العجيب مع حقائق الكتب السماوية السابقة والمحفوظة بعناية تحت يد العلماء؟ لا شك أن العقل مهما بلغ من الصفاء والقوة لا يستطيع أن يخطو خطوة واحدة في هذا السبيل بمثل هذه الثقة وهذا الوضوح ما لم يكن له عون ومدد من تعاليم ايجابية خارج نطاق البشر. والقرآن يؤكد هذا في تلك النقطة التي تشغلنا، ويقرر أن محمدا ﷺ لم يكن يدري قبل نزول الوحي عليه ﴿مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وذلك بصرف النظر عن البناء التشريعي بمظاهره المختلفة، الأخلاقي منها والاجتماعي والتعبدي. كيف نعبد الله؟ ما هي قاعدة السلوك المثلى للفرد والمجتمع والإنسانية؟ لقد كان محمد ﷺ يجهل كل ذلك فهل كان في استطاعته هداية غيره، بينما كان عاجزا عن هداية نفسه في أمور دينه؟ (٢).
стр. 137
الفصل الثاني البحث عن مصدر القرآن في الفترة المدنية
هل أثر إنتقال الرسول ﷺ إلى بيئة جديدة واتصاله بأهل الكتاب في سلوكه ومصدر علمه ؟
بعد أن جبنا الآفاق المكية في عجل، وتوصلنا إلى نتيجة سلبية أينما بحثنا، كان أجدر بنا أن نصدر حكمنا الآن لو لم يطرأ أي تغيير على مسيرة النبوة المباركة.
ونظرا لأننا لم نقابل هذا التعبير في بداية الفترة المكية، فقد بحثنا هذه الفترة ككل، من غير تمييز بين ما كان قبل أو بعد نزول الوحي. ولما كنا بصدد البحث عن مصدر بشري للقرآن، فقد تعيّن علينا فيما تقدم - وينبغي علينا هنا - أن نبعد عن مجال البحث ظاهرة الوحي، فإذا أبعدنا هذه الظاهرة - نستطيع أن نقرر - أنه طوال نصف مدة الرسالة المحمدية، أي خلال مدة إقامته بمكة، بقيت جميع الظروف البيئية بدون تغيير بينما مالت احتمالات حصوله على تعليم خارجي إلى الضعف ومنذ أن أعلن محمد ﵇ دعوته، دخل التاريخ من أوسع أبوابه، ثم بدأت تعد عليه خطواته تدريجيا وتحسب عليه اتصالاته، ثم باطراد زيادة المعارضة والاضطهاد، زاد استقلاله وإيمانه، وارتفع شأن دعوته.
وعليه فنظرا لضعف احتمال وجود أي مصدر يصلح استخدامه في الفترة المكية، بل انعدام هذا المصدر، فإن الإتجاه الآن يزداد أكثر فأكثر نحو استبعاد الفرض القائل بتلقي محمد ﷺ لتعليم بشرى فيما قبل الهجرة.
تغيير الموطن:
ولكن تغييرا عظيما قد طرأ في الواقع مع الهجرة على وجه التحديد. فمن بيئة وثنية جاهلة عنيدة، انتقل الرسول ﷺ إلى جو مرحب ودود، يحوطه فيه أتباعه الأقوياء المخلصون. وهو منذ ذلك الحين على اتصال بطائفة منظمة دينيا، ولها
стр. 138
كتابها المقدس ألا وهم يهود المدينة فهلا نجد في هذا العهد الجديد، وهذا الوسط الجديد، فرصة سانحة لعقد بحوث تاريخية، وإجراء تقريب بين المبادئ المتجاورة؟
لنستعرض أولا الموقف عموما بالنسبة لروح القرآن من اليهود، ويمكننا أن نرجع إلى الفترة السابقة على الهجرة، لكي نرى ما إذا كان القرآن يعتبر المجتمع الجديد مثلا صادقا للفضيلة المنزلة من عند الله، وبالتالي جديرا بالإتباع والتأسي.
أخلاق اليهود في نظر القرآن:
من الغريب أن نلاحظ هذا التعارض الصارخ بين موقف القرآن الدائم من المجتمع اليهودي، وموقفه من المجتمع المسيحي، فعندما يتكلم عن المسيحيين بصفة خاصة، نجده إذا لم يثني عليهم (١) فعلى الأقل يوجه إليهم بعض اللوم في لهجة مخففة نسبيا (٢) ولكن الأمر ليس كذلك عندما يتحدث إلى اليهود في ذلك العصر، أو إلى أهل الكتاب عموما، فهم - في نظر القرآن - أناس لا يتبعون ما أنزل إليهم، وإنما يتبعون إلهام الشياطين (٣) وعندما ألمح إلى ما أوقعه يهود اليمن في الماضي من تعذيب المسيحيين بنار الأخدود، انضم القرآن إلى صف المسيحيين واعتبر هذه الجريمة تآمرا مع سبق الإصرار على الإيمان الحق (٤).
