ـ[المهروانيات = الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب]ـ
المؤلف: أبو القاسم يوسف بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ محمد بن أحمد المهرواني، الهمذاني (المتوفى: ٤٦٨هـ)
تخريج: الشّيخ الإمام أبي بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب البغداديّ ﵀ (المتوفى: ٤٦٣هـ)
دراسة وتحقيق: د. سعود بن عيد بن عمير بن عامر الجربوعي
الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - عمادة البحث العلمي - رقم الإصدار (٤١)
الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م
عدد المجلدات: ٣ (في ترقيم مسلسل واحد)
أصل الكتاب: رسالة ماجستير - كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - نوقشت في شعبان ١٤١٨ هـ
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
стр. 2
المقدمة:
الحمد لله الخالق البارئ المُبْدئ المُعيد، ذي القوّة والعزّة والعرش المجيد، الظّاهر القادر الفعّال لما يريد، الّذي أوحى لرسله التّوراة والإنجيل والقرآن المجيد، وأنزل من السّماء ماء مباركا فأنبت به جنّات وحبّ الحصيد، والنّخل باسقات لها طلع نضيد، وأنزل الحديد فيه منافع للنّاس وبأس شديد، وبسط من رزقه وعلمه على العباد وجعل منهم الفائد والمستفيد، الّذي لا مانع لما أعطى وبسط ووهب، ولا معطي لما رفع وقبض وسلب، طاعته للعاملين أَعْظَمُ شَرف وأَفْضَلُ مُكْتَسب، سَهَّل لهم في جانب بِرِّه وعبادته كلَّ صعوبة ومشقة ونصب …
وأشهد أن لا إله إلاّ الله الواحد الأحد الفرد الصّمد، وأشهد أنّ محمَّدًا عبده ورسوله اصطفاه الله على سائر خلقه وانتخب، صلّى الله عليه وعلى آله وأزواجه الطّاهرات ذوات الحجب، وعلى أصحابه والتّابعين لهم بإحسان عدد ما حدّث شيخ بالأحاديث الفوائد وانتخب … أمَّا بَعد:
فالعلم الشرعيّ الموروث عن خاتم الأنبياء ورسول ربّ العالمين صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم أشرف العلوم وأعلاها، وأعلى ما خصّ بمزيد العناية والاهتمام، وأولى ما صُرِفت إليه وفيه العناية ونفائس اللّيالي، والأيّام.
وَعِلم السّنّة النّبويّة من أشرف هذه العلوم وأجلّها قَدْرًا بعد الذِّكر الحكيم؛ إذ هي المُبَيّنة لكتاب الله ففيها أَسْند الله إلى رسوله ﷺ بيان القرآن، قال جلّ وعلا:
стр. 3
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) ، فبيّن الرّسول ﷺ أكمل، وأتمّ بيان ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) ، ففسّر القرآن بأقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته، وأبان عن مشكل آياته، وما يفصّل مجمله، ويخصّص عامّه، ويقيّد مُطلقِه.
ومن رحمة الله سبحانه، وتعالى بأمّة خاتم رسله ﷺ أَنْ تكفّل لها بحفظ كتابها، وسنّة رسولها ﷺ فَقَالَ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ (٣) ، فدلالتها على حفظ السّنّة إما اقتضاء؛ لأنّ لفظة الذّكر عنى بها الوحي، وإما لزوماً؛ لأنّ السّنّة هي المبيِّنة للكتاب الشّارحة له، فلا يتمّ حفظ المبيَّن المفسَّر إلاّ بحفظ المبيِّن المفسِّر، ومن فضله أنْ أقام لهذه السّنّة علماء جهابذة نُقّادا، صانوها وحفظوها، ورحلوا في طلبها وكتبوها، فدوّنوها أكمل تدوين، وذادوا عنها بألسنتهم وأقلامهم في كلّ زمان ومكان ونفوا عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وبذلوا وسعهم في روايتها، وضبطها، وبيان كَتَبَتِها ورواتها، وأسانيدها ومتونها، وعللها، وتحمّلوا في ذلك مشقّة الدّأب والكَلَال، وصعوبة الانتقال والتَّرْحَال، وبذل النّفوس والأموال …
يقول ابن حبّان ﵀ (ت: ٣٥٤هـ) في مدحه لأهل الحديث، ووصفه لهم: ".. ثمّ اختار الله طائفة لصفوته، وهداهم لزوم
стр. 4
طاعته، من اتّباع سبل الأبرار، في لزوم السّنن والآثار، فزيّن قلوبهم بالإيمان، وأنطق ألسنتهم بالبيان من كشف أعلام دينه، واتّباع سنن نبيّه بالدؤوب في الرِّحَلِ والأسفار، وفراق الأهل والأوطار، في جمع السّنن، ورفض الأهواء، والتّفقّه فيها بترك الآراء، فتجرّد القوم للحديث وطلبوه، ورحلوا فيه وكتبوه … حتى حفظ الله بهم الدّين على المسلمين، وصانه من ثلب القادحين، وجعلهم عند التنازع أئمّة الهدى، وفي النّوازل مصابيح الدّجى، فهم ورثة الأنبياء، ومأنس الأصفياء" اهـ (١) .
وما هذه الصِّيانة، والحفظ، والسَّهر على تدوين الأحاديث، والآثار، وتحمّل المشاقّ إلاّ لما استقرّ في نفوسهم، وتشرّبته قلوبهم، وأفئدتهم من إيمان بالله، وطمع في رحمته، وجنّته، وحبّ لرسوله ﷺ ومصداقٍ لوعد الله بحفظ كتابه المُقْتَفى وسنّة نَبِيِّهِ ﷺ المُصْطفى، اللّذان عليهما مدار العلوم الشّرعية.
وقد أنتجت جهود أولئك العلماء في خدمة السّنّة، والعناية بها أمورًا من أهمّها: الدّواوين الكثيرة الّتي جمعوا فيها أحاديث رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وكتبوها وحرّروا ألفاظها وضبطوها.. . كالصّحف، والنّسخ الحديثيّة، والمصنّفات المبوّبة المرتّبة على الكتب، أو المسانيد، أو الموضوعات، وككتب الفوائدالحديثيّة، والأجزاء، والمشيخات، والأمالي، ونحوها …
وظهرت كتب الفوائد الحديثيّة منها نتيجة اتّجاه أهل العلم وطلاّبه
стр. 5
إلى الانتخاب والتّخريج من مرويّاتهم وسماعاتهم وإجازاتهم؛ أو من أصول وسماعات وإجازات شيوخهم، أو أقرانهم، أو تلاميذهم؛ ما حصّلوه من ثمرة طلبهم، وتحصيلهم، ورحلتهم، وسماعهم من القدماء، ومن نزل عليهم من العلماء الغرباء ما يرون أنّ فيه فائدة لا توجد عند غيرهم من الشّيوخ …
قال الخطيب ﵀ في: (الجامع) (١) : "كان بعض مشايخنا يقول: من أراد الفائدة فليكسِر قلم النّسخ، وليأخذ قلم التّخريج" (٢) .
