Полный текст (16 874 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَيُرَادُ بِهِ الْقَبُولُ وَالِاسْتِجَابَةُ مَعَ الْفَهْمِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا لَمْ يَقْبَلُوا الْحَقَّ ثُمَّ ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ فَذَمَّهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ فَهِمُوهُ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ.
وَإِذَا قَالَ السَّائِلُ لِغَيْرِهِ: أَسْأَلُ بِاَللَّهِ فَإِنَّمَا سَأَلَهُ بِإِيمَانِهِ بِاَللَّهِ وَذَلِكَ سَبَبٌ لِإِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَهُ بِهِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ الْإِحْسَانَ إلَى الْخَلْقِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ كَفَّ الظُّلْمِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَيَنْهَى عَنْ الظُّلْمِ وَأَمْرُهُ أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ فِي حَضِّ الْفَاعِلِ فَلَا سَبَبَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِمُسَبِّبِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه عَنْ عَطِيَّةَ العوفي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﴿عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَلَّمَ الْخَارِجَ إلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: وَأَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَلَكِنْ خَرَجْت اتِّقَاءَ سَخَطِك وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِك﴾ . فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَحَقُّ السَّائِلِينَ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُمْ وَحَقُّ الْعَابِدِينَ لَهُ أَنْ يُثِيبَهُمْ وَهُوَ حَقٌّ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَهُمْ كَمَا يُسْأَلُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . وَكَمَا يُسْأَلُ بِوَعْدِهِ لِأَنَّ وَعْدَهُ يَقْتَضِي إنْجَازَ مَا وَعَدَهُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُؤْمِنِينَ:
стр. 212
﴿رَبَّنَا إنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ . وَيُشْبِهُ هَذَا مُنَاشَدَةَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي﴾ وَكَذَلِكَ مَا فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَضِبَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فَجَعَلَ مُوسَى يَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَذْكُرُ مَا وَعَدَ بِهِ إبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ سَأَلَهُ بِسَابِقِ وَعْدِهِ لِإِبْرَاهِيمَ.
وَمِنْ السُّؤَالِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ سُؤَالُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَوَوْا إلَى غَارٍ فَسَأَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَمَلِ عَظِيمٍ أَخْلَصَ فِيهِ لِلَّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مَحَبَّةً تَقْتَضِي إجَابَةَ صَاحِبِهِ: هَذَا سَأَلَ بِبِرِّهِ لِوَالِدَيْهِ وَهَذَا سَأَلَ بِعِفَّتِهِ التَّامَّةِ وَهَذَا سَأَلَ بِأَمَانَتِهِ وَإِحْسَانِهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ وَقْتَ السَّحَرِ " اللَّهُمَّ أَمَرْتنِي فَأَطَعْتُك وَدَعَوْتنِي فَأَجَبْتُك وَهَذَا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لِي " وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى الصَّفَا: " اللَّهُمَّ إنَّك قُلْت وَقَوْلُك الْحَقُّ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وَإِنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ " ثُمَّ ذَكَرَ الدُّعَاءَ الْمَعْرُوفَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ عَلَى الصَّفَا. فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ " أَسْأَلُك بِكَذَا " نَوْعَانِ: فَإِنَّ الْبَاءَ قَدْ تَكُونُ
стр. 213
لِلْقَسَمِ وَقَدْ تَكُونُ لِلسَّبَبِ فَقَدْ تَكُونُ قَسَمًا بِهِ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ تَكُونُ سُؤَالًا بِسَبَبِهِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَالْقَسَمُ بِالْمَخْلُوقَاتِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَخْلُوقِ فَكَيْفَ عَلَى الْخَالِقِ؟ وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ السُّؤَالُ بِالْمُعَظَّمِ كَالسُّؤَالِ بِحَقِّ الْأَنْبِيَاءِ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ فَنَقُولُ: قَوْلُ السَّائِلِ لِلَّهِ تَعَالَى: " أَسْأَلُك بِحَقِّ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ أَوْ بِجَاهِ فُلَانٍ أَوْ بِحُرْمَةِ فُلَانٍ " يَقْتَضِي أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ جَاهٌ وَهَذَا صَحِيحٌ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ وَجَاهٌ وَحُرْمَةٌ يَقْتَضِي أَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ دَرَجَاتِهِمْ وَيُعْظِمَ أَقْدَارَهُمْ وَيَقْبَلَ شَفَاعَتَهُمْ إذَا شُفِّعُوا مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . وَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ مَنْ اتَّبَعَهُمْ وَاقْتَدَى بِهِمْ فِيمَا سُنَّ لَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِيهِ كَانَ سَعِيدًا وَمَنْ أَطَاعَ أَمْرَهُمْ الَّذِي بَلَّغُوهُ عَنْ اللَّهِ كَانَ سَعِيدًا وَلَكِنْ لَيْسَ نَفْسُ مُجَرَّدِ قَدْرِهِمْ وَجَاهِهِمْ مِمَّا يَقْتَضِي إجَابَةَ دُعَائِهِ إذَا سَأَلَ اللَّهَ بِهِمْ حَتَّى يَسْأَلَ اللَّهَ بِذَلِكَ بَلْ جَاهُهُمْ يَنْفَعُهُ أَيْضًا إذَا اتَّبَعَهُمْ وَأَطَاعَهُمْ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ عَنْ اللَّهِ أَوْ تَأَسَّى بِهِمْ فِيمَا سَنُّوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَنْفَعُهُ أَيْضًا إذَا دَعَوْا لَهُ وَشُفِّعُوا فِيهِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ دُعَاءٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَلَا مِنْهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْإِجَابَةَ لَمْ يَكُنْ مُتَشَفِّعًا بِجَاهِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ سُؤَالُهُ بِجَاهِهِمْ نَافِعًا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ يَكُونُ قَدْ سَأَلَ
стр. 214
بِأَمْرِ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ لَيْسَ سَبَبًا لِنَفْعِهِ. وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِمُطَاعِ كَبِيرٍ: " أَسْأَلُك بِطَاعَةِ فُلَانٍ لَك وَبِحُبِّك لَهُ عَلَى طَاعَتِك وَبِجَاهِهِ عِنْدَك الَّذِي أَوْجَبَتْهُ طَاعَتُهُ لَك لَكَانَ قَدْ سَأَلَهُ بِأَمْرِ أَجْنَبِيٍّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ فَكَذَلِكَ إحْسَانُ اللَّهِ إلَى هَؤُلَاءِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَحَبَّتُهُ لَهُمْ وَتَعْظِيمُهُ لِأَقْدَارِهِمْ مَعَ عِبَادَتِهِمْ لَهُ وَطَاعَتِهِمْ إيَّاهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ إجَابَةَ دُعَاءِ مَنْ يَسْأَلُ بِهِمْ وَإِنَّمَا يُوجِبُ إجَابَةَ دُعَائِهِ بِسَبَبِ مِنْهُ لِطَاعَتِهِ لَهُمْ أَوْ سَبَبٍ مِنْهُمْ لِشَفَاعَتِهِمْ لَهُ فَإِذَا انْتَفَى هَذَا وَهَذَا فَلَا سَبَبَ.
نَعَمْ لَوْ سَأَلَ اللَّهَ بِإِيمَانِهِ بِمُحَمَّدِ ﷺ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ وَطَاعَتِهِ لَهُ وَاتِّبَاعِهِ لَكَانَ قَدْ سَأَلَهُ بِسَبَبِ عَظِيمٍ يَقْتَضِي إجَابَةَ الدُّعَاءِ بَلْ هَذَا أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِلِ. وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ أَنَّ شَفَاعَتَهُ فِي الْآخِرَةِ تَنْفَعُ أَهْلَ التَّوْحِيدِ لَا أَهْلَ الشِّرْكِ وَهِيَ مُسْتَحَقَّةٌ لِمَنْ دَعَا لَهُ بِالْوَسِيلَةِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ ﴿إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ذَلِكَ الْعَبْدَ. فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وَفِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لَهُ: أَيُّ النَّاسِ أَسْعَدُ بِشَفَاعَتِك يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ﴾ . فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ كَانَ أَعْظَمَ تَوْحِيدًا وَإِخْلَاصًا لِأَنَّ التَّوْحِيدَ جِمَاعُ الدِّينِ وَاَللَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ فَإِذَا شُفِّعَ مُحَمَّدٌ ﷺ حَدَّ لَهُ رَبُّهُ حَدًّا فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ وَذَلِكَ بِحَسَبِ
стр. 215
مَا يَقُومُ بِقُلُوبِهِمْ مِنْ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ. وَذَكَرَ ﷺ أَنَّهُ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبَيَّنَ أَنَّ شَفَاعَتَهُ تُنَالُ بِاتِّبَاعِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ وَبِالدُّعَاءِ الَّذِي سَنَّ لَنَا أَنْ نَدْعُوَ لَهُ بِهِ.
