Полный текст (547 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر برحمتك، وصل وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وسلم أما بعد حمد الله تعالى الذي لا يعرف الخير إلا من عنده، وصلواته على محمد نبيه الكريم وعبده.
فإنه لما كان الناظر في الحديث وعلومه مفتقراً إلى معرفة أسماء رجاله ووفياتهم، وبلدانهم وغير ذلك، وكان المتحدث إذا جهل معرفة المحدثين وأهل المعرفة وذوي النباهة من الموضع الذي نشأ به [ونأت] عن مسقط رأسه دياره، وبعدت عنه أخباره، استخرت الله تعالى على أن [أجمع رواة] الحديث بالأندلس، وأهل الفقه والأدب وذوي النباهة والشعر، ومن له ذكر [من كل] من دخل إليها أو خرج عنها فيما يتعلق بالعلم والفضل، أو الرياسة والحرب، وأجعل [ذلك] من وقت افتتاحها، والذي تولى فتحها، ومن دخلها من التابعين ﵃ أجمعين مرتباً ذلك على حروف المعجم.
ولم أجد في كتب من تقدم كتاباً أقبل من كتاب أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي إلا أنه انتهى فيه إلى حدود الخمسين وأربعمائة، فاعتمدت على أكثر من ذكره وزدت ما أغفله وغادره، وتممت من حيث وقف، وجعلت ما اعتمدته من ذلك تذكرة لنفسي ومطالعاً لأنسي، لم ألتمس عليه من مخلوق عوضاً، ولا طلبت به من أعراض الدنيا عرضاً، جارياً في ذلك على
стр. 2
سبيل [الاختصار] ، تاركاً للتطويل والإكثار، والله سبحانه يجعل ما [أفعله خالصاً] لوجهه ومقرباً من رحمته [فما] التوفيق إلا من عنده، ولا غنى بالعبد عن معونته ورفده.
فإن أول وقت افتتاحها ففي سنة اثنتين وتسعين من الهجرة في القرن الثاني الذي أخبر النبي ﵌ أنه خير [بعد قرنه] ، ولو لم يكن للأندلس إلا هذا [لكفاها] فكيف وقد بشر الرسول ﵌ به، ووصف أسلافنا فيه بصفات الملوك على الأسرة، كما رويناه في حديث أنس بن مالك عن خالته أم حرام عن العدول حدثناه الراوية الزاهد أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبيد الله قال: أخبرنا أبو العباس العذري قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن الحسن بن بندر قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان قال: أخبرنا أبو الحسين مسلم بن [الحجاج قال: أخبرنا] خلف بن هشام أخبرنا: [مالك بن نجيبة] عن عمر بن يحيى بن حبان عن أنس بن مالك عن أم [حرام أن النبي ﵌ [قال] يوماً في بيتها فاستيقظ وهو يضحك، فقالت يا رسول الله ما يضحكك؟ قال: "عجبت من قوم من أمتي يركبون البحر كالملوك على الأسرة فقالت يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم] ، قال فإنك منهم، قالت: ثم نام فاستيقظ أيضاً وهو يضحك! فسألته: فقال مثل مقالته قلت: ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت من الأولين".
стр. 3
قال: فنزوجها عبادة بن الصامت بعد فغزا في البحر، فحملها معه فلما أن جاءت قربت له بغلة فصرعتها فاندقت عنقها.
وقد صح أيضاً أن هذا كان في زمان معاوية، وجعله بعض العلماء من مناقبه، لما كان ركوب البحر في إمارته لمن ذكرهم النبي ﵌ بهذه الصفة [فبالنسبة] للأندلس يكون أسلافنا الذين افتتحوها تالين في العدد لمن [يعد] من [الأولين] الذين ركبوا البحر هذا الجيش الأول المبشر به في مدته.
ولعل قائلاً يقول: إنما عنى الرسول ﵌ أهل صقلية أو إقريطش، فمن أين عنى الرسول ﵌ بذلك أهل الأندلس؟ [أقول] عنيه أن الرسول ﵌ قد أوتي جوامع الكلم، وذكر في هذا الحديث الذي [فيه أن قوماً] من أمته يركبون ثبج البحر غزاة واحدة بعد واحدة فسألته أم حرام أن يدعو ربه تعالى لها أن [يجعلها منهم] فأخبرها ﵌ - وخبره [يقين]- بأنها من الأولين فكانت من الغزاة إلى قبرص، وخرت عن بغلتها هناك فتوفت، وهذا علم من أعلام نبوته ﵌ ، وهو إخباره بالشيء قبل كونه فظهر ما أخبر به، وهو أول غزاة ركب فيها المسلمون البحر فثبت [منه] أن الغزاة إلى قبرص هم الأولون الذين بشر بهم النبي)
стр. 4
صلى الله عليه وآله وسلم (، وكانت أم حرام منهم كما أخبر.
وقد أخبرني غير واحد عن أبي الحسن شريح بن محمد الحافظ أبي محمد على ابن أحمد أنه قال: لا سبيل إلى أن [نقول] إن النبي ﵌ - وقد أوتي من البلاغة والبيان ما أوتي - يذكر طائفتين تسمى إحداها أولى إلى والثانية لها ثانية. فقرئ من باب الإضافة وتركيب العدد. [فلا] الأولى أولى إلا بالثانية، ولا الثانية ثانية إلا بالأولى ولا سبيل إلى ذكر [ثالثة] ضرورة إلا بعد ثان وهو ﵌ إنما ذكر طائفتين وبشر [بهما] وسمى إحداهما الأولين واقتضى ذلك [لضرورة] الصدق وجود آخرين. والآخر من الأولى هو الثاني، وذلك لابد منه. وأندلسنا فتحت عام اثنتين وتسعين من الهجرة، والقرن الذي افتتحها أول القرون بعد القرن الأول بشهادة الرسول ﵌ وأنه خر من كل [قرن] بعده.
ثم ركب البحر بعد ذلك أيام سليمان بن عبد الملك إلى القسطنطينية، وكان الأمير في ذلك [ ... ] الفزاري.
وأما صقلية فإنها فتحت سنة [٢١٢هـ] ٨٢٧ م. فتحها الأمير زيادة الله من بني الأغلب.
[ولما] ذكر تاريخ افتتاحها رأينا [ذكر] معرفة أصل التاريخ، ومن أول من أرخ والسبب الموجب لذلك، إذ ريما خفت على كثير من [أهل] الأندلس معرفة ذلك ولابد من أن نورد ذلك بالإسناد فعلى الإسناد جل الاعتماد.
стр. 5
حدثني القاضي العلامة أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد، قرأت عليه قال: أخبرنا أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث قال: أخبرنا القاضي عبد الوارث بن سفيان، أخبرنا قاسم بن أصبغ، أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة علي بن محمد عن خالد عن ابن سيرين: أن رجلاً من المسلمين قدم من أرض اليمن يقول لعمر: رأيت باليمن [شيئاً يسمونه] التاريخ يكتبونه من عام كذا، وشهر كذا.
قال عمر: إن هذا حسن فأرخوا.
فلما أجمعوا على أن [يؤرخوا] قال قوم: مولد النبي ﵌ وقال [قوم: مبعثه] وقال قائل: حين خرج مهاجراً من مكة، وقال قائل بالوفاة، حين توفى فقال: أرخوا بخروجه من مكة إلى المدينة.
ثم قالوا: [بأي] شهر نبدأ فنصيره [أولاً] ؟ فقالوا: رجب فإن أهل الجاهلية كانوا [يؤرخون] به، وقال آخرون: شهر رمضان، وقال بعضهم: ذو الحجة فيه الحج. وقال آخرون: الشهر الذي خرج فيه من مكة، وقال آخرون: الشهر الذي قدم فيه، فقال عثمان: أرخوا المحرم أول السنة، وهي شهر [حرام] ، وهو منصرم عن الحج فصيروا أول السنة المحرم.
