ما مدى صحة القراءات غير العثمانية:
ونضيف أن هذا الاستبعاد عن النص المدون لم يكن الغرض منه - كما يبدو - ولا من نتائجه، إلغاء القراءات الشفوية إذ بوضع الأمور على هذا النحو في نصابها، ترك الباب مفتوحا لكل من كان يؤكد أنه سمع الرسول ﷺ يقرأ بقراءة معينة لكي يقرأ بقراءاته الخاصة بحرية تامة وتحت كامل مسؤوليته الأدبية ومن غير أن يلزم جماعة المسلمين كلها بما يؤكد سماعه. وهذا الموقف المعقول والعادل يتضح بجلاء أولا من رد عثمان نفسه على المتمردين: إذ قال: أما القرآن فلم أمنعكم إلا لأني خشيت عليكم الفرقة ويمكنكم أن تقرأوا بالحرف الذي يتيسر لكم (١) ثم جاءت فتوى مالك فيما بعد، سمح بموجبها قراءة «فامضوا» في الآية ٩ من سورة الجمعة (٢) ... طبقا لقراءة عمر بدلا من «فَاسْعَوْا» إلا في صلاة الفرض، كما يقرر ابن عبد البر، لأن القراءات غير العثمانية ليست قرآنا صحيحا يصلح للصلاة (٣).
تفنيد حجة الدكتور جيفري:
وفيما عدا القراءة العثمانية وأي إدخال على النص العثماني، يبقي لكل استعمال آخر مطلق الحرية ولم يتوقف المتفقهون في علوم الدين، في كل زمان، عن الاهتمام بدراسة هذه القراءات الفردية، إلا أن الدكتور أرتير جيفري مؤلف «كتاب المصاحف» لم يدرك بوضوح هذه المسألة المزدوجة فلم يكن الإهتمام بمثل هذه البحوث جديدا في العالم الإسلامي (كما زعم في المقدمة ص ١). والشاهد على ذلك عدد المراجع العربية التي يستخدمها هو نفسه في هذا الموضوع.
فالمؤلفات العربية فى العلوم الإملائية والصوتية والقراءات القرآنية فضلا عن التفاسير والمؤلفات اللغوية والبلاغية ومؤلفات المحدثين والفقهاء لا حصر لها. ومن جهة أخرى فإن هذه القراءات الفردية - وهي بعيدة عن أن يقع عليها «ضغط من
стр. 37
جانب أصحاب العقيدة الرشيدة» (نفس المرجع ص ٩، ١٠) - لا زالت حتى اليوم يكسوها طابع التقديس وتستخدم في مدارس أهل السنة لا على أنها نص قرآني ولكن كأحاديث آحاد.
ورغم هذا الوضوح الذي يقطع كل شك، يبدو المبشر الانجليزي المتقدم ذكره قد وقع تحت تأثير التاريخ الكنسي المسيحي الذي ألف دراسته إلى درجة أنه يكاد يكون قد نقله بأحداثه الكاملة أثناء بحثه في المجال الإسلامي. فالواقع أنه يحاول أن يثبت أن النص القرآني قد مر بأطوار تشبه من جوانب كثيرة ما مر به الإنجيل.
ففي عرضه بكتابه المشار إليه، يبدأ في التفرقة بشكل غريب فى النص القرآنى ذاته بين «بعض الآيات المتعلقة بالعبادة» والتى «من المحتمل» على حد قوله، أن تكون قد دونت في عهد نزول الوحي، وبين آيات أخرى لم تدون (ص ٦) ثم يؤكد وهو يناقض نفسه، أنه حتى وقت وفاة الرسول ﷺ لم يكن مجموع القرآن قد دون بعد. (قارن ص ٥ مع ص ٧)، ثم ينفي بعد ذلك وهو يلعب بالألفاظ - الطابع «الرسمى» للمصحف الذي جمعه أبو بكر (قارن ص ٦، ٢١٢)، ثم يقرر في النهاية احتمال وجود بون شاسع بين نصوص الأمصار الإسلامية وقت قرار عثمان (ص ٨) - ويصف مسلمي الكوفة حينئذ وكأنهم فريقان منقسمان (بعضهم يقبل النص الجديد الذي بعث به عثمان والغالبية العظمي تتمسك بمصحف ابن مسعود) (ص ٨، ٢١).
وهكذا يبدو مصحف عثمان في هذا العرض ليس فقط كأنه مصحف من بين مصاحف كثيرة «مزاحمة له» (الفصل العاشر ص ٩ - ٢٣) وإنما أيضا على أنه وافد جديد غريب عن النصوص القديمة، أي معارض للقراءة التي كانت على عهد الرسول ﷺ ، وأنه في النهاية يفرض نفسه على المسلمين لا لخصائصه الذاتية وإنما بفضل نفوذ المدينة (ص ٨).
هذه الطريقة في عرض تاريخ القرآن تتضمن مغالطات جسيمة وتقتضي منا التوضيح.
стр. 38
فنذكر بحقيقة أولى لا تشير فحسب إلى قدم النص الذي نشره عثمان وإنما أيضا وبصفة خاصة، مطابقته التامة مع النص الذي جمع في عهد أبى بكر (١).
والبحوث المسيحية الحديثة تؤكد هذه الحقيقة فيقول شوالي Schwally «لقد أثبتنا فيما تقدم أن نسختي زيد متطابقتان وأن مصحف عثمان ما هو إلا نسخة من المصحف الذي كان عند حفصة» (٢).
ولا يفوتنا أن ننبه هنا، إلى أن آيات مصحف حفصة لا ترجع إلى الخليفة الأول، وإنما ترجع بنصها الكامل إلى رسول الله ﷺ .
ضعف القراءات المخالفة:
والحقيقة أن جميع القراءات تنسب نفسها أيضا إلى نفس المصدر سواءا أكانت شفويّة أو مدونّة. ومن المحتمل أن ترجع بعض هذه القراءات المخالفة إلى ما قبل تاريخ القراءات التي تضمنها مصحف عثمان رضى الله عنه، رغم أن كلا من هذه وتلك يجب أن ترتبط بعهد حياة الرسول ﷺ . ولكن مع ذلك يجب أن نلاحظ أن الأسبقية النسبية ليست في الواقع مقياسا لأفضلية أي منها على الأخرى.
فالنص الصحيح ليس بالضرورة هو النص الأسبق، بل الأرجح أن يكون هو الذي يتمتع باللمسات الأخيرة في آخر وقت. وحين يرد في حديث الصحابة تعبير «الحرف الأول» فيما يتعلق بالقراءات التي خارج النص، فلا يعني ذلك قط أنها القراءات التي كانت على عهد رسول الله ﷺ بوجه عام، وإنما القراءة التي كانت في أول هذه الحقبة أي القراءة المنسوخة وهكذا ينهار الأساس ذاته الذي كان يراد به المبالغة في قيمة مثل هذه القراءات.
لنترك جانبا هذه التنوعات التي تعزى إلى فارق الزمن، فيبقي أن الشرط الجوهري لإثبات صحة النص هو الضمان بأنه على شكله المدوّن تتوفر فيه المراجعة الكافية والتصديق الوافي على صحته من الرسول ﷺ أو ممن يمثله. وهذه الشروط
стр. 39
على وجه التحديد هي التي لم تتوفر في هذه القراءات وقت جمع القرآن. مما اقتضى بطبيعة الحال إبعادها عن النص الصحيح.
محاولة ترتيب القراءات المخالفة:
وفوق هذا الأساس الواهي. يضاف أساس آخر يتعلق بانتقال هذه القراءات بعد ذلك. فيقرر مؤلف «كتاب المصاحف» نفسه أنه مدرك للشك الذي يحيط بهذه القراءات الخارجة عن النص العثماني من ثلاث جهات:
١ - من حيث قدمها، فيشتبه أحيانا في تلفيق بعض هذه القراءات في فترة لاحقة بقصد ربطها بسند قديم للإفادة من نفوذه.
٢ - من حيث تحديد المصدر، فقد ثبت في كثير من الحالات وجود اضطراب في رفع الأسانيد إلى رواتها.
٣ - من حيث مطابقتها الشكلية. فيصعب تحديد الصحيح (١) من بين القراءات التي تنسب إلى ذات القارئ، فضلا عن أن بعضها يبدو مستحيلا لغويا.
ويعترف هذا المستشرق بأن القراءات غير العثمانية نادرا ما تنسب إلى ما دوّنه الثقاة في مصحافهم، وإنما تنتمي في الغالب إلى تعاليمهم وقراءاتهم الشفوية (ص ٢٤). مع ذلك عندما يتحدث عن جمعها، يسمح لنفسه بأن يطلق عليها جميعا اسم النص القرآني، ثم يضيف إليها - وكأنه يريد زيادة حجمها ويرفع من قيمتها في المنافسة - قراءات لم تختلف مع النص الأصلي في شيء، فضلا عن قراءات أخرى ينسبها إلى بعض الصحابة، بينما هي في الواقع أحد أتباعهم.
وبعد كل هذا ماذا تعني في الواقع هذه القراءات غير الرسمية وما أهميتها؟
نلاحظ أولا أنها لا تتعلق بكل سور القرآن ولا بسورة واحدة بأكملها.