وَأَمَّا السُّؤَالُ بِحَقِّ فُلَانٍ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ وَالثَّانِي هَلْ نَسْأَلُ اللَّهَ بِذَلِكَ كَمَا نَسْأَلُ بِالْجَاهِ وَالْحُرْمَةِ؟ أَمَّا الْأَوَّلُ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ حَقٌّ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ وَقَاسَ الْمَخْلُوقَ عَلَى الْخَالِقِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: لَا حَقَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ بِحَالِ لَكِنْ يَعْلَمُ مَا يَفْعَلُهُ بِحُكْمِ وَعْدِهِ وَخَبَرِهِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَتْبَاعِ جَهْمٍ وَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى السُّنَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَأَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ حَقًّا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ عَلَيْهِ وَلَا يُقَاسُ بِمَخْلُوقَاتِهِ بَلْ هُوَ بِحُكْمِ رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ: ﴿يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تظالموا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿عَنْ مُعَاذٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى
стр. 216
عِبَادِهِ؟ قُلْت: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قُلْت اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: حَقُّهُمْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ﴾ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِأَنْبِيَائِهِ وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ حَقٌّ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ إخْبَارِهِ وَعَلَى الثَّانِي يَسْتَحِقُّونَ مَا أَخْبَرَ بِوُقُوعِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ سَبَبٌ يَقْتَضِيهِ. فَمَنْ قَالَ لَيْسَ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ حَقٌّ يُسْأَلُ بِهِ - كَمَا رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لدَاوُد: وَأَيُّ حَقٍّ لِآبَائِك عَلَيَّ؟ - فَهُوَ صَحِيحٌ إذَا أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَخْلُوقِ عَلَيْهِ حَقٌّ بِالْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ عَلَى خَلْقِهِ كَمَا يَجِبُ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ وَهَذَا كَمَا يَظُنُّهُ جُهَّالُ الْعُبَّادِ مِنْ أَنَّ لَهُمْ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ حَقًّا بِعِبَادَتِهِمْ. وَذَلِكَ أَنَّ النُّفُوسَ الْجَاهِلِيَّةَ تَتَخَيَّلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ بِعِبَادَتِهِ وَعِلْمِهِ يَصِيرُ لَهُ عَلَى اللَّهِ حَقٌّ مِنْ جِنْسِ مَا يَصِيرُ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ كَاَلَّذِينَ يَخْدِمُونَ مُلُوكَهُمْ وَمُلَّاكَهُمْ فَيَجْلِبُونَ لَهُمْ مَنْفَعَةً وَيَدْفَعُونَ عَنْهُمْ مَضَرَّةً وَيَبْقَى أَحَدُهُمْ يَتَقَاضَى الْعِوَضَ وَالْمُجَازَاةَ عَلَى ذَلِكَ وَيَقُولُ لَهُ عِنْدَ جَفَاءٍ أَوْ إعْرَاضٍ يَرَاهُ مِنْهُ: أَلَمْ أَفْعَلْ كَذَا؟ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِمَا يَفْعَلُهُ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ بِلِسَانِهِ كَانَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ. وَتَخَيُّلُ مِثْلِ هَذَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جَهْلِ الْإِنْسَانِ وَظُلْمِهِ وَلِهَذَا بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ عَمَلَ الْإِنْسَانِ يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْهِ وَأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْخَلْقِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿إنْ تَكْفُرُوا
стр. 217
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ﴿وَقَالَ مُوسَى إنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ . وَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ الْمَانُّ بِالْعَمَلِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ: ﴿يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وَلَا أُبَالِي فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْت كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ
стр. 218
مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ﴾ .
وَبَيْنَ الْخَالِقِ تَعَالَى وَالْمَخْلُوقِ مِنْ الْفُرُوقِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى بَصِيرَةٍ.
مِنْهَا أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ عَمَّا سِوَاهُ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إلَى غَيْرِهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ. وَالْمُلُوكُ وَسَادَةُ الْعَبِيدِ مُحْتَاجُونَ إلَى غَيْرِهِمْ حَاجَةً ضَرُورِيَّةً.
ومِنْهَا أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ يُحِبُّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَيَرْضَى وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِينَ فَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ ذَلِكَ وَيُيَسِّرُهُ فَلَمْ يَحْصُلْ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ إلَّا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُنْعِمُ عَلَى عِبَادِهِ بِالْإِيمَانِ بِخِلَافِ الْقَدَرِيَّةِ. وَالْمَخْلُوقُ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَا يُحِبُّهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى أَمَرَ الْعِبَادَ بِمَا يُصْلِحُهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا يُفْسِدُهُمْ كَمَا قَالَ قتادة: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ الْعِبَادَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِمْ وَلَا يَنْهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ بُخْلًا عَلَيْهِمْ بَلْ أَمَرَهُمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا يَضُرُّهُمْ. بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ الَّذِي يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَيَنْهَاهُ عَمَّا يَنْهَاهُ بُخْلًا عَلَيْهِ. وَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرٌ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ حِكْمَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَيَقُولُونَ: إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ الْعِبَادَ إلَّا بِخَيْرِ يَنْفَعُهُمْ وَلَمْ يَنْهَهُمْ إلَّا عَنْ شَرٍّ يَضُرُّهُمْ؛ بِخِلَافِ الْمُجَبِّرَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ قَدْ يَأْمُرُهُمْ بِمَا يَضُرُّهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ. وَ (مِنْهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُنْعِمُ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَهُوَ الْمُنْعِمُ بِالْقُدْرَةِ وَالْحَوَاسِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بِهِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَهُوَ الْهَادِي لِعِبَادِهِ فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِهِ. وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا
стр. 219
لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ وَلَيْسَ يَقْدِرُ الْمَخْلُوقُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَ (مِنْهَا أَنَّ نِعَمَهُ عَلَى عِبَادِهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُحْصَى فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْعِبَادَةَ جَزَاءُ النِّعْمَةِ لَمْ تَقُمْ الْعِبَادَةُ بِشُكْرِ قَلِيلٍ مِنْهَا فَكَيْفَ وَالْعِبَادَةُ مِنْ نِعْمَتِهِ أَيْضًا. وَ (مِنْهَا أَنَّ الْعِبَادَ لَا يَزَالُونَ مُقَصِّرِينَ مُحْتَاجِينَ إلَى عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ فَلَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ وَمَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ ذُنُوبٌ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهَا: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ وَقَوْلُهُ ﷺ ﴿لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ﴾ لَا يُنَاقِضُ قَوْله تَعَالَى ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . فَإِنَّ الْمَنْفِيَّ نُفِيَ بِبَاءِ الْمُقَابَلَةِ وَالْمُعَاوَضَةِ كَمَا يُقَالُ بِعْت هَذَا بِهَذَا وَمَا أُثْبِتَ أُثْبِتَ بِبَاءِ السَّبَبِ فَالْعَمَلُ لَا يُقَابِلُ الْجَزَاءَ وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ وَلِهَذَا مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ قَامَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مَغْفِرَةِ الرَّبِّ تَعَالَى وَعَفْوِهِ فَهُوَ ضَالٌّ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةِ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَرُوِيَ بِمَغْفِرَتِهِ﴾ وَمِنْ هَذَا أَيْضًا الْحَدِيثُ الَّذِي فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ. وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيْرًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ﴾ الْحَدِيثَ.
وَمَنْ قَالَ: بَلْ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى اللَّهِ حَقٌّ فَهُوَ صَحِيحٌ إذَا أَرَادَ بِهِ الْحَقَّ الَّذِي أَخْبَرَ
стр. 220
اللَّهُ بِوُقُوعِهِ فَإِنَّ اللَّهَ صَادِقٌ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِحِكْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَهَذَا الْمُسْتَحِقُّ لِهَذَا الْحَقِّ إذَا سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى بِهِ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى إنْجَازَ وَعْدِهِ أَوْ يَسْأَلُهُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي عَلَّقَ اللَّهُ بِهَا الْمُسَبَّبَاتِ كَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَهَذَا مُنَاسِبٌ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ لِهَذَا الْحَقِّ إذَا سَأَلَهُ بِحَقِّ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَهُوَ كَمَا لَوْ سَأَلَهُ بِجَاهِ ذَلِكَ الشَّخْصِ وَذَلِكَ سُؤَالٌ بِأَمْرِ أَجْنَبِيٍّ عَنْ هَذَا السَّائِلِ لَمْ يَسْأَلْهُ بِسَبَبِ يُنَاسِبُ إجَابَةَ دُعَائِهِ.