قال أبو بكر: أول ما أرخ [المسلمون كان] من مهاجرة [الرسول] فقال النبي سنة إحدى أو سنة اثنين إلى يومنا هذا.
وكان [التأريخ] في سنة سبع عشرة
стр. 6
ويقال في سنة ستة عشرة من ربيع الأول. قال أبو بكر: وأخبرنا: داود بن عمر: [قال: كتب أبو] موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب أنه تأتينا من قبلك كتب ليس لها تاريخ فأرخ [فجمع عمر الناس] فقال بعضهم: أرخ لمبعث لرسول الله ﵌ ، وقال بعضهم: أرخ لوفاة رسول الله ﵌ .
فقال عمر: بل نؤرخ لمهاجرة رسول الله ﵌ فإن مهاجرته فرقت بين الحق والباطل [فأرخوا] لمهاجرة رسول الله ﵌ .
قال أبو بكر: وأخبرنا: أحمد بن حنبل قال: أخبرنا روح قال: زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار: أن أول من أرخ الكتب يعلي بن أمية وهو باليمن، وأن النبي ﵌ [قدم] المدينة في شهر ربيع الأول في أول الناس [ولم يؤرخوا به] وإنما أرخ الناس مقدم النبي ﵌ [بالمحرم] .
قال أبو بكر: [لما بعث يعلي بن أمية] إلى عمر بن الخطاب [بكتابه مؤرخاً استحسنه فشرع في التأريخ] .
وقال قائل اكتبوا على [تاريخ] الفرس فقال: إن الفرس [تاريخ غير مستند إلى مبدأ معين، بل كلما قام فيهم ملك بدأوا من لدنه وطرح] ما كان قبله فأجمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله ﵌ بالمدينة، فكتبوا التاريخ على هجرة رسول الله ﵌ .
стр. 7
وحكى الدارقطني: قال: كتب عمر التاريخ بعد ولايته بسنتين ونصف، سنة ست عشرة بمشورة علي بن أبي طالب ﵄، وذلك أن العرب لم تكن تؤرخ التاريخ من قبل على أصل معلوم.
وإنما كانوا يؤرخون بالقحط، وبالعمل الذي يكونون عليه حتى كان زمان الفيل فأرخوا بالفيل، ثم من بعده ببنيان الكعبة، فلم تزل العرب على هذا حتى كان عمر بن الخطاب، [وفتحت] بلا الأعاجم [وكثرت أموال] الخراج، وأعطى [الأعطيات] ، قال محمد بن سيرين فقال: [إن الأموال كثرت وما قسمناه غير مؤقت فكيف التوصل إلى ما يضبط ذلك؟] .
وقال الشعبي: [كان بنو إبراهيم يؤرخون من نار إبراهيم إلى بنيان البيت] حين بناه إبراهيم وإسماعيل، ثم أرخ [بنو] إسماعيل من [بناء] البيت [حتى] تفرقت معد، فكان كلما خرج [قوم] من تهامة أرخوا [بمخرجهم حتى مات كعب بن لؤي فأرخوا من موته] إلى الفيل، فكان التأريخ من الفيل حتى أرخ عمر من الهجرة، وذلك سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة.
قلت: فالتاريخ اليوم قبل الهجرة بشهرين واثنتي عشرة ليلة، لأنه صح أن الرسول ﵌ قدم المدينة يوم الاثنين عشرة ليلة خلت من ربيع الأول بعد هذا التاريخ قبل الهجرة إلى غرة المحرم.
وأما الذي تولى فتح الأندلس وكان أمير الجيش السابق إليها فطارق، قيل: [ابن زياد] وقيل ابن عمرو، وكان والياً على طنجة، مدينة من المدن المتصلة ببر القيروان في أقصى المغرب، بينها وبين الأندلس فيما يقابلها من البحر خلج يعرف
стр. 8
بالزقاق، وبالمجاز، وثبت فيها موسى بن نصير أمير القيروان، وقيل إن مروان بن موسى بن نصير خلف طارقاً هناك على العساكر [وانصرف إلى أبيه لأمر] عرض له فركب طارق البحر إلى الأندلس من جهة مجاز الخضراء منتهزاً [لفرصة أمكنته] فدخلها وأمعن، واستظهر على العدو بها وكتب إلى موسى بن نصير بغلبته على [ما غلب عليه] من الأندلس وفتحه، وما حصل له من الغنائم، فحسده على الانفراد بذلك وكتب إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان يعلمه بالفتح، وينسبه إلى نفسه وكتب إلى طارق يتوعده إذا دخلها بغير إذنه ويأمره ألا يتجاوز مكانه حتى يلحقه [وخرج موجهاً إلى الأندلس] واستخلف على القيروان [ولده عبد الله في رجب سنة ثلاث وتسعين] .
فقد استولى طارق على قرطبة دار المملكة وقتل لذريق ملك الروم بالأندلس، فتلقاه طارق [وترضاه، ورام] أن يستل [ما في نفسه] من الحسد له وقال له: إنما أنا مولاك ومن قبلك، وهذا الفتح لك، وحمل طارق إليه من كان غنمه من الأموال.
فلذلك نسب الفتح إلى موسى بن نصير لأن طارقاً من قبله ولأنه استزاد في الفتح ما بقي على طارق.
وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكيم فيما أخبرني به أبو الطاهر إسماعيل بن قاسم الزيات وغيره بفسطاط مصر قال: أخبرنا ابن يحيى قال: أخبرنا بن الحسن علي بن منير الخلال قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج القماح [قال: أخبرنا] علي بن الحسن بن خلف
стр. 9
بن قديد قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم أن [موسى كتب] إن طارق [في أمر] الفتح فلما انتهى إليه [كتاب موسى خرج] إليه طارق، ولذريق يومئذ على سرير ملكه والسرير بين بغلين يحملانه وعليه تاجه [وقفازه] وجميع ما كانت الملوك قبله [تلبسه] من الحلية.
فخرج إليه طارق وأصحابه رجالة كلهم ليس فيهم راكب، فاقتتلوا من حين بزغت الشمس إلى أن غربت فظنوا [أنه الفناء، وقتل] لذريق، ومن معه، وفتح للمسلمين، ولم تكن بالمغرب مقتلة قط أكبر منها [فلم يرفع] المسلمون السيف عنهم ثلاثة أيام، ثم ارتحل الناس إلى قرطبة.
قال: ويقال إن موسى هو الذي وجه طارقاً بعد مدخله الأندلس إلى طليطلة وهي في النصف فيما بين قرطبة وأربونة أقصى ثغر الأندلس، وكانت كتب عمر بن عبد العزيز تنتهي إلى أربونة، ثم غلب عليها أهل الشرك [فهي في أيديهم] وإن طارقاً إنما أصاب "المائدة" فيها. والله أعلم.
وكان لذريق يملك ألفي ميل من الساحل إلى ما وراء ذلك فأصاب الناس ما لم يكونوا يتخيلونه [من الغنائم الكثيرة ومن الذهب والفضة] .
وروى عبد الله بن حبيب، عن عبد الله بن وهب، عن الليث بن سعد أن موسى ابن نصير لما افتتح الأندلس مضى على وجهه يفتتح المدائن يميناً [وشمالاً] . حتى انتهى إلى مدينة طليطلة وهي مدينة الملوك فوجد فيها بيتاً يقال له بيت الملوك. [ووجد فيه] خمسة وعشرين تاجاً مكللة بالدر والياقوت وهي على الملوك الذين حكموها،
стр. 10
كلما مات ملك جعل تاجه في ذلك البيت، وكتب على التاج اسم صاحبه، وكم أتى عليه من الدهر إلى يوم مات، وكم عدد من سبقهم من ولاة الأندلس منذ افتتحت إلى يوم ولايته [ ... ] .
