INITIATION AU KORAN
هذا الكتاب يمثل إحدى رسالتين باللغة الفرنسية نوقشتا فى ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٤٧ بجامعة باريس، وبفضلهما نال المؤلف درجة الدكتوراه فى الآداب بمرتبة الشرف الأولى.
стр. 2
تقديم الكتاب
هذا البحث هو موضوع الرسالة الفرعيّة من رسالتي الدكتوراه اللتين تقدم بهما فقيد الإسلام والعروبة، العالم الجليل، الدكتور محمد عبد الله دراز، باللغة الفرنسية، إلى جامعة باريس (السوربون)، ونال بهما درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى في صيف عام ١٩٤٧.
وكان عالمنا الجليل قد سافر في عام ١٩٣٦ إلى فرنسا في بعثة أزهرية وبعد أن قام بدراسة الفلسفة وتاريخ الأديان وعلم النفس والأخلاق، اشتغل للتحضير لدرجة الدكتوراه. فكتب رسالتين: رسالة رئيسية عن «الفلسفة الأخلاقية في القرآن» ورسالة فرعية بعنوان «المدخل إلى القرآن الكريم» وهي التي نقدمها اليوم بين يدي القارئ، مترجمة إلى اللغة العربية.
ونأمل في تقديم الرسالة الرئيسية في فرصه قريبة، بعد أن نكون قد أتممنا ترجمتها ومراجعتها، وفقا لما كان يتمناه فقيدنا، بحيث تظهر أقرب ما يكون إلى فكره الدقيق، وأسلوبه الرصين، ودقته في مراعاة أصول البحث العلمي.
ويحتوي البحث الذي بين أيدينا على ثلاثة أقسام، قسم تاريخى وقسم تحليلي، وقسم نقدي جدلي. وكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة ينقسم بدوره إلى ثلاثة فصول.
ويهتم الفصل الأول: من القسم التاريخي بإلقاء نظرة تاريخية عابرة على طفولة النّبى الكريم ﷺ وشبابه حتى بداية بعثته ﷺ ، ونستخلص من هذه النظرة طابع الإخلاص المطلق الذي إتصف به الرسول ﷺ ، والذى كان يوحي بالثقة الكاملة لكل من عرفه سواء من أصدقائه أو من أعدائه ﷺ . وتعتبر شهادة «أبي سفيان» في هذه النقطة وثيقة تاريخية ثمينة في مظهرها العربي والروماني على السواء ... وإن كانت مجهولة تماما في الكتب الأوربية. وإنها في صورة حوار قام
стр. 3
فيه «أبو سفيان» بالرد على أسئلة محبوكة وجهها إليه الإمبراطور «هرقل» وكان أبو سفيان في ذلك الوقت، من أشد أعداء محمد ﷺ ضراوة وحنقا. وقد وصى المؤلف على نقل هذا الحوار بأكمله لأنه يوضح كثيرا من المسائل التي تناولها البحث.
وفي الفصل الثاني: عرض المؤلف الظروف التي نزل فيها القرآن الكريم والظروف التي جمع فيها، ثم انتقل من خلالها حتى وصل إلينا. ويتضح من هذا البحث أن النص القرآني الذي بين أيدينا اليوم لا يرجع إلى الخليفة الثالث، عثمان بن عفان، كما يقال، ولا إلى الخليفة الأول أبي بكر، وإنما هو مطابق مطابقة حرفية للنص المكتوب بإملاء الرسول ﷺ والذي حفظ بعناية وتقديس في صدور الصحابة وقرائهم.
وبعد أن حفظ النّص القرآني على هذا النّحو، بعيدا عن أي خلط أو شكوك إنتقل كما هو معلوم من جيل إلى جيل بأمانة وتقديس حتى وصل إلينا والدليل الذي يقطع بصحته يكمن في أنه رغم الخلاف الذي نزع بين المسلمين منكرا بسبب تباعد آرائهم السياسية، فقد ظل القرآن واحدا في العالم الإسلامي كلّه حتى بالنسبة للفرق الإسلامية الحانقة على الخلفاء الثلاثة الأول.
أما الفصل الثالث: فيفند الخطأ الشائع الذي يزعم أن الإسلام يبيح نشر الدعوة بالقوة، واستطاع المؤلف أن يثبت ما يخالف ذلك، ويؤكد أن حرية العقيدة والدين هي من المباديء التي أرساها وعزّزها القرآن الكريم بصراحة ووضوح. فإنه لا يكره الضمائر، وإنما يتصّدى لكل من يحاول قهرها وإجبارها، فالحرب الشرعية المقدسة في نظر القرآن هي الحرب الدفاعية وإذا كانت هناك مخالفات لهذه القاعدة قد وقعت عبر التاريخ، فإنها، في الواقع لا تستند إلى حرفية النّص القرآني ولا إلى روحه فضلا عن أنها لم تكن السبب الرئيسي لانتشار الإسلام.
*** وتقودنا خاتمة القسم الأول التاريخي، إلى القسم الثاني التحليلى حيث يحاول
стр. 4
المؤلف إستخلاص الأفكار الرئيسية في الدعوة القرآنية من جانبها الديني، وجانبها الخلقي.
فالإسلام في معناه الحرفي، هو الإيمان بالله والخضوع للإرادة الإلهية وهو بهذا المعنى لا يتعارض مع اليهودية ولا مع المسيحية، وإنه يدعو للإيمان بجميع الكتب المنزّلة وجميع الأنبياء إيمانا يضمّهم جميعا بتقديس واحد دون التمييز بين أي منهم.
والإسلام من هذه الناحية ليس دعوة جديدة، ولا حتى اصلاحا، وإنما مجرد عودة إلى الوحدة الأصلية. إنه الدين الأوحد الذي لم يأل الرسل ﵈ جهدا في الدعوة إليه منذ نوح وإبراهيم حتى موسى وعيسى ﵈.
هذا فيما يتعلق بالحقيقة الدينية. ولا يختلف الأمر عن ذلك فيما يتعلق بالقانون الأخلاقي: فقد أقام جميع الرّسل ﵈ ميزان العدل، وكلهم أمروا بأن يفعلوا الخير ويحثوا على الخير. ولقد سن الصلاة والزكاة كل من إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وموسى وعيسى ﵈. كما كتب الصّوم على الأمم السابقة، وشرع إبراهيم ﵇ فريضة الحج. ولقد أدان كل من هود وصالح ﵉ حب قومه للأموال والمتع الدّنيوية والعدوان والفساد. وقاوم لوط ﵇ انحلال قومه وانغماسهم في الرذيلة، وقاوم شعيب ﵇ الغش في التجارة. فجميع الناس مرجعهم إلى الله، وستعرض عليه أعمالهم في الدّنيا سواءا في ذلك الرّسل ﵈ أم الشّعوب التي أرسلوا إليها.
وفضلا عن إحياء السلوك القديم والتضامن الفكري الذي يجمع بين رسل الله جميعا ﵈، فإن القرآن يذكر دائما في كلا المجالين العقيدي والعملي ما في نفس الإنسان من عنصر مشترك: هو الحكم الفعلي والسليم الذي يميز به الإنسان الخير والشر.
وهكذا نرى أن الدّعوة القرآنية دعوة عالمية في هدفها، وهي عالمية أيضا في أسلوب ووسائل الإقناع التي يتبعها القرآن لتحقيق هذا الهدف السامي.
стр. 5
ولكن القرآن لم يأت فقط لتذكير الناس بالعقل السليم، ولإعادة الخلق القويم بينهم. فليست رسالته الوحيدة هي تعزيز الرسل السابقين ﵈ والربط بين دعواتهم بسياج الوحدة والتصديق عليها، بعد أن وفق بين عدد من أحكامهم التي كانت في الظاهر متعارضة. وإنما اضطلع القرآن، كتاب الإسلام، بمهام أخرى جديدة.
أولا: أن يخفف عن الإنسانية بعض الشرائع القاسية التي كانت قد سنت بصفة مؤقتة كتكفير عن معاصي ارتكبت، وإعادة الأمور إلى نظامها الطبيعي الرحيم.
ثانيا: وبصفة خاصة إضافة تكملة ضرورية لكل ما سبق. ولقد اتضح من حصر بعض الأحكام في التوراة وفي القرآن أن كل مرحلة من مراحل الوحي الإلهي تعتبر - مع احتفاظها بما اكتسبته من المرحلة السابقة - تقدما ملموسا عليها. وساق المؤلف كثيرا من الأمثلة لهذه الخاصية التدريجية التقدمية، سواءا في الإنجيل بالنسبة للتوراة، أو في القرآن بالنسبة للكتابين السابقين عليه، ولا يعدو أن يكون هذا الحصر وهذه المقارنة إلا تعزيزا لكلمة الرسول ﷺ الخالدة «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
*** أما القسم الثالث والأخير من هذا الكتاب، فقد كرسه المؤلف لدراسة، طريقة القرآن في إثبات ربانية مصدره. ولقد تركز هذا التدليل، بصفة خاصة، على النقاط التالية:
١ - طابع الوحي المفاجئ وغير المنتظر. فمحمد ﷺ لم يدر بخلده أنه سيبعث رسولا، وبعد أن تلقى الوحي لم يكن يضمن استمراره.
٢ - الجهل الذي كان فيه محمد ﷺ وشعبه ليس فقط فيما يتعلق بالقصص الديني وإنما في كل ما يتعلق بالإيمان والتشريع والكتب المنزّلة والسلوك الأمثل عند الله.
стр. 6
٣ - حالة الأمية. إذ أن محمدا ﷺ لم يكن يقرأ أو يكتب.
