← Джавами‘

Джавами‘ · id 7289

مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (16 874 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وَمَنْ عَرَفَ مُرَادَ الْأَنْبِيَاءِ وَمُرَادَهُمْ عَلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ ذَاكَ مِثْلَ أَنْ يَعْلَمَ مُرَادَهُمْ بِالْعَقْلِ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ مُقَارِنٌ عِنْدَهُمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ أَزَلًا وَأَبَدًا وَأَنَّهُ مُبْدِعٌ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ أَوْ بِتَوَسُّطِهِ حَصَلَ كُلُّ مَا سِوَاهُ وَالْعَقْلُ الْفَعَّالُ عِنْدَهُمْ عَنْهُ يُصْدِرُ كُلَّ مَا تَحْتَ فَلَكِ الْقَمَرِ وَيُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَهُمْ مَنْ هُوَ رَبُّ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ وَلَا رَبُّ كُلِّ مَا تَحْتَ فَلَكِ الْقَمَرِ وَلَا مَنْ هُوَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ. وَيُعْلَمُ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي يُرْوَى ﴿أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ﴾ حَدِيثٌ بَاطِلٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فَإِنَّ لَفْظَهُ ﴿أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ﴾ بِنَصْبِ الْأَوَّلِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ ﴿فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ. فَقَالَ: وَعِزَّتِي مَا خَلَقْت خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْك فَبِك آخُذُ وَبِك أُعْطِي وَبِك الثَّوَابُ وَبِك الْعِقَابُ﴾ وَرُوِيَ ﴿لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ﴾ فَالْحَدِيثُ لَوْ كَانَ ثَابِتًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَاطَبَ الْعَقْلَ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ خَلْقِهِ وَأَنَّهُ خُلِقَ قَبْلَ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ هَذِهِ الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ لَا كُلُّ الْمَصْنُوعَاتِ. وَ " الْعَقْلُ " فِي لُغَةِ الْمُسْلِمِينَ مَصْدَرُ عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا يُرَادُ بِهِ الْقُوَّةُ الَّتِي بِهَا يَعْقِلُ وَعُلُومٌ وَأَعْمَالٌ تَحْصُلُ بِذَلِكَ لَا يُرَادُ بِهَا قَطُّ فِي لُغَةٍ: جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ هَذَا الْمَعْنَى بِلَفْظِ الْعَقْلِ. مَعَ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ فَسَادَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمُجَرَّدَاتِ وَالْمُفَارَقَاتِ يَنْتَهِي أَمْرُهُمْ فِيهِ إلَى إثْبَاتِ النَّفْسِ الَّتِي تُفَارِقُ الْبَدَنَ بِالْمَوْتِ وَإِلَى إثْبَاتِ مَا تُجَرِّدُهُ النَّفْسُ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ الْقَائِمَةِ بِهَا؛ فَهَذَا مُنْتَهَى مَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ الْحَقِّ فِي هَذَا الْبَابِ.

стр. 247

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَتَكَلَّمُ بِهِ مَنْ يَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ وَيُرِيدُ مُرَادَهُمْ لَا مُرَادَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ (الْكُتُبِ الْمَضْنُونِ بِهَا وَغَيْرِهِ مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ فِي " اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ " حَيْثُ جَعَلَهُ النَّفْسَ الْفَلَكِيَّةَ وَلَفْظِ " الْقَلَمِ " حَيْثُ جَعَلَهُ الْعَقْلَ الْأَوَّلَ وَلَفْظِ " الْمَلَكُوتِ " وَ " الْجَبَرُوتِ " وَ " الْمُلْكِ " حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ النَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَلَفْظَ " الشَّفَاعَةِ " حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ فَيْضًا يَفِيضُ مِنْ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُسْتَشْفِعِ وَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ قَدْ لَا يَدْرِي وَسَلَكَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ وَنَحْوِهَا مَسَالِكَ ابْنِ سِينَا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ مَنْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَدَبُّرٍ مِنْهُ لِلُغَةِ الرَّسُولِ ﷺ كَلَفْظِ الْقَدِيمِ فَإِنَّهُ فِي لُغَةِ الرَّسُولِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ خِلَافُ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿تَاللَّهِ إنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ . وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ عِبَارَةٌ عَمَّا لَمْ يَزَلْ أَوْ عَمَّا لَمْ يَسْبِقْهُ وُجُودُ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِعَدَمِ نَفْسِهِ وَيَجْعَلُونَهُ - إذَا أُرِيدَ بِهِ هَذَا - مِنْ بَابِ الْمَجَازِ وَلَفْظُ " الْمُحْدَثِ " فِي لُغَةِ الْقُرْآنِ يُقَابِلُ لِلَفْظِ " الْقَدِيمِ " فِي الْقُرْآنِ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ " الْكَلِمَةِ " فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَسَائِرِ لُغَةِ الْعَرَبِ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ كَقَوْلِهِ ﷺ ﴿كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ

стр. 248

خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿إنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ﴾ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلَّا كَذِبًا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ؛ وَلَا يُوجَدُ لَفْظُ الْكَلَامِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ إلَّا بِهَذَا الْمَعْنَى. وَالنُّحَاةُ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُسَمُّوا (الِاسْمَ وَحْدَهُ (وَالْفِعْلَ (وَالْحَرْفَ كَلِمَةً ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ يُرَادُ بِالْكَلِمَةِ الْكَلَامُ؛ فَيَظُنُّ مَنْ اعْتَادَ هَذَا أَنَّ هَذَا هُوَ لُغَةُ الْعَرَبِ وَكَذَلِكَ لَفْظُ " ذَوِي الْأَرْحَامِ " فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُرَادُ بِهِ الْأَقَارِبُ مِنْ جِهَةِ الْأَبَوَيْنِ فَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْعَصَبَةُ وَذَوُو الْفُرُوضِ وَإِنْ شَمِلَ ذَلِكَ مَنْ لَا يَرِثُ بِفَرْضِ وَلَا تَعْصِيبٍ ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ اسْمًا لِهَؤُلَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ فَيَظُنُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا ذَلِكَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ. وَلَفْظُ " التَّوَسُّلِ " وَ " الِاسْتِشْفَاعِ " وَنَحْوِهِمَا دَخَلَ فِيهَا مِنْ تَغْيِيرِ لُغَةِ الرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ مَا أَوْجَبَ غَلَطَ مَنْ غَلِطَ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ وَلُغَتِهِمْ. وَالْعِلْمُ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ مُصَدِّقٍ وَنَظَرٍ مَحْقُوقٍ. وَالْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ بِثُبُوتِ لَفْظِهِ وَمَعْرِفَةِ دَلَالَتِهِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ الْمَنْقُولِ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْحِكَايَةِ.

стр. 249

وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُتَظَاهِرَةٌ بِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ وَنُسَلِّمَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ؛ فَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَكَذَلِكَ رَغَّبَنَا وَحَضَّنَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَلَى أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَأَنْ يَبْعَثَهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدَهُ. فَهَذِهِ الْوَسِيلَةُ الَّتِي شُرِعَ لَنَا أَنْ نَسْأَلَهَا اللَّهَ تَعَالَى - كَمَا شُرِعَ لَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَنُسَلِّمَ عَلَيْهِ - هِيَ حَقٌّ لَهُ كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَالسَّلَامَ حَقٌّ لَهُ ﷺ . وَالْوَسِيلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَبْتَغِيَهَا إلَيْهِ هِيَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ. وَهَذِهِ الْوَسِيلَةُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَيْهَا إلَّا بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ وَهَذَا التَّوَسُّلُ بِهِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ. وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ - كَمَا يَسْأَلُهُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ وَكَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَغَيْرِهِ مِثْلُ تَوَسُّلِ الْأَعْمَى بِدُعَائِهِ حَتَّى رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ - فَهَذَا نَوْعٌ ثَالِثٌ هُوَ وَمِنْ بَابِ قَبُولِ اللَّهِ دُعَاءَهُ وَشَفَاعَتَهُ لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ فَمَنْ شَفَعَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ وَدَعَا لَهُ فَهُوَ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَدْعُ لَهُ وَلَا يَشْفَعْ لَهُ. وَلَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ ظَنَّ أَنَّ تَوَسُّلَ الصَّحَابَةِ بِهِ كَانَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يُقْسِمُونَ بِهِ وَيَسْأَلُونَ بِهِ فَظَنَّ هَذَا مَشْرُوعًا مُطْلَقًا لِكُلِّ أَحَدٍ فِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ وَظَنُّوا