ثم جاء بلج بن بشر فادعي ولايتها، وشهد له بعض من كان معه، ووقعت فتن، من أجل ذلك افترق أهل الأندلس على أربعة أمراء حتى أرسل إليهم والياً؛ أبو الخطار حسام بن ضرار فحسم مواد الفتن وجمعهم على الطاعة بعد الفرقة.
وفي تقديم بعضهم على بعض اختلاف إلا أن هؤلاء المذكورين كانوا سراتها وولاة الحروب فيها أيام بني أمية قبل ذهاب دولتهم من المشرق.
وقد دخل الأندلس للجهاد من التابعين جماعة، قد قدمنا قبل ما ذكره ابن حبيب أنهم عشرون، والحاضر الآن منهم في الخاطر محمد بن أوس بن ثابت الأنصاري يروي عن أبي هريرة [وحنش] بن عبد الله الصنعاني يروي عن علي بن أبي طالب ﵁ وفضالة بن عبيد [وعبد الرحمن بن] عبد الله الغافقي يروى عن ابن عمر، وزيد بن قاصد السكسكي المصري يروى عن عبد [الله بن] عمرو بن العاص، وموسى بن نصير الذي ينسب إليه الفتح يروى عن تميم الداري، وسيأتي ذكرهم في الأبواب إن شاء الله.
وقد قدمنا في فضل الأندلس ما لا يشاركها غيرها فيه، وهي تشارك المغرب في الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل الذي خرجه مسلم، وحدثنا به عنه الزاهد أبو محمد بالسند المتقدم آنفاً وغيره قال مسلم أخبرنا بن يحيى عن هشيم بن بشير الواسطي عن داود بن أبي [هند] عن أبي عثمان الهندي عن سعد
стр. 11
بن أبي وقاص أن رسول الله ﵌ قال: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة". لأن هذا [النص] وإن كان عاماً لما يقع عليه فللأندلس منه حظ وافر لدخولها في العموم، ومزية لتحققها بالغرب، وأنها آخر المعمور فيه، وبعض ساحلها الغربي على البحر المحيط، وليس بعده مسلك.
ومن فضلها أنه لم يذكر قط على منابرها أحد من السلف إلا بخير وإلى الآن، وهي ثغر من ثغور المسلمين، لمجاورتهم الروم واتصال بلادهم ببلادهم.
وإنما قيل جزيرة الأندلس لأن البحر محيط بجميع جهاتها إلا ما كان الروم فيه من جهة شمال منها فصارت كالجزيرة بين البحر والروم.
وإلا فمنها إلى القسطنطينة بر متصل من جهة بلاد الروم من شرقها.
وقد بشر النبي ﵌ أهل هذه البلاد في هذا الحديث الصحيح المتصل بظهور الإسلام فيها، وثباته إلى أن تقوم الساعة بها، هذا مع زيادة [أعداد الروم وبلادهم] أضعافاً مضاعفة [وقلة عدد] المسلمين بالإضافة إليهم [وصح بخبر الصادق ﵌ أنه ثغر منصور إلى قيام الساعة] .
[فصل]
[وما زالت الولاة] بالأندلس أيام بني أمية تليها من قبلهم، أو من قبل من يقيمونه بالقيروان أو بمصر.
فلما اضطر أمر بني أمية في سنة ست وعشرين ومائة، بقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك، واشتغلوا عن مراعاة أقاصي البلاد وقع الاضطراب بإفريقية والاختلاف [بالأندلس أيضاً بين القبائل] ثم اتفقوا بالأندلس على تقديم قرشي يجمع الكلمة إلى أن تستقر الأمور بالشام، لمن يخاطب
стр. 12
ففعلوا، وقدموا يوسف بن عبد الرحمن الفهري، أميراً فسكنت به الأمور، وأثبتت عليه القلوب، واتصلت إمارته إلى سنة ثمان وثلاثين، بعد ذهاب دولة بني أمية، وكان ذهاب دولتهم جملة بقتل مروان بن محمد بن مروان ابن الحكم في بعض نواحي الفيوم من أعمال مصر في آخر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، بعد بيعة أبي العباس السفاح بتسعة أشهر.
وكان ممن هرب إلى الأندلس من بني أمية: عبد الرحمن بن معاوية. وأن أذكر إن شاء الله تاريخ وصوله إليها وسبب ولايته عليها، ومن وليها بعده من أولاده، وغيرهم، إلى آخر ما وجدت، ثم أذكر ما بعد ذلك على ما شرطت. إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل.
أول أمراء بني أمية بالأندلس
عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان يكنى أبا المطرف
مولده بالشام سنة عشرة ومائة، وأمه أم ولد اسمها [راح] هرب لها ظهرت دولة بني العباس، ولم يزل مستتراً إلى أن دخل الأندلس في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين ومائة في زمن أبي جعفر المنصور، فقامت معه اليمانية، وحارب يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري، الوالي على الأندلس، فهزمه واستولى عبد الرحمن على قرطبة يوم الأضحى من العام المذكور، فاتصلت ولايته إلى أن مات سنة اثنتين وسبعين ومائة وكان من [أهل] العلم، وعلى شهرة جميلة من العدل. ومن قضاته معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي، وله أدب
стр. 13
وشعر، ومن شعره يتشوق إلى معاهده بالشام قال:
أيها الراكب الميمم أرضى ... أقر من بعضي السلام لبعضي
أن جسمي كما علمت بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض
[قدر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمضي]
[قد قضى الله بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضي]
ولاية الأمير هشام بن عبد الرحمن
ثم ولي بعد عبد الرحمن ابنه هشام: يكنى أبا الوليد، وسنة حينئذ ثلاثون سنة، فاتصلت ولايته سبعة أعوام إلى أن مات في صفر سنة ثمانين ومائة.
وكان حسن السيرة متحرياً للعدل يعود المرضى، ويشهد الجنائز، أمه حوراء.
стр. 14
ولاية الحكم بن هشام
ثم ولى بعده ابنه الحكم، وله اثنتان وعشرون سنة، يكنى أبا العاصي، أمه أم ولد: اسمها [زخرف] ، وكان طاغياً مسرفاً وله آثار سوء قبيحة، وهو الذي أوقع بأهل الربض الوقعة المشهورة فقتلهم، وهدم ديارهم ومساجدهم، وكان الربض [محلة متصلة] بقصره فاتهمهم في بعض أمره، ففعل بهم ذلك فسمى الحكم الربضي لذلك.
واتصلت ولايته إلى أن مات في آخر ذي الحجة سنة ست ومائتين.
ولاية عبد الرحمن بن الحكم
ثم ولي بعده ابنه عبد الرحمن بن [الحكم] يكنى أبا المطرف، وله ثلاثون سنة، وأمه أم ولد، اسمها حلاوة.
واتصلت ولايته إلى أن مات في آخر صفر سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وكان وادعاً محمود السيرة.
стр. 15
ولاية الأمير محمد بن عبد الرحمن
ثم ولي بعده ابنه محمد بن عبد الرحمن يكنى أبا عبد الله، أمه أم ولد اسمها [تهنر] فاتصلت ولايته إلى أن مات في آخر صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وكان محباً للعلوم مؤثراً لأهل الحديث، عارفاً، حسن السيرة.
ولما دخل الأندلس أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد بكتاب [مصنف] أبي بكر بن أبي شيبة، وقرئ عليه، أنكر جماعة من أهل الرأي ما فيه من الخلاف واستشنعوه، وبسطوا العامة عليه، ومنعوه من قراءته، إلى أن اتصل ذلك بالأمير محمد فاستحضره وإياهم، واستحضر الكتاب كله، وجعل يتصفحه جزءاً جزءاً، إلى أن أتى على آخره، وقد ظنوا أنه يوافقهم في الإنكار عليه، ثم قال لخازن الكتب: هذا كتاب لا يستغنى خزانتنا عنه، فانظر في نسخة لنا، ثم قال لبقي بن مخلد: الشر علمك، وارو ما عندك من الحديث، واجلس للناس، حتى ينتفعوا بك، أو كما قال، ونهاهم أن يتعرضوا له.