ولنبحث بعد ذلك طبيعتها، فنستطيع أن نميز بين أنواع مختلفة:
стр. 40
الفئة الأولى: منها تتعلق بإضافة إلى النص، إما بغرض شرح كلمة مستترة مثل « ... «إسماعيل يقولان» (البقرة: ١٢٧) «ونادته الملائكة يا زكريا» (آل عمران:
٣٩) « ... «إلى قومه فقال يا قوم» (هود: ٢٥). وإما تكرار كلمة سبق ذكرها مثل «عن قتال؛ وعلى الصلاة، وآمن المؤمنون» (البقرة ٢١٧ - ٢٣٨ - ٢٨٥). وإما بتوسيع نفس المعنى بجملة إعتراضية مثل « ... فضلا من ربكم في مواسم الحج فابتغوا حينئذ ... » (البقرة - ١٩٨) «والعصر، ونوائب الدهر، لفي خسر، وإنه لفيه إلى آخر العمر» (سورة العصر - ٢.١).
ونلاحظ بوضوح مما تقدم، أنه مجهود مفسر يبتعد بنا عن صفاء الأسلوب القرآني بتحميل النص بإضافات مطولة لا تطاق في بعض الأحيان.
والفئة الثانية: تتعلق باستبدال كلمة بمرادف لها مثل «يكمل - يتم»؛ «يوفه - يؤده»؛ «نملة - ذرة»؛ «الصوف - العهن» وإما بكلمة لها معنى آخر، وكلتا الكلمتين متكاملتين وتتضمن كلا منهما معنى الأخرى بالتبادل مثل: «الحج والعمرة للبيت» بدلا من «الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ» (البقرة: ١٦٩).
والفئة الثالثة: تتعلق بتقديم أو تأخير كلمة أو أكثر مثل: « ... والملائكة في ظلل من الغمام» - ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ» (البقرة: ٢١٠) «بصير بما تعلمون»
- ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (آل عمران: ١٥٦) ««على قلب كل» - ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ»
(غافر: ٣٥) ونادرا ما تتعلق بإسقاط كلمة مثل: ««بما آمنتم» - ﴿بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ»
(البقرة: ١٣٧) ««إلا الساعة تأتيهم» - ﴿إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ» (سورة محمد:
١٨).
وفيما يتعلق بالفئات الثلاثة السابقة بوجه عام، ودون النظر إلى القيمة الأدبية لهذه القراءات، نقول إنه من المحتمل أن تكون هذه القراءات قراءات حقيقية ومقبولة إلا أنه يشترط أن تثبت صحتها من الناحية التاريخية. ومع ذلك فهناك في بعض الحالات ما يحملنا على افتراض أن تكون بعض التعديلات المقصودة قد أدخلت على القراءات غير الرسمية بينما النص الصحيح يسمو فوق كل
стр. 41
الاعتبارات الخاصة سواءا أكانت ذات طابع عقيدي مثل: ﴿بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ﴾، ﴿يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ» أم سياسي مثل: «مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ﴾ ... (سورة التوبة:
١٠٠) وليس «والأنصار الذين ... » كما اعتقاد عمر، أو خاصة باللهجة مثل: «إِنْ هذانِ لَساحِرانِ» أو غيرها.
وكل ما عني به صحابة رسول الله ﷺ لإثبات صحة النص القرآني هو المطابقة الحرفية لكل جزء منه طبقا لما نزل ودوّن في البداية بإملاء الرسول ﷺ ، وتلي فيما بعد أمامه وحمل تصديقه النهائي قبل وفاته. وهذه الموضوعية المطلقة هي الباقية والخالدة على مدى الدهر تشهد لهم لا عليهم.
ابن مسعود لم يخرج على الإجماع:
ومع ذلك فهناك كلام عن ابن مسعود أو غيره من الصحابة. وقد يتصور البعض أنه يمكن تجريح إجماع الصحابة على النص العثماني عن هذا الطريق. والحقيقة أنه لم يحدث أن نازع أحد منهم في صحة هذا النص، وإنما بجانب هذا النص كانت توجد قراءات خاصة أخرى أكد من رواها أنها منسوبة إلى رسول الله ﷺ ، ومع ذلك عجزوا عن تقديم الدليل الحسي عن هذا الإسناد. ولقد حرص الصحابة لا على جعلها تنافس وتحل محل النص المجمع عليه، وإنما على المحافظة عليها بجانب هذا النص الصحيح. ولهذا نرى أبا موسى مثلا يوصي ذويه بعدم إلغاء ما هو مدون بمصحفه والعمل على استكمال أي نقص منه من مصحف عثمان (١). وعندما استقبل ابن مسعود الغاضبين من أتباعه ماذا فعل إلا أنه ذكرهم بقيمة جميع القراءات التي جاء بها الوحي (٢).
على أن هذا الغضب - إذا حدث أن كان هناك غضب (٣) - كان له باعثان:
وهو أنهم رأوا هذا الصحابي الجليل من الطبقة الأولى وقد حرم من شرف الإسهام
стр. 42
في لجنة جمع القرآن، بل ومضطر أيضا إلى أن يسلم مصحفه المخطوط لإعدامه.
إلا أن هذا الغضب المؤقت لم يحتمل الصمود طويلا أمام التفكير الرشيد لإعدامه؛ لأن ابن مسعود كان في العراق في مهام رسمية قبل وقت الجمع بكثير، ولم يكن من المعقول أن يتمسك بتأجيل هذه المهمة العاجلة لحين عودته، بينما يوجد من الصحابة من يتوفر لديه مثله - بل وأكثر منه - الوثائق الصحيحة المجموعة مدوّنة في عهد الرسول ﷺ والمصدقة منه. أما فيما يتعلق بمخطوطه الذي قد يكون قد أضاف إليه بعض الشروح أو القراءات التي لم يتفق على صحتها، فقد كان لا بد وأن يلقى نفس الوضع الذي آل إليه غيره من المصاحف المشابهة (١) وهو ألا يكون له قوة النص الصحيح، وعلى أن يظل يتمتع بثقة محدودة ومسؤولية شخصية.
إعدام المخطوطات المشكوك فيها أنقذ وحدة النص:
وإذا كان إعدام هذه المخطوطات الفردية يبدو فيه شيء من القسوة في الوقت الذي لم يوجد بالفعل أي تحريف على الإطلاق، فإنه يدل مع ذلك على أن عثمان كان بعيد النظر وعميقا في إدراك حقيقة الأمور (٢). ويرجع فضل تمتع المسلمين اليوم بوحدة كتابهم واستقراره إلى هذا العمل المجيد من جانب عثمان ومهما أضيف إلى المصحف العثماني من علامات خارجية (ابتكرها أبو الأسود الدّؤلي وأتباعه، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر وحسن البصري وخليل بن أحمد) فإن النص باق كما هو على الدوام يتحدي فعل الزمن .. ووجود بعض الحروف الزائدة أو الكلمات المضغمة أو الكتابات القديمة التي اقتصرت على كتابة المصاحف وحدها في جميع نسخ القرآن اليوم المطبوع منها والمخطوط، يعد شهادة بليغة على الأمانة التي انتقل بها البناء القرآني من جيل إلى جيل حتى وصل إلينا بهذا الكمال المنقطع النظير.
стр. 43
الفصل الثالث كيف تم تبليغ المبدأ القرآني إلى العالم
سرعة انتشاره واستقراره:
كل الدنيا تعرف، بصفة عامة، ما هو المبدأ القرآني الذي نسميه الإسلام. غير أن هذه المعرفة غالبا ما تقتصر على السمات الخارجية فيقال إنه ذلك الإصلاح الديني والإجتماعي والأخلاقي الذي بمجرد أن ظهر على ساحل البحر الأحمر في بداية القرن السابع الميلادي، سار بخطوات منتصرة نحو الشمال والجنوب ونحو الشرق والغرب، حتى أنه في فترة قصيرة نسبيا انتشر في نصف العالم المعروف في ذلك الحين.
مقارنة مع فتوحات الإسكندر الأكبر:
هذا الحدث التاريخي الجليل الذي لا مثيل له على مر الزمان قد أثار اهتمام الإنسانية جمعاء، كما أثار فضول مؤرخي الأخلاق والأديان.
ولقد حاولوا أن يجدوا له شبيها في العصور القديمة دون جدوى، فقارنوه أحيانا بفتوحات الإسكندر المقدوني. إذ كانت واسعة وسريعة ولكنها لم تأت بأي تغيير سواءا في أفكار الشعوب أو عاداتها وما لبثت هذه الفتوحات أن زال أثرها عند أول بواكير الإسلام.