وَأَمَّا سُؤَالُ اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الَّتِي تَقْتَضِي مَا يَفْعَلُهُ بِالْعِبَادِ مِنْ الْهُدَى وَالرِّزْقِ وَالنَّصْرِ. فَهَذَا أَعْظَمُ مَا يُسْأَلُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. فَقَوْلُ الْمُنَازِعِ: لَا يُسْأَلُ بِحَقِّ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ: مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ مُعَاذٍ الَّذِي تَقَدَّمَ إيرَادُهُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . فَيُقَالُ لِلْمُنَازِعِ: الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي مَقَامَيْنِ: - أَحَدُهُمَا فِي حَقِّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ. وَالثَّانِي فِي سُؤَالِهِ بِذَلِكَ الْحَقِّ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ الْمُطِيعِينَ بِأَنْ يُثِيبَهُمْ وَوَعَدَ السَّائِلِينَ بِأَنْ يُجِيبَهُمْ وَهُوَ الصَّادِقُ الَّذِي لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ فَهَذَا مِمَّا يَجِبُ وُقُوعُهُ
стр. 221
بِحُكْمِ الْوَعْدِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَتَنَازَعُوا: هَلْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ بِدُونِ ذَلِكَ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ - كَمَا تَقَدَّمَ. قِيلَ: لَا يَجِبُ لِأَحَدِ عَلَيْهِ حَقٌّ بِدُونِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَاجِبَاتٌ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مُحَرَّمَاتٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى عِبَادِهِ. وَقِيلَ: هُوَ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالظُّلْمُ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ تَنَازَعُوا فِي الظُّلْمِ الَّذِي لَا يَقَعُ فَقِيلَ: هُوَ الْمُمْتَنِعُ وَكُلُّ مُمْكِنٍ يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ لَا يَكُونُ ظُلْمًا لِأَنَّ الظُّلْمَ إمَّا التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَإِمَّا مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ طَاعَتُهُ وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ مِنْهُ. وَقِيلَ: بَلْ مَا كَانَ ظُلْمًا مِنْ الْعِبَادِ فَهُوَ ظُلْمٌ مِنْهُ: وَقِيلَ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ وَيُعَاقَبَ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ وَالْهَضْمُ أَنْ يُهْضَمَ مِنْ حَسَنَاتِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ . وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّانِي فَإِنَّهُ يُقَالُ: مَا بَيَّنَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ
стр. 222
حَقٌّ؛ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي السُّؤَالِ بِذَلِكَ فَيُقَالُ: إنْ كَانَ الْحَقُّ الَّذِي سَأَلَ بِهِ سَبَبًا لِإِجَابَةِ السُّؤَالِ حَسُنَ السُّؤَالُ بِهِ كَالْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ لِعَابِدِيهِ وَسَائِلِيهِ. وَأَمَّا إذَا قَالَ السَّائِلُ: بِحَقِّ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَأُولَئِكَ إذَا كَانَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ حَقٌّ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ وَأَنْ يُكْرِمَهُمْ بِثَوَابِهِ وَيَرْفَعَ دَرَجَاتِهِمْ - كَمَا وَعَدَهُمْ بِذَلِكَ وَأَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ - فَلَيْسَ فِي اسْتِحْقَاقِ أُولَئِكَ مَا اسْتَحَقُّوهُ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِمَطْلُوبِ هَذَا السَّائِلِ فَإِنَّ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ مَا اسْتَحَقَّهُ بِمَا يَسَّرَهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ. وَهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ مَا اسْتَحَقَّهُ ذَلِكَ. فَلَيْسَ فِي إكْرَامِ اللَّهِ لِذَلِكَ سَبَبٌ يَقْتَضِي إجَابَةَ هَذَا. وَإِنْ قَالَ: السَّبَبُ هُوَ شَفَاعَتُهُ وَدُعَاؤُهُ فَهَذَا حَقٌّ إذَا كَانَ قَدْ شَفَعَ لَهُ وَدَعَا لَهُ وَإِنْ لَمْ يَشْفَعْ لَهُ وَلَمْ يَدْعُ لَهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ. وَإِنْ قَالَ: السَّبَبُ هُوَ مَحَبَّتِي لَهُ وَإِيمَانِي بِهِ وَمُوَالَاتِي لَهُ فَهَذَا سَبَبٌ شَرْعِيٌّ وَهُوَ سُؤَالُ اللَّهِ وَتَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِإِيمَانِ هَذَا السَّائِلِ وَمَحَبَّتِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ؛ وَطَاعَتِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ لَكِنْ يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَالْمَحَبَّةِ مَعَ اللَّهِ: فَمَنْ أَحَبَّ مَخْلُوقًا كَمَا يُحِبُّ الْخَالِقَ فَقَدْ جَعَلَهُ نِدًّا لِلَّهِ وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ تَضُرُّهُ وَلَا تَنْفَعُهُ وَأَمَّا مَنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُ وَأَحَبَّ أَنْبِيَاءَهُ وَعِبَادَهُ الصَّالِحِينَ لَهُ فَحُبُّهُ لِلَّهِ تَعَالَى هُوَ أَنْفَع الْأَشْيَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ - تَارَةً يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ إلَى ثَوَابِهِ وَجَنَّتِهِ (وَهَذَا أَعْظَمُ الْوَسَائِلِ وَتَارَةً يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ
стр. 223
فِي الدُّعَاءِ كَمَا ذَكَرْتُمْ نَظَائِرَهُ - فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْقَائِلِ: أَسْأَلُك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ: أَنِّي أَسْأَلُك بِإِيمَانِي بِهِ وَبِمَحَبَّتِهِ وَأَتَوَسَّلُ إلَيْك بِإِيمَانِي بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ بِلَا نِزَاعٍ. قِيلَ: مَنْ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ مُصِيبٌ فِي ذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ وَإِذَا حُمِلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَلَامُ مَنْ تَوَسَّلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَمَاتِهِ مِنْ السَّلَفِ - كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ كَانَ هَذَا حَسَنًا. وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ نِزَاعٌ. وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامِّ يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ وَلَا يُرِيدُونَ هَذَا الْمَعْنَى فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَنْ أَنْكَرَ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُرِيدُونَ بِالتَّوَسُّلِ بِهِ التَّوَسُّلَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَهَذَا جَائِزٌ بِلَا نِزَاعٍ ثُمَّ إنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ فِي زَمَانِنَا لَا يُرِيدُونَ هَذَا الْمَعْنَى بِهَذَا اللَّفْظِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ بِحَقِّ الرَّحِمِ قِيلَ: الرَّحِمُ تُوجِبُ عَلَى صَاحِبِهَا حَقًّا لِذِي الرَّحِمِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿الرَّحِمُ شَجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ مَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ﴾ وَقَالَ ﴿لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الرَّحِمَ تَعَلَّقَتْ بِحَقْوَيْ الرَّحْمَنِ وَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِك مِنْ الْقَطِيعَةِ فَقَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَك؟ قَالَتْ: بَلَى قَدْ رَضِيت﴾ وَقَالَ ﷺ ﴿يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْت الرَّحِمَ وَشَقَقْت لَهَا اسْمًا مِنْ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْته وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتّهُ﴾ .
стр. 224
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَأَلَهُ ابْنُ أَخِيهِ بِحَقِّ جَعْفَرٍ أَبِيهِ أَعْطَاهُ لِحَقِّ جَعْفَرٍ عَلَى عَلِيٍّ. وَحَقُّ ذِي الرَّحِمِ بَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ ﴿أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ نَعَمْ الدُّعَاءُ لَهُمَا وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ وَعْدِهِمَا مَنْ بَعْدِهِمَا وَصِلَةُ رَحِمِك الَّتِي لَا رَحِمَ لَك إلَّا مِنْ قِبَلِهِمَا﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﴿مِنْ أَبَرَّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ﴾ . فَصِلَةُ أَقَارِبِ الْمَيِّتِ وَأَصْدِقَائِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ هُوَ مِنْ تَمَامِ بِرِّهِ.
وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ - مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَخْلُوقِ: لَا بِحَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ - يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ. (أَحَدُهُمَا) الْإِقْسَامُ عَلَى اللَّهِ بِهِ وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ كَمَا يُنْهَى أَنْ يُقْسَمَ عَلَى اللَّهِ بِالْكَعْبَةِ وَالْمَشَاعِرِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. و (الثَّانِي) السُّؤَالُ بِهِ فَهَذَا يُجَوِّزُهُ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ وَنُقِلَ فِي ذَلِكَ آثَارٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي دُعَاءِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ لَكِنْ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ كُلُّهُ ضَعِيفٌ بَلْ مَوْضُوعٌ. وَلَيْسَ عَنْهُ حَدِيثٌ ثَابِتٌ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةً إلَّا حَدِيثَ الْأَعْمَى الَّذِي عَلَّمَهُ أَنْ يَقُولَ: ﴿أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ﴾ وَحَدِيثُ الْأَعْمَى لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إنَّمَا تَوَسَّلَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَشَفَاعَتِهِ وَهُوَ
стр. 225
طَلَبٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ الدُّعَاءَ وَقَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولَ: ﴿اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ﴾ وَلِهَذَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ لَمَّا دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ مِنْ آيَاتِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلَوْ تَوَسَّلَ غَيْرُهُ مِنْ الْعُمْيَانِ الَّذِينَ لَمْ يَدْعُ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِالسُّؤَالِ بِهِ لَمْ تَكُنْ حَالُهُمْ كَحَالِهِ. وَدُعَاءُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَوْلُهُ: " اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا ": يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ الْمَشْرُوعَ عِنْدَهُمْ هُوَ التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ لَا السُّؤَالُ بِذَاتِهِ؛ إذْ لَوْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا لَمْ يَعْدِلْ عُمَرُ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عَنْ السُّؤَالِ بِالرَّسُولِ إلَى السُّؤَالِ بِالْعَبَّاسِ. وَشَاعَ النِّزَاعُ فِي السُّؤَالِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ دُونَ الْإِقْسَامِ بِهِمْ؛ لِأَنَّ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْإِقْسَامِ فَرْقًا: فَإِنَّ السَّائِلَ مُتَضَرِّعٌ ذَلِيلٌ يَسْأَلُ بِسَبَبِ يُنَاسِبُ الْإِجَابَةَ وَالْمُقْسِمُ أَعْلَى مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ طَالِبٌ مُؤَكِّدٌ طَلَبَهُ بِالْقَسَمِ وَالْمُقْسِمُ لَا يُقْسِمُ إلَّا عَلَى مَنْ يَرَى أَنَّهُ يُبِرُّ قَسَمَهُ فَإِبْرَارُ الْقَسَمِ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْعِبَادِ. وَأَمَّا إجَابَةُ السَّائِلِينَ فَعَامٌّ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةِ لَيْسَ فِيهَا إثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ: إمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ مِثْلَهَا
стр. 226
وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ الشَّرِّ مِثْلَهَا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إذًا نُكْثِرُ قَالَ اللَّهُ أَكْثَرُ﴾ .