стр. 16
ولاية المنذر بن محمد
فولي بعده أخوه عبد الله بن محمد، وكان مولده سنة ثلاثين ومائتين.
يكنى أبا محمد، وأمه أم ولد اسمها [أشار] طال عمرها إلى أن ماتت قبل موته سنة وشهر وكان وادعاً لا يشرب الخمر، وفي أيامه امتلأت الأندلس بالفتن، وصار في كل [جهة] متغلب، فلم يزل كذلك طول ولايته إلى أن مات مستهل ربيع الأول سنة ثلاثمائة.
стр. 17
ولاية عبد الرحمن الناصر
فولي بعده ابن ابنه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، وكان والده محمد قد قتله أخوه المطرف بن عبد الله في صدر دولة أبيهما عبد الله.
[وترك ابنه عبد الرحمن هذا وهو ابن عشرين يوماً، فولي الأمر وله اثنتان وعشرون سنة] .
قال لي أبي محمد علي بن أحمد: وكانت ولايته من المستطرف لأنه كان في هذا الوقت شاباً، وبالحضرة جماعة أكابر من أعمامه وأعمام أبيه، وذوي القعدد في النسب من أهل بيته، فلم يعترض له معترض، واستمر له الأمر.
وكان شهماً صارماً، وكل من ذكرناه من الأمراء أجداده إلى عبد الرحمن بن محمد هذا، فليس منهم أحد تسم بإمرة المؤمنين، وإنما كان يسلم عليهم ويخطب لهم بالإمارة فقط، وجرى على ذلك عبد الرحمن بن محمد إلى آخر السنة السابعة عشرة من ولايته.
فلما بلغه ضعف الخلافة بالعراق في أيام المقتدر، وظهور الشيعة بالقيروان تسمى عبد الرحمن بأمير المؤمنين، وتلقب بالناصر لدين الله.
وكان يكنى: أبا المطرف، وأمه أم ولد اسمها [مزنة] ولم يزل منذ ولي يستنزل المتغلبين، حتى استكمل إنزال جميعهم في خمس وعشرين سنة من ولايته، وصار جميع أقطار الأندلس في طاعته.
ثم اتصلت ولايته إلى أن مات في صدر رمضان سنة خمسين وثلاثمائة، ولم يبلغ أحد من بني أمية مدته فيها.
стр. 18
ولاية الحكم المستنصر
ثم ولي بعده ابنه الحكم بن عبد الرحمن، ويلقب بالمستنصر بالله، وله إذ ولي سبع وأربعون سنة، يكنى أبا العاص، أمه أم ولد اسمها [مرجان] وكان حسن السيرة، جامعاً للعلوم، محباً لها، مكرماً لأهلها، وجمع من الكتب في أنواعها ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله هنالك، بإرساله عنها إلى الأقطار، واشترائه لها بأغلى الأثمان، ونفق ذلك عليه، فحمل إليه، وكان قد رام قطع الخمر من الأندلس، وأمر بإراقتها، وتشدد في ذلك، وشاور في استئصال شجرة العنب من جميع أعماله فقيل له: إنهم يعملونها من التين وغيره، فتوقف عن ذلك.
وفي أمره بإراقة الخمور في سائر الجهات يقول أبو عمر يوسف بن هارون الكندي قصيدته المشهورة فيها، متوجعاً لشاربها، وإنما أوردناها تحقيقاً لما ذكرنا عنه من ذلك، وهي قوله:
بخطب الشاربين يضيق صدري ... وترمضني بليتهم لعمري
وهل هم غير عشاق أصيبوا ... بفقد حبائب ومنوا بهجر
أعشاق المدام لئن جزعتم ... لفرقتها فليس مكان صبر
سعى طلابكم حتى أريقت ... دماء فوق وجه الأرض تجري
تضوع عرفها شرقاً وغرباً ... فطبق أفق قرطبة بعطر
فقل للمسفحين لها بسفح ... وما سكنته من ظرف بكسر
وللأبواب إحراقاً إلى أن ... تركتم أهلها سكان قفر
стр. 19
تحريتم بذاك العدل فيها ... بزعمكمو فلم يك عن تحر
فإن أبا حنيفة وهو عدل ... وقر عن القضاء مسير شهر
فقيه لا يدانيه فقيه ... إذا جاء القياس أتى بدر
وكان من الصلاة طويل ليل ... يقطعه بلا تغميض شفر
وكان له من الشراب جار ... يواصل مغرباً فيها بفجر
وكان إذا انتشى غنى بصوت ال ... مضاع بسجنه من آل عمرو
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فغيب صوت ذاك الجار سجن ... ولم يكن الفقيه بذاك يدري
فقال وقد مضى ليل وثان ... ولم يسمعه غنى "ليت شعري"
أجاري المؤنسى ليلاً غناء ... لخير قطع ذلك أم لشر
فقالوا إنه في شجن عيسى ... أتاه به المحارس وهو يسرى
فنادى بالطويلة وهي مما ... يكون برأسه لجليل أمر
ويمم جاره عيسى بن موسى ... ولاقاه بإكرام وبر
وقال: أحاجة عرضت فإني ... لقاضيها ومتبعها بشكر
فقال: سجنت لي جاراً يسمى ... بعمرو قال: يطلق كل عمرو
بسجنى حين وافقه اسم جار ال ... فقيه ولو سجنتهم لو تر
فأطلعهم له عيسى جميعاً ... لجار لا يبيت بغير سكر
فإن أحببت قل لجوار جار ... وإن أحببت قل لطلاب أجر
فإن أبا حنيفة لم يؤب من ... تطلبه تخلصه بوزر
نوافعها من أجل النهى سراً ... وكم نهى نواقعه بجهر
стр. 20
وقد وقع لنا معنى هذا الخير الذي نظمه يوسف بن هارون عن أبي حنيفة بإسناد حدثنا الخطيب أبو بكر بن علي بن ثابت البغدادي الحافظ قراءة علينا بدمشق من كتابه قال: أخبرني علي بن أحمد الرزاز قال: أخبرنا أبو الليث نصر بن محمد الزاهد النجاري، قدم علينا قال: أخبرنا محمد بن محمد بن سهل النيسابوري قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن أحمد الشعبي قال: أخبرنا أسد بن نوح قال: أخبرنا محمد بن عباد قال: أخبرنا القاسم بن غسان قال: أخبرنا عبد الله بن رجاء الغداني قال:
كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكافي يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحم فطبخه أو سمكة فشواها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه تغزل بصوت وهو يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم.
وكان أبو حنيفة يسمع جلبته كل يوم، وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه، فقيل أخذه العسس منذ ليال وهو محبوس.
فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد وركب بغلة واستأذن على الأمير، فقال الأمير: انزلوا له وأقبلوا به راكباً، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ففعلوا، فلم يزل الأمير يوسع له في محله وقال: ما حاجتك؟ قال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته فقال: نعم وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه فقال: يا فتى،
стр. 21
أضعناك؟ فقال: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار ورعاية الحق، وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان.
وكان الحكم المستنصر مواصلاً لغزو الروم، ومن خالفه من المحاربين فاتصلت ولايته إلى أن مات في صفر سنة ست وستين وثلاثمائة، وقد انقرض عقبه] .