٤ - وكانت اللغة الأجنبية للأديان السابقة أمام النبي ﷺ حائلا طبيعيا يمنعه من الوصول إلى هذه المصادر، وأن يفهمها من نصوصها الشفهية.
٥ - ومع ذلك: شهد العلماء المتخصصون في الكتب المنزلة السابقة بصدق ما جاء به محمد ﷺ عن كتبهم.
٦ - أما بالنسبة لقومه الذين عاش بينهم عددا من السنين يعادل عمرا فقد أدركوا أنه ﷺ لم يكن ليأتي بهذا الكتاب من عنده.
٧ - قوة أخلاقه ﷺ ، وصدق إيمانه، وشعوره المرهف بمسؤوليته يوم القيامة، كلها حقائق لا تتفق مع إمكانية أن يخترع شيئا وينسبه إلى الله.
٨ - وإذا نظرنا للقرآن في حد ذاته، وافترضنا أنه كان من نتاج بشري وأخذنا في اعتبارنا ضخامة محتواه وطول مدة نزوله، فقد كان من المحتم أن يتضمن بعض التصريحات المتناقضة، أو المتعارضة مع بعض الوقائع السابقة أو اللاحقة له.
٩ - ولكن الحقائق التي يقدمها القرآن - حسب تعبيره - لا يمكن الطعن فيها من بين يديها ولا من خلفها، أي لا في الماضي ولا في المستقبل.
١٠ - وأخيرا فليس من المستحيل أن يصدر القرآن عن قلب رجل، أو عن قلب رجال، وإنما إذا اجتمع عالم المنظور وعالم غير المنظور، وتضافرت جهودهم لإتيان شيء مثله، فلن يتمكنوا من ذلك أبدا. هذا التحدي الإلهي لم يهدمه أحد في الماضي، ولن يهدمه أحد في المستقبل. فلسنا نحن الذين نعلنه وإنما هو القرآن الذي يتولى الدفاع عن نفسه بنفسه.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨].
*** ومما يزيد في قوة الحجج والأسانيد التي يوردها الباحث الجليل، أنه لم يكتف
стр. 7
في مناقشته لنقاط البحث المختلفة بالرجوع إلى نصوص القرآن، أو إلى ما أثر عن السلف الصالح وعلماء الفقه، بل وأنه كان - وفقا لطريقته في التعمق - يجهد عقله لكي يتصور ما قد يمكن أن يواجه من اعتراضات على ما يقدمه من حقائق، ويقلب كل مسألة من المسائل على وجوهها المختلفة، المحتملة منها وغير المحتملة، ويورد ما جاء بشأنها في كتب المستشرقين والفلاسفة والمفكرين الغربيين، ثم يرد عليهم بحجج عقلية من نوع حججهم فيكون في ذلك أبلغ الرد عليهم، وخير وسيلة لهدم دعاواهم.
ولا يسعنا في ختام هذا التقديم إلا أن ننوه بالجهد الذي بذله المترجم الأستاذ محمد عبد العظيم، الذي وضع ثقافته الدينية وإيمانه العميق إلى جانب تمكنه من اللغة الفرنسية، وجعل كل هذه العناصر في خدمة النص الفرنسي فجاءت ترجمته موفقه غاية التوفيق. كما أن حرصه على خدمه النص اقتضى منه إثبات الآيات القرآنية في مواضعها من الهوامش بالرغم من كثرتها، ولم ترد هذه الآيات في النص الأصلي إلا بأرقامها ومواضعها من السّور. كما أنه قام بتوثيق النصوص الأخرى التي وردت في الرسالة وذلك بالرجوع إلى مصادرها العربية في كتب الفقه والحديث.
أما مراجعتنا للترجمة فقد كان هدفها الرئيسي أن يخرج الكتاب في صورة أكثر ما تكون مطابقة لفكر أستاذنا وأسلوبه وطريقته في التعبير. وقد كان ﵀ حريصا على هذا المعنى - يريد أن يقوم بهذه الترجمة بنفسه، أو يعهد بها إلى أقرب الناس إلى فكره.
فلعلنا بهذا العمل نكون قد قمنا بواجب الوفاء نحوه، ووفينا ببعض ما كان يهدف إليه من نشر العلم وخدمة الدين الحنيف.
بنغازي في ربيع الأول ١٣٩١ هـ
(مايو ١٩٧١ م)
دكتور السيد محمد بدوي
أستاذ علم الاجتماع
بجامعة الإسكندرية - والجامعة الليبية
стр. 8
مقدمة
نستطيع دراسة القرآن الكريم من زوايا جد مختلفة، ولكنها جميعا يمكن أن تنتهي إلى قطبين أساسيين:
اللغة والفكر. فالقرآن كتاب أدبي وعقيدي في نفس الوقت وبنفس الدرجة.
فباعتباره كتاب لغوي وبلاغي تتطلب دراسته دراية واسعة وعميقة باللغة العربية التي أنزل بها نصه الأصلي. ولما كانت غالبية المجتمع الجامعي الأوروبي الذي نقصده أساسا بهذه الدراسة لم يألف هذه اللغة فسوف لا تتركز جهودنا على هذه النقطة. وإذا وضعناها أحيانا في الاعتبار، فسوف لا يكون ذلك إلا بصفة ثانوية، بوصفها وسيلة لزيادة تأثيره وتقوية سلطان التعاليم التي يتضمنها.
أما جانبه الثاني فلا يتطلب من الدارس أن يكون عربيا أو متحدثا بالعربية ليضطلع بدراسة جدية ومثمرة للقرآن. أقصد بذلك هذا الكنز من الأفكار الذي يتكشف من ثنايا أسلوبه الأدبيّ الرفيع والذي سنعرض هنا لثلاثة مجموعات منه:
الأولى - طبيعة دعوته، أي مجموعة الحلول التي يقدمها للمشكلتين الخالدتين ألا وهما «المعرفة» و «السلوك». ثم نعرض بعد ذلك أساليب الاقناع التي يستخدمها لإثبات صدق هذه الدعوة. وأخيرا البراهين التي يدلل بها على الطابع الرباني المقدس الذي ينعت به رسالته. فنستطيع إذن دراسة القرآن من هذه النواحي بعيدا عن نصه العربي إذا توفرت لنا ترجمة سليمة (١). وهذه الدراسة المستقلة عن اللغة هي ما تهدف إلى الإسهام به عن طريق هذا البحث.
стр. 9
وفي الحقيقة، كان الغرض الأساسي من هذه الدراسة استخلاص قانون الأخلاق القرآني بغض النظر عن كل ما يربط هذا القانون بباقي «الكتاب الرباني». ولكن قبل أن نستخلص هذه الخلية الحية من نظرية القرآن ونتناولها بالبحث كوحدة مستقلة (وهو العمل الذي خصصنا له مجلدا آخر) رأينا أنه من المفيد عرض الخطوط الرئيسية لهذا البناء الفكري في وحدتها التي لا تتجزأ وأن نوضح المكان الذي يحتله العنصر الأخلاقي من الإطار الكلي.
ولهذا سوف نلقي نظرة سريعة ولكنها عميقة على البناء القرآني لنستخرج الأفكار الرئيسية الموجودة في كل جزء من أجزائه، كما أن هذه النظرة ستكون شاملة بحيث تتضمن المظهر العام للمناهج المتبعة والأهداف المنشودة.
وبعد عرض نقاط تاريخية لا غنى عنها - أضفناها بناءا على اقتراح وجيه من المسيو موريس باترونييه دي جانديّاك الأستاذ بالسوربون - فإن الموضوع الجوهري لبحثنا هو عرض رسالة القرآن في جملتها كما يعرضها القرآن نفسه لا كما وردت خلال الأحكام أو التفسيرات أو التطبيقات التي اختلفت نسبة إخلاصها عبر التاريخ، وسوف نقابل في طريقنا بشأن هذا الكتاب المقدس إما بعض الأحكام القاسية فنصححها أو بعض الاستنتاجات العاجلة فنقّومها، وفي كل هذا سنترك النص القرآني ليتولى الدفاع بنفسه عن نفسه ويقدم الحجة تلو الحجة، وتكاد وساطتنا تنحصر في الربط والتنسيق بطريقة منطقية بين أجزاء هذا الدفاع، تاركين للقارئ الفرصة ليقدر بنفسه قيمة هذه الحجج تاريخيا وفلسفيا.
فالدراسة إذن دراسة موضوعية للقرآن بقدر ما يستطيع أي مفكر أن يتجرد من ظروفه الذاتية الخاصة. على أن ذلك قد لا يمنع أن ينعكس دور الدفاع الذي نقوم به على بعض عباراتنا فيصبغها بصبغة الحماس أو بلهجة الإقناع. ولكن ذلك لا يعدو أن يكون إنعكاس الأصل في المرآه وليس شيئا جديدا نابعا من طريقتنا في التفكير.
وجدير بالملاحظة أن استخلاص فكرة القرآن من غلافها وإخراجها على هذا
стр. 10
النحو من إطارها المحلي لتقريبها إلى الفكر الأوربي البعيد عن اللغة العربية ما هو إلا تحقيق لجزء من رسالته الحقيقية. لأن القرآن يقصد الإنسان حيث يكون وإلى أي جنس ينتمي. وذلك حين يوجه نداءه إلى العقل والذوق السليم والشعور الإنساني النبيل، إنها دعوة عالمية تهدف إلى تطهير العادات وتوضيح العقائد والتقريب بينها وإسقاط الحواجز العنصرية والوطنية وإحلال قانون الحق والعدل محل قانون القوة الغاشمة.