إننا لا نذهب إلى حد القول بالعقم المطلق لأعمال الإسكندر الأكبر الذي كان له على الأقل الفضل في إقامة مدن عظيمة على جانبي الطريق إلى الشرق حيث ساد الرخاء الاقتصادي وقتا طويلا. ولكن الحقيقة أن هذه الأعمال لم تتجاوز مجال التعمير الحضري أما مجموعات الشعوب والفلاحون الذين قيل عنهم «لا يعد الفتح فتحا إذا لم يؤثر على عقولهم» فقد احتفظوا بطابعهم الخاص دون أي تغيير، فاللغة والأخلاق والنظم السياسية والاقتصادية ظلت كما كانت. وحتى في
стр. 44
المدن نجد أن الأفكار والعادات اليونانية التي كانت تتمثل في طبقة الموظفين الإداريين لم تتأصل إلا في أقلية من التجار الرأسماليين. ولا حاجة إلى أن نضيف أن المستعمرين الإغريق أنفسهم قد خضعوا فيما بعد لفاتحين آخرين، وأن هذه المدن دمرت تدريجيا في ظل حكم الأمبرطورية الرومانية. ولكي ندرك الطابع العابر لهذا الإصلاح غير المتجانس، يكفي أن نتذكر بعض النقاط التاريخية المعروفة. فبعد ما يقرب من عشرين عاما من وفاة الإسكندر تمزقت أمبراطوريته بلا عودة إلى ثلاث ممالك (عام ٣٠١ قبل الميلاد). ثم وقعت عملية بتر على مراحل كما يلى: بعد خمسين سنة استولى «البرتيون» على آسيا العليا (٢٥٠ ق م)، ثم سقطت آسيا الوسطى تحت الحكم الروماني بعد ذلك بستين عاما (١٩٠ ق م)، واستقلت فلسطين كدولة يهودية بعد خمسين سنة (١٤٤ - ٦٤ ق م). وفي نفس التاريخ تقريبا أصبح قلب الوطن ذاته (اليونان في عام ١٤٦ ق م ومقدونيا في عام ١٤٢ ق م) مجرد ولاية رومانية. وإذا كانت الملكية المصرية قد ظلت بعيدة عن هذه الأحداث ولم تخضع لروما إلا في عام ٣١ ق م، فإن أفولها في الواقع، بدأ بعد البطالمة الثلاثة الأوائل (٢٢١ ق م). ولكن المسألة الحقيقية التي تستلفت النظر ليست في هذا المجال.
فإن تركنا المظهر المادي والحضاري جانبا وبحثنا في المجال الفكري، فمما لا يمكن إنكاره أن الإسكندر لم ينقل معه الفكر اليوناني، وإنما تبنى بدون قيد ولا شرط الأفكار التي كانت سائدة في البلاد المغلوبة في ذلك الوقت واعتنق عقائدها.
أما خلفاؤه فلم يكونوا خيرا منه في هذا المجال، إذ لم يغيروا شيئا على الإطلاق.
وخلال الحكم اليوناني والروماني بصفة عامة، وجدت الأفكار الفلسفية والدينية التي كانت رائجة في الشرق في ذلك الوقت، ولا سيما في الاسكندرية، ولم تكن مستوردة من اليونان لأنها في الواقع كانت مذاهب شرقية بحتة - وجدت الفرصة مواتية لكي تنتقل عن طريق اليونانيين إلى أوروبا باسم الأفلاطونية الجديدة أو المسيحية. وعلى هذا النحو يحق لنا أن نقول إن الشرق في الحقيقة هو الذي غلب فاتحيه. ثم جاء الإسلام أخيرا فتغير كل شيء بين يوم وليلة. ولم يقتصر في هذه
стр. 45
المرة، على الواجهة السياسية والاقتصادية في المدن الكبرى فقط وإنما تغلغل في الأعماق النفسية لهذه الشعوب جميعا: فاللغات والأفكار والقانون والآمال والعادات وتصور العالم وفكرة الله، كل ذلك قد طرأ عليه تغيير جذري سريع (١).
خطأ رأي علماء الغرب عن عوامل التوسعات الإسلامية:
ولم يقتصر تأثير هذا الغزو الفكري على اجتذاب النفوس التي آمنت به بصفة دائمة، بل إنه كان ينزع دائما إلى الإنتشار وكسب الأتباع كلما أتيحت له الفرصة لكي يظهر في بساطته ونقائه الفطريين. وهذه الحقيقة تتعارض مع ذلك الرأي الذائع الانتشار والذي تلوكه الألسنة دائما من أن الإسلام لم ينتشر إلا بحد السيف. أليس التأثير الذي يمارسه على النفوس في الوقت الحاضر دليلا ملموسا على أن له قوة ذاتية وتوافقا فريدا مع الطبيعة البشرية وحقيقة الأشياء؟
نظرة تاريخية وتحليلية عن منشأ الصراع الحزبي في الإسلام:
ولقد حدث في مرحلة معينة أن القوى المعادية أخذت تصب أحقادها وتستخدم كل عنفها لاضطهاد الدعوة الناشئة وتعذيب أتباعها، مما اضطرها إلى الوقوف في وجه هذه القوى ووضع حد لهذا الظلم الذي ساد وقتا طويلا. وفور إعلان المقاومة، هبت العناصر المعادية في كل مكان وتضافرت فيما بينها للقضاء على هذا النظام الجديد الذي خشيت أن يحل محلها. وتوالت الضربات من كل جانب مما اقتضي وقتا غير قصيرا لإعادة السلام من جديد.
وإذا نظرنا إلى واقع هذه الأمور، فلا نجد مع ذلك شيئا في هذه المرحلة يجعل منها عاملا جوهريا متعمدا في انتشار الدعوة الإسلامية، بل نجد أن السنوات العشر الأولى من الدعوة توضح لنا كيف أن العرض البسيط لمبادئ الإسلام كان يجذب كل يوم مسلمين جدد رغم كل العقبات. وتشهد هذه السنوات كذلك
стр. 46
بمدى البطولة والتسامح اللذين كان الرسول ﷺ والمسلمين يتحملون بهما سخرية قومهم وسبهم، فضلا عن العزلة والمقاطعة التي فرضت عليهم ووصلت أحيانا إلى أقسى أنواع التعذيب والتنكيل (١). ولقد أجبر ذلك مئات المسلمين - ومنهم من أشراف قريش مثل عثمان وأم حبيبة بنت أبى سفيان - أن يبحثوا عن ملجئ أمين (٢) بالقرب من ملك الحبشة. ولكن المثل الأخاذ في هذه الحقبة، الذي يدل على الأثر العجيب لهذا النداء السلمي، ضربه لنا سكان يثرب (التي أطلق عليها «المدينة» فيما بعد). فمن قبل أن يروا وجه الرسول الكريم ﷺ ، ومن قبل أن يسمعوا صوته الندي، وبمجرد أن سمعوا التنزيل القرآني على لسان حجيجهم، أقبل عرب المدينة على الإسلام، وتلقوا القرآن بشغف، حتى أنه لم تبق أسرة واحدة إلا وكان من بين أفرادها عدد من المؤمنين. وأكثر من ذلك أن العداوات والخصومات التي ظلت سائدة بينهم ما يقرب من ربع قرن (٣)، قد انطفأت فجأة بنفحة ربانية (٤) وبعد أن كانوا أعداءا بالأمس أصبحوا بنعمة الله إخوانا (٥). وفي نفس الوقت بدأت العبادات الإسلامية - التي لم تمارس علانية بمكة بسبب الإضطهاد - تقام جماعة وعلى مرأى ومسمع من الناس جميعا (ومنها صلاة الجمعة كان يؤمهم فيها أبو أمامة قبل الهجرة بعام). ففي هذا الوسط الكريم استقبل جميع المسلمين تقريبا بحفاوة وترحاب، بعد أن تركوا ﴿دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ﴾ (٦)، وبعد أن أوذوا بمكة أشد الإيذاء.
стр. 47
وحتى ذلك الوقت كان كل شيء يمر بسلام وكرامة على الأقل من جانب المسلمين، ولم يكن هناك ما ينبئ عن إمكان الإلتجاء إلى القوة. فبعد أن اطمأن الرسول ﷺ على مصير أتباعه ووصولهم إلى بر الأمان، ورغم الأخطار التي كانت تهدد حياته ﷺ . لم يتعجل في اللحاق بهم لأنه لم يكن ليغادر مكان دعوته دون إذن صريح من الوحي. ولقد اعتقد أن المطلوب منه هو إطالة بقائه بمسقط رأسه، حيث يتحتم عليه الإستمرار في دعوته، ومعه صاحباه أبو بكر وعلى بن أبي طالب. ولكنه في اليوم السابق لتنفيذ مؤامرة متفق عليها للقضاء على حياته، تلقى الأمر الإلهي بالهجرة، وفي اللحظة التي بدأت الخطوات لتنفيذ هذه المؤامرة الخبيثة، غادر الرسول ﷺ مكة سرا مع أحد صاحبيه، وعهد إلى الثاني بأن يغطي انسحابه. وبعد أن نجا بمعجزة من هذا الخطر، ألم يكن ينبغي عليه أن يفكر في الانتقام من أعدائه الذين كانوا يريدون القضاء عليه؟ كلا .. وإذا تتبعنا مراحل نشاطه في العام الأول بعد الهجرة، وشطرا من العام الثاني نجد أنه كان يوجهه لأعمال سلمية نبيلة وبناءة: منها تشييد مسجده، وتنفيذ فريضة الصيام، ووضع نظام الآذان وتنظيم المجتمع داخليا وسليما. كل شيء كان يبدو في ذلك الوقت وكأن المسلمين قد أداروا ظهورهم عن مكة نهائيا، حتى في قبلة الصلاة، إلى أن حان منتصف العام الثاني، حيث بدأوا يعترضون قوافل تجارة قريش تمهيدا لمنازلتهم.