ولاية هشام المؤيد
ثم ولي بعده ابنه هشام، يكنى أبا الوليد، وأمه أم ولد تسمى [صبح] وكان له إذ ولي عشرة أعوام وأشهر، فلم يزل متغلباً عليه، لا يظهر، ولا ينفذ له أمر، وتغلب عليه أبو عامر محمد بن أبي عامر الملقب بالمنصور فكان يتولى جميع الأمور إلى أن مات، فصار مكانه ابنه عبد الملك بن محمد الملقب بالمظفر، فجرى على ذلك أيضاً إلى أن مات، فصار مكانه أخوه عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر، فخلط وتسمى ولي العهد، وبقي كذلك أربعة أشهر إلى أن قام عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار يوم الثلاثة لثمان عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، فخلع هشام بن الحكم، وأسلمت الجيوش عبد الرحمن بن محمد بن أبي عامر فقتل وصلب، وبقي كذلك إلى أن قتل محمد بن هشام بن عبد الجبار وصرف هشام المؤيد إلى الأمر، وذلك يوم الأحد السابع من ذي الحجة سنة أربعمائة، فبقي كذلك وجيوش البربر تحاصره مع سليمان بن الحكم بن سليمان واتصل ذلك إلى خمس خلون من شوال سنة ثلاث وأربعمائة، فدخل البربر مع سليمان قرطبة وأخلوها من أهلها، حاشا المدينة وبعض الربض الشرقي، وقتل هشام وكان في طول مدته متغلباً عليه لا ينفذ له أمر وتغلب عليه في هذا الحصار غير واحد من العبيد ولم يولد له قط.
стр. 22
ولاية محمد بن هشام المهدي
قام محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر على هشام بن الحكم في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة فخلعه وتسمى بالمهدي.
وبقي كذلك إلى أن قام عليه يوم الخميس لخمس خلون من شوال سنة تسع وتسعين هشام بن سليمان بن الناصر مع البربر فحاربه بقية يومه، والليلة المقبلة وصبيحة اليوم الثاني، وقام عليه أهل قرطبة مع محمد بن [هشام بن عبد الجبار إلى أن انهزم البربر وأسر] هشام بن سليمان فأتى به إلى المهدي فضرب عنقه، واجتمع البربر عند ذلك فقدموا على أنفسهم سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر ابن أخي هشام القائم المذكور، على أنفسهم فنهض بهم إلى الثغر، فاستجاش بالنصارى، وأتى بهم إلى قرطبة وبرز إليه جماعة من أهل قرطبة فلم تكن إلا ساعة حتى قتل من أهل قرطبة نيف على عشرين ألف رجل في جبل هناك يعرف بجبل قنطش وهي الوقعة المشهورة، وذهب فيها من الخيار وأئمة المساجد والمؤذنين خلق عظيم، واستقر محمد بن هشام المهدي أياماً ثم لحق بطليطلة [وكانت الثغور كلها] من طرطوشة [وأشبونة باقية على طاعته ودعوته فاستجاش بالإفرنج وأتى بهم إلى قرطبة، فبرز إليها سليمان بن الحكم] مع البربر إلى موضع بقرب قرطبة على نحو بضعة عشر ميلاً يدعى عقبة البقر فانهزم سليمان والبربر.
واستولى المهدي على قرطبة ثم خرج بعد أيام إلى قتال جمهور البربر، وكانوا قد
стр. 23
صاروا بالجزيرة فالتفوا بوادي "آره" فكانت الهزيمة على محمد بن هشام وانصرف إلى قرطبة، فوثب عليه العبيد مع واضح الصقلبي فقتلوه.
وصرفوا هشاماً المؤيد كما ذكرنا قبل.
فكانت ولاية محمد المهدي منذ قام إلى أن قتل ستة عشر شهراً من جملتها الستة أشهر التي كان فيها سليمان بقرطبة، وكان هو بالثغر. وكان يكنى أبا الوليد، أمه أم ولد اسمها [مزنة] وكان له ولد اسمه عبد الله، انقرض ولا عقب للمهدي.
وكان مولد المهدي في سنة ست وستين وثلاثمائة.
стр. 24
ولاية سليمان بن الحكم المستعين
قام سليما بن الحكم كما ذكرنا يوم الجمعة لست خلون من شوال سنة تسع وثلائمائة، وتلقب بالمستعين بالله.
ثم دخل قرطبة كما ذكرنا في ربيع الآخر سنة أربعمائة، وتلقب حينئذ بالظافر بحول الله مضافاً إلى المستعين.
ثم خرج عنها في شوال سنة أربعمائة، ولم يزل يجول بعساكر البربر في بلاد الأندلس يفسد وينهب، ويفقر المدائن والقرى، بالسيف والغارة، لا تبقى البربر معه على صغر ولا كبير، ولا امرأة إلى أن دخل قرطبة في صدر شوال سنة ثلاث وأربعمائة، وكان من جملة جنده رجلان من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب يسميان القاسم، وعلياً ابني حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس [بن إدريس] بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁. فقودهما على المغاربة.
ثم ولي أحدهما سبتة وطنجة، وهو على الأصغر منهما، وولي القاسم الجزيرة الخضراء وبين الموضعين المجاز المعروف بالزقاق وسعة البحر هنالك، نحو اثني عشر ميلاً، وافترق العبيد إذ دخل البربر مع سليمان قرطبة فملكوا مدناً عظيمة، وتحصنوا فيها فراسلهم علي بن حمود المذكور، وقد حدث له طمع في ولاية الأندلس وكتب إليهم يذكر لهم أن هشام بن الحكم إذ كان محاصراً بقرطبة كتب إليه يوليه عهده فاستجابوا له وبايعوه فزحف من سبتة إلى مالقة، وفيها عامر بن فتوح الفائقي مولى فائق مولى الحكم المستنصر فطاع له، ودخل مالقة فتملكها علي بن حمود وأخرج عنها عامر بن فتوح.
ثم زحف [مع خيران الفتى، وجماعة العبيد] إلى قرطبة فخرج إليه محمد بن سليمان
стр. 25
في عساكر البربر، وانهزم بن سليمان ودخل علي بن حمود قرطبة، وقتل سليمان بن الحكم صبرا، ضرب عنقه بيده يوم الأحد لسبع بقين من المحرم سنة سبع وأربعمائة وقتل أباه الحكم بن سليمان بن الناصر أيضاً في ذلك اليوم، وهو شيخ كبير له اثنتان وسبعون سنة، فكانت مدة سليمان منذ دخل قرطبة إلى أن قتل ثلاثة أعوام، وثلاثة أشهر وأياماً، وكان قد ملكها قبل ذلك ستة أشهر كما ذكرنا، وكانت مدته منذ قام مع البربر إلى أن قتل سبعة أعوام وثلاثة أشهر وأياماً، وانقطعت دولة بين أمية في هذا الوقت وانقطع ذكرهم على المنابر في جميع أقطار الأندلس، إلى أن عاد بعد ذلك في الوقت الذي نذكره إن شاء الله.
وكانت أمه أم ولد اسمها [ظبية] ومولده سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وترك من الولد ولي عهده محمداً لم يعقب، والوليد، ومسلمة، وكان سليمان أديباً شاعراً. أنشدني أبو محمد علي بن أحمد قال: أنشدني فتى من ولد إسماعيل بن إسحاق المنادى الشاعر كان يكتب لأبي جعفر أحمد بن سعيد بن الدب قال: أنشدني أبو جعفر قال: أنشدني أمير المؤمنين سليمان الظافر لنفسه قال أبو محمد: وأنشدنيها قاسم بن محمد الروائي قال: أنشدنيها وليد بن محمد الكاتب لسليمان الظافر:
عجباً يهاب الليث حد سنان ... وأهاب لحظ فواتز الأجنان
وأقارع الأهوال لا متهيباً ... منها سوى الإعراض والهجران
وتملكت نفسي ثلاث كالدمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان
стр. 26
ككواكب الظلماء لحن لناظر ... من فوق أغصان على كثبان
هذي الهلال وتلك بنت المشتري ... حسنا وهذي أخت غصن البان
حكمت فيهن السلو إلى الصبا ... فقضى بسلطان على سلطان
فأبحن من قلبي الحمى وثنيننى ... في عز ملكي كالأسير العاني
لا تعذلوا ملكاً تذلل للهوى ... ذل الهوى عز وملك ثاني
ما ضر أني عبدهن صبابة ... وبنو الزمان وهن من عبداني
إن لم أطع فيهن سلطان الهوى ... كلفا بهن فلست من مروان
وإذا الكريم أحب أمن إلفه ... خطب القلى وحوادث السلوان
وإذا تجارى في الهوى أهل الهوى ... عاش الهوى في غبطة وأمان
وهذه الأبيات معارضة للأبيات التي تنسب إلى هارون الرشيد، وأنشدنيها له أبو محمد عبد الله بن عثمان بن مروان العمري وهي:
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني
стр. 27
ولاية علي بن حمود الناصر
تسمى بالخلافة، وتلقب بالناصر، ثم خالف عليه العديد الذي كانوا بايعوه وقدموا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وسموه المرتضى، وزحفوا إلى غرناطة من البلاد التي تغلب عليها البربر، ثم ندموا على إقامته لما رأوا من صرامته وخافوا عواقب تمكنه وقدرته، فانهزموا عنه، ودسوا عليه من قتله غيلة، وخفى أمره، وبقي على بن حمود بقرطبة مستمر الأمر، عامين غير شهرين إلى أن قتله صقالبة له في الحمام سنة ثمان وأربعمائة، وكان له من الولد يحيى وإدريس.