وفضلا عن الإسهام في المجهود الفلسفي العالمي، نرى مدى العون الذي يمكن أن تقدمه دراسة مثل هذه المبادئ السامية، في زحمة هذا التسابق الضاري من أجل السيطرة ومن أجل القوة المدمرة التى تفسد عصرنا الحاضر.
باريس في ٢١ فبراير ١٩٤٧ م محمد عبد الله دراز
стр. 11
الباب الأول حقائق تاريخية أولية
الفصل الأول: حياة الرسول ﷺ قبل البعثة
الفصل الثاني: كيف جمع نصّ التنزيل الحكيم
الفصل الثالث: كيف تم تبليغ المبدأ القرآني إلى العالم
стр. 12
قبل أن نشرع في تحليل منهجي لكتاب الإسلام، نذكر بالظروف التي أنزل فيها والمراحل التي مر بها حتى وصل إلى أيدينا وسوف نسبق ذلك ببعض النقاط التاريخية المتعلقة بحياة الرسول ﷺ نظرا لارتباطها الوثيق بتاريخ القرآن.
وأيا كان الاعتقاد في منشأ القرآن - قدسيا كان أم بشريا - فمن الثابت تاريخيا أنه يرجع إلى محمد بن عبد الله ﷺ . فإما أنه استقاه من أعماق نفسه ومن معارف بيئته كما يقول الكافرون، أو أنه تلقاه حرفيا بإملاء رسول سماوي وسيط بينه وبين الله كما يؤكد ذلك القرآن أكثر من مرة:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (١) ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
وبما أن علمنا المحدود لا يستطيع أن يصعد إلى هذا المصدر البعيد عن الطاقة البشرية، فإننا على أي حال تلقيناه من محمد ﷺ في النهاية سواءا أكان مؤلفه الحقيقى أو مبلغه الوحيد إلى البشرية جمعاء.
стр. 13
الفصل الأول حياة الرسول قبل البعثة
نظرا للارتباط الوثيق بين الرسول ﷺ ورسالته ولأن هذا الكتاب موجه أساسا إلى أوساط بعيدة عن تاريخ حياة الرسول العربي ﷺ ، سوف نبدأ بتقديم صورة مصغرة لشخصية محمد ﷺ منذ طفولته حتى الوقت الذي كلف فيه ببعثته للبشر كافة.
ما هي إذن هذه الشخصية؟
نسبه ومولده:
ينتمي محمد ﷺ إلى أسرة عريقة بمكة من قبيلة قريش من فرع بني هاشم التي غلب ورعها وتقواها على قوتها السياسية. وينسبه الأثر إلى نسل اسماعيل بن إبراهيم بعدد من الأجيال لم يتأكد لنا من عددها وأسمائها سوى واحد وعشرين جيلا حتى عدنان. أما باقي الأجيال فيحيطها الشك وعدم اليقين (١):
ويجمع المترجمون لحياة الرسول ﷺ أنه ولد يوم الاثنين من الأسبوع الثاني من شهر ربيع الأول (٢) من عام الفيل أي من تاريخ غزو الحجاز (الفاشل) الذي قام
стр. 14
به «أبرهه» أمير اليمن في ظل حكم الدولة البيزنطية بقوة من جيشه اشترك فيه أكبر أفيال مملكة الحبشة. ويذكر أوثق العلماء أن هذا التاريخ يوافق العام الثالث والخمسين قبل الهجرة أي ٥٧١ ميلادية.
طفولته وشبابه:
لقد ولد محمد ﷺ يتيما (١) فقد مات أبوه عبد الله قبل مولده بسبعة شهور.
وعهد به إلى مرضعة بدوية هي حليمة من قبيلة بني سعد حتى بلغ الرابعة، كما كان يقضي العرف عند أشراف مكة بإرسال أولادهم لينشأوا في جو الصحراء النقي. ثم تولت أمه تربيته بمعاونة مربية هى أم أيمن لكنه لم يستمتع بحنان الأمومة طويلا إذ ماتت أمه ﷺ وهو فى السادسة من عمره واستقبله جده عبد المطلب وآثره بحنانه وعطفه وتنبأ له بمستقبل عظيم. ولم يكد محمد ﷺ يبلغ الثامنة حتى فقد جده، فتولى رعايته عمه عبد مناف الملقب بأبى طالب الذي أولاه حبا أبويا خالصا رغم أنه لم يكن ميسور الحال لكثرة عياله وقد لاحظ رخاءا نسبيا فى داره من يوم أن دخلها هذا الصبي فكان يحرص على أن يكون محمد ﷺ بجواره دائما وبشعور متبادل كان الصبي لا يصبر على البعد عن عمه. ولهذا نرى محمدا ﷺ (وهو في الثانية عشر من عمره) يصحب عمه في رحلته إلى سوريا عام ٥٨٢ طلبا للتجارة.
стр. 15
رحلته الأولى إلى سوريا واتصاله بالراهب بحيرى:
وترجع إلى هذه الرحلة القصة المشهورة لأول إتصال لمحمد ﷺ بالأوساط الدينية في شخص الناسك المسيحى بحيرا في بصرة (بسوريا) فيحكى لنا الأثر أن هذا العابد لاحظ بعض العلامات المنصوص عنها في الكتب المقدسة تصاحب القافلة فدعاها إلى طعامه وشرع في فحص وجوه القوم ومضاهاة علاماتها بما لديه من وثائق. فلم يستدل على شيء وأخيرا عند ما تحدث إلى محمد الشاب ﷺ الذي وصل متأخرا اقترب من أبي طالب وقال له: «هذا الشاب سيقوم بدور عظيم في العالم فأرجعه إلى بلاده على عجل واسهر عليه واحذر عليه من اليهود الذين قد يوذونه لو علموا منه ما أعلم» (١).
مشاغله الأساسية:
ولا نعرف سوى تفاصيل قليلة عن حياته ﷺ منذ ذلك التاريخ حتى تاريخ زواجه. وعموما فقد قضى شبابه في حالة قريبة من الفقر. ويؤيد القرآن (٢) ذلك والسنة توضحه. فبعد أن مات أبوه وعاش في كنف جده لم يرث من أمه سوى أمة سوداء وقطيعا من الغنم وخمسة جمال. والعمل الذي زاوله في تلك الحقبة كان في الغالب رعي الغنم الذي يقول الرسول ﷺ عنه إنه كان عمل الأنبياء ﵈ من قبله مثل موسى وداود وغيرهما ﵈.
صفاته الخلقية:
وكان يتميز ﷺ بين أترابه الفتيان بخلقه الرفيع وبصفة خاصة بحيائه الشديد وبعده عن اللهو الرخيص وبعفته المطلقة. وكان يجذب اهتمام كل من تعامل معه فأكسبه ذلك ثقة كبيرة في قلوب الناس مما برر تسميته «بالأمين».
стр. 16
حلف الفضول:
ومثل هذه الخصال تنبيء عن صاحبها في المجتمع فنراه وهو في ريعان شبابه يدعى لمجالسة رؤساء القبائل الموقرين في حلف الفضول (١). وبقدر ما كان زواجه في سن الخامسة والعشرين فرصة لرفع مستواه المادي فقد كشف أيضا عن صفات حميدة أخرى.
رحلته الثانية:
فقد كلفته خديجة الأرملة الثرية الشريفة النبيلة وهي في الحلقة الرابعة من عمرها بمهمة تجارية إلى الشام فأنجزها بذكاء ونزاهة مما أكد عندها أحقيته باسم الأمين.
زواجه من خديجة:
ورغم الفارق المادي الشاسع بينهما فقد فاتحته في أمر الزواج الذي قبله رغم تباين السن، وظلت بعد ذلك زوجته الوحيدة طوال ربع قرن لم يفرق بينهما سوى الموت. وظل الوفاء لذكراها يثير غيرة زوجاته فيما بعد.
أولاد الرسول ﷺ :
لقد كان زواجهما من أوفق الزيجات وأثمرها فقد أنجبت له ولدين هما القاسم وعبد الله اللذين توفيا في سن الطفولة (٢) وأربعة بنات اعتنقن الإسلام هن زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.
وستكون الأخيرة زوجة علي بن أبي طالب (رابع الخلفاء الراشدين) وتزوجت الاثنتان السابقتان على التوالي عثمان بن عفان (ثالث الخلفاء الراشدين). أما زينب فقد تزوجت قبل الإسلام بابن عمها أبي العاص الذي اعتنق الإسلام فيما
стр. 17
بعد، وماتت قبل وفاة النبي ﷺ بعامين عن ابنتها «أمامة» التي تزوجت «عليا» بعد موت فاطمة.
مشاعره الأبوية:
وكان محمد ﷺ أبا حنونا وزوجا وفيا أبدى عاطفة متدفقة نحو أولاده وأحفاده. إذ كان يسير عدة كيلومترات على أقدامه لمجرد أن يراهم ويضمهم إليه ويقبلهم عند المراضع. وكان يتركهم يعتلون ظهره أثناء الصلاة كما كان يقطع خطبته لكي يستقبلهم ويجلسهم إلى جواره على المنبر. ونقاشه مع رجلين من بني تميم عن العاطفة الأبوية (١) معلوم في السيرة.
وبعد أن تحقق له الثراء ظل على بساطته وزهده في الأكل ولم يستفد من سعة رزقه إلا ليوسع دائرة السعادة من حوله. فوفاءا لدين عمه عليه واعترافا بجميله نحوه عندما رعاه في طفولته أخذ على عاتقه تربية ابن عمه الأصغر علي الذي زوجه ابنته فاطمة أصغر بناته.