من أين جاء هذا التغيير المفاجيء ؟
يستحيل علينا - نظرا للأحكام العديدة النزيهة التي اتفق المستشرقون عليها - أن ننسب الباعث إلى نفسية الرسول ﷺ ، فالإجراءات الحربية في الحقيقة ليست من طبعه ولا من عادته، بل العكس هو الصحيح إذ كثيرا ما جلب عليه تسامحه وعفوه عن المشركين لوما من القرآن (١)، فقد نقل إلينا الأثر كثيرا من عفوه
стр. 48
ومغفرته تجاه جرائم ارتكبت ضد شخصه أو ضد ذويه (١).
ولقد حاول البعض أن يعلل هذا الاتجاه الجديد بضغط جماعة المسلمين عليه، وهم من هذا الشعب الذي يتميز بالروح الحربية كطبع أصيل فيه. ولكن العلماء الذين تعمقوا في دراسة الغريزة العربية، لا يؤيدون مثل هذا الافتراض، بل إنهم أثبتوا أن الدماء تثير الفزع في نفوس العرب، ولا سيما أعراب الصحراء، ويؤكدون أن البدو لا يحرصون علي الحروب. ولكنها عندما تفرض نفسها عليهم يقبلونها بدلا من تحمل الذل والعار.
وحتى بالنسبة لعمليات الغزو التي كانت تقوم بها بعض القبائل على بعض، فإن القبائل الرحل كانت تحرص دائما على عدم سفك الدماء (٢).
فلا يمكن إذن تفسير هذا التحول الجديد عن طريق تحليل نفسية الشعب ولا بتحليل نفسية الرسول ﷺ ، وإنما يتعين البحث عن دوافعه في حدث تاريخي ولا بد أن شيئا ما قد حدث في تلك الفترة فأدى إلى هذا الموقف الجديد، والواقع أن القرآن يجسد أمامنا مشهدا مثيرا للغاية، فقد رأينا من سياق العرض السابق كيف أن الرسول ﷺ أثناء الهجرة كان يطيل بقاءه بمكة بعد رحيل أتباعه ليكون آخر المهاجرين. ومن هذا نستطيع أن نؤكد أنه لم يترك خلفه ما ينشغل به. بل ويمكننا التخلي عن أي أمل في أن يسلم أحد بعده في هذا البلد الوثني. ولكن الأمر في الحقيقة كان على خلاف ذلك وها هو القرآن ينقل إلى أسماعنا صوت استغاثة من بين أناس ﴿مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ﴾ أسلموا وهم بمكة ولا سند لهم يعينهم على الهجرة أو على دفع الظلم عنهم، ويتعذبون بإيمانهم ويطلبون
стр. 49
العون الإلهي لنجدتهم (١)، فلقد كان الغرس القديم - الدرس والقدوة - مثمرا وهو بعيد على أية دعاية جديدة. وكلما خفق الإيمان تحركت العداوة والقسوة لإخماده بدون رحمة أو شفقة تاركة عددا من الضحايا لا يستطيعون دفع الضر عن أنفسهم.
ماذا يكون الحال إذن .. ؟ ألا أن المهاجرين والأنصار وهم في معزلهم الأمين الآن يتمتعون بحريتهم الكاملة في الإيمان والعبادة، يحق لهم أن ينطووا في أنانيتهم ولا يعيروا لمصير إخوانهم بمكة أي اهتمام؟ هل يجوز منطقيا وبدون تحامل، أن تحرم «الحقيقة» و «الفضيلة» من حقهما في تلقي العون، وأن نترك الاستبداد يشهر سلاحه ضدهما؟
ومع ذلك فهذا العون المادي المطلوب عن حق لم يقدمه المسلمون بسهولة على الأقل في صورته الحربية. وهنا أيضا يكفي أن نرجع إلى القرآن الكريم - وهو المصدر الممتاز الذي لم يعد أحد من العلماء يشك في صدقه وصحته تاريخيا - لكي نرى التردد والتراجع من جانب «الأحرار» أما المشروع العسكري الذي كان غرضه تحرير «الأسرى». ولقد تدخلت في هذا الموقف - بالإضافة إلي كراهية الحرب (٢)، وإلى غريزة حفظ النفس (٣) - ظروف خاصة جعلت - الحرب في نظرهم غير معقولة، فقد فكر المسلمون وهم فى معسكرهم على هذا النحو: كيف نلقي بأنفسنا على غرة أمام عدو يفوقنا عدة وعددا وهو يهاجمنا؟ (٤) أليس من الأفضل القيام ببعض الأعمال الانتقامية غير المباشرة (٥) بحيث تشعر قريش بقوتنا
стр. 50
فتترك إخواننا وشأنهم؟ قد يكون من الأفضل اعتراض طريق العير وعدم الاصطدام بجيش قريش (١) ولكن فريضة التضحية العظمى كان قد حان وقتها، وأراد الله أن يفصل في الصراع القائم بين الحق والباطل (٢). فليس على الإنسان إلا أن يضطلع بواجبه ويصمد ليعرف كل لماذا يموت ولماذا يعيش (٣): هؤلاء من أجل مثلهم الأعلى، وأولئك من أجل أوثانهم ومعبوداتهم (٤).
تلك هذه الظروف التي انطلقت فيها شرارة الحرب المسلحة الأولى. فبقدر ما ظلت الإضطهادات ذات طابع فردي وخاص، إلتزم المسلمون مدة إقامتهم بمكة، بالامتناع عن أي رد فعل عنيف، وتحملوا جراحهم ببسالة (٥). أما الآن وقد اصطبغت كراهية المشركين بصبغة العمومية. وتحولت إلى حرب ضارية (٦). فقد أذن للمؤمنين بعد أكثر من عشر سنوات من الصبر الجميل (٧)، بأن يجندوا أنفسهم (٨) (¬،٩) للدفاع الجماعي عن كيانهم، وللذود عن إخوانهم الذين لا سند
стр. 51
لهم (١). إن الحكم الموضوعي يقر أننا لا نستطيع أن نلوم مثل هذا الموقف الدفاعي البحت المتفاني في السمو ولكن المسألة تتركز أساسا فيما إذا كان التشريع القرآني قد تطور فيما بعد ووسع مفهوم حق الدفاع عن النفس بحيث شمل كل مبادرة بالعدوان.
يبدو لنا أن معلومات العالم الغربي غير وافية في هذه النقطة: إذ يسود الإعتقاد أنه يحق للشعوب الإسلامية، بل وحتى طبقا لكتابهم المقدس - أن يستخدموا السلاح سواءا لفرض دينهم على الناس أو للقضاء على كل من لا يعتنقه، ويطلقون على ذلك «الحرب المقدسة» وهي عبارة يجعلونها تتوافق مع كلمه «جهاد» الواردة في القرآن الكريم. والحقيقة أن هذا التعبير النوعي الذي يقصد به «بذل الجهد» ليست له أية علاقة بالناحية العسكرية لأننا نجده أيضا في السور المكية: إما لبذل الجهد في الوعظ والدعوة، والجدال بالحسنى (٢)، وإما لبذل الجهد الشخصي ذي الطابع الأخلاقي المحض (٣). أما ما يعبر عن الحرب الحقيقية فهي كلمة «قتال».
القرآن يحدد الحرب الشرعية:
والرجوع إلى النص القرآني يوضح لنا الموضوع والهدف والحدود التي يستهدفها التشريع القرآني من وراء القتال، فيقول: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٢ - ١٩٣]، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا﴾
стр. 52
﴿إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ [النساء: ٩٠ - ٩١] وفى موضع آخر نجد نفس التفرقة ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] وحتى في سورة التوبة التي تعتبر أشد السور على الكفار والمنافقين والمتقاعدين المترددين في القتال والتي تبدأ بإعلان عام يقطع كل علاقة بالمشركين، نرى العناية التي أولاها القرآن في استثناء المشركين الذين لم ينقضوا عهودهم فيصرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. والموضوع الذي يحرض القرآن المؤمنين من أجله يتضح أكثر في الآية التالية: ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[التوبة: ١٣]. وترتب على ذلك بطبيعة الحال أن يقول الله تعالى للمؤمنين ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾
[التوبة: ٣٦] ولكن هذا القتال يتوقف بمجرد حفظهم للعهد ﴿فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]. فلا نجد في أي مكان إذنا بالبدء بالقتال، وإنما الأمر هنا محدد بموقف الخصم العدواني، والأكثر من ذلك أنه حتى بالنسبة للمشركين الذين لا يرتبطون مع المسلمين بعهود ومواثيق ويطلبون حمايتهم، نجد القرآن يطالب الرسول ﷺ بأن يبلغهم مقصدهم في أمان (١) (¬،٢).
стр. 53
فكل مسؤوليات الحرب إذن تقع على عاتق الباديء بها، ولكن إلى أي مدى تمتد هذه المسؤوليات؟ هل هي مسؤوليات جماعية؟ لقد أثبتنا في مكان آخر (١)
المبدأ القرآني الذي يتضمن أن المسؤولية الجنائية والأخلاقية هى مسئولية فردية وأن المسئولية المدنية تميل إلى الإقتراب من نفس هذه الفكرة وشأنها شأن المسؤولية العسكرية، فعندما يقول القرآن ﴿قاتِلُوا .. ﴾. ﴿ ... الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ إنما يقصد بذلك الذين يقاتلون قتالا فعليا ويحملون السلاح.