وتتوقّف أهميّة الأحاديث المنتخبة وقيمتها على منزلة صاحب أحاديثها، ومنتخبها عليه، وقدرهما …
لا سيّما إذا خُدمت هذه الأحاديث بالكلام على أسانيدها، ومتونها، والإبانة عن صحيحها وسقيمها، وطرقها وشواهدها، والكشف عن عللها، وأوهام رواتها من قِبَل أحد أئمّة هذا الشّأن وأربابه، وحفظته ونقّاده … كالطّبرانيّ، والدّارقطنيّ، وخلف الواسطيّ الحافظ، وأبي بكر الخطيب البغداديّ، وأبي طاهر السّلفيّ، ومحمد عبد الواحد المقدسيّ، وأبي موسى المدينيّ، وأضرابهم من نَقَلَة الآثار، ونقّاد الأخبار.
والإمام، الحافظ، النّاقد، العَلم: أبو بكر الخطيب البغداديّ
стр. 6
معروف بجودة الانتخاب، وبراعة التصنيف، عارف بصحيح الحديث وغريبه، ومنتخباته، ومصنّفاته جديرة بأن تثنى عليها الخناصر، ويعضّ عليها بالنّواجذ.
وقد انتخب يرحمه الله أحاديث فوائد على جماعة من الشّيوخ الحفّاظ الثّقات الّذين كانوا في عصره ممّن يُعَدّ في طبقته، أو طبقة تلاميذه … فانتخب على الشيخ الثّقة، الدّين أبي القاسم المهْروانيّ (٣٨٠ - ٤٦٨هـ) عددًا من الأحاديث الصّحاح، والغرائب، والآثار، والأشعار (١) .
وعلى الشّيخ، الثّبت أبي محمَّد السّرّاج (٤١٧ - ٥٠٠هـ) عددًا من الأحاديث الصّحاح العوالي، والآثار، والأشعار (٢) .
وعلى الشيخ، الثّقة أبي القاسم النّسيب (٤٢٤ - ٥٠٨هـ) عددًا من الأحاديث الصّحاح، والغرائب، والآثار، والأشعار كذلك (٣) .
وتكلّم على أحاديثها بكلام نفيس، تضمّن ذكرًا لمخرّجيها، وبيانا لعللها، وطرقها، والتّرجيح بينها، وكلاماً على رجالها توثيقا، وتضعيفا، وضبطًا لأسمائهم، وأنسابهم إلى غير ذلك من الفوائد العزيزة والنّكات البديعة المفيدة.
وما انتقاه ﵀ على أبي القاسم يوسف بن محمَّد المهروانيّ أسانيده عالية جدًّا، وَصَلَ إلينا تامّا، وعنه أربع نسخ خطّيّة جيّدة، وقيّمة، وهذا كلّه لا يوجد في بقيّة ما انتخبه على من تقدّم ذكرهم من
стр. 7
المشايخ، وغيرهم.
وقد طالعت هذا المنتخب المعنون له بالفوائد المنتخبة الصّحاح والغرائب، المشهور في أوساط أهل العلم بالمِهْرَوانِيَّات، فألفيته كتابا نافعا، قيّما، نفيسا، كثير الفوائد، غزير النّكات، والتّحقيقات، والفرائد، فيه منية للقاصد، وبغية للمطّلع، وللباحث، فاستخرت الله في القيام بخدمته خدمة لسنّة رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومشاركة في حفظها، رجاء نيل المثوبة، وعظيم الأجر والخير، ثمّ استشرت عددًا من أهل العلم فشجّعوني، وحفّزوني، وشحذوا همّتي، فانشرح صدري له، واستعنت الله على العمل فيه، ووفّقت في تسجيله رسالة لنيل الشهادة العالمية (الماجستير) من قسم فقه السّنّة ومصادرها، في كليّة الحديث الشريف والدّارسات الإسلاميّة، بالجامعة الإسلاميّة بالمدينة النبويّة …
وبالله أستعين لما قصدّت، وأسأله التّوفيق والإعانة والسّداد فيما رغبت وأردتّ، فهو حسبي ونعم الوكيل، والله يقول الحق، وهو يهدي السّبيل.
стр. 8
أَسبَابُ الاخْتِيار
من جملة الأسباب، والدّوافع الّتي دعتني، ورغّبتني في خدمة هذا الكتاب دراسةً، وتحقيقاً:
أوّلاً: قيمتة العلميّة، وَالتّأريخيّة، وشهرته الذّائعة عند أهل العلم المتقدّمين منهم، والمتأخّرين (١) .
ثانياً: أهميّته من حيث: احتواؤه على أحاديث مسندة، عالية أسانيدها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من الصّحاح، والغرائب، وغيرها … وأيضاً: آثار، وأشعار مرويّة عن عدد من الصّحابة، والتّابعين، ومن بعدهم من أئمّة السّلف في جوانب مختلفة، ونواح متعدّدة.
ثالثاً: ومن حيث: المكانة السّامية، والمنزلة الرّفيعة لصاحب أحاديثه، والمُخرِّج لها بين أهل العلم كافّة، والمشتغلين بحديث رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خاصّة.
رابعاً: ومن حيث: ما أفاده المُخَرِّج يرحمه الله في كلامه على الأحاديث، وما سطّره من فوائد عزيزة، ونكات جليلة، في فنون مختلفة، وعلوم متفرّقة من علوم الحديث الشّريف.
خامساً: خدمةً متواضعة منّي لسنة النّبيّ ﵌ ودراسة لِمَا أُسند إليه أسأل الله غُنْمَها وأجرها، وأعوذ به من غُرْمِها وزللها.
стр. 9
سادساً: وفاءً لسلفنا الصّالح الّذين شرّفهم الله جلّ وعلا بحفظ دينه وشريعته، وتدوينه لمن بعدهم على أحسن وأبدع طريقة، وأتمّ وأكمل وجه، وإبرازاً لجهودهم، ونشراً لمصنفاتهم، ومؤلّفاتهم القيّمة.
سابعاً: ما انشرح له صدري، وقوي له عزمي بعد استشارتي عددًا من أهل العلم، ثمّ استخارتي الله ﵎ من دراسته، وتحقيقه، والقيام بخدمته … والحمد لله على فضله، وإحسانه، وحسن هدايته، وتوفيقه.