ترميم الكعبة:
وكان أهم الأحداث التي وقعت بين تاريخ زواجه وتاريخ بعثته وهو في الخامسة والثلاثين وقت ترميم الكعبة. فلأهمية هذا الصرح الذي كان بمثابة المعبد الوطني للجزيرة العربية كانت كل القبائل العربية تبدي له كل تقديس رغم اختلاف عقائدها. لهذا نراها جميعا تحرص كل الحرص على أن تنال شرف المشاركة في أعمال إعادة بناء الكعبة، ولقد توصلت بفضل تقسيم العمل بينها على تحقيق مطالب الجميع حتى وجد المتنافسون أنفسهم أمام العمل الذي لا يتجزأ وهو إعادة
стр. 18
وضع الحجر الأسود في مكانه. فلم يرض أحد عن التنازل عن حقه في رفع الحجر ولم يستطع أحد أن يمنع تفاقم النزاع. ومع ذلك وقبل الالتجاء إلى السلاح عقد اجتماع أخير تقرر فيه الاحتكام في هذا الموضوع إلى أول شخص يدخل الرحاب المقدسة للكعبة من باب بني شيبة.
ولقد شاءت الأقدار أن يكون هذا الشخص هو محمد ﷺ . فلما رآه الناس يدخل صاحوا «الأمين ... الأمين» ولم يخب أملهم في انتظار الحل العادل. فقد أسرع محمد ﷺ في بديهته اليقظة ونزاهته المعهودة - بأن بسط رداءه على الأرض ووضع بيديه الحجر الأسود وسط الثياب ثم طلب إلى رؤساء القبائل أن يمسك كل منهم بطرف الثوب وأن يرفعوه معا إلى المستوى المطلوب. وعندما وصلوا بالحجر إلى المكان المخصص له أخذ محمد ﷺ الحجر بنفسه ووضعه مكانه، فساد الرضا بين جموع الحاضرين واستتب السلام بين القبائل.
صورته الخلقية والخلقية:
وفي هذه السن كان محمد ﷺ قد اكتمل جسمه وعقله وخلقه وظل هذا الكمال ملازما له حتى نهاية حياته. ولقد كانت قامته أكثر قليلا من المتوسط وكان قوي البنية عريض الصدر والأكتاف كبير الرأس عريض الجبين الذي تعلوه السكينة، فمه واسع وأسنانه بيضاء منفصلة قليلا ولحيته غزيرة وشعره أسود مجعد يسقط إلى ما تحت أذنيه؛ كان أسود العينين وبالقرنية شعيرات حمراء وبشرته بيضاء تميل إلى اللون الوردي، كانت مشيته خفيفة مهيبة كأنه ينحدر من جبل؛ ملبسه بسيط ونظيف ومرتب، زهده نادر ولكنه لا يرفض الطعام الطيب إذا سنحت لذلك فرصة تلقائية، صبور في احتمال الآلام والتعب من غير أن يقصدها؛ قليل الحديث ولكن هذا الإقلال لا ينقص من طلاوة حديثه ولا من إحساسه بالمرح البريء، وعندما صار رئيسا وحيدا للدولة لم تغره خيرات الدنيا ومتعها؛ فقد أبعد عن أهله وعن نفسه عن اقتناع كل أنواع الترف مهما كانت وعارضته زوجاته معارضة صريحة عندما رفض إجابة بعض مطالبهن المادية راغبات
стр. 19
في الحياة الدنيا وزينتها (١). أما القليل الباقي في حوزته بعد وفاته فلم يورّث لأهله وإنما وزع على الفقراء.
ولقد تفوق الرسول ﷺ بصفة خاصة في الفضيلة الاجتماعية إذ وهب لينا ورقة لم تغادراه حتى وهو في أوج سلطانه. فلا يعنف محدثه مهما كان؛ ولا يعجل إنهاء حديثه؛ ولا يكون البادئ بسحب يده من يد من يصافحه ومع حزمه ونزاهته في إقامة العدل بين الناس كان متسامحا فيما يتعلق بحقوقه الشخصية.
يقول أنس بن مالك أحد خدمه إنه طوال عشر سنوات خدمه فيها لم يعاقبه مرة ولم يسأله عن سبب ما فعل أو ما لم يفعل.
وإن كان قد نجح في أن يعيش في سلام مع سائر الناس حتى ذلك الوقت لأنه عرف كيف يستحوذ على حب وإعجاب كل من عاشره، فإنه لن يلبث أن يثير ضده عداوة ومعارضة من ظلوا يكنون له الحب. فقد اقترب الآن من الحلقة الرابعة من عمره وأصبح مقبلا على حدث جليل سوف يعطي لسلوكه اتجاها جديدا ويعتبر بحق تغييرا حقيقيا لمجرى التاريخ.
أول مظاهر بعثته:
وأول أعراض بعثته النبوية كما جاء في رواية عائشة أن كل ما كان يراه في منامه كان يتحقق بدقة وبوضوح مثل فلق الصبح في اليوم الثاني. وبعد ذلك بدأ يميل إلى الخلوة والوحدة. فاختار مكانا لخلوته في جبل حراء أو جبل النور في شمال مكة. وهناك بعيدا عن مجتمع مكة الوثني الفاسد وبعيدا عن المشاغل الدنيوية كان يحب أن يخلو إلى نفسه (٢) في غار يطل على الكعبة وعلى الأفق المترامي خلفها على مدى البصر.
стр. 20
أول اتصاله بروح القدس:
وفي إحدى الليالي ووسط السكون المطبق من يوم ١٧ من شهر رمضان كما يقول ابن سعد (فبراير ٦١٠ من التقويم الميلادي) دخل محمد ﷺ في أول اتصال له مع ما وراء الكون. فمر بأول تجربة له مع الوحي الحقيقي.
بداية الوحي:
ولقد نقل إلينا بنفسه أطوار ما حدث على شكل حوار بينه وبين جبريل ﵇، بين التابع والمربي. قال جبريل: اقرأ، قال محمد ﷺ مندهشا: ما أنا بقاريء، فكرر جبريل قوله «اقرأ» بعد أن ضمه إليه ضمة شديدة، قال محمد:
ماذا أقرأ! ولقد تكرر نفس الأمر مع ضمة أشد من الضمة الأولى، كما لو كان المقصود منها إثارة انتباهه والتمكين في نفسه لمعاني الجدية التي تتطلبها التبعة الثقيلة التي سيكلف بها. ولكن صاحبنا المتبتل يتساءل في هلع: «كيف أقرأ» وهنا يقرأ عليه الملك:
﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١) [سورة العلق: ١ - ٥].
وثبتت هذه الكلمات الكريمة في ذاكرته؛ وأخذ يرددها لنفسه بينما اختفي الملك. وعندما خرج محمد ﷺ من الغار عائدا إلى داره سمع صوتا يناديه. فرفع رأسه إلى السماء وإذا بالملك ذاته يغطى الأفق ويقول: «يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل» ولم يستطع أن يحول نظره. أو يتقدم أو يتأخر، فلم يكن يحدق في أي نقطة في السماء إلا ويراه أمامه، واستمر ذلك لمدة من الزمن ثم لم يعد يرى شيئا.
стр. 21
تأثيره على الرسول ﷺ :
قد يكون الاضطراب الذي أصاب محمدا ﷺ من هذه التجربة السمعية والبصرية الجديدة قد أوجد عنده بعض الشك حينا في حقيقة صوت الملك أو بعض الخوف من أن يكون قد أصابته مسة شيطانية وهو الذي لم يمقت شيئا كمقته للسحرة والكهنة فكان يخشى أن يكون قد أصبح واحدا منهم. وقد لا يبعد عن الحقيقة أن الآلام البدنية التي نتجت عن هذه المقابلة تشبه آلام الموت وقد يكون قد تصور أنه مات من شدتها. وبهذا الاضطراب المعنوي والبدني عاد محمد ﷺ فورا إلى بيته تهزه حمّى باردة وطلب من أهله أن يدثروه بغطاء ثقيل حتى يذهب عنه الخوف.
مواساة خديجة ورأي ورقة بن نوفل:
وعندما أنهى إلى خديجة ما حدث وأبدى لها مخاوفه واضطرابه بذلت وسعها في تطييب خاطره في أطيب حديث وأجمل مواساة: «كلا والله ما يخزيك الله أبدا. إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضعيف وتعين على نوائب الحق» (١).
ولما لم تستطع أن تعطي له تفسيرا موضوعيا وأكيدا عن طبيعة هذه الظاهرة لجأت إلى من هو مختص في الموضوع لاستشارته. وقررت أن تذهب معه إلى ابن عمها «ورقة بن نوفل» وهو عجوز كفيف قد تنصر بعد أن أمضى حياته في المطالعات العبرية وفي علوم الكتب السماوية السابقة. فقال لهما: «هذا هو الناموس (٢) الذي نزل على موسى يا ليتني فيها جزعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال الرسول ﷺ : أو مخرجي هم. قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا» (٣).