стр. 28
ولاية القاسم بن حمود المأمون
فولي بعده أخوه القاسم بن حمود، وكان أسن منه بعشرة أعوام، وتلقب بالمأمون، وكان وادعاً أمن الناس معه، وكان يذكر عنه أن يتشيع ولكنه لم يظهر ذلك، ولا غير الناس عادة ولا مذهباً، وكذلك سائر من ولي منهم بالأندلس فبقي القاسم كذلك إلى شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، فقام عليه ابن أخيه يحيى بن علي بن حمود بمالقة، فهرب القاسم عن قرطبة بلا قتال، وصار بإشبيلية وزحف ابن أخيه المذكور من مالقة بالعساكر. فدخل قرطبة دون مانع وتسمى بالخلافة وتلقب بالمعتلي، فبقي كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره واستمال البربر، وزحف بهم إلى قرطبة، فدخلها في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وهرب يحيى بن علي إلى مالقة، فبقي القاسم بقرطبة شهوراً اضطرب أمره، وغلب ابن أخيه على الجزيرة المعروفة بالجزيرة الخضراء، وهي كانت معقل القاسم وبها كانت امرأته وذخائره، وغلب ابن أخيه الثاني إدريس بن علي صاحب سبتة على طنجة، وهي كانت عدة القاسم ليلجأ إليها إن رأى ما يخاف بالأندلس، وقام عليه جماعة أهل قرطبة في المدينة وأغلقوا أبوابها دونه، فحاصرهم نيفاً وخمسين يوماً، وأقام الجمعة في مسجد ابن أبي عثمان، كلها في شعبان سنة أربع عشرة وأربعمائة ولحقت كل طائفة من البربر ببلد غلبت عليه، وقصد القاسم إشبيلية وبها كان ابناه محمد والحسن فلما عرف أهل إشبيلية
стр. 29
خروجه عن قرطبة ومجيئه إليهم طردوا ابنيه ومن كان معهما من البربر، وضبطوا البلد، وقدموا على أنفسهم ثلاثة رجال من شيوخ البلد وأكابرهم وأهم العناصر أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي ومحمد بن بريم الإلهامي ومحمد بن محمد ابن الحسن الزبيدي، ومكثوا كذلك أياماً مشتركين في سياسة البلد وتدبيره، ثم انفرد القاضي أبو القاسم بن عباد بالأمر واستبد بالتدبير وصار الآخران في جملة الناس، ولحق القاسم بشريش واجتمع البربر على تقدير ابن أخيه يحيى، زحفوا إلى القاسم فحاصروه حتى صار في قبضة ابن أخيه يحيى وانفرد ابن أخيه يحيى بولاية البربر وبقي القاسم أسيراً عنده وعند أخيه إدريس بعده إلى أن مات إدريس فقتل القاسم خنقاً سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم بالجزيرة فدفنه هنالك فكانت ولاية القاسم مذ تسمى بالخلافة بقرطبة إلى أسره ابن أخيه ستة أعوام، ثم كان مقبوضاً عليه ست عشرة سنة عند ابن أخيه إلى أن قتل كما ذكرنا في أول سنة إحدى وثلاثين، ومات وله ثمانون سنة، وله من الولد محمد والحسن، أمهما أميرة بنت الحسن بن قنون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
стр. 30
ولاية يحيى بن علي المعتلي
اختلف في كنيته فقيل أبو إسحاق وقيل أبو محمد، وأمه لبونة بنت محمد بن الحسن بن القاسم المعروف بقنون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان الحسن بن قنون من كبار الملوك الحسنيين وشجعانهم، ومردتهم وطغاتهم المشهورين فتسمى يحيى بالخلافة بقرطبة سنة ثلاث عشرة وأربعمائة كما ذكرنا، ثم هرب عنها إلى مالقة سنة أربع عشرة كما وصفناه، ثم سعى قوم من المفسدين في رد دعوته إلى قرطبة في سنة ست عشرة فتم لهم ذلك، إلا أنه تأخر عن دخولها باختياره، واستخلف عليها عبد الرحمن بن عطاف اليفرني، فبقي الأمر كذلك إلى سنة سبع عشرة، ثم قطعت دعوته عن قرطبة، وبقي يتردد عليها بالعساكر، إلى أن اتفقت على طاعته جامعة البربر، وسلموا إليه الحصون والقلاع والمدن، وعظم أمره، فصار بقرمونة محاصراً لإشبيلية طامعاً في أخذها، فخرج يوماً وهو سكران إلى خيل ظهرت من إشبيلية بقرب قرمونة، فلقيها، وقد كمنوا له فلم يكن بأسرع من أن قتل، وذلك يوم الأحد لسبع خلون من المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وكان له من الولد الحسن، وإدريس، لأمي ولد.
стр. 31
ولاية عبد الرحمن بن هشام المستظهر
ولما انهزم البربر عن أهل قرطبة مع القاسم كما ذكرنا، اتفق رأي أهل قرطبة على رد الأمر إلى بني أمية، فاختاروا منهم ثلاثة، وهم: عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، أخو المهدي المذكور آنفاً، وسليمان بن المرتضى المذكور آنفاً، ومحمد بن عبد الرحمن بن هشام القائم على المهدي بن سليمان بن الناصر، ثم استقر الأمر لعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار فبويع بالخلافة لثلاث عشرة ليلة خلت لرمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة، وله اثنتان وعشرون سنة وتلقب بالمستظهر، وكان مولده سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة في ذي القعدة، يكنى أبا المطرف، وأمه أم ولد اسمها [غاية] ، ثم قام عليه أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر، مع طائفة من أراذل العوام: فقتل عبد الرحمن بن هشام وذلك لثلاث بقين من ذي القعدة سنة أربع عشرة، المؤرخ ولا عقب له، وكان من غاية الأدب، والبلاغة، والفهم ورقة النفس.
كذا قال أبو محمد علي بن أحمد وكان خبيراً به، وقال الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد: كان المستظهر ﵀ شاعراً مطبوعاً، ويستعمل الصناعة فيحيد وهو القائل في ابنة عمه:
حمامة بيت العبشميين رفرفت ... فطرت إليها من سراتهم صفرا
تقل الثرايا أن تكون لها يدا ... ويرجو الصباح أن يكون لها نحرا
стр. 32
وإني لطغان إذا الخيل أقبلت ... جوانبها حتى ترى جونها شقرا
ومكرم ضيفي حين ينزل ساحتي ... وجاعل وفرى عند سائله وقرا
وهي طويلة قالها أيام خطبته لابنة عمه أم الحكم بنت المستعين، قال أبو عامر وكان يتهم في أشعاره ورسائله، حتى كتب أمان يعلي بن أبي زيد حين وقد عليه ارتجالاً، فعجب أهل التمييز منه. وأما أنا فقد كنت بلوته، وكان ورود يعلي فجأة ولم يبرح مجلسه حتى ارتجل الأمان، وأنا والله أخاف أن يزل فأجاد وزاد، هذا آخر كلام أبي عامر.