стр. 10
الصّعوبات الّتي واجهتني أثناء إعداد الكتاب
لم يكن إعدادي لهذا الكتاب قريب المتناول، سهل المرام، ولم أُنجز أمرها عفوًا صفوًا، لا تجشّمت فيه مشقّة، ولا خضتّ فيه غَمْرَة، بل اعترض بعض مراحل إعدادها، وإنجاز عدد من فصولها أمور منيعة المطلب، صعبة المرام، وقد تجاوزتها بفضل من الله، وتوفيق، بعد بذل الأسباب المعينة على ذلك … ومن أهمّ هذه الصّعوبات، وأبرزها:
أولاً: عدم وجود ترجمة وافية لأبي القاسم المهروانيّ ﵀ عند من ترجم له من أصحاب الكتب والمصنّفات، فنظرت في كتب التّواريخ عموما والتراجم والوفيّات خصوصا وكتب الفهارس، والمشيخات، وبعض مادّة كتابه هذا (المهروانيّات) كالأسانيد، وطباق السّماعات حتّى أخرج بترجمة وافية، مستقصية، تُوْفِيه حقّه، وتُبْرِز نجمه يرحمه الله.
ثانيا: كثرة المؤلّفات، والمصنّفات في الفوائد الحديثيّة، وتَفرّق مخطوطاتها في بقاع مختلفة، وبلدان متباينة، ومن أجل استيعاب الموجود منها حَسْب القدرة والوقوف عليها ودراستها قمت بزيارة العديد من المكتبات الخاصّة، والعامّة داخل هذه البلاد حرسها الله وخارجها …
فمكثت أكثر من أربعة أشهر متوالية أتردّد على مركز المخطوطات التّابع للجامعة الإسلاميّة أكثر أيّام الأسبوع، وقمت بعد ذلك بمطالعة مخطوطات مكتبة المسجد النّبوي الشّريف، فالمكتبات المضمومة إلى مكتبة الملك عبد العزيز يرحمه الله كالمكتبة المحموديّة، ومكتبة عارف حكمت يرحمه الله وغيرهما.
ثمّ ارتحلت بعد ذلك إلى مكّة المكرّمة شرّفها الله أربع مرّات
стр. 11
اطّلعت خلالها على المخطوطات المحفوظة بمكتبة الحرم المكّيّ، وما ضُمّ إليها من مكتبات خاصّة، ومكتبة جامعة أمّ القرى، ومكتبة جامعة الملك عبد العزيز بجُدّة.
ثمّ يممّت وجهي شطر مدينة الرّياض، واطّلعت على ما في مكتبة جامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلاميّة وما ضُمّ إليها من مكتبات خاصّة ومكتبة جامعة الملك سعود، ومكتبه الملك فهد الوطنيّة، ومكتبة مركز الملك فيصل يرحمه الله للبحوث والدراسات الإسلاميّة من مخطوطات تتعلّق بموضوع الرّسالة.
ثمّ ارتحلت إلى مدينة دمشق، واطّلعت على فهارس ومخطوطات مكتبة الأسد الّتي ضُمّ إليها في حدّ علمي جميع مكتبات المخطوطات بسوريه كدار الكتب الظّاهريّة، والمكتبة العُمَريّة، والمكتبات الوقفيّة بحلب، وغيرها.
ومنها إلى القاهرة حيث اطّلعت على فهارس، ومخطوطات مكتبة الهيئة العامّة المصريّة للكتاب (المعروفة بدار الكتب المصريّة) ، والمكتبة الأزهريّة، ومعهد المخطوطات العربيّة التّابع لجامعة الدّول العربية.
ثالثا: يوجد بمكتبات العالم من كتب الفوائد أكثر من مئتي كتاب مخطوط، لم يطبع منها إلاّ ما لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، بذلت جَهْدي واستغرقت وِسْعي في مطالعة أسانيدها، ومتونها، وأوائل وخواتم سماعاتها ولم يَفُتْني منها إلاّ القليل ممّا لم يتيسّر لي الوقوف عليه حتى أخرج بدراسة وافية حَسْب الإمكان، والقدرة تفي بالهدف المنشود، والغرض المطلوب.
رابعا: كثرة كتب الفوائد الّتي لم تصل إلينا فيما أعلم …
стр. 12
ففتّشت عنها في كتب الحديث، والتّأريخ، والتّراجم، والمشيخات، والفهارس، ونحوها … فأخذ ذلك منّي وقتا طويلاً، وجهدًا جهيدًا حتى أعددت المبحث الخاصّ بها على الصّورة الّتي سوف تُرَى في الكتاب إن شاء الله تعالى.
خامسا: الأحاديث الغرائب الّتي انتقاها الخطيب، وما ذكره في كلامه عليها من اختلاف رواتها، وتباين طرقها على أوجه عدّة، وروايات مختلفة دون أن يَذْكُر أسانيدها … ويعلم المشتغلون بتخريج الأحاديث مدى الصّعوبة في الوقوف على مثل هذه الطّرق والأسانيد، ومدى المشقّة في التّنقيب عنها في بطون المخطوطات بعد استنفاد الجهد في استقراء المطبوعات، ولعلّي أتيت على مطالعة جُلِّ المجاميع الحديثيّة المحفوظة بمركز مخطوطات الجامعة الإسلاميّة حتّى أتمكّن من الوقوف على طرق هذه الأحاديث الغرائب، وشواهدها.
стр. 13
خِطّة الكتاب
قسمت الكتاب إلى قسمين:
أوّلهما: قِسْم الدّراسة.
وثانيهما: قِسْم التّحقيق.
فأمّا قسم الدّراسة فَيَشْمَلُ بعد المقدّمة، وذكر بعض أسباب اختيار الموضوع، وبعض الصّعوبات الّتي واجهتني أثناء إعداد الرّسالة، وبيان خِطّتها أربعة فصول:
الفصل الأوّل: ترجمة أبي القاسم المهروانيّ.
وتحته أحد عشر مبحثا:
الأوّل: دراسة موجزة عن عصره.
الثّاني: اسمه، ونسبه، ونسبته، وكنيته.
الثّالث: مولده.
الرّابع: نشأته، وطلبه للعلم.
الخامس: رحلاته.
السّادس: شيوخه.
السّابع: تلاميذه، ومن انتقى عليه.
الثّامن: منزلته.
التّاسع: زهده، وعبادته.
العاشر: آثاره.
стр. 14
الحادي عشر: وفاته.
والفصل الثّاني: ترجمة موجزة لأبي بكر الخطيب البغداديّ.
وتحته تمهيد، وأحد عشر مبحثا:
الأوّل: اسمه، ونسبه، ونسبته، وكنيته.