стр. 22
فتور الوحي وانقطاعه مؤقتا:
ولكن حياة ورقة لم تدم طويلا وإن كانت هذه الكلمات المطمئنة قد ألقت ضوء الأمل في هذه النفس القلقة لهذا الإنسان الشغوف بالعلم والباحث عن الوضوح واليقين، أي هذه العقلية الموضوعية، وسوف نرى أن هذا الأمل لم يكن قويا ولم يدم طويلا. إذ كان طبيعيا أن يتصور محمد ﷺ تحقق هذا العلم الموعود، الذي أعلنه له صوت الحق، في الأيام التالية. فكان يعود دائما في طلب الدرس الثاني في ذات المكان الذي تلقى فيه الدرس الأول. وكان يجلس مجلسه الأول ويجوب الجبل ويدور بنظره في كل اتجاه والأيام تتلو الأيام والأسابيع تتوالى والشهور تتبع الشهور ومضى العام وبدأ العام الثاني، وكما يقول الشعبي ثم الثالث أيضا وهو في انتظار مجيء الملك. وفي كل مرة يصل فيها إلى حافة اليأس كان يرى ويسمع «يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل» كانت هذه الكلمات تلقي في نفسه شيئا من السكينة إلا أن الوحي الحقيقي كان يطول انتظاره فيغمره الحزن والضيق من جديد. فقال بعض الناس: لم يكن ذلك إلا لوثة من الجنون.
وافترض آخرون فيما بعد أن الأمر كان يتعلق فعلا بمنحة سماوية عظيمة، إلا أن ما أظهره محمد ﷺ من ضعف الاحتمال جعله يبدو كما لو كان غير جدير بهذا النداء الرباني فنزلت آيتان (١) (¬،٢). لتردا عنه هذه المخاوف ولكنهما لم تمنحاه التعاليم المنتظرة.
استئناف الوحي بوصفه رسولا بالإضافة إلى وصفه نبيّا:
ولقد شارف محمد ﷺ عامه الرابع والأربعين. وكان يسهر شطرا طويلا من الليل انتظارا لهذا القول «الثقيل المترقب»، بل لقد تعود منذ مقابلة الوحي الأولى أن ينعزل في جبل حراء في نفس الفترة في شهر رمضان وأخيرا عندما أتم عزلته
стр. 23
وشرع في نزول الجبل من الجانب المطل على مكة سمع صوتا يناديه فالتفت يمينه ويساره وخلفه فلم ير شيئا، فرفع بصره إلى السماء فرأى الملك الذي رآه من قبل على جبل حراء ولكن مفاجأة ظهور الملك والضخامة العظيمة لهذا المخلوق السماوي أذهلته حتى لم تقو رجلاه على حمله، فارتعد من الخوف (وقد يكون أيضا من برد شهر يناير وأسرع عائدا إلى خديجة يطلب منها الرعاية السابقة. إلا أن زائره الكريم لحق به إلى البيت حاملا إليه الحكم الذي يكلفه بمهمته الثانية:
﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [سورة المدثر: ١ - ٢]. منذ ذلك الوقت لم يقتصر دور محمد ﷺ على أن يتلقى تعاليم ربه فحسب وإنما عليه أيضا أن يبلغها إلى الناس كافة، فدور الرسول ﷺ قد أضيف إلى دور النبوة.
لقد رأينا كيف أنه في خلال هذين التكليفين كان الوحي منقطعا وبطيئا بل وقليلا، ولكن ما أن بدأ التكليف بالرسالة، حتى أصبح الوحي ينزل على الرسول ﷺ لا أقول بصفة منتظمة وفي فترات متقاربة وإنما بنوع من الاتصال ومن غير أن ينقطع مثل الإنقطاع السابق.
التوافق بين التقويم الهجري والتقويم الميلادي:
فعام ٦١٢ الميلادي هو نقطة انطلاق رسالة الإسلام، ويجيء تاريخ الهجرة (١)
ليقسم فترة الرسالة إلى قسمين متساويين تقريبا منها عشر سنوات في مكة مسقط رأس الرسول ﷺ ، وعشر سنوات في المدينة محل إقامته الجديد حيث توفي في
стр. 24
١٢ أو ١٣ من ربيع الأول عام ١١ هجرية (٧ أو ٨ يونيو ٦٣٢ ميلادية) بعد أن بلغ من العمر ثلاثة وستين عاما قمريا بالكامل أي أكثر قليلا من واحد وستين عاما شمسيا (١).
ولا شك أن من الأمور الطريفة حقا متابعة الرسول ﷺ في نشاطه الدؤوب وفي رسالته الهادية طوال العشرين سنة والتي نتج عنها ثورة من أكبر الثورات الحضارية التي عرفتها البشرية. ولكن لما كان الهدف الرئيسي من هذا الكتاب هو دراسة تحليلية للبناء القرآني ذاته ونظرا لأننا قد تناولنا بالدراسة حياة محمد ﷺ حتى بلغنا نقطة التقاء الرسول ﷺ برسالته، نستطيع الآن أن نتناول بالبحث الكتاب الذي تركه لنا، وسوف نتناول في الفصل التالي كيفية تكوين هذا الكتاب الكريم وتنظيمه وحفظه وتناقله عبر التاريخ.
***
стр. 25
الفصل الثاني كيف جمع نصّ التنزيل الحكيم
يقع القرآن الذي بين أيدينا اليوم في مجلد واحد. ويتكون في طبعته العادية من حوالي خمسمائة صفحة (بكل منها ١٥ سطرا) وينقسم إلى ١١٤ سورة مختلفة الأطوال. فبعد الفاتحة المكونة من خمسة سطور تتدرج السور في ترتيبها بوجه عام (١) حسب طولها، فالسور الطويلة في البداية (٢) ثم المتوسطة ثم القصيرة (وبعضها لا يتعدي السطر الواحد). وتكثر علامات التشكيل والعلامات الصوتية والإملائية وعلامات الوقف لترشد القارئ في نطقه ووقفاته.
مظهر التجزؤ من الأهمية التي كان يثيرها كل جزء منزل بين الخصوم وبين الأتباع:
ولم يكن القرآن على هذه الهيئة في حياة الرسول ﷺ . فإن كان النص مطابقا تماما لما أملاه الرسول ﷺ لكتبة الوحي، فإن الشكل الخارجي قد طرأ عليه تغيير كبير. إذ لم يكن هناك ما تطلق عليه كتابا أو مجلدا. وكما اتضح لنا من الأمثلة التي أوردناها في الفصل السابق، فقد نزل القرآن أجزاءا متفرقة تتباين أطوالها من سورة كاملة إلى آية واحدة وأحيانا إلى جزء من الآية. وكان الرسول ﷺ يتلو كل جزء ينزل عليه ويعلمه للسامعين ليصل عن طريقهم إلى من لم يسمعه من فم الرسول ﷺ مباشرة. وكان الناس جميعا ينتظرون الوحي بشغف، ويتمنون أن يتلقوه فور نزوله. كما أن أعداء الرسول ﷺ أنفسهم الذين لم يكونوا يهملون
стр. 26
شأن القرآن، كانوا يحرصون على سماعه إما للبحث عن نقط ضعف فيه تعينهم على مغالبته أو مهاجمته، وإما لإشباع حاجتهم الملحة في التذوق الأدبي، ويمكننا أن نتصور إذن مدى الاهتمام الذي كان يثيره القرآن في نفوس المؤمنين، فقد كان بالنسبة إليهم غذاء الروح وقاعدة السلوك ونصوص الصلاة وأداة الدعوة إلى الإسلام، كان نشيدهم وتاريخهم، كان قانونهم الجوهري ودستورهم في كل شؤون الحياة.
القرآن (المقروء) والكتاب (المدون):
غير أن النص المنزل لم يقتصر على كونه «قرآنا» أو مجموعة من الآيات التي تتلى أو تقرأ، وتحفظ في الصدور، وإنما كان أيضا «كتابا» مدونا بالمداد. فهاتان الصورتان تتضافران وتصحح كل منها الأخرى.
كتبة الوحي:
ولهذا كان الرسول ﷺ كلما جاءه الوحي وتلاه على الحاضرين أملاه من فوره على كتبة الوحي ليدونوه على أي شيء كان في متناول أيديهم، مثل الورق أو الخشب أو قطع الجلد أو صفائح الحجارة وكسر الأكتاف ... الخ. ويذكر العلماء الثقاة أن عدد كتاب الوحي بلغ تسعة وعشرين كاتبا، أشهرهم الخلفاء الخمسة الأوائل (أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ومعاوية) والزبير بن العوام وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، ولكن معاوية وزيد بن ثابت كانا أكثر ارتباطا بهذا العمل. وإذا كان عدد كتبة الوحي بمكة لم يبلغ هذه الكثرة ومهمة الكتابة ذاتها لم تأخذ هذا الطابع الرسمي، فإن هناك واقعة أكيدة هي أن المؤمنين لم يتوانوا منذ البداية - بل وخلال صنوف الاضطهاد التي تعرضوا لها - في تسجيل الآيات القرآنية التي وصلتهم في مخطوطات شخصية لاستعمالهم الخاص. وكان إسلام عمر - كما ورد بالأثر - راجعا إلى قراءته لآيات أول سورة طه التي وجدها مكتوبة على ورقة كانت تحملها أخته.
стр. 27
لم توجد نسخة عند الرسول ﷺ :
ومن الجلي أن هذه المخطوطات على هيئتها البدائية، لم تكن تمثل مجموعة متجانسة ومنظمة ومرقمة. وكما أن الرسول ﷺ لم يكن عنده شيء مكتوب فلم يكن عند الأفراد في هذه الحقبة نسخة واحدة كاملة من القرآن.
عند بعض الأفراد أوراق متفرقة:
وإنما كانت المخطوطات متفرقة ومبعثرة بين المؤمنين ولم تأخذ شكلها النهائي في صدورهم إلا قرب نهاية حياة الرسول ﷺ . ولقد لوحظ منذ وقت مبكر أن مجموعات الآيات المنزلة لم تكن لتبقى منعزلة بعضها عن بعض، ولا أن تتوالى في ترتيب زمني بعضها تلو الأخرى حسب نزول الوحي.