وعند ما انتقل القرآن إلى المدينة بعد ذلك احتفظ بموقفه وعدّد إدانتهم. فالذين تلقوا التوراة وحفظوا نصوصها لا يراعونها بإخلاص (٥)، وهم يتعاملون بالربا، ويلجأون إلى حيل مختلفة لأكل أموال الناس بالباطل (٦). واعتمادا على بعض
стр. 139
الأماني والأوهام، يستبيحون الرشوة والكذب (١) ويعتقدون أنه ليس عليهم حساب بشأن الطوائف الأخرى، ولا التزام بالعدل (٢) في معاملاتهم معهم.
المعارضة الشعبية لنظامين مدنيين:
أليس من الغريب أن نفترض أن هذا الشعب الذي يقف القرآن منه هذا الموقف، ويحكم عليه هذا الحكم الصارم، يمكن أن يكون نموذجا يحتذي به محمد ﷺ ومصدرا لتعاليمه؟ مهما بلغ من تعارض هذا الافتراض مع المنطق. فإن ذلك لا يمنع من بحثه ودراسته فقد تكذب الوقائع أي حكم جزافي مسبق. ولهذا علينا أن نتقبل بالترحيب أي بحث جدّي يكون غرضه كشف أي جانب مجهول من الحقيقة. وإن شك ديكارت المنهجي في نظرنا مبدأ صالح ولا غنى عنه سواء في مجال الإيمان أو في مجال العلم؛ فماذا يفيد بناء الإيمان على رمال متحركة؟ فالأخطاء والأحكام المتحيزة، أمام الضمير المخلص، هما العدو الأول الجدير بالمطاردة حتى عند بحث الحقائق التي تبدو كما لو كانت البراهين قد أجمعت على صحتها.
فعندما نرى القمر يغيّر منازله بحسب موقعه من الشمس، نحكم عن معرفة، بأنه يتلقى نوره من الشمس. ألا يتعين علينا أن نحكم نفس الحكم عندما نرى أن ما نزل على محمد ﷺ يتطور ويتعدل ويتراجع بحسب اتصاله مع المجتمع المدني المزود بالعلم؟ هذا هو ما حاول بعض الكتاب الأوروبيين إثباته.
الحرب وتعدد الزوجات:
ومن غير أن نبعد كثيرا، فقد تأثر أغلبهم بمظهرين عامين وجدوهما متعارضين مع ربانية الرسالة. وتتركز أكبر حججهم في موقف الرسول ﷺ المعادي الذي
стр. 140
اتخذه في المدينة، والذي اعتبروه تغييرا مفاجئا بالنسبة لموقفه في مكة. وعند ما نضيف إلى ذلك تعدد زوجات الرسول ﷺ في أواخر أيام حياته، يكون ذلك في نظرهم بمثابة هدم نظام الأخلاق الإسلامي في مرحلته الأخيرة. وحتى الذين يقدرون الإسلام حق قدره، وهو في نشأته مضطهدا ومثخنا بالجراح، ويقدرون أيضا مؤسّسه المسالم والمتزوج بامرأة واحدة، ينتابهم الهول عندما يرونه فيما بعد «ملطخ اليدين بالدماء ومحاط بموكب من زوجاته».
نستطيع أن نكشف بسهولة تحت هذا الأسلوب التصويري لكّتاب مسيحيين، أساسا للاستدلال، لا يمكنهم أخذه مأخذ الجد دون أن يهدموا جزءا من إيمانهم بتعاليم التوراة قبل مجيء المسيح، وهي تلك التي يمكن أن تثير بشأنها حجتهم المزدوجة. وحينئذ لا مناص من القول بأنهم كانوا مدفوعين بشعورهم، أكثر من اعتمادهم على التدليل المنطقي الصارم.
وعلى كل حال لقد أثبتنا فيما تقدم - بما يغنينا عن التكرار - موقف القانون القرآني الحقيقي إزاء النقطة الأولى (١).