وَهَذَا التَّوَسُّلُ بِالْأَنْبِيَاءِ بِمَعْنَى السُّؤَالِ بِهِمْ - وَهُوَ الَّذِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ - لَيْسَ فِي الْمَعْرُوفِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ فَضْلًا أَنْ يُجْعَلَ هَذَا مِنْ مَسَائِلِ السَّبِّ؛ فَمَنْ نَقَلَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ التَّوَسُّلَ بِهِ بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ بِهِ أَوْ السُّؤَالِ بِهِ: فَلَيْسَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ مَالِكٌ: إنَّ هَذَا سَبٌّ لِلرَّسُولِ أَوْ تَنَقُّصٌ لَهُ. بَلْ الْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِلدَّاعِي أَنْ يَقُولَ: يَا سَيِّدِي سَيِّدِي وَقَالَ: قُلْ كَمَا قَالَتْ الْأَنْبِيَاءُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا كَرِيمُ. وَكَرِهَ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ: يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَأْثُورِ عَنْهُ. فَإِذَا كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ مِثْلَ هَذَا الدُّعَاءِ إذْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا عِنْدَهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يُسْأَلَ اللَّهُ بِمَخْلُوقِ نَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا أَجْدَبُوا عَامَ الرَّمَادَةِ لَمْ يَسْأَلُوا اللَّهَ بِمَخْلُوقِ لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ بَلْ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. فَيُسْقَوْنَ. وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا أَجْدَبُوا إنَّمَا يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتِسْقَائِهِ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى بِمَخْلُوقِ
стр. 227
لَا بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ لَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَلَا غَيْرِهِ وَحَدِيثُ الْأَعْمَى سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ فَلَوْ كَانَ السُّؤَالُ بِهِ مَعْرُوفًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ لَقَالُوا لِعُمَرِ: إنَّ السُّؤَالَ وَالتَّوَسُّلَ بِهِ أَوْلَى مِنْ السُّؤَالِ وَالتَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ فَلَمْ نَعْدِلْ عَنْ الْأَمْرِ الْمَشْرُوعِ الَّذِي كُنَّا نَفْعَلُهُ فِي حَيَاتِهِ وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِأَفْضَلِ الْخَلْقِ إلَى أَنْ نَتَوَسَّلَ بِبَعْضِ أَقَارِبِهِ وَفِي ذَلِكَ تَرْكُ السُّنَّةِ الْمَشْرُوعَةِ وَعُدُولٌ عَنْ الْأَفْضَلِ وَسُؤَالُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَضْعَفِ السَّبَبَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَعْلَاهُمَا - وَنَحْنُ مُضْطَرُّونَ غَايَةَ الِاضْطِرَارِ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْجَدْبِ. وَاَلَّذِي فَعَلَهُ عُمَرُ فَعَلَ مِثْلَهُ مُعَاوِيَةُ بِحَضْرَةِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَتَوَسَّلُوا بيزيد بْنِ الْأَسْوَدِ الجرشي كَمَا تَوَسَّلَ عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ؛ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ يُتَوَسَّلُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِدُعَاءِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ قَالُوا: وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَقَارِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ أَفْضَلُ اقْتِدَاءً بِعُمَرِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إنَّهُ يُسْأَلُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ لَا بِنَبِيِّ وَلَا بِغَيْرِ نَبِيٍّ.
وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ سُؤَالَ الرَّسُولِ أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ أَوْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ إمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ - غَيْرِ مَالِكٍ - كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ بَعْضُ الْجُهَّالِ يَنْقُلُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ وَيَسْتَنِدُ إلَى حِكَايَةٍ مَكْذُوبَةٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَمْ يَكُنْ التَّوَسُّلُ الَّذِي فِيهَا هُوَ هَذَا؛ بَلْ هُوَ التَّوَسُّلُ بِشَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُحَرِّفُ نَقْلَهَا وَأَصْلُهَا ضَعِيفٌ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 228
وَالْقَاضِي عِيَاضٌ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي كِتَابِهِ فِي بَابِ زِيَارَةِ؛ قَبْرِهِ بَلْ ذَكَرَ هُنَاكَ مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي سِيَاقِ أَنَّ حُرْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ وَتَوْقِيرَهُ وَتَعْظِيمَهُ لَازِمٌ؛ كَمَا كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ وَكَذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَذِكْرِ حَدِيثِهِ وَسُنَّتِهِ وَسَمَاعِ اسْمِهِ. وَذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَيُّوبَ السختياني فَقَالَ: مَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ أَحَدٍ إلَّا وَأَيُّوبُ أَفْضَلُ مِنْهُ. قَالَ: وَحَجَّ حَجَّتَيْنِ فَكُنْت أَرْمُقُهُ فَلَا أَسْمَعُ مِنْهُ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ بَكَى حَتَّى أَرْحَمَهُ فَلَمَّا رَأَيْت مِنْهُ مَا رَأَيْت وَإِجْلَالَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَتَبْت عَنْهُ. وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ مَالِكٌ إذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ وَيَنْحَنِي حَتَّى يَصْعُبَ ذَلِكَ عَلَى جُلَسَائِهِ. فَقِيلَ لَهُ يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْت لَمَا أَنْكَرْتُمْ عَلَيَّ مَا تَرَوْنَ لَقَدْ كُنْت أَرَى مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ - وَكَانَ سَيِّدَ الْقُرَّاءِ - لَا نَكَادُ نَسْأَلُهُ عَنْ حَدِيثٍ أَبَدًا إلَّا يَبْكِي حَتَّى نَرْحَمَهُ. وَلَقَدْ كُنْت أَرَى جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ - وَكَانَ كَثِيرَ الدُّعَابَةِ وَالتَّبَسُّمِ - فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيُّ ﷺ اصْفَرَّ لَوْنُهُ وَمَا رَأَيْته يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ. وَلَقَدْ اخْتَلَفْت إلَيْهِ زَمَانًا فَمَا كُنْت أَرَاهُ إلَّا عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إمَّا مُصَلِّيًا وَإِمَّا صَامِتًا وَإِمَّا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَكَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ.
стр. 229
وَلَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ يَذْكُرُ النَّبِيَّ ﷺ فَيُنْظَرُ إلَى لَوْنِهِ كَأَنَّهُ نُزِفَ مِنْهُ الدَّمُ وَقَدْ جَفَّ لِسَانُهُ فِي فَمِهِ هَيْبَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَلَقَدْ كُنْت آتِي عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَكَى حَتَّى لَا يَبْقَى فِي عَيْنَيْهِ دُمُوعٌ. وَلَقَدْ رَأَيْت الزُّهْرِيَّ - وَكَانَ لَمِنْ أَهْنَأِ النَّاسِ وَأَقْرَبِهِمْ - فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَكَأَنَّهُ مَا عَرَفَك وَلَا عَرَفْته وَلَقَدْ كُنْت آتِي صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ وَكَانَ مِنْ الْمُتَعَبِّدِينَ الْمُجْتَهِدِينَ فَإِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ بَكَى فَلَا يَزَالُ يَبْكِي حَتَّى يَقُومَ النَّاسُ عَنْهُ وَيَتْرُكُوهُ. فَهَذَا كُلُّهُ نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمَعْرُوفَةِ ثُمَّ ذَكَرَ حِكَايَةً بِإِسْنَادِ غَرِيبٍ مُنْقَطِعٍ رَوَاهَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ إجَازَةً قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ دِلْهَات قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ فِهْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَحِ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُنْتَابِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ أَبِي إسْرَائِيلَ حَدَّثَنَا ابْنُ حميد قَالَ: نَاظَرَ أَبُو جَعْفَرٍ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ. يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَك فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَإِنَّ اللَّهَ أَدَّبَ قَوْمًا فَقَالَ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ وَمَدَحَ قَوْمًا فَقَالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ وَذَمَّ قَوْمًا فَقَالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ
стр. 230
مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الْآيَةَ وَإِنَّ حُرْمَتَهُ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا. فَاسْتَكَانَ لَهَا أَبُو جَعْفَرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو؟ أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: وَلِمَ تَصْرِفُ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ ﵇ إلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَلْ اسْتَقْبِلْهُ وَاسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعَك اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ . قُلْت وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ مُنْقَطِعَةٌ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ حميد الرَّازِيَّ لَمْ يُدْرِكْ مَالِكًا لَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ مَالِكٌ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ. وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ حميد الرَّازِي سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَلَدِهِ حِينَ رَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا وَهُوَ كَبِيرٌ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ مَعَ هَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَذَّبَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَابْنُ وارة وَقَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأسدي: مَا رَأَيْت أَحَدًا أَجْرَأَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ وَأَحْذَقَ بِالْكَذِبِ مِنْهُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَبِيبَةَ: كَثِيرُ الْمَنَاكِيرِ. وَقَالَ النَّسَائِي: لَيْسَ بِثِقَةِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَنْفَرِدُ عَنْ الثِّقَاتِ بِالْمَقْلُوبَاتِ. وَآخِرُ مَنْ رَوَى الْمُوَطَّأَ عَنْ مَالِكٍ هُوَ أَبُو مُصْعَبٍ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ أَبُو حُذَيْفَةَ أَحْمَدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ السَّهْمِيُّ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفِي الْإِسْنَادِ أَيْضًا مَنْ لَا تُعْرَفُ حَالُهُ. وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمَعْرُوفِينَ بِالْأَخْذِ عَنْهُ
стр. 231
وَمُحَمَّدُ بْنُ حميد ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ إذَا أَسْنَدَ فَكَيْفَ إذَا أَرْسَلَ حِكَايَةً لَا تُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ هَذَا إنْ ثَبَتَ عَنْهُ، وَأَصْحَابُ مَالِكٍ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ بِمِثْلِ هَذَا النَّقْلِ لَا يَثْبُتُ عَنْ مَالِكٍ قَوْلٌ لَهُ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الْفِقْهِ بَلْ إذَا رَوَى عَنْهُ الشَّامِيُّونَ كَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطاطري ضَعَّفُوا رِوَايَةَ هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ فَكَيْفَ بِحِكَايَةِ تُنَاقِضُ مَذْهَبَهُ الْمَعْرُوفَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ رَوَاهَا وَاحِدٌ مِنْ الْخُراسانِيِّينَ لَمْ يُدْرِكْهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ؟ . مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ " وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ ﵇ إلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَوَسُّلِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهَذَا هُوَ التَّوَسُّلُ بِشَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهَذَا حَقٌّ؛ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ حِينَ تَأْتِي النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمَ لِيَشْفَعَ لَهُمْ فَيَرُدَّهُمْ آدَمَ إلَى نُوحٍ ثُمَّ يَرُدَّهُمْ نُوحٌ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِبْرَاهِيمُ إلَى مُوسَى وَمُوسَى إلَى عِيسَى وَيَرُدَّهُمْ عِيسَى إلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ ﴿أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ آدَمَ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ﴾ وَلَكِنَّهَا مُنَاقِضَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ الْمَعْرُوفِ مِنْ وُجُوهٍ: - (أَحَدُهَا قَوْلُهُ " أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللَّهِ وَأَدْعُو؟ " فَقَالَ " وَلِمَ تَصْرِفُ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ " فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَسَائِر السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ الدَّاعِيَ إذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُو فِي مَسْجِدِهِ وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ بَلْ إنَّمَا يَسْتَقْبِلُ