بقاء بعض السور غير تامة:
فقد كانت مجموعات كثيرة منها تتزايد بمعزل عن مجموعات أخرى وتكون تدريجيا وحدات مستقلة بعد أن تنضم إليهاآيات أخرى نزلت بعدها؛ وأن بعضها كانت تضاف هنا، والأخرى تتداخل مع غيرها هناك، بحسب أمر الرسول ﷺ الصريح الذي كان يتلقاه بدوره من الروح القدس.
كل جزء منزل كان له مكانه في التلاوة:
وحتى تتاح الفرصة لسور القرآن لكي يتم بناؤها تدريجيا، كان ينبغي الانتظار إلى أن يكتمل الوحي كله لإخراج القرآن في شكل وحدة كاملة. إلا أن غياب هذا التتابع بين الآيات المكتوبة في هذه المرحلة لم يحل بين المؤمنين وبين المعرفة الشفوية لموضع كل آية (١) جديدة من كل سورة على وجه التحديد، وفي كل مرحلة من مراحل نزول الوحي. وكذلك كان الأمر بالنسبة للصلاة والتعاليم والوعظ والقراءات الأخرى.
стр. 28
القراء أو حملة القرآن في عهد الرسول ﷺ والتجمع الشفوي للقرآن:
وهكذا نرى أنه كان في حياة الرسول ﷺ مئات من الصحابة يطلق عليهم «حفظة القرآن» قد تخصصوا في تلاوة القرآن، وفي حفظه عن ظهر قلب، وفي معرفة كل سورة في هيئتها المؤقتة أو النهائية. فنرى ابن مسعود مثلا يفخر بأنه حفظ أكثر من سبعين سورة من فم الرسول ﷺ والرسول ﷺ بدوره كان يؤكد أنه في شهر رمضان من كل عام كان يقوم بمراجعة عامة وتلاوة الآيات التي نزل بها الوحي في حضور جبريل ﵇ وأنه في العام الأخير راجع عليه جبريل القرآن مرتين مما جعل الرسول ﷺ يتنبأ بقرب أجله.
أول مصحف منظم في عهد الخليفة الأول:
ولم يمض عام واحد بعد أن قبض الرسول ﷺ إلا وبدت الحاجة ملحة لجمع وثائق القرآن المبعثرة في مجموعة مدونة، سهلة الاستعمال، حيث تتتابع آيات كل سورة، كما هو ثابت من قبل في حافظة جماعة المؤمنين. ولقد تقدم بالفكرة عمر بن الخطاب إلى الخليفة الأول عقب معركة اليمامة مع مسيلمة الكذاب التي قتل فيها مئات من المسلمين، منهم «سبعون من حملة القرآن» فخشية أن يتناقص تدريجيا عدد هؤلاء القراء بسبب الحروب المحتملة، كان عمر يهدف بهذه الطريقة ليس فقط إلى حفظ المدون من التنزيل في مأمن من الأخطار، وفي صورة يسهل الرجوع إليها، وإنما كان يقصد أيضا إقرار الشكل النهائى لهذا الكتاب المقدس وتوثيقه عن طريق حفظته الباقين على قيد الحياة واعتماده من الصحابة الذين كان كل منهم يحفظ منه أجزاءا كبيرة أو صغيرة (١).
ولقد عهد بهذه المهمة إلى زيد بن ثابت الذي تردد في بداية الأمر عندما أدرك ضخامة التبعة في هذا العمل الجليل. ولكن أبا بكر أصر قائلا: «إنك رجل ذكي لا
стр. 29
لا نتهمك، وكنت تكتب الوحي في عهد الرسول ﷺ فقم بجمع القرآن» (١).
ويبدو أن سببا آخر قد أسهم بعض الشيء في هذا الاختيار وهو أن زيدا لم يكن من كتبة الوحي ومن حملة القرآن فحسب، ولكنه فضلا عن ذلك حضر بنفسه آخر تلاوة للقرآن قام بها الرسول ﷺ (٢). وبالإضافة إلي كل هذه الضمانات، وضعت قاعدة للعمل وطبقت بكل عناية، وهي تقضي بألا يؤخذ بأي مخطوط لا يشهد شخصان على أنه مكتوب ليس من الذاكرة وإنما بإملاء الرسول ﷺ ذاته وأنه جزء من التنزيل في صورته النهائية. وهذا التشدد في اشتراط شاهدين أدى إلى إستبعادآية جاء بها «عمر» عن رجم الزانية لأنه كان الشاهد الوحيد، كما يقول الليث بن سعد (٣).
وبعد جمع القرآن بكل هذه الاحتياطات، سلمه زيد إلى أبي بكر الذي احتفظ به طوال خلافته وعهد به قبل موته إلى عمر المرشح للخلافة من بعده. ثم قام عمر بتسليمه إلى ابنته حفصة أم المؤمنين في آخر لحظة من حياته لأن الخليفة الثالث لم يكن قد بويع في ذلك الوقت.
خصائصه:
وفضلا عن كماله المطلق، يتميز أول مصحف رسمي (الذي يمكن أن نشبهه بملف يجمع صحفا مرتبة وغير مجلدة) عن النسخ الأخرى الكاملة أو الناقصة التي كانت عند الأفراد بمطابقته المطلقة للنص المنزل إذ استبعد منه كل ما لم يتضمنه النص الأصلي طبقا للعرضة الأخيرة. فبينما ابن مسعود أو أبي بن كعب كانا في بعض الأحيان يكتبان من الذاكرة على مصحف كل منهما، فيضيفان كلمة قد ترجع إلى تاريخ سابق أو قد يوضحان في الهامش أو بين السطور - وغالبا
стр. 30
بلون مختلف - بعض التفسيرات (١) أو بعض أدعية الصلاة (٢) الخارجة عن النص، فإن المصحف الرسمي يخلو حتى من أسماء السور. ولكن رغم قيمة هذا المصحف العظيمة ورغم ما يستحقه من العناية التي بذلت في جمعه فإن مجرد بقائه محفوظا بعناية عند الخليفتين الأولين أسبغ عليه الطابع الفردي أو الشخصي بعض الشيء ولم يصبح وثيقة للبشر كافة إلا من يوم نشره.
اختلافه بمعرفة عثمان:
ولكن فرصة نشره لم تتح إلا في خلافة عثمان بعد معارك أرمينية وأذربيجان.
فقد تجمعت جيوش المسلمين الوافدة من سوريا ومن العراق ولاحظوا بعض الاختلاف في القراءات، إذ كان السوريون يتبعون قراءة «أبى» والعراقيون يتبعون قراءة «ابن مسعود» فقال بعضهم لبعض «قراءتنا خير من قراءتكم» ففزع حذيفة ابن اليمان إلى عثمان وطلب إليه أن يضع حدا لهذا اللجاج الذي قد يؤدي إلى مثل ما وقع فيه اليهود والنصارى من فرقة بشأن كتبهم. فشكل عثمان لجنة من أربعة نساخ منهم زيد بن ثابت نفسه - وهو من الأنصار - وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام من المهاجرين. وكلفهم بنسخ مصحف حفصة بعدد من النسخ (٣) يعادل عدد الأمصار الرئيسية في الدولة الإسلامية وقال لهم: «ما اختلفتم فيه أنتم وزيد» (٤) فاكتبوه بلسان قريش
стр. 31
فإنه نزل بلسانهم وبانتهاء هذا العمل بما يتفق تماما مع النص الأصلى، أعيد مصحف حفصة إليها بينما جلدت النسخ الأخرى ووزعت على الأمصار باعتبارها نماذج لا بديل لها وتبطل كل ما يخالفها من قريب أو بعيد.
مآخذ بعض الشيعة:
ولقد ظن بعض الشيعة أن عثمان قد بدل في نص القرآن، أو أنه على وجه التحديد أسقط شيئا يتعلق بعلي بن أبي طالب. فلو صح ذلك لراجعه حملة القرآن وما أكثرهم في وقت نشر مصحف عثمان عند مضاهاته على ما يحفظونه في صدورهم. إلا أنه حتى ابن مسعود نفسه الذي كان لديه أكثر من سبب لكي لا يرضى عن السياسة قد أقر بصحة مصحف عثمان بل وتنبأ أنه سوف يوجد فيما بعد قراء كثيرون وقليل من العلماء، وأن آيات القرآن ستظل مقدسة في النفوس وسيهمل تطبيقها (١) ونظرا لغيرة المسلمين الأوائل وهم بطبيعة الحال أكثر تحمسا لكلام الله من خلفائهم يستحيل علينا أن نعلل قبول الكافة لمصحف عثمان دون منازعة أو معارضة، بأنه راجع إلى انقياد غير متبصر من جانبهم. ولقد قرر «نولدكه» أن ذلك يعد أقوى دليل على أن النص القرآني «على أحسن صورة من الكمال والمطابقة» (٢).
اعتراف الإمامية (أبو جعفر):
ومهما يكن من أمر، فإن هذا المصحف هو الوحيد المتداول في العالم الإسلامي - بما فيه فرق الشيعة - منذ ثلاثة عشر قرنا من الزمان. ونذكر هنا رأي الشيعة الإمامية (أهم فرق الشيعة)، كما ورد بكتاب أبى جعفر الأم «إن اعتقادنا في جملة القرآن الذي أوحى به الله تعالى إلى نبيه محمد ﷺ هو كل ما تحتويه دفتا المصحف المتداول بين الناس لا أكثر، وعدد السور المتعارف عليه بين المسلمين هو ١١٤ سورة - أما عندنا فسورتا الضحى والشرح تكونان سورة واحدة، وكذلك
стр. 32
سورتا الفيل وقريش، وأيضا سورتا الأنفال والتوبة. أما من ينسب إلينا الإعتقاد في أن القرآن أكثر من هذا فهو كاذب» (١).