أما النقطة الثانية فإنها تكاد تمس من بعيد موضوع دراستنا، وهو القرآن لا شخصية الرسول ﷺ . وبما أن القرآن لا يتوانى في إلقاء الضوء على حياة رسوله الخاصة، فسوف نرى كيف تبدو حياته من خلاله:
تبدو شخصية الرسول ﷺ في القرآن محددة بخطوط ثلاثة: الشعور والإرادة والإيمان. فهو بطبيعته بشر كما كان حال من سبقه من المرسلين (٢)، وهو يأكل الطعام ويسعى في كسب رزقه (٣)، وله مثل - بعض الرسل ﵈
стр. 141
زوجات وذرية (١)، فضلا عن أنه يقدر الجمال الإنساني (٢)، ولما كان هناك اتفاق على تحديد الحاسة الخلقية بأنها ليست في انعدام الشعور بل في السيطرة على الأهواء الذاتية، وجب أن نأخذ في اعتبارنا العامل الثاني وهو: الإرادة. وهنا نراه ﵇ يتمتع بقدرة على الامتناع، بلغت من قوتها أنه يستطيع أن يحرم على نفسه المباح من الطعام لمجرد عدم إثارة سوء تفاهم (٣). ولقد قالت عنه عائشة إنه لم يوجد مثله في التحكم في حواسه (٤)، ثم يأتي أخيرا موضوع خضوعه المطلق لتعاليم الله ﵎ التي تعلو على نظرته وميوله. ونذكر بهذه المناسبة القاعدة القرآنية التي تحدد له فئات النساء اللاتي يستطيع أن يتزوج منهن (٥)، والقاعدة الأخرى التي جاءت في وقت آخر لتحرم عليه صراحة عقد أي زواج جديد مهما كانت قوة رغبته فيه، ولا أن يتبدل بزوجاته زوجات أخر (٦). ولقد بلغت هذه السلسلة من القواعد ذروتها في حالة مطلّقة زيد (ابنه بالتبني) وهي الزيجة الوحيدة المنصوص عنها في القرآن (٧) فنراه يحاول بكل جهده أن يمنع إتمام هذا الزواج. ولكن قانون القرآن يفرضه عليه فرضا ليضع حدا (ليس فقط بالنص كما كان الرسول ﷺ يرجو، وإنما بالتطبيق العملي أيضا) لنظام تبني الأطفال في
стр. 142
الوثنية الذي كان يقضي بالتماثل بين الابن المتبني والابن الشرعي. وهو ما يمكن تسميته حرفيا: الزواج بدافع الواجب رغم أي شعور معارض.
وإذا بحثنا الظروف التي عقدت فيها زيجاته الأخرى، نجد أن أغلبها فرضت عليه - ليس بدافع من ضرورة تشريعية مشابهة - وإنما لاعتبارات إنسانية سامية مثل مواساة وتشريف زوجة شهيد أو مهاجر مات بين أصحابه في هجرته أو توثيق بعض الروابط القبلية بين القبائل التي تعاهد معها أو إيجاد جو مناسب لعتق أسرى قبيلة بأكملها (وقد كانوا بالفعل في أيدي المسلمين، وأعتقهم المسلمون في الحال نظرا لقرابتهم الجديدة برسول الله ﷺ ... الخ ولكن هل يجب أن يكون الإنسان مؤرخا لكي يستطيع أن يحكم على الطابع الأخلاقي لرجل عاش شبابه في العفاف المطلق، وبعد زواجه عاش مع زوجته الوحيدة بإخلاص ما يقرب من ثلاثين عاما، وأنه لم يشرع في زواجه الثاني (١) إلا وقد بلغ الخامسة والخمسين؟ وإذا أخذنا في اعتبارنا مشاغله وانشغالاته وأعباءه وهمومه المختلفة العامة منها والخاصة: مثل إقامة الصلوات الخمس منذ الفجر حتى العشاء، وتعليم القرآن، وتوزيع الصدقات العامة، والفصل في المنازعات، ومقابلة الوفود، ومراسلة الملوك والحكام، وقيادة المعارك العسكرية وسن التشريع، وتأسيس الدولة ... الخ. وباختصار العناية بكل شيء، وبكل الناس. ثم بعد ذلك قيام الليل راكعا أو ساجدا أو قائما، متوجها إلى السماء ... كل هذا يدعونا إلى الاعتقاد بأن الباعث الحقيقي على الزواج هو شيء آخر بعيد كل البعد عن إرضاء الغريزة البهيمية (٢).