الثّاني: مولده.
الثّالث: نشأته، وطلبه للعلم.
الرّابع: رحلاته.
الخامس: شيوخه.
السّادس: تلاميذه.
السّابع: مكانته العلميّة، وثناء العلماء عليه.
الثّامن: عقيدته.
التّاسع: صفاته.
العاشر: مؤلّفاته.
الحادي عشر: وفاته.
والفصل الثّالث: دراسة كتب الفوائد الحديثيّة.
وتحته ستّة مباحث:
الأوّل: تعريف الفوائد لغة، واصطلاحا.
الثّاني: نبذة عن نشأة تأليف الفوائد الحديثيّة، وتصنيفها.
الثّالث: من أهميّة كتب الفوائد.
стр. 15
الرّابع: من مناهج المحدّثين في تصنيف كتب الفوائد.
الخامس: تقسيم كتب الفوائد.
السّادس: كتب الفوائد الّتي وقفت على أسمائها، وأسماء مؤلّفيها، ولم أقف على مخطوطاتها … وتحته مطلبان:
أوّلهما: ما وصل إلينا تاما، أو بعضٌ منه، ولم يتيسّر لي الوقوف عليه.
والثّاني: ما لم يصل إلينا فيما أعلم.
والفصل الرابع: دراسة الكتاب المحقّق
وتحته ستّة مباحث:
الأوّل: توثيق نسبة الكتاب.
الثّاني: اسم الكتاب، والتّحقيق فيه.
الثّالث: التّعريف بمحتوى الكتاب، وغرض الخطيب من انتقاء أحاديثه، ومنهجه فيه.
الرّابع: من أهميّة الكتاب، وشهرته عند العلماء المتقدّمين، والمتأخّرين.
الخامس: وصف النّسخ الخطّيّة للكتاب، وتراجم رواتها.
السّادس: المنهج الّذي سلكته في التّحقيق، فشرح الرّموز والمصطلحات المستخدمة في التّحقيق، ويتبعه ملحق بالسّماعات المُثْبتة على النّسخ الخطّيّة، فنماذج مصوّرة عنها.
стр. 16
وأمّا القسم الثّاني فهو خاص بتحقيق الكتاب.
ففهارس يتمكّن الباحث، والقارئ من خلالها من الوصول إلى ما يبتغيه من قسمي الكتاب بسهولة، ويسر.
وهي على النّحو التّالي:
أ - فِهْرس الآيات.
ب - فهرس الأحاديث النّبويّة.
ج - فهرس الآثار.
د - فهرس الأشعار.
هـ - فهرس الألفاظ الغريبة المفسّرة.
وفهرس الأَعْلام.
ز - فهرس الأماكن، والبلدان.
ح - فهرس كتب الفوائد الحديثيّة.
ط - فهرس المصادر، والمراجع.
ي - فهرس الموضوعات.
стр. 17
شكرٌ وتقدير
وفي الختام أحمد الله تعالى وأُثني عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وأشكره أن يَسّر، وأعان على إتمام هذا الكتاب المتواضع.
ثمّ أشكر من قرن الله في الأمر بشكره الأمر بشكرهما … والديَّ الكريمين حفظهما الله، وأمدهما بوافر الصِّحَّة، وتمام العافية على ما قاما به من تنشئتي، وتربيتي في الصِّغر، ومن رعايتي، والاهتمام بي في الكبر … فأسأل الله أن يُمد في عمرهما، ويصلح عملهما، ويبارك لهما في ذرّيتهما، وأن يجزيهما عنّي وعن أولادهما خير الجزاء، وأكمله إنه وليّ ذلك والقادرعليه.
كما أتقدّم بشكري إلى القائمين على هذه الجامعة الإسلاميّة السّلفيّة، وأدعو الله أن يبارك جهودهم في نُصْرة الإسلام، وخدمة المسلمين، ونشر مذهب السّلف الصّالح في زمن كثرت فيه الفتن، والأحداث، والإحن، وكَثُر الدّعاة إلى الأحزاب، والجماعات المنحرفة في فهم الدّين الإسلاميّ علما وعقيدة ومنهجا وسلوكا عن فهم الصّحابة، والتّابعين، ومن تبعهم بإحسان من أئمّة الدّين، والهدى.
وأتقدّم بشكري أيضا إلى كلّ من أسدى إليّ معونة، أو نصحًا، أو مناقشة، أو تقويمَاً للكتاب، وفي مقدّمتهم فضيلة الشّيخ الدّكتور:
عبد العزيز بن راجي الصّاعديّ الأستاذ المشارك في كليّة الحديث الشّريف والدّراسات الإسلامية، وَوكيل الجامعة الإسلاميّة سابقاً، المشرف على إعداد الكتاب، الّذي كان له الأثر الطّيّب في ظهوره، وإخراجه بهذه الصّورة … فأسأل الله أن يجزيه عنّي خير الجزاء وأتمّه، وأن يحسن إليه غاية الإحسان وأسبغه، وأن يبارك له في أولاده، وأحفاده،
стр. 18
وأن يغفر له، ولأسلافه.
ثمّ إنّه لا يتعجّب الواقف على ما في هذا الكتاب من سَهْوي، وخطئي، فإنّ ذلك لا يسلم منه أحد، ولا يستنكفه بشر …
قال الله ﵎: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافا كَثِيرًا﴾ (١) .
وقال الفقيه أبو إبراهيم المزنيّ ﵀:
قرأت كتاب الرّسالة على الشّافعيّ ثمانين مرّة، فما من مرّة إلاّ وكان يقف على خطأ، فقال الشّافعيّ: "هِيْه، أبى الله أن يكون كتابا صحيحا غير كتابه" اهـ (٢) .
وحسبي أنّي بذلت جَهْدي، واستغرقت قُدرتي وَوُسْعي، ولا تعمدّت خطأً، ولا أردتّ هوى، وحرصت على إعداد هذا الكتاب إعدادًا جيّدًا، مع قلّة في الوقت، ونَزْرة في العلم … فإن وُفِّقْت فمن الله وحده، وله الشّكر والفضل والمِنّة، وإن زلّ قلمي، أو قصّرت عن التّعبير عمّا في نفسي، أو نبا فهمي فأستغفر الله منه، وأسأله الصفح، والتجاوز عنه.