شهادة الغربيين عن صحة القرآن في عصور الإسلام كلها:
وبناء على ذلك أكد لوبلوا (٢): «أن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر». وكان «و. موير» قد أعلن ذلك قبله إذ قال: «إن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف. ولقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر بل نستطيع أن نقول إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة ... فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا والذي يرجع إلى الخليفة المنكوب (٣) عثمان الذي مات مقتولا».
تصحيح:
وهذا الحكم الذي يمتاز بنزاهة تاريخية لا مثيل لها يحتاج إلى تصحيح من
стр. 33
ناحيتين لأنه يتضمن نقصا من جهة وزيادة من جهة أخرى.
أما من ناحية النقص فلأنه يرجع النص القرآني الموجود بين أيدينا اليوم إلى الخليفة الثالث، بينما عثمان - كما رأينا - لم يقم إلا بنشر المخطوط المجموع في عهد أبي بكر. ولقد رأينا أيضا كيف أن هذا الأصل ذاته لم يكن إلا التدوين الكامل حسب ترتيب العرضة الأخيرة للرسول ﷺ (وهذا الترتيب يختلف عن ترتيب النزول) وهو النص المدون بإملاء الرسول نفسه.
وأما الزيادة ففي التأكيد بأن النسخ المتداولة - رغم أنها تكرار خطي لبعضها البعض - لا تتضمن أي اختلاف في القراءة. ويعلم عكس ذلك تماما كل من له إلمام بالنص القرآني العربي. فإذا كانت الحروف المتحركة الطويلة تكتب دائما في جسم كل كلمة، فإن الحروف المتحركة القصيرة لا تكتب أبدا، وكذلك الحال بالنسبة لبعض الحروف المتحركة المتوسطة. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن مجموعة كبيرة من الحروف العربية تتشابه وتتطابق في كتابتها ولا تختلف عن بعضها إلا ببعض نقط التشكيل، فمثلا يحتمل قراءة «الياء» (ي) نونا أو تاءا أو باءا أو ياءا بحسب موضع النقطة أو النقطتين بأعلى أو بأسفل الحرف. ولم تكن هذه النقط تستخدم في عهد النبي ﷺ ولا في عهد الخلفاء الراشدين الثلاثة من بعده. وإذا كان التذوق اللغوي كان يساعد أحيانا على تخمين النطق الصحيح للكلمة، ففي الغالب كان النطق لا يتضح إلا بإرشاد شفوي. غير أن السنة توضح لنا أن الرسول ﷺ لم يتبع نطقا واحدا عند تعليمه القرآن للمسلمين، فلم يكن نادرا أن يعطي للكلمة الواحدة (أو أصلها) أكثر من قراءة، كلها صحيحة ولها مدلولها، فكلمه «ملك» يجوز قراءتها «مالِكِ» أو «ملك» وكذلك كلمة «فَتَبَيَّنُوا» يمكن قراءتها «فتثبتوا» طبقا للقراءات المختلفة الواردة في السنة.
منشأ القراءات المختلفة في عهد الرسول ﷺ والقراءات السبعة:
ولما كان المستمعون من المسلمين ليسوا هم ذوات الأشخاص في كل مرة، فقد
стр. 34
نشأ عند الصحابة منذ العهد الأول تباين في القراءات لبعد كل قراءة عن غيرها.
فيروي البخاري أن عمرا ثار يوما على هشام بن الحكيم ابن حزام لأنه سمعه يتلو سورة الفرقان بقراءة تختلف عن القراءة التي علمها له الرسول ﷺ ، فقد تحامل على نفسه في كظم غضبه أثناء صلاة هشام وفور خروجه من الصلاة قام إليه عمر وأمسك بتلابيبه وسأله: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها قال اقرأنيها رسول الله ﷺ فقال: كذبت فو الله إن رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة.
وانطلق به إلى رسول الله ﷺ فأمر الرسول ﷺ هشام فقرأ السورة فقال الرسول ﷺ : هكذانزلت ثم أمر عمر فقرأ السورة فقال الرسول ﷺ . هكذانزلت ثم قال: إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف (١) فأقروا ما تيسر منها. ويذكر الطبري أن أبي بن كعب صدم أيضا من اختلاف في قراءة سورة النحل ولما احتكم إلى الرسول ﷺ أقر القراءتين (٢).
هل ألغى عثمان جميع القراءات ؟:
فهل كان عثمان أكثر تشددا من الرسول ﷺ ، فمنع أشياءا كان الرسول ﷺ يبيحها؟ لا نعتقد ذلك. فلم يكن عثمان يقصد، كما يعتقد بصفة عامة، إلى إلغاء كل اختلاف في القراءات. بل كان مصحفه - كما هي الحال في المصاحف السابقة - يتكون من هيكل كلمات تقبل القراءة بطرق مختلفة بل وكان حرصه دائبا على أن يوضح القراءات المعروفة على النص ذاته في كل مرة لا تتمكن
стр. 35
الكلمات من إظهار إلا طريقة واحدة في القراءة. وهكذا نرى أن كلمة «مسيطر»
مكتوبة بالسين ويعلوها حرف «ص» أو مكتوبة بالصاد وتعلوها السين. كما نجد في أحد مصاحفه النموذجية «سارعوا» وفي مصحف آخر «وَسارِعُوا» وأيضا «بما تشتهي» و «بما تشتهيه» وأيضا «سَيَقُولُونَ لِلّهِ» و «سيقولون الله».
الهدف المزدوج لنشر عثمان المصاحف:
وفي رأينا أن نشر القرآن بعناية عثمان كان يستهدف أمرين:
أولهما: أن في إضفاء صفة الشرعية على القراءات المختلفة التي كانت تدخل في إطار النص المدون ولها أصل نبوي مجمع عليه وحمايتها، فيه منع لوقوع أي شجار بين المسلمين بشأنها لأن عثمان كان يعتبر التماري في القرآن نوعا من الكفر (١).
ثانيهما: باستبعاد مالا يتطابق تطابقا مطلقا مع النص الأصلي، وقاية للمسلمين من الوقوع في انشقاق خطير فيما بينهم، وحماية للنص ذاته من أي تحريف نتيجة إدخال بعض العبارات المختلفة عليها نوعا ما، أو أي شروح يكون الأفراد قد أضافوها لمصاحفهم بحسن نية.
مصحف عثمان لا يحمل أية قراءة للآحاد وإنما اقتصر على القراءات الصحيحة:
ولا يفهم مما سبق أن الطبعة العثمانية - فضلا عن المصحف العثماني الأصلي - تتضمن جميع القراءات التي قد يكون الرسول ﷺ قد علمها للناس باسم السبعة أحرف؛ لأنها إذا كانت قد اشتملت بالفعل على القراءات التي اتفق عليها أن النص الأصلي كان يتضمنها في صورته الأخيرة، فقد استبعدت هذه الطبعة من ناحية أخرى كل قراءة واردة عن طريق الآحاد ولا يتوفر فيها الضمان المطلوب (٢).
ولقد وفق هذا المبدأ منذ البداية بين آراء آلاف الصحابة الحاضرين وارتضوه عن طيب خاطر (٣).
стр. 36
ما مدى صحة القراءات غير العثمانية:
ونضيف أن هذا الاستبعاد عن النص المدون لم يكن الغرض منه - كما يبدو - ولا من نتائجه، إلغاء القراءات الشفوية إذ بوضع الأمور على هذا النحو في نصابها، ترك الباب مفتوحا لكل من كان يؤكد أنه سمع الرسول ﷺ يقرأ بقراءة معينة لكي يقرأ بقراءاته الخاصة بحرية تامة وتحت كامل مسؤوليته الأدبية ومن غير أن يلزم جماعة المسلمين كلها بما يؤكد سماعه. وهذا الموقف المعقول والعادل يتضح بجلاء أولا من رد عثمان نفسه على المتمردين: إذ قال: أما القرآن فلم أمنعكم إلا لأني خشيت عليكم الفرقة ويمكنكم أن تقرأوا بالحرف الذي يتيسر لكم (١) ثم جاءت فتوى مالك فيما بعد، سمح بموجبها قراءة «فامضوا» في الآية ٩ من سورة الجمعة (٢) ... طبقا لقراءة عمر بدلا من «فَاسْعَوْا» إلا في صلاة الفرض، كما يقرر ابن عبد البر، لأن القراءات غير العثمانية ليست قرآنا صحيحا يصلح للصلاة (٣).
تفنيد حجة الدكتور جيفري:
وفيما عدا القراءة العثمانية وأي إدخال على النص العثماني، يبقي لكل استعمال آخر مطلق الحرية ولم يتوقف المتفقهون في علوم الدين، في كل زمان، عن الاهتمام بدراسة هذه القراءات الفردية، إلا أن الدكتور أرتير جيفري مؤلف «كتاب المصاحف» لم يدرك بوضوح هذه المسألة المزدوجة فلم يكن الإهتمام بمثل هذه البحوث جديدا في العالم الإسلامي (كما زعم في المقدمة ص ١). والشاهد على ذلك عدد المراجع العربية التي يستخدمها هو نفسه في هذا الموضوع.
فالمؤلفات العربية فى العلوم الإملائية والصوتية والقراءات القرآنية فضلا عن التفاسير والمؤلفات اللغوية والبلاغية ومؤلفات المحدثين والفقهاء لا حصر لها. ومن جهة أخرى فإن هذه القراءات الفردية - وهي بعيدة عن أن يقع عليها «ضغط من
стр. 37
جانب أصحاب العقيدة الرشيدة» (نفس المرجع ص ٩، ١٠) - لا زالت حتى اليوم يكسوها طابع التقديس وتستخدم في مدارس أهل السنة لا على أنها نص قرآني ولكن كأحاديث آحاد.