стр. 143
الادعاء باختلاف الأساس بين التعاليم المكية والمدنية في القرآن:
ورغبة في عدم الوقوف عند هذه المعارضة العامة ضد الحرب وتعدد الزوجات، أراد بعض المستشرقين أن يتوغلوا أكثر ببحثهم في نصوص القرآن. فاعتقدوا أنهم وجدوا اختلافا جذريا بين تعاليم القرآن في الفترة المكية وتعاليمه في الفترة المدنية. ففي مكة مثلا كانت الأساطير اليهودية والمسيحية في حالة تخطيط أولى (١). ولما اتصل محمد ﷺ في المدينة باليهود استطاع أن «يألف قصص إبراهيم ﵇، وعلاقات الأنساب بين إسماعيل ﵇ والشعب العربي» (٢) ولقد «عاش في البداية وهو يسيطر عليه وهم جميل، بأن دعوته أي القرآن، تتفق تماما مع كتب اليهود والمسيحيين المقدسة ولكن معارضة اليهود المريرة أثبتت له العكس» (٣). وكانت الصلاة في البداية مرتين في اليوم والليلة؛ أما في المدينة فقد أضيفت إليها صلاة ثالثة هي صلاة العصر «وواضح أن القصد من ذلك كان محاكاة اليهود» (٤). «ولنفس السبب شرع يوم عاشوراء؛ وتحولت القبلة إلى بيت المقدس» (٥)، وهما إجراءان تم نسخهما فيما بعد بسبب موقف اليهود العدائي من الإسلام (٦). وهكذا يتأثر التشريع التعبدي بالتقلبات السياسية (٧)، وحتى فكرة القرآن عن الله طرأ عليها تغيير من تأثير المواقف الحربية في الفترة المدنية «فانضمت صفة القوة والجبروت ضد الكفار المعاندين إلى صفة
стр. 144
القصص الديني اليهودي والمسيحي في القرآن:
لنعد أدراجنا كي نرى مدى صحة هذه الملاحظات.
فيما يختص بالقصص الميسيحي واليهودي بوجه عام، يؤسفنا ألا نجد ما يؤيد هذه الملاحظة من قريب أو بعيد. والرجوع إلى النص القرآنى يثبت لنا العكس تماما، فالسور المكية هي التي تعرض (١) أطوار قصص التوراة بتفاصيلها الدقيقة، ولم تترك للسور المدنية سوى فرصة استخلاص الدروس منها وغالبا في تلمحات موجزة.
علاقة الأنساب بين العرب وبين إبراهيم وإسماعيل ﵉:
أما موضوع إبراهيم ﵇ بصفة خاصة، فإننا لا نعرف شعبا آخر له مثل ما للعرب من شغف بعلم الأنساب حيث يحرصون على الاحتفاظ في ذاكرتهم بسلسلة أجدادهم حتى وصلوا إلى الجيل العشرين. فهل من المحتمل أن يبقى هذا الشعب في جهالة تامة بأصله حتى آخر لحظة؟ وإذا لم يذكرهم وجود الكعبة بينهم - وفيها بعض الاماكن المعروفة تحمل اسم ابراهيم واسماعيل ﵉ بعلاقاتهم بهذه الأسماء المجيدة، فيمكن على الأقل أن يكونوا قد سمعوا عنها من اليهود جيرانهم منذ عدة قرون قبل الهجرة. وعلى كل حال يبدو لنا أن القرآن
стр. 145
من اليهود جيرانهم منذ عدة قرون قبل الهجرة. وعلى كل حال يبدو لنا أن القرآن لم ينتظر انتقاله إلى المدينة لتوثيق هذه الرابطة، لأنه سبق للسور المكية أن أشارت إلى ذلك (١) بل إنها دعت الرسول ﷺ إلى اتباع ملة إبراهيم الحنيف ﵇ (٢).
موقف الإسلام من الأديان السابقة:
هل طرأ على موقف الإسلام من الأديان السابقة تطور في موطنه الجديد؟ وهنا أيضا نرجع إلى النص القرآني الذي يوضح لنا أن السور المكية وهي تطالب بشهادة أهل الكتاب للإدلاء بعلمهم عن الكتب المقدسة (٣)، فإنها تدين في نفس الوقت الكتابيين الذين اتبعوا الشيطان وتحالفوا معه (٤). وفي مقابل هذا احتفظ القرآن في المدينة بموقفه من العلماء الذي يستشهد بهم وهو يؤكد أن عددا منهم لا يرغب في أداء الشهادة (٥). وهكذا يفرق القرآن في الحالتين بين الكتب المقدسة ذاتها، والعلماء الذين يتبعونها بإخلاص، وبين هؤلاء الذين يسمون أنفسهم يهود أو نصارى، وهم يتبعون أهواءهم.
عدد صلوات المسلمين:
أما عدد صلوات المسلمين فنقرر أنه لا يوجد في جميع المراجع والمؤلفات الإسلامية التي أطلعنا عليها أية إشارة إلى مثل هذا التطور، ومن المؤسف حقا أن النقاد الغربيين لا يدلوننا على الوثائق التي إستقوا منها هذه الفكرة الغريبة. فطبقا لجميع الحقائق التي في متناول أيدينا فإن عدد هذه الصلوات خمس منذ أول لحظة