السنة النبوية تفصل الأهداف العسكرية من الحرب:
ولقد أوضحت السنة هذا الشرط بعناية فائقة، وأبعدت عنه أي إلتباس:
فالنساء والأولاد والشيوخ والعميان والعجزة والمجانين والمزارعون في حقولهم والمتعبدون في صوامعهم (٢)، لا يتعرضون للأعمال الحربية أي لأي عمل يؤدي إلى التدمير بوجه عام مثل الفيضان والحريق. وعند تطبيق الحكم القرآني الذي يقضي بالعفو عن الذين يوقفون القتال، ذهب النبي ﷺ إلى حد أن أوصى بتحريم ملاحقة العدو الهارب من ساحة القتال.
الغرض الحقيقي من الحرب:
ما هو إذن الهدف من هذا التشريع؟ نعتقد أنه قد وضح الآن: وهو إبعاد الخطر، فالإسلام يدين روح التدمير وروح السيطرة (٣)، بل إنه لا يريد فرض «أيديولوجية عالمية» (٤)، وحتى مع افتراض أنه قد يكون هناك من يريد ذلك فإنه لا يستطيعه لأن الرسول ﷺ ذاته لم يكن ليركن إلى إمكانياته البشرية ويعول عليها، بعد أن أوضح له القرآن الأبعاد والحدود. هل يستطيع أن يغير إرادة الله؟ إنه بموجب أمر إلهي سيظل الخلاف قائما بين الناس (٥)، وسيظل الإيمان قاصرا على قلة
стр. 54
منهم (١). لقد كان بعيدا عن أن يكره الضمائر، ويعوق حرية العقيدة (٢).
خطأ جوتييه في معنى التسامح الإسلامي:
فالإسلام يقف في وجه من يعترض طريق الحرية ويعرض الناس للفتنة (٣)، وتحطيم هذه العوائق هو الهدف التحرري النزيه الذي يجب أن يلهم المقاتلين المسلمين (٤).
الجهاد في الدعوة يخضع لقواعد:
هل معني ذلك أن «هداية» الآخرين أو «غوايتهم» لا تهم المسلم في شيء؟ هذا هو التفسير الذي حاولوا تقديمه أحيانا عن سماحة المسلمين إزاء الأديان الأخرى؟ (٥) إنها طريقة أخرى لإنكار الطابع الحقيقي للقرآن إذ ينسبون إليه إما المبالغة في الرغبة في استمالة الناس نحو مبادئه، وإما فتور هذه الرغبة: أي أنه يوصف إما بالتشدد وإما باللامبالاة. والحقيقة أن موقف القرآن في هذا الشأن لا يتمثل في أي من هذين الطرفين. إنه يقرر أن من الواجب الدعوة إلي الحق وإلى الفضيلة (٦)، ومزاولة ذلك بهمة ونشاط (٧). ولكن الأسلوب المتبع في ذلك يجب أن يتسم بالحكمة والإقناع وباللين (٨). فالواجب على كل فرد هنا ليس في إكراه الغير وإنما في الشرح والتوضيح والإقناع بكل ما يعتقد أنه حق. وللغير أن يؤمن بما يسمع أو لا يؤمن وعليه بعد ذلك ألا يضيق ذرعا بحرية المؤمنين في القيام بشعائرهم وإعطائها ما تستحق من تبجيل. وفيما عدا ذلك يتحمل كل فرد مسؤولياته كاملة (٩).
стр. 55
المبدأ الإسلامي الذي ينظم العلاقات الدولية:
فالمبدأ القانوني الذي يحدد العلاقة بين جماعة المسلمين وبين الأمم والأديان الأخرى هو المبدأ الذي يطلق عليه، بصفة عامة، اسم «التسامح»، وقد تكون هذه التسمية أقل من الحقيقة من بعض النواحي، إذ نلاحظ أولا: أن الشعوب التي لا تعتنق الإسلام وإنما تخضع سلميا لتشريعه المدني لا يجب فقط أن تتمتع بالتسامح، وأن تصان أراضيها وأفرادها (أشخاصهم وأموالهم ودياناتهم وتقاليدهم)، ولكن الإسلام يأخذ على عاتقه أن يوفر لهم هذه الحريات على قدم المساواة مع المسلمين أنفسهم «لهم مالنا وعليهم ما علينا». ثانيا: أما الذين لا يقبلون العقيدة الإسلامية ولا التشريع الإسلامي، فإن القرآن لا يطالبهم إلا بموقف مسالم من جانبهم ليوفر لهم في مقابل ذلك معاملة كريمة أساسها العدل والبر (١).
فالمقاومة الفعلية لا تفرض نفسها إلا في غياب أحد الحلول الثلاثة السابقة (جماعة دينية أو وحدة اجتماعية أو حسن جوار) فإذا صوب الكفر ضربته إلى العقيدة ليضطهدها ويخمد نورها جملة هل من المعقول أن يبقي الدين مكتوف الأيدي أمام الكفر وينظر في سلبية إلى ما يفنيه فناءا تاما؟ وعلى كل من يدعي أنه اكتشف غرضا آخر لنظام القتال في التشريع الإسلامي أن يتفضل ويعطينا الرقم التقريبي للأتباع الجدد الذين اعتنقوا الإسلام بفضل هذه الإجراءات القاسية. لقد عاش المسلمون كلتا التجربتين في وقت مبكر وفطنوا - وذلك في مصلحة العقيدة ذاتها - إلى أنه لا يوجد شيء يعادل تبادل الأفكار في سلام وحرية. لقد فهموا ذلك جيدا حتى لا يساورهم إكراه الناس على الدين بالقوة، وحتى أنه قيل أنه أثناء صلح الحديبية - نظرا لأن حدود المعسكرين المتعاديين كانت مفتوحة - بلغ عدد الذين اعتنقوا الإسلام ما يزيد على عددهم في السنوات السابقة مجتمعة.
اعتراف جوتييه:
ونستطيع أن نفترض وقوع بعض الأخطاء في فترات الإضطرابات إذ قد يصعب
стр. 56
تلافيها، وقد يشتبه أيضا في بعض الانحرافات في الأجيال التالية. ولكن لنسمع أولا اعتراف أحد النقاد المعاصرين (١) وهو ممن لا يعلنون تأييدهم للنظام الإسلامي: «رغم العقبات الرسمية التي كانت تحول دون اعتناق الإسلام (٢) فقد كان الناس يدخلون في هذا الدين أفواجا» (ص ٢١٧) «لم يحدث قط أن عربيا وهو في أوج حماسه لدينه الجديد - أن فكر في أن يطفيء في الدم المسفوك عقيدة دينية أخرى» (ص ٢٠٧) «لم يحدث قط أن زاول الخليفة أي اضطهاد تجاه النصارى أو تجاه الزنادقة» (ص ٢٠٨).
مقارنة بين الحروب الإسلامية وحروب حركة الإصلاح البروتستانتية:
وعلى أي حال فإن البؤس والآلام التي يمكن أن ننعيها في المعارك الإسلامية كانت طفيفة، والحروب كانت سريعة، مما يحملنا على الإعتقاد بأن الأبواب كانت مواربة أمام الفاتحين المسلمين. وما كان عليهم إلا دفعها لتفتح على مصراعيها.
فهذه السرعة من ناحية واستتباب النظام والأمن والعدل التي تلتها، من ناحية أخرى، قد حقن كثيرا من الدماء وقلل من الخسائر المادية. ولنتذكر أن حركة الإصلاح البروتستانتي التي لم تتناول بالتعديل إلا عدة مباديء فقط من المسيحية - قد كلفت أوربا خلال قرن ونصف قرن من الآلام والضحايا ما يربو على ذلك بكثير.
متانة البناء الإسلامي:
إن كل بنيان مزيف إذا عاش برهة من الزمان بفضل القوة التي تسانده لا بد وأن ينهار حين تختفي من حوله العناصر الغريبة عليه والتي ساعدت على بقائه قائما،
стр. 57
فماذا نرى اليوم بعد اثني عشر قرنا من الدهر الطويل، وبعد توقف التوسعات الإسلامية؟ هذه المبادئ المنتشرة بين شعوب جد مختلفة في الجنس واللغة واللون والمناخ من الصين إلى مراكش، ومن ليتوانيا حتى الموزمبيق، والتي تمثل أكثر من سدس سكان العالم، (١) هذا البناء الاجتماعي الذي تعرض طوال التاريخ المديد إلى عناصر التدمير الداخلية والخارجية - لم يفقد شيئا كثيرا من مظهره ولم يخسر شيئا على الإطلاق من جوهره. ورغم عدم استقرار الأحوال السياسية، فالبناء الديني والأخلاقي لا يزال منصوبا على قوائمه وثابتا في صلابة، بحيث قيل بحق: «إنه لم يحدث منذ بداية الهجرة أن مسلما قد تحول عن دينه إلي دين آخر (٢)» وعلى أي حال نستطيع أن نؤكد أن المسلمين اليوم أقل إستعدادا لأن يتخلوا عن عقيدتهم من أتباع أية ديانة أخرى. أليس مما يناقض القوانين النفسية، أن ننسب هذا التمسك الوثيق بهذا الدين من جانب المسلمين إلى نوع من الاستسلام الوراثي يرجع أصله إلى نوع من الإكراه الذي وقع على آبائهم الأولين، وأن المسلمين لا يزالون يحتفظون بذكراه منقوشة في أعماق تركيبهم الذهني؟.