стр. 250

أَنَّ هَذَا مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ بَلْ وَفِي الصَّالِحِينَ وَفِيمَنْ يُظَنُّ فِيهِمْ الصَّلَاحُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَالِحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا فِي الْأَحَادِيثِ - لَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا كُتُبِ السُّنَنِ وَلَا الْمَسَانِيدِ الْمُعْتَمَدَةِ كَمُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ - وَإِنَّمَا يُوجَدُ فِي الْكُتُبِ الَّتِي عُرِفَ أَنَّ فِيهَا كَثِيرًا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ الْمَكْذُوبَةِ الَّتِي يَخْتَلِقُهَا الْكَذَّابُونَ بِخِلَافِ مَنْ قَدْ يَغْلَطُ فِي الْحَدِيثِ وَلَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تُوجَدُ الرِّوَايَةُ عَنْهُمْ فِي السُّنَنِ وَمُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ مَنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فَإِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَرْوِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ. وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الهمداني وَالشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَلْ فِي الْمُسْنَدِ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ؟ فَأَنْكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْنَدِ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ أَبُو الْفَرَجِ وَبَيَّنَ أَنَّ فِيهِ أَحَادِيثَ قَدْ عُلِمَ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ؛ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ فِي اصْطِلَاحِ أَبِي الْفَرَجِ هُوَ الَّذِي قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ الْمُحَدِّثُ بِهِ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْكَذِبَ بَلْ غَلِطَ فِيهِ وَلِهَذَا رَوَى فِي كِتَابِهِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَقَدْ نَازَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرَهُ وَقَالُوا إنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ بَلْ بَيَّنُوا ثُبُوتَ بَعْضِ ذَلِكَ لَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ أَنَّهُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.

стр. 251

وَأَمَّا الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ وَأَمْثَالُهُ فَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِالْمَوْضُوعِ الْمُخْتَلَقَ الْمَصْنُوعَ الَّذِي تَعَمَّدَ صَاحِبُهُ الْكَذِبَ وَالْكَذِبُ كَانَ قَلِيلًا فِي السَّلَفِ. أَمَّا الصَّحَابَةُ فَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِمْ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - مَنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا لَمْ يُعْرَفْ فِيهِمْ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمَعْرُوفَةِ كَبِدَعِ الْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ فَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفِرَقِ. وَلَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ أَتَاهُ الْخَضِرُ فَإِنَّ خَضِرَ مُوسَى مَاتَ كَمَا بَيَّنَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَالْخَضِرُ الَّذِي يَأْتِي كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ جِنِّيٌّ تَصَوَّرَ بِصُورَةِ إنْسِيٍّ أَوْ إنْسِيٌّ كَذَّابٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَلَكًا مَعَ قَوْلِهِ أَنَا الْخَضِرُ فَإِنَّ الْمَلِكَ لَا يَكْذِبُ وَإِنَّمَا يَكْذِبُ الْجِنِّيُّ وَالْإِنْسِيُّ. وَأَنَا أَعْرَفُ مِمَّنْ أَتَاهُ الْخَضِرُ وَكَانَ جِنِّيًّا مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَكَانَ الصَّحَابَةُ أَعْلَمَ مِنْ أَنْ يَرُوجَ عَلَيْهِمْ هَذَا التَّلْبِيسُ. وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ حَمَلَتْهُ الْجِنُّ إلَى مَكَّةَ وَذَهَبَتْ بِهِ إلَى عَرَفَاتٍ لِيَقِفَ بِهَا كَمَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِكَثِيرِ مِنْ الْجُهَّالِ وَالْعُبَّادِ وَغَيْرِهِمْ وَلَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ تَسْرِقُ الْجِنُّ أَمْوَالَ النَّاسِ وَطَعَامَهُمْ وَتَأْتِيهِ بِهِ فَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْكَرَامَاتِ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ. وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَلَمْ يُعْرَفْ تَعَمُّدُ الْكَذِبِ فِي التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ بِخِلَافِ الشِّيعَةِ فَإِنَّ الْكَذِبَ مَعْرُوفٌ فِيهِمْ وَقَدْ عُرِفَ الْكَذِبُ بَعْدَ هَؤُلَاءِ فِي طَوَائِفَ.