стр. 232
الْقَبْرَ عِنْدَ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّعَاءِ لَهُ. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ. وَعِنْدَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ وَقْتَ السَّلَامِ عَلَيْهِ أَيْضًا. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجْعَلُ الْحُجْرَةَ عَلَى يَسَارِهِ - وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ - وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ يَسْتَدْبِرُ الْحُجْرَةَ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ وَمَعَ هَذَا فَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُطِيلَ الْقِيَامَ عِنْدَ الْقَبْرِ لِذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَدْعُو لَكِنْ يُسَلِّمُ وَيَمْضِي " قَالَ: وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسَلِّمُ عَلَى الْقَبْرِ رَأَيْته مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ يَجِيءُ إلَى الْقَبْرِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَى أَبِي. ثُمَّ يَنْصَرِفُ. وَرُئِيَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمِنْبَرِ ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى وَجْهِهِ. قَالَ: وَعَنْ ابْنِ أَبِي قسيط والقعنبي كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إذَا خَلَا الْمَسْجِدُ جَسُّوا بِرُمَّانَةِ الْمِنْبَرِ الَّتِي تِلْقَاءَ الْقَبْرِ بِمَيَامِنِهِمْ ثُمَّ اسْتَقْبَلُوا الْقِبْلَةَ يَدْعُونَ. قَالَ: وَفِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ الليثي أَنَّهُ كَانَ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - يَقِفُ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ للمروذي: وَيَدْعُو لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
стр. 233
قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الباجي: وَعِنْدِي أَنْ يَدْعُوَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِلَفْظِ السَّلَامِ لِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ الْخِلَافِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ يُفَسِّرُ الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: إذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَعَا يَقِفُ وَوَجْهُهُ إلَى الْقَبْرِ لَا إلَى الْقِبْلَةِ وَيَدْنُو وَيُسَلِّمُ وَلَا يَمَسُّ الْقَبْرَ. فَهَذَا هُوَ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
وَكَذَلِكَ كَلُّ دُعَاءٍ ذَكَرَهُ أَصْحَابُهُ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَغَيْرِهِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: وَلَيْسَ يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَخَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْوُقُوفُ بِالْقَبْرِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْغُرَبَاءِ. وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: وَلَا بَأْسَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ خَرَجَ إلَى سَفَرٍ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَقْدَمُونَ مِنْ سَفَرٍ وَلَا يُرِيدُونَهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَرُبَّمَا وَقَفُوا فِي الْجُمُعَة أَوْ الْأَيَّامِ الْمَرَّةَ وَالْمَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عِنْدَ الْقَبْرِ فَيُسَلِّمُونَ وَيَدْعُونَ سَاعَةً. فَقَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَنْ أَهْلِ الْفِقْهِ بِبَلَدِنَا وَتَرْكُهُ وَاسِعٌ وَلَا يُصْلِحُ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَصَدْرِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيُكْرَهُ إلَّا لِمَنْ جَاءَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ أَرَادَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَرَأَيْت أَهْلَ الْمَدِينَةِ إذَا خَرَجُوا مِنْهَا أَوْ دَخَلُوا أَتَوْا الْقَبْرَ فَسَلَّمُوا قَالَ وَلِذَلِكَ رَأَى. . . (١) стр. 234
قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الباجي: فَفَرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْغُرَبَاءِ لِأَنَّ الْغُرَبَاءَ قَصَدُوا لِذَلِكَ وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ مُقِيمُونَ بِهَا لَمْ يَقْصِدُوهَا مِنْ أَجْلِ الْقَبْرِ وَالتَّسْلِيمِ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ﴾ ﴿اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ﴾ قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا﴾ . قَالَ وَمِنْ كِتَابِ أَحْمَدَ بْنِ شُعْبَةَ فِيمَنْ وَقَفَ بِالْقَبْرِ لَا يَلْتَصِقُ بِهِ وَلَا يَمَسُّهُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهُ طَوِيلًا وَفِي (العتبية يَعْنِي عَنْ مَالِكٍ: يَبْدَأُ: بِالرُّكُوعِ قَبْلَ السَّلَامِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَحَبُّ مَوَاضِعِ التَّنَفُّلِ فِيهِ مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ الْعَمُودُ الْمُخَلَّقُ وَأَمَّا فِي الْفَرِيضَةِ فَالتَّقَدُّمُ إلَى الصُّفُوفِ. قَالَ: وَالتَّنَفُّلُ فِيهِ لِلْغُرَبَاءِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ التَّنَفُّلِ فِي الْبُيُوتِ. فَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَا نَقَلُوهُ عَنْ الصَّحَابَةِ يُبَيِّنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا الْقَبْرَ إلَّا لِلسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّعَاءِ لَهُ. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ إطَالَةَ الْقِيَامِ لِذَلِكَ وَكَرِهَ أَنْ يَفْعَلَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ كُلَّمَا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَخَرَجُوا مِنْهُ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْغُرَبَاءُ وَمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ خَرَجَ لَهُ فَإِنَّهُ تَحِيَّةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . فَأَمَّا إذَا قَصَدَ الرَّجُلُ الدُّعَاءَ لِنَفْسِهِ فَإِنَّمَا يَدْعُو فِي مَسْجِدِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ كَمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَبْرِ بَلْ وَلَا أَطَالَ الْوُقُوفَ عِنْدَ الْقَبْرِ لِلدُّعَاءِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَكَيْفَ بِدُعَائِهِ لِنَفْسِهِ.
стр. 235
وَأَمَّا دُعَاءُ الرَّسُولِ وَطَلَبُ الْحَوَائِجِ مِنْهُ وَطَلَبُ شَفَاعَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَصْدُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقَبْرِ مَشْرُوعًا لَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَكَذَلِكَ السُّؤَالُ بِهِ فَكَيْفَ بِدُعَائِهِ وَسُؤَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؟ . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا فِي الْحِكَايَةِ الْمُنْقَطِعَةِ مِنْ قَوْلِهِ " اسْتَقْبِلْهُ وَاسْتَشْفِعْ بِهِ " كَذِبٌ عَلَى مَالِكٍ مُخَالِفٌ لِأَقْوَالِهِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَفْعَالِهِمْ الَّتِي يَفْعَلُهَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَنَقَلَهَا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ إذْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهُمْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ الْقَبْرَ لِلدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ وَيَسْتَشْفِعَ بِهِ يَقُولُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْفَعْ لِي أَوْ اُدْعُ لِي أَوْ يَشْتَكِي إلَيْهِ مَصَائِبَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا أَوْ يَطْلُبُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَوْتَى مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَوْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَا يَرَاهُمْ أَنْ يَشْفَعُوا لَهُ أَوْ يَشْتَكِيَ إلَيْهِمْ الْمَصَائِبَ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ مِنْ مُبْتَدِعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لَيْسَ هَذَا مِنْ فِعْلِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا مِمَّا أَمَرَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ إذْ كَانَ يَسْمَعُ السَّلَامَ عَلَيْهِ مِنْ الْقَرِيبِ وَيُبَلَّغُ سَلَامَ الْبَعِيدِ. وَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ حيوة بْنِ شريح الْمِصْرِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ قسيط عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇﴾ . وَعَلَى هَذَا الْحَدِيثِ اعْتَمَدَ الْأَئِمَّةُ فِي السَّلَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ قَبْرِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ
стр. 236
وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَحَادِيثَ زِيَارَةِ قَبْرِهِ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا فِي الدِّينِ. وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِ أَهْلُ الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ شَيْئًا مِنْهَا وَإِنَّمَا يَرْوِيهَا مَنْ يَرْوِي الضِّعَافَ كالدارقطني وَالْبَزَّارِ وَغَيْرِهِمَا. [وَأَجْوَدُ حَدِيثٍ فِيهَا مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْكَذِبُ ظَاهِرٌ عَلَيْهِ - مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي﴾ فَإِنَّ هَذَا كَذِبُهُ ظَاهِرٌ مُخَالِفٌ لِدِينِ الْمُسْلِمِينَ] (*) فَإِنَّ مَنْ زَارَهُ فِي حَيَاتِهِ وَكَانَ مُؤْمِنًا بِهِ كَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَيْهِ الْمُجَاهِدِينَ مَعَهُ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ﴿لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ﴾ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَالْوَاحِدُ مِنْ بَعْدِ الصَّحَابَةِ لَا يَكُونُ مِثْلَ الصَّحَابَةِ بِأَعْمَالِ مَأْمُورٍ بِهَا وَاجِبَةٍ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِعَمَلِ لَيْسَ بِوَاجِبِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؟ بَلْ وَلَا شُرِعَ السَّفَرُ إلَيْهِ بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَأَمَّا السَّفَرُ إلَى مَسْجِدِهِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ وَالسَّفَرِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لِلصَّلَاةِ فِيهِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ وَالسَّفَرِ إلَى الْكَعْبَةِ لِلْحَجِّ فَوَاجِبٌ. فَلَوْ سَافَرَ أَحَدٌ السَّفَرَ الْوَاجِبَ وَالْمُسْتَحَبَّ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَافَرُوا إلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ فَكَيْفَ بِالسَّفَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُسَافِرَ إلَى قَبْرِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَوْ قَبْرِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ
стр. 237
أَنْ يُوفِيَ بِنَذْرِهِ بَلْ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ. وَلَوْ نَذَرَ السَّفَرَ إلَى مَسْجِدِهِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لِلصَّلَاةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ: أَظْهَرُهُمَا عَنْهُ يَجِبُ ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ. وَالثَّانِي لَا يَجِبُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنْ النَّذْرِ إلَّا مَا كَانَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ وَإِتْيَانُ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ لَيْسَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ فَلَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ عِنْدَهُ. وَأَمَّا الْأَكْثَرُونَ فَيَقُولُونَ هُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ﴾ . وَأَمَّا السَّفَرُ إلَى زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَلَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَاعَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ فَعَلَ هَذَا كَوَاحِدِ مِنْ أَصْحَابِهِ؟ وَهَذَا مَالِكٌ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: زُرْت قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَعْظَمَهُ. وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ كَكَرَاهِيَةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَقِيلَ لِأَنَّ الزَّائِرَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَزُورِ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ زِيَارَةِ الْقَبْرِ مُجْمَلٌ يَدْخُلُ فِيهَا الزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الشِّرْكِ فَإِنَّ زِيَارَةَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى وَجْهَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ:
стр. 238
زِيَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَزِيَارَةٌ بِدْعِيَّةٌ.
فَالزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ يُقْصَدُ بِهَا السَّلَامُ عَلَيْهِمْ وَالدُّعَاءُ لَهُمْ كَمَا يُقْصَدُ الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدِهِمْ إذَا مَاتَ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فَهَذِهِ الزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَزُورَهَا كَزِيَارَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْبِدَعِ لِدُعَاءِ الْمَوْتَى وَطَلَبِ الْحَاجَاتِ مِنْهُمْ؛ أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ أَحَدِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ؛ أَوْ أَنَّ الْإِقْسَامَ بِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَسُؤَالَهُ سُبْحَانَهُ بِهِمْ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ يَقْتَضِي إجَابَةَ الدُّعَاءِ فَمِثْلُ هَذِهِ الزِّيَارَةِ بِدْعَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا. فَإِذَا كَانَ لَفْظُ " الزِّيَارَةِ " مُجْمَلًا يَحْتَمِلُ حَقًّا وَبَاطِلًا عُدِلَ عَنْهُ إلَى لَفْظٍ. لَا لَبْسَ فِيهِ كَلَفْظِ " السَّلَامِ " عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى مَالِكٍ بِمَا رُوِيَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ أَوْ زِيَارَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ بَلْ مَوْضُوعَةٌ لَا يُحْتَجُّ بِشَيْءِ مِنْهَا فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَالثَّابِتُ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ﴿مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ﴾ هَذَا هُوَ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فَقَالَ قَبْرِي. وَهُوَ ﷺ حِينَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ يَكُنْ قَدْ قُبِرَ بَعْدُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجَّ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمَّا تَنَازَعُوا فِي مَوْضِعِ دَفْنِهِ وَلَوْ كَانَ هَذَا عِنْدَهُمْ لَكَانَ نَصًّا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَلَكِنْ دُفِنَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ. ثُمَّ لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَانَ نَائِبُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ
стр. 239
عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحُجَرَ وَيَزِيدَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَتْ الْحُجَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَالْقِبْلَةِ فَزِيدَتْ فِي الْمَسْجِدِ وَدَخَلَتْ حُجْرَةُ عَائِشَةَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حِينَئِذٍ وَبَنَوْا الْحَائِطَ البراني مُسَنَّمًا مُحَرَّفًا فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَرْثَدٍ الغنوي أَنَّهُ قَالَ ﷺ ﴿لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا﴾ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ السُّجُودَ لَهَا وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي إنَّمَا يَقْصِدُ الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى. وَكَمَا نُهِيَ عَنْ اتِّخَاذِهَا مَسَاجِدَ وَنُهِيَ عَنْ قَصْدِ الصَّلَاةِ عِنْدَهَا وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي إنَّمَا يَقْصِدُ الصَّلَاةَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَالدُّعَاءَ لَهُ. فَمَنْ قَصَدَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَهَا فَقَدْ قَصَدَ نَفْسَ الْمُحَرَّمِ الَّذِي سَدَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ذَرِيعَتَهُ وَهَذَا بِخِلَافِ السَّلَامِ الْمَشْرُوعِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ زاذان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿إنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ﴾ رَوَاهُ النَّسَائِي وَأَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَهَذَا فِيهِ أَنَّ سَلَامَ الْبَعِيدِ تُبَلِّغُهُ الْمَلَائِكَةُ. وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِي عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فَإِنَّ صَلَاةَ أُمَّتِي تُعْرَضُ عَلَيَّ يَوْمَئِذٍ فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً كَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً﴾ . وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا شريح حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ
стр. 240
أَبِي ذِئْبٍ عَنْ المقبري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي﴾ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْته وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا أُبْلِغْته﴾ . وَهَذَا قَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ السدي عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا هُوَ السدي الصَّغِيرُ وَلَيْسَ بِثِقَةِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ. وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الموصلي فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْت الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا وَلَا تَتَّخِذُوا بَيْتِي عِيدًا. صَلُّوا عَلَيَّ وَسَلِّمُوا فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ وَسَلَامَكُمْ يَبْلُغُنِي﴾ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَأَى رَجُلًا يُكْثِرُ الِاخْتِلَافَ إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَهُ: يَا هَذَا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ﴿لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي﴾ فَمَا أَنْتَ وَرَجُلٌ بِالْأَنْدَلُسِ مِنْهُ إلَّا سَوَاءٌ. وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ المقدسي الْحَافِظُ فِي مُخْتَارِهِ الَّذِي
стр. 241
هُوَ أَصَحُّ مِنْ صَحِيحِ الْحَاكِمِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: إذَا دَخَلْت فَسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ﴿لَا تَتَّخِذُوا بَيْتِي عِيدًا وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُ كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ﴾ .
وَمِمَّا يُوهِنُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا " وَلَمْ تَصْرِفْ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ إلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَتَوَسَّلُ النَّاسُ بِشَفَاعَتِهِ وَهَذَا حَقٌّ كَمَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ لَكِنْ إذَا كَانَ النَّاسُ يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا كَانَ أَصْحَابُهُ يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّمَا ذَاكَ طَلَبٌ لِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ فَنَظِيرُ هَذَا - لَوْ كَانَتْ الْحِكَايَةُ صَحِيحَةً - أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ الدُّعَاءُ وَالشَّفَاعَةُ فِي الدُّنْيَا عِنْدَ قَبْرِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا سَنَّهُ لِأُمَّتِهِ وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا مَالِكٌ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى مَالِكٍ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَقُولُهُ إلَّا جَاهِلٌ لَا يَعْرِفُ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ وَلَا الْأَحْكَامَ الْمَعْلُومَةَ أَدِلَّتُهَا الشَّرْعِيَّةُ مَعَ عُلُوِّ قَدْرِ مَالِكٍ وَعِظَمِ فَضِيلَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَتَمَامِ رَغْبَتِهِ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَذَمِّ الْبِدَعِ وَأَهْلِهَا؟ وَهَلْ يَأْمُرُ بِهَذَا أَوْ يَشْرَعُهُ إلَّا مُبْتَدِعٌ؟ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَنْ مَالِكٍ قَوْلٌ يُنَاقِضُ هَذَا لَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَقُولُ مِثْلَ هَذَا. ثُمَّ قَالَ فِي الْحِكَايَةِ: " اسْتَقْبِلْهُ وَاسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعْك اللَّهُ " وَالِاسْتِشْفَاعُ بِهِ
стр. 242
مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الشَّفَاعَةَ كَمَا يَسْتَشْفِعُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَمَا كَانَ أَصْحَابُهُ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي السُّنَنِ ﴿أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَهِدَتْ الْأَنْفُسُ وَجَاعَ الْعِيَالُ وَهَلَكَ الْمَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْك وَنَسْتَشْفِعُ بِك عَلَى اللَّهِ فَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ وَقَالَ وَيْحَك أَتَدْرِي مَا تَقُولُ؟ شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ إنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ﴾ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ. فَأَنْكَرَ قَوْلَهُ " نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْك " وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُنْكَرُ أَنْ يُسْأَلَ الْمَخْلُوقُ بِاَللَّهِ أَوْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ بِاَللَّهِ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ شَافِعًا إلَى الْمَخْلُوقِ وَلِهَذَا لَمْ يُنْكَرْ قَوْلُهُ " نَسْتَشْفِعُ بِك عَلَى اللَّهِ " فَإِنَّهُ هُوَ الشَّافِعُ الْمُشَفَّعُ. وَهُمْ - لَوْ كَانَتْ الْحِكَايَةُ صَحِيحَةً - إنَّمَا يَجِيئُونَ إلَيْهِ لِأَجْلِ طَلَبِ شَفَاعَتِهِ ﷺ وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِ الْحِكَايَةِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الْآيَةَ وَهَؤُلَاءِ إذَا شُرِعَ لَهُمْ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُ الشَّفَاعَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِذَا أَجَابَهُمْ فَإِنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ وَاسْتِغْفَارُهُ لَهُمْ دُعَاءٌ مِنْهُ وَشَفَاعَةٌ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. وَإِذَا كَانَ الِاسْتِشْفَاعُ مِنْهُ طَلَبُ شَفَاعَتِهِ فَإِنَّمَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ " اسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعْهُ اللَّهُ فِيك " لَا يُقَالُ: فَيُشَفِّعْك اللَّهُ فِيهِ. وَهَذَا مَعْرُوفُ الْكَلَامِ وَلُغَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ يُقَالُ: شَفَعَ فُلَانٌ فِي فُلَانٍ فَشُفِّعَ فِيهِ. فَالْمُشَفَّعُ الَّذِي يُشَفِّعُهُ الْمَشْفُوعُ إلَيْهِ هُوَ الشَّفِيعُ الْمُسْتَشْفَعُ بِهِ.