لا جدال في أنه يتحتم علينا أن نسلم بوجود الصفات الذاتية التي مكنت للإسلام من هذا الإنتشار ومن هذا الثبات رغم البعد عن تاريخ مولده.
***
стр. 58
الباب الثاني القرآن من خلال مظاهره الثلاثة الدّيني والخلقي والأدبي
الفصل الأول: الحق أو العنصر الديني
الفصل الثاني: الخير أو العنصر الأخلاقي في القرآن
الفصل الثالث: الجمال أو الجانب الأدبي
стр. 59
الفصل الأول الحق أو العنصر الديني
стр. 60
إذا كان القرآن - بعيدا عن أي عامل خارجي قد أثر بصفة دائمة على عقول جد مختلفة فلا بد أن يكون ذلك راجعا إلى ما له من جاذبية خاصة بتوافقه الكامل مع أسلوب الناس الفطري في التفكير والشعور، وباستجابته لما تتطلع إليه نفوسهم في شؤون العقيدة والسلوك، وبوضعه الحلول الناجحة للمشكلات الكبرى التي تقلق بالهم. وبمعنى آخر لا بد أنه ينطوي على ما يشبع حاجتهم إلى الحق والخير والجمال بما يجمع من صفات العمل الديني والأخلاقي والأدبي في آن واحد.
стр. 61
الفصل الأول الحق أو العنصر الديني
المظاهر الخارجية للحقيقة: اتفاق ذوي الاختصاص:
إن أول ملامح القوة الجارفة التي تتمتع بها الدعوة الإسلامية تكمن - في رأينا - في الصورة التي قدمت بها الحقيقة الدينية في محاولة منها لوضع حد للخلافات التي ثارت بشأنها.
فردا على السؤالين العقيديين الرئيسيين اللذين تنازع واختلف بصددهما الفكر الفلسفي: «ما هو مصدر الكون؟» «وما مصيره؟» نعلم كيف أن الديانات السماوية بعد أن قدمت إجابة دقيقة عليهما، أسست على هذه الإجابة نظاما كاملا في العقيدة والعبادة، اختلف باختلاف الأزمنة والمجتمعات وتباين أمام أنظارنا في أشكاله وحتى في مبادئه الجوهرية، غير أن الإنسان - بنوع من الفطرة المنطقية - لا يقبل بسهولة أن تتناقض حقيقة دينية مع حقيقة دينية أخرى. فما قدم لنا بالأمس على أنه حقيقة خالدة، هل يمكن أن نعتبره بالغد باطلا لا يصلح إلا ليحل محله ما يناقضه؟ هل يمكن أن يحدث هذا دون أن يلقي في قلوبنا ونفوسنا الاضطراب والشك، ومن غير أن يجعلنا نفترض فساد وبطلان المبدأين على السواء؟ إن اتفاق وإجماع ذوي العلم والاختصاص على صدق فكرة معينة، علامة في نظر سائر الناس، على صحة هذه الفكرة. رغم أن هذا الإجماع عامل خارجي، غريب عن ذات الفكرة. ومن هذه الناحية نستطيع إذن أن نقول إنه بقدر ما تتمتع به أية دعوة من تأييد أهل العلم لها وزيادة الثقة بها. يتضاعف تأثيرها على الناس. فاختلاف القادة والزعماء يلقي في نفوسنا الحيرة والاضطراب. وفي إجماعهم نجد التوازن الذي لا غنى عنه لراحة ضمائرنا. إننا نجد راحتنا في الواقع عندما نعلم أن الناس يفكرون تماما كما نفكر، وأن عقول الإنسانية المستنيرة
стр. 62
اتفقت على رأى واحد. وأن رسل الله جميعا ﵈ يعزز بعضهم بعضا ويتضامنون في تبليغ حقيقة واحدة. فموسى يعلن أنه من ابراهيم واسحق ويعقوب ﵈ وعيسى ﵇ لم يأت إلا ليؤيد الرسل والشرائع السابقة.
تعريف القرآن للإسلام باعتباره الإيمان بجميع الأديان المنزلة السابقة:
ولقد ركز القرآن على هذه الفكرة تركيزا كبيرا، وأكد صراحة أن جميع الأنبياء ﵈ أمة واحدة مجتمعة تحت لواء الله ﵎ (١)، وأن هذه الوحدة كانت تجمع سائر الناس فيما مضى. وإنما الأجيال اللاحقة هي التي بذرت الخلاف والفرقة (٢)، إما بنسيان حظ من التعاليم الربانية (٣) أو نتيجة الأساليب الرديئة التي عرضت بها (٤) هذه التعاليم أو بدافع الغرور والمصالح الذاتية (٥).
ويعرض القرآن دعوة الإسلام بطريقته المنطقية لا على أنها دعوة محمدية مستقلة تنافس الموسوية والمسيحية وتنازعهما الحقيقة، وإنما يقرر أن المسلم هو من يؤمن في نفس الوقت بموسى وعيسى وجميع رسل الله ﵈، ويوقرهم من غير تمييز بينهم (٦)، كما يؤمن بمبادئهم جميعا، أي أنه يستسلم
стр. 63
لله ولإرادته التي أعلنت متتابعة على ألسنتهم (١). وعندئذ يعلو الناس فوق الإنشقاق والتنافس (٢) لأنه إذا كانت العقيدة التي يعلنها هذا الرسول ﷺ مطابقة لعقيدتي، إنتفت الأسباب التي تبرر صدى هذه العقيدة، ما لم يكن رفضي لها بدافع من الأنانية (٣) أو الحمد (٤) أو الغرور (٥).
العودة إلى الوحدة الأولى:
إن القرآن يدعو إذن إلى العودة إلى الوحدة الدينية الأصلية التي يستجيب لها ويعتز بها ذوو النفوس السامية، ويكفي أن يرتفع صوت باسم هذه الوحدة المقدسة حتى تتفتح له قلوبهم المتلهفة. ولا شك أن هذه خطوة أولى ضرورية ولكن كل شيء بعد ذلك يعتمد على النظام والمنهج.
الجزء الأول من المبادئ الدينية في القرآن: فكرة عالمية وغالبا مغمورة:
ونعتقد أن نقطة الانطلاق والنواة التي يدور حولها نظام الإقناع القرآني تنحصر في هذه الفكرة الرئيسية: وهي أن صانعا يتصف بالكمال المطلق والقوة المطلقة، والخير المطلق، خلق كل شيء في الوجود، وأخضعه لإرادته خضوعا مطلقا. وسر نجاح هذه الفكرة أنها، من ناحية تنسجم تماما مع الوحدة الدينية التي يستهدف الإسلام إعادتها من جديد إلى الوجود، حيث أن الفرقة لا تنشأ إلا في التعدد (٦).
стр. 64
ومن ناحية أخرى فإن سمو هذه الفكرة فوق كل الاعتبارات الضيقة في الديانات المختلفة، تذكر الناس بالحقيقة الخالدة التي عرفوها أو التي يسهل عليهم معرفتها.
والواقع أنه حتى العرب المشركين كانوا يعترفون بوجود إله أعظم. خالق للكون ومدبر لشؤونه (١). ولا يرجع هذا الاعتراف فقط إلى بعض الآثار المحفوظة عندهم، من ديانة إبراهيم وإسماعيل ﵉. وإنما توجد نواته في أعماق النفس الإنسانية (٢) ولكن هذا التوحيد الأولي أو هذه الديانة الفطرية، كما يسميها القرآن (٣) لم تكن إلا فكرة نظرية محجوبة ومغمورة في الواقع تحت معتقدات وعبادات كانت تؤدي إلى عدد لا يحصى من الآلهة (٤) فهم لا يدعون الله الواحد إلا إذا ألم بهم خطر كبير (٥). ولا يقدمون له من القرابين إلا ما قل (٦) وحقر.
ولاتصالهم الوثيق بالطبيعة ومظاهرها المختلفة، كانوا ينسبون إلى النجوم (٧)
والكواكب (٨) بعض الفضل وكانوا يخرون لها ساجدين.