وإلى الله إلحاحي في الرّجاء أن يرزقني الإخلاص في العمل كلّه، والرّغبة في جُوْده وإحسانه دون غيره، وأن ينفعني بهذه الرّسالة، ومن أشرف على إعدادها، وكلَّ من قرأها، أو نظرها وتأمّلها، أو استفاد منها، فإنّ الله على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير …
стр. 19
وصلى الله على نبيّنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلّم تسليما كثيرًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
وكتب
سعود بن عيد بن عمير الجربوعي
في ليلة يسفر فجرها عن نهار يوم الأحد
السابع عشر من شهر رمضان المبارك
سنة: سبع عشرة وأربعمائة بعد الألف من الهجرة المباركة - أحسن الله خاتمتها -
بمدينة رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وسلم - حرسها الله
стр. 20
القسم الأول
стр. 21
قسم الدراسة ويشتمل أربعة فصول:
стр. 22
الفصل الأول ترجمة: أبي القاسم المهرواني وتحته أحد عشر مبحثا:
стр. 23
المَبْحَث الأَوَّل دراسة موجزة عن عصره:
١) من النّاحية السّياسيّة:
عاش المِهْروانيّ رحمه الله تعالى في بغداد، عاصمة الخلافة العبّاسيّة، في المنتصف تقريبا ممَّا يُطلق عليه المؤرخون: العصر العبّاسيّ الثّاني، الّذي بدأ بنهاية خلافة المتوكّل بقتله سنة: (٢٤٧هـ) ، وانتهى بسقوط بغداد على أيدي المغول سنة (٦٥٦هـ) …
وتولّى الخلافة في العصر المشار إليه: سبعة وعشرون خليفة … وُلِدَ المهرواني قبل سنة من موت الرابع عشر منهم: الطّائع لله عبد الكريم ابن المطيع (ت: ٣٨١هـ) والّذي استولى العبيديّون في عهده على الحرمين الشّريفين.
وعايش خلافة القادر بالله أحمد بن المقتدر (٣٨١- ٤٢٢هـ) ، وكان عالما، عابدًا، له مُصَنّف أودعه بعض كلام أهل العلم، ومناظرتهم للمعتزلة والرّافضة، وذمّهم لهم.
وخلافة القائم بأمر الله عبد الله بن القادر (٤٢٢- ٤٦٧هـ) المشهور بالصّلاح، وحبّ الخير، وهو الذي استنجد بالسّلاجقة للتّخلّص من البويهيّين الرّافضة، ولدرء الخطر العُبيديّ الإسماعيليّ.
وأدرك السّنة الأولى من خلافة المقتدي بأمر الله بن محمَّد بن القائم بأمر الله (٤٦٧- ٤٧٨هـ) الّذي بدأ في عهده ظهور الإسماعيليّة في قلعة (آلموت) في أصبهان.
стр. 24
وكان أكثر خلفاء العصر العبّاسيّ الثّاني مغلوبين على أمرهم، ليس لهم من أمر الخلافة إلاّ اسمها، ورسمها، ومظهرها، فلم تكن لهم تلك السّلطة في الحكم، وإدارة شؤون البلاد، والعباد، وإنما كان يمسك بزمام الأمور: البويهيّون، الأتراك، الّذين تنحدر أصولهم من أُسرة فارسيّة تعتنق المذهب الزّيديّ الشّيعيّ، وبدأ نفوذهم في الدولة العبّاسيّة في حدود سنة (٣٤٤هـ تقريبا) ، واعتدوا على الخلفاء بالعزل، وإثارة النّاس عليهم، أو قتلهم.
وكانوا يريدون إقامة دولة رافضيّة لولا حفظ الله لدينه وشريعته، ثمّ خوفهم من القتل، إلى أن مكّن الله منهم باستنجاد الخليفة القائم بأمر الله، سنة (٤٤٧هـ) بطغرل بك السّلجوقيّ "وكان من أهل السّنّة والجماعة"، فقضى عليهم، وتسلّم الأمور، ووضع الخلافة تحت حمايته.. هذا أوّلاً، وثانيا: السَّلاجقة … وبدأ نفوذهم المطلق في الدّولة بعد أن قضى طغرل بك على البويهيّين، وخصوصا بعد أن تزوّج الخليفة بأخت طغرل بك فأمسك بزمام أمور الدولة، وتمكّن، إلى أن تلاشى نفوذهم سنة: (٥٩٠هـ) على أيدي الخوارزميّين.
وعظم في عهد طغرل بك أمر: أرسلان البساسيريّ (عميل العبيديّين في مِصْر) ، فتسلّط على الخليفة، وأراد قتله، وإسقاط دولته، فَتُنُبِّه لأمره، وطرده طغرل بك من بغداد، إلى أن مكّنه الله من القضاء عليه، سنة: (٤٥١هـ) .
واشتدّت في أوائل هذه الحِقْبَة فتنة العيّارين (١) ببغداد، وقووا على
стр. 25
الدّولة، والتفّ حولهم أُناس من المؤذين، وطالبوا بضرائب الأمتعة، وجبوا الأموال.
كما اشتدّ أمر الشّطّار (١) ، وقويت شوكتهم، وأتوا بيوت النّاس نهارًا، جهارًا، وقَتَلوا، وأشرف النّاس منهم على أمر عظيم.
وكان يُدعى بين فَينة، وأخرى إلى أصحاب مذاهب، أو اتجّاهات … كدعوة أبي ركوة (٢) "واسمه: الوليد، وهو أمويّ من ولد هشام بن عبد الملك" سنة: (٣٩٧هـ) إلى القائم من بني أُميّة ويأخذ البيعة على من يستجيب له، وأسرّ إلى أتباعه أنّه الإمام، وقوي أمره، ولقّب نفسه:
الثّائر بأمر الله، المنتصر لدين الله من أعداء الله!
واستولى على بعض نواحي المغرب، وضرب السِّكَّة (٣) باسمه، وألقابه إلى أن قتله الحاكم العُبيديّ بمصر، وأمر به فطيف به على حمار.
ودعا صاحب الموصل للحاكم "أحد خلفاء الباطنيّة في مصر، في وقته، واسمه: مَنْصور"، ودُعي إليه في المدائن، والأنبار، وغيرهما.
стр. 26
وفي سنة (٤٤٠هـ) أقام المُعِزّ بن باديس بالمغرب الدعوة للقائم بأمر الله العبّاسيّ، وخلع طاعة المستنصر العُبيديّ، وجرت حروب هائلة بينه، وبين العرب الّذين دخلوا القيروان.
كما جرت حروب طاحنة أخرى، سنة (٤٤٤هـ) بين الغُزّ من السّلجوقيّة، وصاحب غزنة على الملك، قُتل فيها عدد كثير قتلة جاهلية.