стр. 243
لَا السَّائِلُ الطَّالِبُ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ الَّذِي شَفَعَ فَمُحَمَّدٌ ﷺ الشَّفِيعُ الْمُشَفَّعُ لَيْسَ الْمُشَفَّعُ الَّذِي يُسْتَشْفَعُ بِهِ. وَلِهَذَا يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: يَا رَبِّ شَفِّعْنِي فَيُشَفِّعْهُ اللَّهُ فَيَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنْ يُشَفِّعَهُ لَا أَنْ يُشَفِّعْ طَالِبِي شَفَاعَتِهِ فَكَيْفَ يَقُولُ: وَاسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعْك اللَّهُ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ طَلَبَ شَفَاعَتِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَعِنْدَ قَبْرِهِ لَيْسَ مَشْرُوعًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا ذَكَرَ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِ الْقُدَمَاءِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: ذَكَرُوا حِكَايَةً عَنْ العتبي أَنَّهُ رَأَى أَعْرَابِيًّا أَتَى قَبْرَهُ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَأَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ. وَهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعِينَ. الَّذِينَ يُفْتَى النَّاسُ بِأَقْوَالِهِمْ وَمَنْ ذَكَرَهَا لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهَا دَلِيلًا شَرْعِيًّا. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ طَلَبُ دُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ مَشْرُوعًا لَكَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ أَعْلَمَ بِذَلِكَ وَأَسْبَقَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَكَانَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ مَالِكٌ " لَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا " قَالَ: وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَصَدْرِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. فَمِثْلُ هَذَا الْإِمَامِ كَيْفَ يَشْرَعُ دِينًا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدِ السَّلَفِ وَيَأْمُرُ الْأُمَّةَ أَنْ يَطْلُبُوا الدُّعَاءَ وَالشَّفَاعَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ - بَعْدَ مَوْتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ - مِنْهُمْ عِنْدَ قُبُورِهِمْ وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ؟
стр. 244
وَلَكِنَّ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي فِي الْحِكَايَةِ يُشْبِهُ لَفْظَ كَثِيرٍ مِنْ الْعَامَّةِ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الشَّفَاعَةِ فِي مَعْنَى التَّوَسُّلِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَشْفِعُ إلَيْك بِفُلَانِ وَفُلَانٍ أَيْ نَتَوَسَّلُ بِهِ. وَيَقُولُونَ لِمَنْ تَوَسَّلَ فِي دُعَائِهِ بِنَبِيِّ أَوْ غَيْرِهِ " قَدْ تَشَفَّعَ بِهِ " مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَشْفَعُ بِهِ شَفَعَ لَهُ وَلَا دَعَا لَهُ بَلْ وَقَدْ يَكُونُ غَائِبًا لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ وَلَا شَفَعَ لَهُ وَهَذَا لَيْسَ هُوَ لُغَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَعُلَمَاءِ الْأُمَّةِ؛ بَلْ وَلَا هُوَ لُغَةُ الْعَرَبِ فَإِنَّ الِاسْتِشْفَاعَ طَلَبُ الشَّفَاعَةِ. وَالشَّافِعُ هُوَ الَّذِي يُشَفِّعُ السَّائِلَ فَيَطْلُبُ لَهُ مَا يَطْلُبُ مِنْ الْمَسْئُولِ الْمَدْعُوِّ الْمَشْفُوعِ إلَيْهِ. وَأَمَّا الِاسْتِشْفَاعُ بِمَنْ لَمْ يَشْفَعْ لِلسَّائِلِ وَلَا طَلَبَ لَهُ حَاجَةً بَلْ وَقَدْ لَا يَعْلَمُ بِسُؤَالِهِ فَلَيْسَ هَذَا اسْتِشْفَاعًا لَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي كَلَامِ مَنْ يَدْرِي مَا يَقُولُ: نَعَمْ هَذَا سُؤَالٌ بِهِ وَدُعَاؤُهُ لَيْسَ هُوَ اسْتِشْفَاعًا بِهِ. وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَمَّا غَيَّرُوا اللُّغَةَ - كَمَا غَيَّرُوا الشَّرِيعَةَ - وَسَمَّوْا هَذَا اسْتِشْفَاعًا أَيْ سُؤَالًا بِالشَّافِعِ صَارُوا يَقُولُونَ " اسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعْك " أَيْ يُجِيبُ سُؤَالَك بِهِ وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ وَضَعَهَا جَاهِلٌ بِالشَّرْعِ وَاللُّغَةِ وَلَيْسَ لَفْظُهَا مِنْ أَلْفَاظِ مَالِكٍ. نَعَمْ قَدْ يَكُونُ أَصْلُهَا صَحِيحًا وَيَكُونُ مَالِكٌ قَدْ نَهَى عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ كَمَا كَانَ عُمَرُ يَنْهَى عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي مَسْجِدِهِ وَيَكُونُ مَالِكٌ أَمَرَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ تَعْزِيرِهِ وَتَوْقِيرِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَلِيقُ بِمَالِكِ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ.
стр. 245
وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ لُغَةَ الصَّحَابَةِ الَّتِي كَانُوا يَتَخَاطَبُونَ بِهَا وَيُخَاطِبُهُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ وَعَادَتَهُمْ فِي الْكَلَامِ وَإِلَّا حَرَّفَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَنْشَأُ عَلَى اصْطِلَاحِ قَوْمِهِ وَعَادَتِهِمْ فِي الْأَلْفَاظِ ثُمَّ يَجِدُ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ فِي كَلَامِ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوْ الصَّحَابَةِ فَيَظُنُّ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوْ الصَّحَابَةِ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ مَا يُرِيدُهُ بِذَلِكَ أَهْلُ عَادَتِهِ وَاصْطِلَاحِهِ وَيَكُونُ مُرَادُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالصَّحَابَةِ خِلَافَ ذَلِكَ. وَهَذَا وَاقِعٌ لِطَوَائِفَ مِنْ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَالْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَآخَرُونَ يَتَعَمَّدُونَ وَضْعَ أَلْفَاظِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ عَلَى مَعَانِي أُخَرَ مُخَالِفَةٍ لِمَعَانِيهِمْ ثُمَّ يَنْطِقُونَ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ مُرِيدِينَ بِهَا مَا يَعْنُونَهُ هُمْ وَيَقُولُونَ: إنَّا مُوَافِقُونَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ والْإسمَاعِيليَّة وَمَنْ ضَاهَاهُمْ مِنْ مَلَاحِدَةِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ مِثْلِ مَنْ وَضَعَ " الْمُحْدَثَ " وَ " الْمَخْلُوقَ " وَ " الْمَصْنُوعَ " عَلَى مَا هُوَ مَعْلُولٌ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا وَيُسَمِّي ذَلِكَ " الْحُدُوثَ الذَّاتِيَّ " ثُمَّ يَقُولُ: نَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ وَهُوَ مُرَادُهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَفْظَ الْمُحْدَثِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَيْسَ لُغَةَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ وَإِنَّمَا الْمُحْدَثُ عِنْدَهُمْ مَا كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. وَكَذَلِكَ يَضَعُونَ لَفْظَ " الْمَلَائِكَةِ " عَلَى مَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ وَقُوَى النَّفْسِ. وَلَفْظَ " الْجِنِّ " وَ " الشَّيَاطِينِ " عَلَى بَعْضِ قُوَى النَّفْسِ ثُمَّ يَقُولُونَ: نَحْنُ نُثْبِتُ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأَقَرَّ بِهِ جُمْهُورُ النَّاسِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ.