стр. 252

وَأَمَّا الْغَلَطُ فَلَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ بَلْ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ قَدْ يَغْلَطُ أَحْيَانًا وَفِيمَنْ بَعْدَهُمْ. وَلِهَذَا كَانَ فِيمَا صُنِّفَ فِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ يُعْلَمُ أَنَّهَا غَلَطٌ وَإِنْ كَانَ جُمْهُورُ مُتُونِ الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ. فَالْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ يَعْلَمُ أَنَّهَا غَلَطٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ نَفْسُهُ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ وَبَيَّنَ أَنَّهُ رَوَاهَا لِتُعْرَفَ بِخِلَافِ مَا تَعَمَّدَ صَاحِبُهُ الْكَذِبَ؛ وَلِهَذَا نَزَّهَ أَحْمَدُ مُسْنَدَهُ عَنْ أَحَادِيثِ جَمَاعَةٍ يَرْوِي عَنْهُمْ أَهْلُ السُّنَنِ كَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ مِثْلِ مَشْيَخَةِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المزني عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَإِنْ كَانَ أَبُو دَاوُد يَرْوِي فِي سُنَنِهِ مِنْهَا فَشَرْطُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ أَجْوَدُ مِنْ شَرْطِ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تُرْوَى فِي ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ أَمْثَالِهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْغَرِيبَةِ الْمُنْكَرَةِ بَلْ الْمَوْضُوعَةِ الَّتِي يَرْوِيهَا مَنْ يَجْمَعُ فِي الْفَضَائِلِ وَالْمَنَاقِبِ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا يُصَنِّفُ فِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ وَفَضَائِلِ الْعِبَادَاتِ وَفَضَائِلِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَفَضَائِلِ الْبِقَاعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَبْوَابَ فِيهَا أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ وَأَحَادِيثُ حَسَنَةٌ وَأَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ وَأَحَادِيثُ كَذِبٍ مَوْضُوعَةٌ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي لَيْسَتْ صَحِيحَةً وَلَا حَسَنَةً لَكِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَغَيْرَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ جَوَّزُوا أَنْ يُرْوَى فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَال مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ ثَابِتٌ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ.

стр. 253

وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ وَرُوِيَ فِي فَضْلِهِ حَدِيثٌ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ جَازَ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ حَقًّا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا بِحَدِيثِ ضَعِيفٍ وَمَنْ قَالَ هَذَا فَقَدَ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ. وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ شَيْءٌ إلَّا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ لَكِنْ إذَا عُلِمَ تَحْرِيمُهُ وَرُوِيَ حَدِيثٌ فِي وَعِيدِ الْفَاعِلِ لَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ جَازَ أَنْ يَرْوِيَهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ لَكِنْ فِيمَا عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ رَغَّبَ فِيهِ أَوْ رَهَّبَ مِنْهُ بِدَلِيلِ آخَرَ غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَجْهُولِ حَالُهُ. وَهَذَا كالإسرائيليات: يَجُوزُ أَنْ يُرْوَى مِنْهَا مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِيهَا عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ فِي شَرْعِنَا وَنَهَى عَنْهُ فِي شَرْعِنَا. فَأَمَّا أَنْ يُثْبِتَ شَرْعًا لَنَا بِمُجَرَّدِ الإسرائيليات الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ فَهَذَا لَا يَقُولُهُ عَالِمٌ وَلَا كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَلَا أَمْثَالُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الشَّرِيعَةِ. وَمَنْ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيحِ وَلَا حَسَنٍ فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ كَانَ فِي عُرْفِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحَدِيثَ يَنْقَسِمُ إلَى نَوْعَيْنِ: صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ. وَالضَّعِيفُ عِنْدَهُمْ يَنْقَسِمُ إلَى ضَعِيفٍ مَتْرُوكٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَإِلَى ضَعِيفٍ حَسَنٍ كَمَا أَنَّ ضَعْفَ الْإِنْسَانِ بِالْمَرَضِ يَنْقَسِمُ إلَى مَرَضٍ مَخُوفٍ يَمْنَعُ التَّبَرُّعَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِلَى ضَعِيفٍ خَفِيفٍ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 254