стр. 33
ولاية محمد بن عبد الرحمن المستكفي
وولي محمد بن عبد الرحمن المذكور، وله ثمان وأربعون سنة وأشهر، لأن مولده في سنة ست وستين وثلاثمائة، وكنيته أبو عبد الرحمن، وأمه أم ولد اسمها [حوراء] . وكان أبوه قد قتله محمد بن أبي عامر في أول دولة هشام المؤيد لسعيه في القيام، وطلبه للأمر، وكان محمد بن عبد الرحمن قد تلقب بالمستكفي، فولي ستة عشر شهراً وأياماً إلى أن خلع، ورجع الأمر إلى يحيى بن علي الحسيني، وهرب المستكفي فلما صار بقرية يقال لها شمونت من أعمال مدينة سالم جلس ليأكل وكان معه عبد الرحمن بن محمد بن السليم من ولد سعيد بن المنذر القائد المشهور أيام عبد الرحمن الناصر، فكره التمادي معه، فأخذ شيئاً من [البيش] وهو كثير في ذلك البلد، فدهن له به دجاجة فلما أكلها مات لوقته، فقبره هنالك، وكان هذا المستكفي في غاية التخلف وله في ذلك أخبار يقبح ذكرها [وكان متغلباً] عليه طول [مدته] لا ينفذ له أمر ولا عقب له.
стр. 34
ولاية هشام بن محمد المعتمد [بن عبد الملك بن ناصر]
ولما قطعت دعوة يحيى بن علي الحسيني من قرطبة سنة سبع عشرة كما ذكرنا أجمع رأي أهل قرطبة على رد الأمر إلى بني أمية، وكان عميدهم في ذلك الوزير أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور بن عبيد الله بن محمد بن الغمر بن يحيى بن عبد الغافر بن أبي عبدة.
وكان قد ذهب كل من كان ينافس في الرياسة، ويخب في الفتنة بقرطبة فراسل جهور ومن معه من أهل الثغور والمتغلبين هنالك على الأمور، وداخلهم في هذا، فاتفقوا بعد مدة طويلة على تقديم أبي بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر "وهو أخو المرتضى المذكور" قبل، وكان مقيماً بالبونت عند أبي عبد الله بن عبد الله بن قاسم المتغلب بها فبايعوه في شهر ربيع الأول سنة ثمان عشرة وأربعمائة.
وتلقب بالمعتمد بالله، وكان مولده في سنة أربع وستين وثلاثمائة، وكان أسن من أخيه المرتضى بأربعة أعوام، وأمه أم ولده اسمها [عاتب] ، فبقي متردداً في الثغور ثلاثة أعوام غير شهرين.
ودارت هنالك فتن كثيرة واضطرب شديد بين الرؤساء فيها إلى أن اتفق أمرهم إلى أن يسير إلى قرطبة قصبة الملك، فسار ودخلها يوم منى ثامن ذي الحجة سنة عشرين وأربعمائة.
ولم يبق إلا يسيراً حتى قامت عليه فرقة من الجند، فخلع، وجرت أمور يكثر شرحها، وانقطعت الدعوة الأموية من يومئذ فيها.
واستولى على قرطبة جهور بن محمد المذكور آنفاً، وكان من وزراء الدولة
стр. 35
العامرية، قديم الرياسة، موصوفاً بالدهاء والعقل، لم يدخل في أمور الفتن قبل ذلك وكان يتصاون عنها، فلما خلا له الجو وأمكنته الفرصة، وثب عليها فتولى أمرها واستضلع بحمايتها، ولم ينتقل إلى رتبة الإمارة ظاهراً بل دبرها تدبيراً لم يسبق إليه.
وجعل نفسه ممسكاً للموضع إلى أن يجيء مستحق يتفق عليه فيسلم إليه.
ورتب البوابين والحشم على تلك القصور على ما كانت عليه أيام الدولة ولم يتحول عن داره إليها، وجعل ما يرتفع من الأموال السلطانية بأيدي رجال رتبهم لذلك [وهو المشرف عليهم وصير أهل الأسواق جنداً له وجعل أرزاقهم] رؤوس أموال تكون بأيديهم محصلة عليهم يأخذون ربحها فقط، ورؤوس الأموال باقية محفوظة يؤخذون بها، ويراعون في الوقت بعد الوقت كما حفظهم لها، وفرق السلاح عليهم، وأمرهم بتفرقته في الدكاكين وفي البيوت.
حتى إذا دهم أمر في ليل أو نهار كان سلاح كل واحد معه، وكان يشهد الجنائز ويعود المرضى جارياً في طريقة الصالحين، وهو مع ذلك يدبر الأمر تدبير السلاطين المتغلبين.
وكان مأموناً، وقرطبة في أيامه حرماً يأمن [فيه] كل خائف من غيره إلى أن مات في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
وتولى أمرها بعده ابنه أبو الوليد محمد بن جهور على هذا التدبير إلى أن مات فغلب عليها بعد أمور جرت هنالك الأمير الملقب بالمأمون صاحب طليطلة ودبرها مدة يسيرة ومات فيها.
ثم غلب عليها صاحب إشبيلية الأمير الظافر بن عباد [فهي الآن بيده على ما بلغنا] .
стр. 36
بقي هشام المعتد مدة معتقلاً، ثم هرب ولحق بابن هود بلاردة فأقام هنالك إلى أن مات سنة سبع وعشرين وأربعمائة [وقبل سنة ثمان] ولا عقب له وانقطعت دولة بين مروان [جملة إلا أن أهل] إشبيلية ومن كان على رأيهم من أهل تلك البلاد لما [ضيق] عليهم يحيى بن علي الحسني [وخافوا أمره، وأظهروا] أن هشام بن عبد الحكم المؤيد حي [وأنهم] قد ظفروا به فبايعوه وأظهروا دعوته [وتابعهم] أكثر أهل الأندلس وبقي الأمر كذلك إلى حدود الخمسين وأربعمائة فإنهم أظهروا موت هشام المؤيد الذي [ذكروا] أنه وصل إليهم، وحصل عندهم، وانقطعت الخطبة لبني أمية من جميع أقطار الأندلس من حينئذ وإلى الآن.
стр. 37
وأما الحسنيون
فإنه لما قتل يحيى بن علي كما ذكرنا لسبع خلون من المحرم سنة سبع وعشرين رجع أبو جعفر بن أبي موسى المعروف بابن بقنة، و"نجا" الخادم الصقلبي، وهما مدبراً دولة الحسنيين، فأتيا مالقة وهي دار مملكتهم فخاطبا أخاه إدريس بن علي، وكان بسبتة وكان يملك معها طنجة، واستدعياه فأتى مالقة وبايعاه بالخلافة على أن يجعل حسن بن يحيى المقتول مكانه بسبتة، ولم يبايعا واحد من ابني يحيى، وهما إدريس وحسن لصغرهما فأجابهما إلى ذلك ونهض "نجا" مع حسن هذا إلى طنجة وسبتة، وكان حسن أصغر ابني يحيى ولكنه كان أشدهما، وتلقب إدريس بالمتأيد فبقي كذلك إلى سنة ثلاثين أو إحدى وثلاثين فتحركت فتنة وحدث للقاضي أبي القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد صاحب إشبيلية أمل في التغلب على تلك البلاد، فأخرج ابنه إسماعيل في معسكر من أجابه من قبائل البربر، ونهض إلى قرمونة فحاصرها، ثم نهض إلى أشونة وإستجة فأخذهما وكانتا بيد محمد بن عبد الله البرزالي صاحب قرمونة فاستصرخ محمد بن عبد الله بإدريس بن علي الحسيني، وبصنهاجة، فأمده صاحب صنهاجة بنفسه، وأمده أدري بعسكر يقوده ابن بقنة، مدير دولته، فاجتمعوا مع ابن عبد الله، ثم غلبت عليهم هيبة إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن عباد قائد عسكر القاضي أبيه، فافترقوا، وانصرفوا كل واحد منهم راجعاً إلى بلده، فبلغ ذلك إسماعيل بين محمد فقوي أمله ونهض بعسكره قاصداً طريق صاحب صنهاجة من بينهم، وركض ركضاً شديداً في اتباعه.