стр. 246
وَمَنْ عَرَفَ مُرَادَ الْأَنْبِيَاءِ وَمُرَادَهُمْ عَلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ ذَاكَ مِثْلَ أَنْ يَعْلَمَ مُرَادَهُمْ بِالْعَقْلِ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ مُقَارِنٌ عِنْدَهُمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ أَزَلًا وَأَبَدًا وَأَنَّهُ مُبْدِعٌ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ أَوْ بِتَوَسُّطِهِ حَصَلَ كُلُّ مَا سِوَاهُ وَالْعَقْلُ الْفَعَّالُ عِنْدَهُمْ عَنْهُ يُصْدِرُ كُلَّ مَا تَحْتَ فَلَكِ الْقَمَرِ وَيُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَهُمْ مَنْ هُوَ رَبُّ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ وَلَا رَبُّ كُلِّ مَا تَحْتَ فَلَكِ الْقَمَرِ وَلَا مَنْ هُوَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ. وَيُعْلَمُ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي يُرْوَى ﴿أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ﴾ حَدِيثٌ بَاطِلٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فَإِنَّ لَفْظَهُ ﴿أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ﴾ بِنَصْبِ الْأَوَّلِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ ﴿فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ. فَقَالَ: وَعِزَّتِي مَا خَلَقْت خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْك فَبِك آخُذُ وَبِك أُعْطِي وَبِك الثَّوَابُ وَبِك الْعِقَابُ﴾ وَرُوِيَ ﴿لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ﴾ فَالْحَدِيثُ لَوْ كَانَ ثَابِتًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَاطَبَ الْعَقْلَ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ خَلْقِهِ وَأَنَّهُ خُلِقَ قَبْلَ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ هَذِهِ الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ لَا كُلُّ الْمَصْنُوعَاتِ. وَ " الْعَقْلُ " فِي لُغَةِ الْمُسْلِمِينَ مَصْدَرُ عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا يُرَادُ بِهِ الْقُوَّةُ الَّتِي بِهَا يَعْقِلُ وَعُلُومٌ وَأَعْمَالٌ تَحْصُلُ بِذَلِكَ لَا يُرَادُ بِهَا قَطُّ فِي لُغَةٍ: جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ هَذَا الْمَعْنَى بِلَفْظِ الْعَقْلِ. مَعَ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ فَسَادَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمُجَرَّدَاتِ وَالْمُفَارَقَاتِ يَنْتَهِي أَمْرُهُمْ فِيهِ إلَى إثْبَاتِ النَّفْسِ الَّتِي تُفَارِقُ الْبَدَنَ بِالْمَوْتِ وَإِلَى إثْبَاتِ مَا تُجَرِّدُهُ النَّفْسُ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ الْقَائِمَةِ بِهَا؛ فَهَذَا مُنْتَهَى مَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ الْحَقِّ فِي هَذَا الْبَابِ.
стр. 247
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَتَكَلَّمُ بِهِ مَنْ يَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ وَيُرِيدُ مُرَادَهُمْ لَا مُرَادَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ (الْكُتُبِ الْمَضْنُونِ بِهَا وَغَيْرِهِ مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ فِي " اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ " حَيْثُ جَعَلَهُ النَّفْسَ الْفَلَكِيَّةَ وَلَفْظِ " الْقَلَمِ " حَيْثُ جَعَلَهُ الْعَقْلَ الْأَوَّلَ وَلَفْظِ " الْمَلَكُوتِ " وَ " الْجَبَرُوتِ " وَ " الْمُلْكِ " حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ النَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَلَفْظَ " الشَّفَاعَةِ " حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ فَيْضًا يَفِيضُ مِنْ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُسْتَشْفِعِ وَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ قَدْ لَا يَدْرِي وَسَلَكَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ وَنَحْوِهَا مَسَالِكَ ابْنِ سِينَا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ مَنْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَدَبُّرٍ مِنْهُ لِلُغَةِ الرَّسُولِ ﷺ كَلَفْظِ الْقَدِيمِ فَإِنَّهُ فِي لُغَةِ الرَّسُولِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ خِلَافُ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿تَاللَّهِ إنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ . وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ عِبَارَةٌ عَمَّا لَمْ يَزَلْ أَوْ عَمَّا لَمْ يَسْبِقْهُ وُجُودُ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِعَدَمِ نَفْسِهِ وَيَجْعَلُونَهُ - إذَا أُرِيدَ بِهِ هَذَا - مِنْ بَابِ الْمَجَازِ وَلَفْظُ " الْمُحْدَثِ " فِي لُغَةِ الْقُرْآنِ يُقَابِلُ لِلَفْظِ " الْقَدِيمِ " فِي الْقُرْآنِ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ " الْكَلِمَةِ " فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَسَائِرِ لُغَةِ الْعَرَبِ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ كَقَوْلِهِ ﷺ ﴿كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ
стр. 248
خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿إنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ﴾ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلَّا كَذِبًا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ؛ وَلَا يُوجَدُ لَفْظُ الْكَلَامِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ إلَّا بِهَذَا الْمَعْنَى. وَالنُّحَاةُ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُسَمُّوا (الِاسْمَ وَحْدَهُ (وَالْفِعْلَ (وَالْحَرْفَ كَلِمَةً ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ يُرَادُ بِالْكَلِمَةِ الْكَلَامُ؛ فَيَظُنُّ مَنْ اعْتَادَ هَذَا أَنَّ هَذَا هُوَ لُغَةُ الْعَرَبِ وَكَذَلِكَ لَفْظُ " ذَوِي الْأَرْحَامِ " فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُرَادُ بِهِ الْأَقَارِبُ مِنْ جِهَةِ الْأَبَوَيْنِ فَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْعَصَبَةُ وَذَوُو الْفُرُوضِ وَإِنْ شَمِلَ ذَلِكَ مَنْ لَا يَرِثُ بِفَرْضِ وَلَا تَعْصِيبٍ ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ اسْمًا لِهَؤُلَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ فَيَظُنُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا ذَلِكَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ. وَلَفْظُ " التَّوَسُّلِ " وَ " الِاسْتِشْفَاعِ " وَنَحْوِهِمَا دَخَلَ فِيهَا مِنْ تَغْيِيرِ لُغَةِ الرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ مَا أَوْجَبَ غَلَطَ مَنْ غَلِطَ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ وَلُغَتِهِمْ. وَالْعِلْمُ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ مُصَدِّقٍ وَنَظَرٍ مَحْقُوقٍ. وَالْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ بِثُبُوتِ لَفْظِهِ وَمَعْرِفَةِ دَلَالَتِهِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ الْمَنْقُولِ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْحِكَايَةِ.
стр. 249
وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُتَظَاهِرَةٌ بِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ وَنُسَلِّمَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ؛ فَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَكَذَلِكَ رَغَّبَنَا وَحَضَّنَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَلَى أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَأَنْ يَبْعَثَهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدَهُ. فَهَذِهِ الْوَسِيلَةُ الَّتِي شُرِعَ لَنَا أَنْ نَسْأَلَهَا اللَّهَ تَعَالَى - كَمَا شُرِعَ لَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَنُسَلِّمَ عَلَيْهِ - هِيَ حَقٌّ لَهُ كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَالسَّلَامَ حَقٌّ لَهُ ﷺ .
وَالْوَسِيلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَبْتَغِيَهَا إلَيْهِ هِيَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ. وَهَذِهِ الْوَسِيلَةُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَيْهَا إلَّا بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ وَهَذَا التَّوَسُّلُ بِهِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ. وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ - كَمَا يَسْأَلُهُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ وَكَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَغَيْرِهِ مِثْلُ تَوَسُّلِ الْأَعْمَى بِدُعَائِهِ حَتَّى رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ - فَهَذَا نَوْعٌ ثَالِثٌ هُوَ وَمِنْ بَابِ قَبُولِ اللَّهِ دُعَاءَهُ وَشَفَاعَتَهُ لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ فَمَنْ شَفَعَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ وَدَعَا لَهُ فَهُوَ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَدْعُ لَهُ وَلَا يَشْفَعْ لَهُ. وَلَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ ظَنَّ أَنَّ تَوَسُّلَ الصَّحَابَةِ بِهِ كَانَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يُقْسِمُونَ بِهِ وَيَسْأَلُونَ بِهِ فَظَنَّ هَذَا مَشْرُوعًا مُطْلَقًا لِكُلِّ أَحَدٍ فِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ وَظَنُّوا
стр. 250
أَنَّ هَذَا مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ بَلْ وَفِي الصَّالِحِينَ وَفِيمَنْ يُظَنُّ فِيهِمْ الصَّلَاحُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَالِحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا فِي الْأَحَادِيثِ - لَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا كُتُبِ السُّنَنِ وَلَا الْمَسَانِيدِ الْمُعْتَمَدَةِ كَمُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ - وَإِنَّمَا يُوجَدُ فِي الْكُتُبِ الَّتِي عُرِفَ أَنَّ فِيهَا كَثِيرًا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ الْمَكْذُوبَةِ الَّتِي يَخْتَلِقُهَا الْكَذَّابُونَ بِخِلَافِ مَنْ قَدْ يَغْلَطُ فِي الْحَدِيثِ وَلَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تُوجَدُ الرِّوَايَةُ عَنْهُمْ فِي السُّنَنِ وَمُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ مَنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فَإِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَرْوِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ. وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الهمداني وَالشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَلْ فِي الْمُسْنَدِ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ؟ فَأَنْكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْنَدِ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ أَبُو الْفَرَجِ وَبَيَّنَ أَنَّ فِيهِ أَحَادِيثَ قَدْ عُلِمَ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ؛ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ فِي اصْطِلَاحِ أَبِي الْفَرَجِ هُوَ الَّذِي قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ الْمُحَدِّثُ بِهِ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْكَذِبَ بَلْ غَلِطَ فِيهِ وَلِهَذَا رَوَى فِي كِتَابِهِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَقَدْ نَازَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرَهُ وَقَالُوا إنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ بَلْ بَيَّنُوا ثُبُوتَ بَعْضِ ذَلِكَ لَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ أَنَّهُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
следующие страницы →