ومن هنا يحسن بي أن أُشير إلى أنّ من أبرز الأحداث في تأريخ الدّولة العبّاسيّة قيام العديد من الدّول أو الدّويلات إلى جانبها أو انفصالها عنها … عاصر المهروانيّ منها:
الدّولة الأمويّة في الأندلس … الّتي ظهرت سنة: (١٣٨هـ) ، وسقطت نهائيا في حياته، سنة: (٤٢٢هـ) ، وظهر بعدُ في الأندلس ما يُسمّى بعهد ملوك الطّوائف الّذي تمزّقت فيه وحدتها.
الدّولة السَّامانيّة بخراسان، والّتي سقطت سنة: (٣٨٩هـ) .
الدّولة العُبيديّة (٢٩٦ - ٥٦٧هـ) … وسيطرت على إفريقيّة أوّلاً، ثمّ مِصْر، ثمّ بسطت نفوذها على الشّأم، والحجاز، واليمن.
وهي دولة باطنيّة، تظهر التّشيّع لأهل البيت، وتبطن الكفر، والفسق، أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم … وقام النّاس في بغداد ضدّهم، وبيّنوا زيف نسبهم المُدّعى لأهل البيت، وأبانوا عقائدهم للنّاس، وأنّهم زنادقة، وشاع هذا الإنكار في الحرمين، وغيرهما (١) .
стр. 27
وظهرت في العقدين الأخيرين من حياته دولة المرابطين بالمغرب العربيّ، ثمّ بالأندلس بعد وفاته.
وساعدت عدّة عوامل في ظهور هذه الدّول وغيرها إلى جانب الدّولة الأُمّ الدّولة العبّاسيّة منها: ضعف سلطة خلفائها (في العصر الثّاني) ، وسعة نطاقها، وتصارع الأفكار السياسيّة، والمذاهب العقديّة، مع ما كان لبعض هذه الدّول من أثر في إيصال الإسلام إلى بقاع لم يكن وصلها من قبل.
ومع شدّة هذا الضّعف النّاخر في جسم الدّولة الإسلاميّة آنذاك، وانقسامها، وهذه القلاقل، والفتن، والصّراعات الدّامية، وتقتيل النّاس، وأخد الأموال فقد توسّعت رقعة الدّولة شيئا ما …
فافتتح ابن سُبكتِكين (١) خوارزم، سنة: (٤٠٧هـ) ، وأرضا من أرض الهند، سنة: (٤١٠هـ) وقهر أهلها، وكسّر أصنامهم، وغنم منهم ما لا يحصى، وضرب عليهم الخراج. وغزا مطلوب الكرديّ بلاد الخزّ، فقتل، وسبى، وغنم أيضا. واستولت السّلجوقيّة على جميع خراسان، سنة: (٤٣٢هـ) ، والرّيّ سنة: (٤٣٥هـ) .
وجرت عدّة وقائع بين المسلمين، والرّوم …
منها ما كان في سنة: (٤٦٣هـ) من معركة كبرى عُرفت بمعركة: مُلاذكُرْد بين جيش المسلمين بقيادة: أَلْب آرْسِلَان،
стр. 28
وجيش الرّوم بقيادة: ملكهم آنذاك، قُتل الرّوم فيها مقتلة عظيمة، وأُسر ملكهم، ثمّ أُطلق، وكانت معركة من المعارك الحاسمة التي أدّت إلى انتشار الإسلام في آسيا الصغرى، وماحولها.
٢) من النّاحية العلميّة:
يُعَدُّ العصر العبّاسيّ الثّاني من أكثر العصور الإسلاميّة ازدهارًا بالعلم والثّقافة، والأدب.
ولعلّ المشتغلين بالعلم من أهل ذلك العصر لم يتأثّروا كثيرًا بالضّعف الّذي هيمن على الدّولة، بل اندفع كثير منهم نحو العلم، والتّعلّم، وتوسّعت الرّحلة في طلب الحديث، وظهر أئمّة كبار في أكثر العلوم، والفنون …
ومن العوامل الّتي ساعدت على ذلك إلى جانب أهل العلم وطلاّبه الّذين حملوا عبء تحصيل العلم، وتبليغه: اهتمام بعض الخلفاء، والوزراء في التّشجيع عليه، ودعمه … فكثرت المؤلّفات، والمصنّفات في شتّى العلوم، والمعارف خصوصاً علم الحديث الشّريف.
ويكفي للدّلالة على ذلك أنّ ابن الجوزيّ ذكر في: (المنتظم) (١) وفاة نحو من خمسين وخمسمائة إنسان، ما بين إمام عالم مصنّف، وغير مصنّف.
وأَزْيَد على هذا العدد بعشرين نجده عند الذّهبيّ في: (العبر) (٢) ،
стр. 29
وهذا في الفترة الّتي عاشها المِهْروانيّ ﵀ من تأريخ ولادته إلى سنة وفاته فقط.
ومن هؤلاء الأئمّة: أبو بكر بن شاذان، وأبو عليّ التّنوخيّ، وأبو الحسن الدّارقطنيّ، وأبو حفص بن شاهين، وأبو الحسن الحربيّ، وابن بطّة، والخطّابيّ، والفقيه الشّافعيّ زاهر بن أحمد السّرخسيّ، وابن أبي زيد القيروانيّ شيخ المالكيّة في المغرب في وقته، وابن أخي ميمي، وأبو نصر الجوهريّ، وأبو طاهر المخلّص، وأبو عبد الله بن منده، وابن الباقلاّنيّ الأصوليّ، وأبو عبد الله الحاكم، وعبد الغنيّ بن سعيد الأزديّ، وابن مردويه صاحب التّفسير، وأبو نعيم الأصبهانيّ، والبيهقيّ، والحافظ ابن عبد البرّ، وخلق يطول ذكرهم.
وإنّ هذه الكوكبة ممّن ذُكر، ومن غيرهم من أهل العلم، والمشتغلين به فيها دليل ظاهر على قُوّة الحركة العلميّة، وضخامتها في تلك الفترة تفيّأ المسلمون ظلالها قديما وحديثا، وإلى أن يشاء الله ربّ العالمين.
٣) من النّاحية الدّينيّة:
تزامن في هذه الحِقبة من الزّمن وجود طوائف أخرى غير أهل السّنّة والجماعة من أهل البدع، والأهواء، المنحرفين في فهم العقيدة الإسلاميّة عن فهم السّلف الصّالح من أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومن تبعهم، وسار على هديهم بإحسان؛ فنهجوا نهجا خاطئا أدّى إلى تفرّق الأمّة إلى شيع، وأحزاب متناحرة …
فقد وقعت عدّة مصادمات، ومجابهات بين أهل السّنّة والجماعة من جهة، والرّافضة من جهة أخرى، يُقتّل فيها أُناس، وتُحرق دور، ومتاجر
стр. 30
في بغداد، وواسط، وغيرهما.