وصف الوثنية العربية من وحدانية الله الخالق إلى وحدانية الله المعبود:
وأما بين الله الواحد وبين الناس فقد ابتكروا قوى وسيطة قادرة على أن تقّرب الناس إلى خالقهم (٩)، أو تتشفع لهم عنده (١٠). ولهذا كانوا يعبدون
стр. 65
الملائكة (١) ويزعمون أنهم بنات الله. أما الأوثان (٢) والأنصاب (٣) التي كانت تتنبأ لهم بخفايا الأمور أو ترمز - في نظرهم - إلى بعض الآلهة المستترة، فقد حضيت مع مرور الأيام بنفس التقديس والعبادة التى كانت لله. ولقد استطاعت العقليات الخيالية أن تخترع تدريجيا عددا لا يحصى من الآلهة الصغيرة التي وضعوها في مرتبة أقل من الخالق، وجعلوا لها اختصاصات محدودة تناسبها. إذ قياسا على أمور الناس لم يستطيعوا أن يتصوروا ملكا ليس له معاونين وحاشية يستحقون التقديس والعبادة. ولقد احتفظ لنا الأثر من هذا الاعتقاد العجيب - حيث نجد الآلهة مملوكة لله الخالق وشريكة له في نفس الوقت - ببعض الصيغ التي كان الحجاج الوثنيون يبتهلون بها أثناء الحج «لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك .. » فالقول بأن الآلهة إله واحد كان في نظرهم قولا عجيبا (٤) وكاذبا، لدرجة أنهم زعموا أنهم لم يسمعوا به في مجتمعهم، ولا في الديانات السماوية السابقة (٥)، أي في المسيحية التي انتقلت إلى الجزيرة العربية من الشمال ومن الجنوب عن طريق بعض الطوائف اللاجئة. ورغم الاختلاف بين الشخصيات المؤلهة هنا وهناك، كانوا يجدون نوعا من التشابه بينها لاستخلاص بعض الحجج في صالح الوثنية (٦)، لأن أهل الكتاب نجحوا هم أيضا في الجمع بين توحيد الله الخالق وبين عدد من الآلهة الأخرى المعبودة.
العلاج القرآني:
فمع هؤلاء وأولئك، وضد هؤلاء وأولئك، استند القرآن على العقيدة الأولى
стр. 66
لهدم العقيدة الثانية. إنه يأخذ باعتراف خصومه هؤلاء ليثبت لهم جحودهم بهذا الإشراك (١) وهذا الخلط، فضلا عن منافاة ذلك للعقل. فالوحدة الدينية التي يدعو إليها القرآن تنبني على فكرة كانت موجودة من قبل وقائمة بالفعل، ولكنها كانت مغمورة تحت أنقاض الأفكار المناقضة. فيستخرجها القرآن من بين هذا كله ويعيد إليها صفاءها وينقيها من كل شائبة، وهو بهذا لا يخترعها ولا يكتشفها، فطريقته إذن قائمة على حذف الشوائب لا على إضافة الجديد.
فكرة الأسباب والمسببات:
وهكذا نرى - كما ألمحنا فيما سبق - أن قوة الفكرة الدينية لا تكمن في أصالتها بل على العكس، في طابعها المتأصل. إنها تدفعنا إلى الإيمان بها بنفس القوة التي تغوص بها جذورها في أعماق معتقدات آبائنا الأولين الموغلة في القدم.
ولهذا نرى القرآن - فضلا عن التدليل المنطقيّ السابق - يؤسس دعوته إلى التوحيد على تاريخ الأنبياء في كل الأزمنة السابقة (٢) فيتجلى بوضوح أن العقل والنقل يشاركان القرآن في إثبات عقيدة التوحيد، ورفض الوثنية والإشراك على اختلاف صورهما (٣).
стр. 67
ولكن كيف يمكن أن نفسر أن قضية مثل هذه، تستند إلى المنطق ورسوخ الأصل، وتتجدد على الدوام بتعاليم الرسل الإيجابية - كيف يمكن أن تختفي بهذه السهولة من الأذهان لتحتل مكانها أفكار مناقضة لها؟ السبب هو أن الإنسان بطبيعته يشعر أنه مدفوع إلى الإعجاب بالقوة الخلاقة أينما وجدها، والمرحلة من الإعجاب إلى العبادة متصلة ولا تتضمن إلا اختلافا في الدرجة؛ فالشمس التي تضيء لنا الدنيا وتمنحنا الدفء والحياة؛ والشجرة التى تحمينا بظلها وتمنحنا ثمارها؛ والنبع الذي يتفجر بالماء من بين الصخور. كل هذه القوى الطبيعية، التي تتحرك في سكون وفاعلية، عجائب تأخذ بألباب المتأملين. وما بالك بالخوارق التي تتم على يد ساحر أو صانع للمعجزات؟ فبإرشاد من الحواس الخارجية، يميل الإدراك بسهولة إلى أن ينسب منشأ أية ظاهرة إلى المصدر المباشر الذي انطلقت منه. إنه ينسبها إلى الشيء التي انطلقت منه كأثر لسبب حقيقي فعال ومستقل، ولا يرتفع الإدراك من تأثير الظاهرة إلى مصدرها، ومن الملموس إلى المعقول، إلا بمجهود فكري إرادي. ونادرا ما يبذل هذا الجهد. ومن أول أهداف القرآن تزكية هذا المجهود بقوة، إذ يذكرنا دائما باستحالة خروج أي مخلوق من العدم من غير قوة خالقة؛ وباستحالة أن يخلق ذاته؛ أو أن يخلق أي شيء على الإطلاق في السماوات أو الأرض (١). ولا حتى أية حشرة على فرض تضافر كل القوى والجهود لهذا الغرض (٢) والأكثر من ذلك أنه إذا استولت ذبابة على شيء يملكه أقوى إنسان في الدنيا فلن يستطيع أن يستعيده منها (٣). فالجميع - ما عدا الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض لا بالمشاركة ولا
стр. 68
لا أحد سوى الله يستطيع أن يغير نظام الطبيعة (١) ولا الإبقاء عليه (٢). إننا نطلق عبارة القوانين الأزلية على هذا النظام الدائم للأشياء الذي لا نستطيع بتدخلنا أن نعدل منه شيئا، أما بالنسبة للخالق فهذا الثبات وكل قوانين السببية متوقفة على كلمة واحدة من إرادته سبحانه، فلو شاء لجعل ماء المطر ملحا أجاجا (٣)، ولأسقط السماء فوق الأرض (٤)، ولأذهب الجنس البشري جميعه، ولجاء إلى الأرض بمخلوقات أخرى مكانه (٥). من ذا الذي يستطيع أن يعترض إرادة الله إذا أراد أن يهلك من في الأرض جميعا؟ (٦) فلله القوة جميعا. إذ أن الأسباب القريبة والبعيدة، ومقاليد الأمور كلها بيد هذا الخالق العظيم سبحانه (٧) وإليه مصيرها ومنتهانا (٨).
العلم والدين: تفسير الكون عن طريق الدين نابع من عقل أكمل من عقل العلم:
بسماع هذا الحديث الكريم قد نميل إلى الاعتقاد في أن هناك قدرا محتوما لا يجدى معه أي تدخل بشري، وإنما هي سلبية كاملة مفروضة على العالم، حيث تختفي تماما أية رابطة سببية بين الأشياء، وهذا الاعتقاد - فضلا عن مجافاته للعقل ومناقضته للعلم - يتعارض مع مجموعتين من الآيات القرآنية: فالمجموعة الأولى تدعو إلى بذل جهد خلقي دائم، والمجموعة الثانية تفسر الظواهر الطبيعية
стр. 69
والتاريخية بعضها ببعض. والحل السوي إذن هو الذي يحدد لكل حقيقة من الحقائق المسلم بها مداها ومرماها. فلا نجرد الإنسان والعالم من أية قدرة ذاتية مستقلة. ولا نصفه بالعجز المطلق، وهذا هو الوسط المعقول الذي يبدو أن القرآن يدعونا إلى الوقوف عنده، فالظواهر التي تتكرر دائما في تسلسلها ونظامها الرتيب، تمنحنا الحق في افتراض استمرارها في المستقبل بنفس الدقة ونفس النظام، إذ لا غنى للحياة عن الإعتقاد في نظام ثابت للطبيعة. ولكن هذا الثبات لا يرجع إلى جوهر الأشياء بعيدا عن القدرة التي تدبرها وتنسقها، لأن وجود هذه الظواهر ودوامها وقوتها وثباتها خاضع خضوعا مطلقا للإرادة الإلهية. فالتفسير الديني للكون بعيدا عن أن يوصف بالكسل الذهني - يتخطى الإدراك العلمي ويسمو عليه لأنه يوافق الفكرة العلمية ويحتويها بل ويتجاوزها إلى ما لا نهاية. فعندما يقف العلم عند تقدير وملاحظة الأسباب المتتالية ومراحلها الوسيطة. فإن النظرة الميتافيزيقية لا تقف عند هذا الحد ولا تجد رضاها وإشباعها إلا بالصعود إلى بداية البدايات التي تفسر كل شيء ولا يستطيع شيء أن يفسرها تفسيرا كاملا.
فالمتناهي يحتل ركنا صغيرا من اللامتناهي. فلا ننبهر فوق الحد إذن عند رؤية العمل الإنساني أو ظواهر الطبيعة مهما كانت عظمتها، والسلطان الذي يتصرف بموجبه أي صانع للمعجزات - وهو سلطان محدود بالزمان والمكان وبما يحدثه من أثر - لا يعدو أن يكون سلطانا معارا وعرضة لأن يسحب من جانب الذي أعاره ﴿لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾ (١) ﴿وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢).