فلما قرب منه وأيقن صاحب صنهاجة أنه سيلحقه وجه إلى ابن بقنة يسترجعه، وإنما كان فارقه قبل ذلك بساعة فرجع إليه والتقت العساكر، فما كان
стр. 38
إلا تراءات، وولى عسكر ابن عباد منهزماً وأسلموه، فكان إسماعيل أول مقتول وحمل رأسه إلى إدريس بن علي وقد كان أيقن بالبلاد، وزال عن مالقة إلى جبل بباشتر متحصناً به وهو مريض مدلف فلم يعش إلا يومين ومات وترك من الولد يحيى، قتل بعده، ومحمداً الملقب بالمهدي، وحسنا المعروف بالسامي، وكان له ابن هو أكبر بنيه اسمه علي مات في حياة أبيه، وترك ابناً اسمه عبد الله أخرجه عمه ونفاه لما ولي.
وقد كان يحيى بن علي المذكور قبل، وقد اعتقل ابني عمه محمداً والحسن ابني القاسم بن حمود بالجزيرة، وكان الموكل بهما رجل من المغاربة يعرف بأبي الحجاج، حين وصل إلى خبر قتل يحيى جمع من كان في الجزيرة من المغاربة والسودان وأخرج محمداً والحسن وقال: هذان سيداكم فسلم جميعهم إلى الطاعة لشدة ميل أبيهما إلى السودان قديماً وإيثاره لهم وانفرد محمد بالأمر وملك [الجزيرة] إلا أنه لم يتسم بالخلافة، وبقي معه أخوه حسن مدة إلى أن حدث له رأى في التنسك فلبس الصوف، وتبرأ عن الدنيا، وخرج إلى الحج مع أخته فاطمة بنت القاسم زوجة يحيى بن علي المعتلي، فلما مات إدريس كما ذكرنا رام ابن بقنة ضبط الأمر لولده يحيى بن إدريس المعروف بحيون، ثم لم يجسر على ذلك الجسر التام، وتحير وتردد.
ولما وصل جبر قتل إسماعيل بن عباد وموت إدريس بن علي إلى "نجا" الصقلبين بسبتة استخلف عليها من وثق به من الصقالبة، وركب البحر هو وحسن بن يحيى إلى مالقة ليرتب الأمر [له] ، فلما وصلا إلى مرسى مالقة خارت قوى ابن بقنة وهرب إلى حصن كمارش على ثمانية عشر ميلاً من مالقة، ودخل حسن ونجا مالقة [واجتمع إليهما من بها من البربر فبايعوا] حسن بن يحيى بالخلافة وتسمى بالمستنصر.
стр. 39
ثم خاطب ابن بقنة [وأمنه، فلما رجع إليه قبض عليه] وقتله وقتل ابن عمه يحيى بن إدريس، ورجع نجا إلى سبتة وطنجة وترك مع الحسن رجلاً كان من التجار يعرف بالسطيفي، كان "نجا" شديد الثقة به فبقي الأمر كذلك نحوا من عامين، وكان حسن بن يحيى متزوجاً بابنة عمه إدريس فقيل إنها سمته أسفاً على أخيها، فلما مات احتاط السطيفي على الأمر، واعتقل إدريس بن يحيى وكتب إلى نجا بالخير وكان لحسن ابن صغير عند نجا فقيل إنه اغتاله أيضاً فقتله فالله أعلم.
ولم يعقب حسن بن يحيى فاستخلف "نجا" على سبتة وطنجة من وثق به من الصقالبة عند وصول الخبر إليه، وركب البحر إلى مالقة فلما وصل إليها زاد في الاحتياط علي إدريس بن يحيى وأكد اعتقاله، وعزم على محو أمر الحسينين جملة، وأن يضبط تلك البلاد لنفسه، فدعا البربر الذين كانوا جند البلد وكشف الأمر إليهم علانية، ووعدهم بالإحسان، فلم يجدوا من مساعدته بداً في الظاهر، وعظم ذلك في أنفسهم باطناً، ثم جمع عسكره ونهض إلى الجزيرة، ليستأصل محمداً بن القاسم فحاربها أياماً ثم أحس بفتور نية من كان معه، فرأى أن يرجع إلى مالقة فإذا حصل فيها نفى من يخاف غائلته منهم واستصلح سائرهم، واستدعى الصقالبة من حيث ما أمكنه، ليقوى بهم على غيرهم، وأحس البربر بهذا منه فاغتالوه في الطريق من قبل أن يصل إلى مالقة، فقتل وهو على دابته في مضيق صار فيه، وقد تقدم إليه الذي أراد الفتك به، وفر من كان معه من الصقالبة بأنفسهم، ثم تقدم فارسان من الذين كانوا غدروا به يركضان حتى وردا مالقة ودخلا وهما يقولان: البشرى البشرى، فلما وصلا إلى السطيفي وضعا سيفهما عليه فقتلاه، ثم وافى العسكر فاستخرجوا إدريس بن يحيى من محبسه فقدموه وبايعوه بالخلافة وتسمى بالعالي، فظهرت منه أمور متناقضة منها: أنه كان راحم الناس قلباً كثير الصدقات، يتصدق كل يوم جمعة بخمسمائة
стр. 40
دينار، ورد كل مطرود عن وطنه وإلى أوطانهم، ورد عليهم ضياعهم وأملاكهم ولم يسمع بغياً في أحد من الرعية، وكان أديب اللقاء، حسن المجلس يقول من الشعر الأبيات الحسان، ومع هذا فكان لا يصحب ولا يقرب إلا كل ساقط رذل، ولا يحجب حرمه عنهم، وكل من لب منه حصناً من حصون بلاده ممن يجاوره من صنهاجة أو بني يفرن أعطاهم إياه، وكتب إليه أمير صنهاجة في أن يسلم إليه وزيره ومدير أمره وصاحب أبيه وجده موسى بن عفان [السبتي فلما أخبره بأن] الصنهاجي كتب إليه [يطلب منه وأنه لابد من تسليمه إليه] قال له موسى بن عفان "افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين" فبعث به إلى الصنهاجي فقتله.
وكان قد اعتقل ابني عمه محمداً وحسناً ابني إدريس [بن إلى] في حصن يعرف بأيرش فلما رأى ثقنة الذي في الحصن اضطراب آرائه خالف عليه وقدم ابن عمه محمد بن إدريس فلما بلغ ذلك السودان المرتبين في قصبة مالقة نادوا بدعوة ابن عمه محمد بن إدريس وراسلوه في المجيء إليهم، وامتنعوا بالقصبة فاجتمعت العامة إلى إدريس بن يحيى واستأذنوا في حرب القصبة والدفاع عنه ولو أذن لهم ما ثبت السودان ساعة من النهار فأبى وقال: الزموا منازلكم ودعوني فتفرقوا عنه.
وجاء ابن عمه فسلم إليه وبويع بالخلافة وتسمى بالمهدي، وولى أخاه عهده وسماه السامعي واعتقل ابن عمه إدريس العالي في الحصن الذي كان [هو] معتقلاً فيه وظهرت من محمد بن إدريس هذا رجلة وجرأة شديدة هابه بها جميع البربر وأشفقوا منه وأرسلوا المرتب في الحصن الذي كان في إدريس بن يحيى واستمالوه فأجابهم وقام بدعوته وكان إدريس بن يحيى هذا أول
следующие страницы →