وفي سنة: (٣٨٢هـ) استولى أبو الحسن بن المعلم الكوكبيّ على أمور السُّلطان بهاء الدّولة كلها، فمنع الرّافضة من عمل المأتم يوم عاشوراء الّذي كان يُعمل من نحو ثلاثين سنة، إلاّ أنّه قويت شوكتهم في آخر هذا العقد لتسلّط البويهيّين الشّيعة على الخليفة في بغداد، فتمادوا في غيّهم بعمل مأتم عاشوراء باللَطم، والعويل، ونصب القباب، وعمل الزِّينة، وشعار الأعياد يوم الغدير.
وعمدت جهلة أهل السّنّة، وأحدثوا في مقابل يوم الغدير (١) : يوم الغار، وجعلوه بعد ثمانية أيّام من يوم الغدير، وهو السّادس والعشرون من ذي الحجّة، وزعموا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكر اختفيا حينئذ في الغار، وهذا جهل وغلط، ومقابلة للبدعة ببدعة أُخرى.
وجعلوا بإزاء عاشوراء، وبعده بثمانية أيّام أيضا يوم مصرع مصعب بن الزّبير، وزاروا قبره يومئذ، وبكوا عليه، ونظَّروه بالحسين نعوذ بالله من الجهل، والفتن وداموا على هذا العمل القبيح عشر سنين!
ولمّا كانت ولاية الخليفة القادر بالله (ت: ٤٢٢هـ) وكان صاحب سُنّة قمع المعتزلة، والرّافضة، وأخذ خطوطهم بالتّوبة، وأرسل إلى بعض الآفاق ببثّ السُّنّة فيها، وأمر بلعن المعتزلة، والرّافضة، والجهميّة، وغيرهم من الضُّلاّل على المنابر.
стр. 31
وسبق (١) أنّ له مصنّفا أودعه بعض كلام أهل العلم، وردودهم على المعتزلة، والرّافضة، وأمر بقراءته على النّاس في أيّام الجُمع.
ومع بداية القرن الخامس قوي أمر الحاكم (أحد خلفاء الباطنيّة في مصر) ودُعي إليه بالموصل، والمدائن، وغيرهما، وحدثت عدّة مناوشات بين أهل السُّنَّة والجماعة من جهة، والباطنيّة من جهة أخرى في أطراف الشّأم والحرمين خصوصا بعد أن قام بعض الباطنيّة بضرب الحجر الأسود بآلة معه، وأراد هدم البيت، فقُتل في الحال، وقُتل جماعة ممّن اتّهم بمعاونته، واختبط الوفد المصريّ الّذي قدم معه، ومال النّاس على رَكْبِهم بالنّهب، والإيذاء، والضّرب.
٤) من النّاحية الاقتصاديّة:
أدّى ضعف الدّولة العبّاسيّة آنذاك، وكَثْرَةُ الفتن، والقلاقل والاضطّرابات، وتسلّط العيّارين، والشُّطّار على العامّة، وما صاحب ذلك من القحط الشّديد الّذي أضرّ بعدّة جهات في الدّولة الإسلاميّة، وفيضانات غرقت بغداد، والبصرة، والأُبلَّة بسببها عدّة مرّات، وذهب من جرّائها كثير من أموال المسلمين وممتلكاتهم، وبَرَدٍ عظيم إلى الغاية ينزل بعضه في الأرض نحوًا من ذراع، وهبوب رياح قويّة دمّرت المزارع، والحقول، وقلعت الأصول العاتية من الزّيتون، والنّخيل، وغيرهما، وحرائق مدمّرة، كل ذلك أنتج ضعفا اقتصاديا ترى ذكره في كلّ تأريخ من تواريخ تلك الفترة، واستشرى بسببه ضرر بالغ بالبلاد، والعباد، وتفشّت الأوبئة، والأمراض الّتي ذهب بسبب بعضها في البصرة سنة:
стр. 32
(٤٠٦هـ) العدد الكثير من النّاس، حتّى عجز الحفّارون عن حفر القبور؛ وذهب أيضا بسببها في ماوراء النّهر سنة: (٤٤٩هـ) ألف ألف إنسان وستّمائة ألف (١) !
стр. 33
المَبْحَث الثّاني اسمه، ونسبه، ونسبته، وكنيته:
هو الشّيخ، الإمام، الزّاهد، العابد، الصّادق، بقيّة المشايخ (١) الحافظ (٢) : يوسف بْنُ محمَّد بْنِ أَحْمَدَ بْنِ محمَّد (٣) بن أحمد (٤) المِهْروانيّ (٥) ، الهَمَذَانيّ (٦) ، أبو القاسم، البغداديّ (٧) .
стр. 34
المَبْحَث الثّالث مولده:
ولِد أبو القاسم المهروانيّ سنة: ثمانين وثلاثمائة للهجرة (١) .
стр. 35
المَبْحَث الرّابع نشأته، وطلبه للعلم:
لم تسعفنا المصادر بترجمة مفصّلة، وافية للمِهروانيّ يرحمه الله فلا نجد فيها بالتّالي ما يدلّ على كيفيّة نشأته، إلاّ أنّ الرجل موصوف بالصّلاح، والزّهد، والعبادة، وهو مع ذلك ثقة، محدّث، والغالب على من كان بهذه الصِّفة أنّه نشأ نشأة جيّدة، في ظلّ أهل بيت غرسوا فيه هذه المبادئ السّامية، والقيم الرّفيعة، حتى كبر، وصار له شأنه، ومنزلته، فقصده الطلاّب، واهتمّ أهل العلم بالأخذ عنه، والانتقاء عليه.
أما طلبه للعلم: فلم تحدّد المصادر لنا أيضا بدء طلبه له، إلاّ أنّه يمكن أن أقول: إنّ المهرواني همذانيّ الأصل، نزل بغداد، وسكن بها، وكانت عاصمة الخلافة العبّاسيّة، ومركزًا مهما من مراكز العلم في ذلك العصر، يقصدها طلاّب العلم وإن تباعدت بهم الدّيار، ونأت بهم الأسفار … والمهروانيّ حلّ بها في وقت مبكّر من عمره، وأخذ عن كبار علماء أهلها، ومحدّثيهم، ولعلّه ما شرع في الأخذ عنهم إلاّ في وقت متأخّر نوعا ما، حيث نجد أنّ أقدم شيخ له حدّدت المصادر تأريخ وفاته تحديدًا دقيقا هو: أبو أحمد الفرضيّ، المتوفّى سنة: (٤٠٦هـ) ، ويكون عُمر المهروانيّ آنذاك: ستّ وعشرون سنة، مع أنّا لا نعلم متى أخذ عنه، وسمع منه، مع أنّ أحاديثه عنه عالية جدًّا كبقيّة مشايخه.