فكرة المعجزات في القرآن:
ولم يفهم القرآن كما ينبغي عندما أسيء تفسير رفض الرسول ﷺ الصريح أن يكون بمثابة صانع للمعجزات. وقد يلمّح من هذه النقطة بأنه لم يقدم الدلائل الكافية عن ربانية دعوته. فهل فرض على الناس الإيمان بدعوته بطريقة تعسفية
стр. 70
ودون تقديم أي دليل؟. أليس هذا جنونا أو ما يقرب من الجنون، والحقيقة أنه في كل الظروف غير العادية التي تصاحب ظهور الأنبياء والرسل ﵈ حيث يبلغون رسالاتهم ويؤمنّون نجاحها - لا يرى القرآن في هذا كله عملا بشريا مباشرا. إذ بقدرة من الله تعالى تتم هذه المعجزة أو تلك على لسان هؤلاء الرسل ﵈ أو بأيديهم، وليس لهؤلاء الرسل ﵈ أكثر مما لدى قومهم من حق في ادعاء اختيار المعجزات أو استبدالها بغيرها. فنوح والرسل ﵈ الأولون أعلنوا ذلك صراحة (١) وعندما طلب الفريسيون من عيسى أن يريهم آية من السماء ماذا فعل غير أنه رفض طلبهم وانصرف؟ (٢) فالله يعطي سلطانه لمن يشاء، وعلى أي شكل يريد، بحسب تقديره سبحانه لأوفق طريقة تناسب هذا العصر أو ذاك، وهذا الجيل من الإنسانية أو غيره فلقد ألقى موسى عصاه فإذا هي قد تحولت إلى ثعبان عظيم، وها هو موسى مأخوذ من الدهشة (٣).
وينادي عيسى الميت، وبإذن الله يعود الميت إلى الحياة (٤) (¬،٥) وهذا هو أمر الرسالة المحمدية، في بادئ الأمر كانت مجرد تلاوة لبعض آيات القرآن الكريم تحول هؤلاء الكفار المعاندين من الموت الوجداني إلى الحياة الروحية (٦)، إنه ليس محمد ﷺ هو الذي فتح قلوبهم (٧). إنه ليس هو الذي يسمع الموتى ويرى العميان (٨)، وإنما
стр. 71
هذه الأعمال لا تتم إلا بإذن الله وإرادته (١)، لأن كل شيء خاضع له وحده (٢).
وعندما نرى مجتمعا منقسما منذ القدم تأكله الأحقاد والحروب الداخلية، يصبح بين يوم وليلة مجموعة من الإخوة المتحابين في الله .. هذا التحول المفاجيء في نفوس الناس لا يرجع بطبيعة الحال إلى عمل بشري، بل ولا يمكن أن يتحقق لو اجتمعت من أجله قوى الأرض جميعا .. إن من يملك القلوب وحده هو الذي يستطيع أن يجعلها هكذا (٣). وعندما ينتصر الإيمان في النهاية على الكفر والإشراك، وعندما ينتصر الضعيف المستكين على القوي المتجبر لا يتم هذا بإشارة من الرسول ﷺ ولا بشجاعة المؤمنين الذين تفانوا في حرب أعدائهم، إذ أن الله وحده هو الذي قتلهم (٤).
ومن أول القرآن لآخره نجد نفس التفسير للمعجزات التي تمت على أيدي الرسل والأنبياء ومنهم محمد ﷺ . فسواء أكانت المعجزة تلاوة قصة عن أحد العصور القديمة (٥)، أو كانت تنبؤا بحادث مستقبل (٦)، أو كانت كشف سر في قضية، وإيجاد نص للحكم العادل للنطق به (٧). فلا فضل في كل ذلك لفرط ذكاء الرسول ﷺ ، ولا لسعة معارفه الإنسانية، وإنما الفضل أولا وأخيرا لتدخل كريم ورحيم من جانب الله تعالى، الذي هو المصدر الحقيقي لكل خلق ولكل علم ولكل خير.
стр. 72
الجزء الثاني من نظرية القرآن الدينية:
فبفكرة كمال الله المطلق وصفاته المطلقة، أسس القرآن الشطر الأول من النظرية الدينية العامة: وهي أنه لا شيء في الوجود يستحق العبادة والخضوع سوى الله الواحد القهار، وبنفس الفكرة يؤسس القرآن أيضا الشطر الثاني من هذه النظرية:
وهي الإيمان بالحياة الأخروية. فكما أن الله هو الأول فهو أيضا الآخر (١) إذ إليه مآلنا (٢) لنقدم له أعمالنا ونتلقى منه الجزاء الذي نستحق (٣).
خلود الروح:
وهنا يجب التمييز بين نقطتين: الأولى خلود الروح، والثانية بعث الجسد.
ولا نعتقد أن الدعوة الإسلامية قابلت معارضة تذكر بشأن النقطة الأولى:
فالقرآن الذي يسجل بكل أمانة تفاصيل المعارضة التي أبداها خصوم المسلمين في كل موضوع، لم يذكر شيئا بشأن هذه النقطة بالذات. وهناك من الأسباب ما يجعلنا نفترض وجود فكرة مبهمة - وإن كانت خيالية - عند العرب الوثنيين عن حياة الروح بعد الموت. فالشعر الجاهلي يوضح لنا في الواقع أن تعطشهم إلى الأخذ بالثأر جعلهم يؤمنون بكائن خرافي يسمونه «الهامة» وهي ظل للروح، وكانت الهامة تحوم ليلا فوق جسد القتيل وهي تقول «اسقوني». فإذا اقتص من القاتل، امتنعت عن الظهور وعن ترديد مطلبها. ولقد نفت السنة هذا المعتقد الجاهلي «لا هامة» وحكمت ببطلانه
بعث الأجساد:
وأما النقطة الثانية - وهي الخاصة ببعث الجسد - فقد ركز عليها المشركون معارضتهم وسخريتهم. فهذه العقول المرتابة والمرتبطة بتجاربها اليومية، لم تستطع بسهولة أن تؤمن بأن الجسم الذي تحلل تماما في التراب يمكن أن يستعيد هيئته
стр. 73
الأولى ويحيا من جديد ﴿وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء: ٤٩ - ٩٨] إن من يدعي ذلك إما أنه «مَجْنون» أو ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ (١) ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].
وعلى هذه المعارضة البسيطة، يقدم القرآن حجته الفاصلة، التي يستقيها من كتاب الطبيعة المفتوح، فيبرز أمام الأنظار آلاف المشاهد التي تظهر منها بوضوح قدرة الله الخارقة. إذ أنشأ الله الإنسان من الأرض، ثم يعيده إليها، ومنها يبعثه مرة أخرى (٢)، فلتتدارس العقول هذه الأطوار التي يمر بها الإنسان في دورة الحياة (٣)
منذ أن كان علقة، إلى أن أصبح خلقا جديدا في أكمل صورة عند ميلاده (٤)
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم - ١٩] هل يصعب على الذي بدأ الخلق أول مرة أن يعيده مرة أخرى (٥). ويوجه القرآن أنظارنا بصفة خاصة إلى الأحداث الموسمية.
ألا نرى الأرض وهي جافة وجرداء تتحول إلى أرض خصبة؟ ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٦) [الحج: ٥] ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠].
стр. 74
وسيقول المترددون: إذا سلمنا بحياة نباتية جديدة، كيف تعود الحياة الإنسانية بعد انقطاع الحواس وانفصال الشعور عن الجسد؟ إن على من يفكر على هذا النحو أن يعود بنظره إلى التجربة التي تتكرر كل يوم وهي توالي النوم بعد اليقظة لكي يرى نوعا من حدوث الحياة بعد الموت (١).
فليس إذن من المستحيل، بل هو من الأرجح، أن تكون لنا حياة أخرى، ولكن على أي أساس نقرر هذا التأكيد؟ إن القرآن يؤسس هذه العقيدة ليس فقط على قرار رباني ألزم الله تعالى به نفسه (٢)، وإنما على أحد مستلزمات العدل الإلهي والحكمة السامية ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل: ٣٩] ﴿وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] وإلا لكانت حياة الإنسان بلا غاية ولا جدوى (٣).
ماذا تضمنه أصالة التعاليم القرآنية ؟:
وهكذا نرى أن القطبين اللذين تأسست عليهما الديانة الموحدة التي يدعو القرآن إليها، يقومان إما على حقائق سبق الاعتراف بها، أو تنبني على مبادئ واضحة. إن أي برهان نظري لا يتطلب أكثر من هذه القوة في التدليل والإقناع.
وإذا كانت الفكرة الدينية قد بقيت في جوهرها كما كانت دائما، فلا شك أنها حققت تقدما حقيقيا من حيث الشكل الذي قدمها به القرآن - ليس فقط لأنه ساق البراهين والأدلة القادرة على إقناع أصعب العقليات، وعلى تحريك أقسى القلوب، وليس فقط لأنه قدم نظراته الواسعة والثاقبة عن الكون السماوي والأرضي واستخلص مواعظ ودروسا من كل مظهر من مظاهر الخلق الداخلية والظاهرية -
стр. 75
وإنما بدت مادة الدين ذاتها المتعلقة بإختصاصات الله ومآل الروح.
وكأنها قد اكتسبت من القرآن نموا لم نعهده في أي مجال آخر.
ونضيف أن معنى الألوهية الذي يتجلى في القرآن. يمتاز بصفاء ونقاء وقدسية خاصة، يبعد به كل البعد عن أي تجسيم فظ يسقط فيه خيال الإنسانية عادة، كما يمتاز بقوة جارفة وأخاذة تصرف المستمع للقرآن عن مشاغله المادية الكثيرة وتحلق به دفعه واحدة إلى عالم الروح السامي (١).
***