وَأَوَّلُ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَسَّمَ الْحَدِيثَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ - صَحِيحٌ وَحَسَنٌ وَضَعِيفٌ - هُوَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ. وَالْحَسَنُ عِنْدَهُ مَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي رُوَاتِهِ مُتَّهَمٌ وَلَيْسَ بِشَاذِّ. فَهَذَا الْحَدِيثُ وَأَمْثَالُهُ يُسَمِّيهِ أَحْمَدُ ضَعِيفًا وَيَحْتَجُّ بِهِ وَلِهَذَا مَثَّلَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ الَّذِي يُحْتَجُّ بِهِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَحَدِيثِ إبْرَاهِيمَ الهجري وَنَحْوِهِمَا. وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي تُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ - وَهُوَ السُّؤَالُ بِنَفْسِ الْمَخْلُوقِينَ - هِيَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ الْوَاهِيَةِ بَلْ الْمَوْضُوعَةِ وَلَا يُوجَدُ فِي أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ مَنْ احْتَجَّ بِهَا وَلَا اعْتَمَدَ عَلَيْهَا مِثْلَ الْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﴿أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي أَتَعْلَمُ الْقُرْآنَ وَيَتَفَلَّتُ مِنِّي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِمُحَمَّدِ نَبِيِّك وَبِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِك وَبِمُوسَى نَجِيِّك وَعِيسَى رُوحِك وَكَلِمَتِك وَبِتَوْرَاةِ مُوسَى وَإِنْجِيلِ عِيسَى وَزَبُورِ دَاوُد وَفُرْقَانِ مُحَمَّدٍ وَبِكُلِّ وَحْيٍ أَوْحَيْته وَقَضَاءٍ قَضَيْته﴾ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ رزين بْنُ مُعَاوِيَةَ العبدري فِي جَامِعِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَلَمْ يَعْزُهُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا إلَى كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ لَكِنَّهُ قَدْ رَوَاهُ مَنْ صَنَّفَ فِي عَمَلِ (الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ كَابْنِ السُّنِّيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْكُتُبِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعَةٌ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا فِي الشَّرِيعَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخُ الأصبهاني فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَفِي هَذَا

стр. 255

الْكِتَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ كَذِبٌ مَوْضُوعَةٌ. وَرَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الحباب عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْمُتَّصِلِ قَالَ أَبُو مُوسَى: وَرَوَاهُ مُحْرِزُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ الصِّدِّيقِ ﵁ وَعَبْدُ الْمَلِكِ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ وَكَانَ بِالرِّيِّ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ ثِقَتَانِ. قُلْت: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ مِنْ الْمَعْرُوفِينَ بِالْكَذِبِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ كَذَّابٌ. وَقَال السَّعْدِيُّ: دَجَّالٌ كَذَّابٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ: يَضَعُ الْحَدِيثَ. وَقَالَ النَّسَائِي: مَتْرُوكٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: ضَعِيفٌ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَهُ أَحَادِيثُ لَا يُتَابِعُهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ. وَقَالَ الدارقطني: هُوَ وَأَبُوهُ ضَعِيفَانِ. وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي (كِتَابِ الْمَدْخَلِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ الشيباني رَوَى عَنْ أَبِيهِ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً: وَأَخْرَجَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ (الْمَوْضُوعَاتِ وَقَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي مُوسَى " هُوَ مُنْقَطِعٌ " يُرِيدُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ فَإِنَّ إسْنَادَهُ مُنْقَطِعٌ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْأُخَرَ الْمُنَاسِبَةَ لِهَذَا فِي اسْتِفْتَاحِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ وَخَالَفَ فِيهِ عَامَّةَ مَا نَقَلَهُ الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ السِّيَرِ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ: مِنْ أَنَّهُ مَتْرُوكٌ إمَّا لِتَعَمُّدِهِ الْكَذِبَ وَإِمَّا لِسُوءِ حِفْظِهِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَا فِي هَذَا وَلَا فِي ذَاكَ. وَمِثْلُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ

стр. 256

عَنْ جَدِّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَيْهِ ﴿إنَّهُ لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمَ الْخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ أَسْأَلُك بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْت لِي قَالَ: وَكَيْفَ عَرَفْت مُحَمَّدًا؟ قَالَ: لِأَنَّك لَمَّا خَلَقْتنِي بِيَدِك وَنَفَخْت فِيَّ مِنْ رُوحِك رَفَعْت رَأْسِي فَرَأَيْت عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَعَلِمْت أَنَّك لَمْ تُضِفْ إلَى اسْمِك إلَّا أَحَبَّ الْخَلْقِ إلَيْك. قَالَ: صَدَقْت يَا آدَمَ وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُك﴾ وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ العوفي عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَلَمَةَ عَنْهُ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ ذَكَرْته لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَقَالَ الْحَاكِمُ: هُوَ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الآجري فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَوْقُوفًا وَرَوَاهُ الآجري أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَقَالَ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ يُوسُفَ التَّاجِرُ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ خَالِدِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ؛ ﴿مِنْ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَابَ اللَّهُ بِهَا عَلَى آدَمَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِحَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْك. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا يُدْرِيك مَا مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: يَا رَبِّ رَفَعْت رَأْسِي فَرَأَيْت مَكْتُوبًا عَلَى عَرْشِك: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَعَلِمْت أَنَّهُ أَكْرَمُ خَلْقِك﴾ . قُلْت: وَرِوَايَةُ الْحَاكِمِ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ نَفْسَهُ قَدْ قَالَ فِي (كِتَابِ الْمَدْخَلِ إلَى مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ مِنْ السَّقِيمِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ

стр. 257

رَوَى عَنْ أَبِيهِ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ تَأَمَّلَهَا مَنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ أَنَّ الْحَمْلَ فِيهَا عَلَيْهِ. قُلْت: وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ يَغْلَطُ كَثِيرًا ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالنَّسَائِي وَالدَّارَقُطْنِي وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ: كَانَ يَقْلِبُ الْأَخْبَارَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَتِهِ مِنْ رَفْعِ الْمَرَاسِيلِ وَإِسْنَادِ الْمَوْقُوفِ فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ. وَأَمَّا تَصْحِيحُ الْحَاكِمِ لِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ فَهَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَقَالُوا: إنَّ الْحَاكِمَ يُصَحِّحُ أَحَادِيثَ وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ مَكْذُوبَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ كَمَا صَحَّحَ حَدِيثَ زريب بْنِ برثملي: الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ وَصِيِّ الْمَسِيحِ وَهُوَ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ البيهقي وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمَا وَكَذَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي مُسْتَدْرَكِهِ يُصَحِّحُهَا وَهِيَ عِنْدَ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مَوْضُوعَةٌ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مَوْقُوفًا يَرْفَعُهُ. وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى مُجَرَّدِ تَصْحِيحِ الْحَاكِمِ وَإِنْ كَانَ غَالِبُ مَا يُصَحِّحُهُ فَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنْ هُوَ فِي الْمُصَحِّحِينَ بِمَنْزِلَةِ الثِّقَةِ الَّذِي يَكْثُرُ غَلَطُهُ وَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ أَغْلَبَ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ فِيمَنْ يُصَحِّحُ الْحَدِيثَ أَضْعَفُ مِنْ تَصْحِيحِهِ بِخِلَافِ أَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانَ البستي فَإِنَّ تَصْحِيحَهُ فَوْقَ تَصْحِيحِ الْحَاكِمِ وَأَجَلُّ قَدْرًا وَكَذَلِكَ تَصْحِيحُ التِّرْمِذِيِّ وَالدَّارَقُطْنِي وَابْنِ خُزَيْمَة وَابْنِ منده وَأَمْثَالِهِمْ فِيمَنْ يُصَحِّحُ الْحَدِيثَ.