ورغم هذا الوضوح الذي يقطع كل شك، يبدو المبشر الانجليزي المتقدم ذكره قد وقع تحت تأثير التاريخ الكنسي المسيحي الذي ألف دراسته إلى درجة أنه يكاد يكون قد نقله بأحداثه الكاملة أثناء بحثه في المجال الإسلامي. فالواقع أنه يحاول أن يثبت أن النص القرآني قد مر بأطوار تشبه من جوانب كثيرة ما مر به الإنجيل.
ففي عرضه بكتابه المشار إليه، يبدأ في التفرقة بشكل غريب فى النص القرآنى ذاته بين «بعض الآيات المتعلقة بالعبادة» والتى «من المحتمل» على حد قوله، أن تكون قد دونت في عهد نزول الوحي، وبين آيات أخرى لم تدون (ص ٦) ثم يؤكد وهو يناقض نفسه، أنه حتى وقت وفاة الرسول ﷺ لم يكن مجموع القرآن قد دون بعد. (قارن ص ٥ مع ص ٧)، ثم ينفي بعد ذلك وهو يلعب بالألفاظ - الطابع «الرسمى» للمصحف الذي جمعه أبو بكر (قارن ص ٦، ٢١٢)، ثم يقرر في النهاية احتمال وجود بون شاسع بين نصوص الأمصار الإسلامية وقت قرار عثمان (ص ٨) - ويصف مسلمي الكوفة حينئذ وكأنهم فريقان منقسمان (بعضهم يقبل النص الجديد الذي بعث به عثمان والغالبية العظمي تتمسك بمصحف ابن مسعود) (ص ٨، ٢١).
وهكذا يبدو مصحف عثمان في هذا العرض ليس فقط كأنه مصحف من بين مصاحف كثيرة «مزاحمة له» (الفصل العاشر ص ٩ - ٢٣) وإنما أيضا على أنه وافد جديد غريب عن النصوص القديمة، أي معارض للقراءة التي كانت على عهد الرسول ﷺ ، وأنه في النهاية يفرض نفسه على المسلمين لا لخصائصه الذاتية وإنما بفضل نفوذ المدينة (ص ٨).
هذه الطريقة في عرض تاريخ القرآن تتضمن مغالطات جسيمة وتقتضي منا التوضيح.
стр. 38
فنذكر بحقيقة أولى لا تشير فحسب إلى قدم النص الذي نشره عثمان وإنما أيضا وبصفة خاصة، مطابقته التامة مع النص الذي جمع في عهد أبى بكر (١).
والبحوث المسيحية الحديثة تؤكد هذه الحقيقة فيقول شوالي Schwally «لقد أثبتنا فيما تقدم أن نسختي زيد متطابقتان وأن مصحف عثمان ما هو إلا نسخة من المصحف الذي كان عند حفصة» (٢).
ولا يفوتنا أن ننبه هنا، إلى أن آيات مصحف حفصة لا ترجع إلى الخليفة الأول، وإنما ترجع بنصها الكامل إلى رسول الله ﷺ .
ضعف القراءات المخالفة:
والحقيقة أن جميع القراءات تنسب نفسها أيضا إلى نفس المصدر سواءا أكانت شفويّة أو مدونّة. ومن المحتمل أن ترجع بعض هذه القراءات المخالفة إلى ما قبل تاريخ القراءات التي تضمنها مصحف عثمان رضى الله عنه، رغم أن كلا من هذه وتلك يجب أن ترتبط بعهد حياة الرسول ﷺ . ولكن مع ذلك يجب أن نلاحظ أن الأسبقية النسبية ليست في الواقع مقياسا لأفضلية أي منها على الأخرى.
فالنص الصحيح ليس بالضرورة هو النص الأسبق، بل الأرجح أن يكون هو الذي يتمتع باللمسات الأخيرة في آخر وقت. وحين يرد في حديث الصحابة تعبير «الحرف الأول» فيما يتعلق بالقراءات التي خارج النص، فلا يعني ذلك قط أنها القراءات التي كانت على عهد رسول الله ﷺ بوجه عام، وإنما القراءة التي كانت في أول هذه الحقبة أي القراءة المنسوخة وهكذا ينهار الأساس ذاته الذي كان يراد به المبالغة في قيمة مثل هذه القراءات.
لنترك جانبا هذه التنوعات التي تعزى إلى فارق الزمن، فيبقي أن الشرط الجوهري لإثبات صحة النص هو الضمان بأنه على شكله المدوّن تتوفر فيه المراجعة الكافية والتصديق الوافي على صحته من الرسول ﷺ أو ممن يمثله. وهذه الشروط
стр. 39
على وجه التحديد هي التي لم تتوفر في هذه القراءات وقت جمع القرآن. مما اقتضى بطبيعة الحال إبعادها عن النص الصحيح.
محاولة ترتيب القراءات المخالفة:
وفوق هذا الأساس الواهي. يضاف أساس آخر يتعلق بانتقال هذه القراءات بعد ذلك. فيقرر مؤلف «كتاب المصاحف» نفسه أنه مدرك للشك الذي يحيط بهذه القراءات الخارجة عن النص العثماني من ثلاث جهات:
١ - من حيث قدمها، فيشتبه أحيانا في تلفيق بعض هذه القراءات في فترة لاحقة بقصد ربطها بسند قديم للإفادة من نفوذه.
٢ - من حيث تحديد المصدر، فقد ثبت في كثير من الحالات وجود اضطراب في رفع الأسانيد إلى رواتها.
٣ - من حيث مطابقتها الشكلية. فيصعب تحديد الصحيح (١) من بين القراءات التي تنسب إلى ذات القارئ، فضلا عن أن بعضها يبدو مستحيلا لغويا.
ويعترف هذا المستشرق بأن القراءات غير العثمانية نادرا ما تنسب إلى ما دوّنه الثقاة في مصحافهم، وإنما تنتمي في الغالب إلى تعاليمهم وقراءاتهم الشفوية (ص ٢٤). مع ذلك عندما يتحدث عن جمعها، يسمح لنفسه بأن يطلق عليها جميعا اسم النص القرآني، ثم يضيف إليها - وكأنه يريد زيادة حجمها ويرفع من قيمتها في المنافسة - قراءات لم تختلف مع النص الأصلي في شيء، فضلا عن قراءات أخرى ينسبها إلى بعض الصحابة، بينما هي في الواقع أحد أتباعهم.
وبعد كل هذا ماذا تعني في الواقع هذه القراءات غير الرسمية وما أهميتها؟
نلاحظ أولا أنها لا تتعلق بكل سور القرآن ولا بسورة واحدة بأكملها.
ولنبحث بعد ذلك طبيعتها، فنستطيع أن نميز بين أنواع مختلفة:
стр. 40
الفئة الأولى: منها تتعلق بإضافة إلى النص، إما بغرض شرح كلمة مستترة مثل « ... «إسماعيل يقولان» (البقرة: ١٢٧) «ونادته الملائكة يا زكريا» (آل عمران:
٣٩) « ... «إلى قومه فقال يا قوم» (هود: ٢٥). وإما تكرار كلمة سبق ذكرها مثل «عن قتال؛ وعلى الصلاة، وآمن المؤمنون» (البقرة ٢١٧ - ٢٣٨ - ٢٨٥). وإما بتوسيع نفس المعنى بجملة إعتراضية مثل « ... فضلا من ربكم في مواسم الحج فابتغوا حينئذ ... » (البقرة - ١٩٨) «والعصر، ونوائب الدهر، لفي خسر، وإنه لفيه إلى آخر العمر» (سورة العصر - ٢.١).
ونلاحظ بوضوح مما تقدم، أنه مجهود مفسر يبتعد بنا عن صفاء الأسلوب القرآني بتحميل النص بإضافات مطولة لا تطاق في بعض الأحيان.
والفئة الثانية: تتعلق باستبدال كلمة بمرادف لها مثل «يكمل - يتم»؛ «يوفه - يؤده»؛ «نملة - ذرة»؛ «الصوف - العهن» وإما بكلمة لها معنى آخر، وكلتا الكلمتين متكاملتين وتتضمن كلا منهما معنى الأخرى بالتبادل مثل: «الحج والعمرة للبيت» بدلا من «الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ» (البقرة: ١٦٩).
والفئة الثالثة: تتعلق بتقديم أو تأخير كلمة أو أكثر مثل: « ... والملائكة في ظلل من الغمام» - ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ» (البقرة: ٢١٠) «بصير بما تعلمون»
- ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (آل عمران: ١٥٦) ««على قلب كل» - ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ»
(غافر: ٣٥) ونادرا ما تتعلق بإسقاط كلمة مثل: ««بما آمنتم» - ﴿بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ»
(البقرة: ١٣٧) ««إلا الساعة تأتيهم» - ﴿إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ» (سورة محمد:
١٨).
وفيما يتعلق بالفئات الثلاثة السابقة بوجه عام، ودون النظر إلى القيمة الأدبية لهذه القراءات، نقول إنه من المحتمل أن تكون هذه القراءات قراءات حقيقية ومقبولة إلا أنه يشترط أن تثبت صحتها من الناحية التاريخية. ومع ذلك فهناك في بعض الحالات ما يحملنا على افتراض أن تكون بعض التعديلات المقصودة قد أدخلت على القراءات غير الرسمية بينما النص الصحيح يسمو فوق كل