ولو أنّه طلب العلم في سنّ مبكّرة جدًّا لأخذ عن: أبي بكر الجوهريّ، وأبي بكر السّمسار، وابن حبّابة، وأبي بكر الهاشميّ، وأبي حفص الكتّانيّ، وابن أخي ميمي، وأبي إسحاق الطّبريّ، وأبي القاسم ابن
стр. 36
زنجويه، وعثمان بن محمَّد المخرِّميّ، وأبي طاهر المخلّص، والإسماعيليّ، وأبي الفضل الهاشميّ، والحسين بن هارون، وأبي مسعود الدّمشقيّ الحافظ، وخلف الواسطيّ الحافظ، وأبي الحسن بن النّجّار، وابن البغداديّ، وابن شاذان، وغيرهم من البغداديّين، أو الواردين عليهم ممّن مات في أواخر القرن الرابع، أو أوائل الخامس، أو عن بعضهم على أقلّ تقدير.
ولو قيل: لعلّ سبب ذلك هو تأخّره في الخروج من همذان؛ لقلتُ: لأخذ عن مسند همذان في وقته: عبد الرّحمن بن محمَّد، المعروف بابن شبانه (ت: ٤٢٥هـ) (١) والله تعالى أعلم.
ثمّ إنّ المهرواني ﵀ لم يكتف بالأخذ في بغداد عن شيخه أبي أحمد الفرضيّ، بل أخذ عن جماعة آخرين كانوا من كبار المحدّثين في عصرهم، وصار يروي عنهم بعلوّ باهر فيما بعد.
стр. 37
المبْحَث الخامِس رَحلاته:
لم يتوسّع المِهْروانيّ ﵀ في الرّحلة لطلب الحديث، وكلّ ما أعرفه عنه أنّه خرج من هَمَذَان وسكن بغداد، ممّا كان له الأثر في طلبه للعلم، وتحصيله، والأخذ من أفواه الرّواة؛ لتوفّرهم، وكثرتهم بها في ذلك الوقت، وهو ما لا يوجد في همَذان … ولعلّه بعد ذلك طاب له المقام، فاستقرّ هناك، وسكن رباط (١) الزّوزنيّ (٢) .
стр. 38
المبحَث السّادس شيوخه:
طلب المِهروانيّ العلم على أيدي شيوخ بغداد، ولا أعرف أنّه أخذ عن غيرهم، فسمع من قدمائهم، من أكابر أهل العلم فيهم وأفاد من علمهم، وأدبهم، وخلقهم، وصار لهم الأثر في تكوينه الفكريّ، ونضوجه العلميّ …
وأسوق هنا من وقفت عليه منهم، مع التّعريف المقتضب بهم، وبيان عدد ما انتقى الخطيب للمِهروانيّ عن كلّ واحد منهم في هذا الكتاب، مرتّبا لهم على سنيّ الوفيّات:
١- محمَّد بْنُ أَحْمَدَ بْنِ محمَّد بن حمدويه الطّوسيّ، أبو بكر، البغداديّ … ترجم له الخطيب في: (تأريخ بغداد) (١) ، وذكر أنّه سمع منه أيضا: هبة الله بن الحسن بن منصور الطّبريّ، وحدّثه عنه: أبو بكر أحمد بن سلمان المقرئ، الواسطيّ.
وقال: "وكان صدوقا، وأحسبه مات بعد سنة: خمس وأربعمائة بيسير" اهـ.
وانتقى للمهروانيّ عنه: تسعة أحاديث (٢) .
٢- عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ محمَّد بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الفَرَضيّ، أبو أحمد البغداديّ، المقرئ … سمع القاضي المحامليّ، ويوسف بن يعقوب بن
стр. 39
البهلول، وغيرهما.
وروى عنه أيضا: عليّ بن البُسريّ، وأبو محمَّد الخلاّل، وأحمد ابن عليّ بن أبي عثمان، وغيرهم.
قال الخطيب في (تأريخه) (١) : "وكان ثقة، صادقا، ديّنا، ورعا".
وقال (٢) : "وسمعت الأزهريّ ذكره، فقال: كان إماما من الأئمّة … حدّثني أبو القاسم منصور بن عمر الفقيه الكرخيّ قال: لم أر في الشّيوخ من يعلّم العلم لله خالصا لا يشوبه شيء من الدّنيا غير أبي أحمد الفرضيّ؛ فإنّه كان يكره أدنى سبب حتى المديح لأجْل العلم. قال: وكان قد اجتمعت فيه أدوات الرّئاسة من علم، وقرآن، وإسناد، وحالة متّسعة في الدّنيا، وغير ذلك من الأسباب الّتي يُداخل بمثلها السّلطان، وتنال بها الدنيا، وكان مع ذلك أورع الخلق.." إلى أن قال: " … ولم أرَ في الشّيوخ مثله" اهـ.
وقال السّمعانيّ في (الأنساب) (٣) : "كان إماما، فاضلاً، ثقة، مأمونا، من الأئمّة الورعين، وكان رأسا في القراءات".
مات ﵀ عن اثنتين وثمانين سنة في شوّال سنة: ستّ وأربعمائة ببغداد (٤) .
стр. 40
انتقى الخطيب للمهروانيّ عنه: سبعة وعشرين حديثا، وأثرًا (١) .
٣- الشّيخ، الإمام، الفقيه، القاضي: محمَّد بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ ابن إسماعيل الضّبيّ، المحامليّ، أبو الحسين، البغداديّ، الشّافعيّ … سمع أحمد ابن سلمان النّجّاد، وإسماعيل بن محمَّد الصّفّار، وأبا عمرو بن السّمّاك، وغيرهم. وروى عنه أيضا: أخوه أحمد، وسُلَيم الرّازيّ، وأبو الغنائم ابن أبي عثمان، وآخرون.
قال الخطيب في (تأريخه) (٢) : ".. وكان ثقة، صادقا، خيّرًا، فاضلاً"، ونقل عن الدّارقطنيّ قال: ".. حفظ القرآن، والفرائض، وحسابها، ودرس الفقه على مذهب الشّافعيّ، وكتب الحديث، ولزم العلم، ونشأ فيه، وهو عندي ممّن يزداد خيرًا كل يوم" اهـ.
مات في يوم الخميس العاشر من رجب، سنة: سبع وأربعمائة (٣) .
انتقى الخطيب للمهروانيّ عنه: ستة أحاديث (٤) .
٤- الإمام، الحافظ: أَحْمَدُ بْنُ محمَّد بْنِ يُوسُفَ بن محمَّد بن دُوْست