стр. 258

فَإِنَّ هَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ مَا يَنْقُلُونَهُ نِزَاعٌ فَهُمْ أتقن فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْحَاكِمِ وَلَا يَبْلُغُ تَصْحِيحُ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ مَبْلَغَ تَصْحِيحِ مُسْلِمٍ وَلَا يَبْلُغُ تَصْحِيحُ مُسْلِمٍ مَبْلَغَ تَصْحِيحِ الْبُخَارِيِّ بَلْ كِتَابُ الْبُخَارِيِّ أَجَلُّ مَا صُنِّفَ فِي هَذَا الْبَابِ؛ وَالْبُخَارِيُّ مِنْ أَعْرَفِ خَلْقِ اللَّهِ بِالْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ مَعَ فِقْهِهِ فِيهِ وَقَدْ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا أَعْلَم بِالْعِلَلِ مِنْهُ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ الْبُخَارِيِّ إذَا رَوَى حَدِيثًا اُخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ أَوْ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ أَنْ يَذْكُرَ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِذِكْرِهِ لَهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ مَقْرُونًا بِالِاخْتِلَافِ فِيهِ. وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُورُ مَا أُنْكِرَ عَلَى الْبُخَارِيِّ مِمَّا صَحَّحَهُ يَكُونُ قَوْلُهُ فِيهِ رَاجِحًا عَلَى قَوْلِ مَنْ نَازَعَهُ. بِخِلَافِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ فَإِنَّهُ نُوزِعَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِمَّا خَرَّجَهَا وَكَانَ الصَّوَابُ فِيهَا مَعَ مَنْ نَازَعَهُ كَمَا رَوَى فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِثَلَاثِ ركوعات وَبِأَرْبَعِ ركوعات كَمَا رَوَى أَنَّهُ صَلَّى بِرُكُوعَيْنِ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ إلَّا بِرُكُوعَيْنِ وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْكُسُوفَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا الثَّلَاثُ وَالْأَرْبَعُ فِيهَا أَنَّهُ صَلَّاهَا يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ فِي يَوْمَيْ كُسُوفٍ وَلَا كَانَ لَهُ إبْرَاهِيمَانِ. وَمَنْ نَقَلَ أَنَّهُ مَاتَ عَاشِرَ الشَّهْرِ فَقَدْ كَذَبَ وَكَذَلِكَ رَوَى مُسْلِمٌ ﴿خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ﴾ وَنَازَعَهُ فِيهِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ كَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا فَبَيَّنُوا أَنَّ هَذَا غَلَطٌ لَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 259

وَالْحُجَّةُ مَعَ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَأَنَّ آخِرَ مَا خَلَقَهُ هُوَ آدَمَ وَكَانَ خَلْقُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ فِي الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ وَقَدْ رُوِيَ إسْنَادٌ أَصَحُّ مِنْ هَذَا أَنَّ أَوَّلَ الْخَلْقِ كَانَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَكَذَلِكَ رَوَى أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمَّا أَسْلَمَ طَلَبَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّ حَبِيبَةَ وَأَنْ يَتَّخِذَ مُعَاوِيَةَ كَاتِبًا. وَغَلَّطَهُ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ. وَلَكِنَّ جُمْهُورَ مُتُونِ الصَّحِيحَيْنِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهَا وَهُمْ يَعْلَمُونَ عِلْمًا قَطْعِيًّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهَا. وَبَسْطُ الْكَلَامِ فِي هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي آدَمَ يَذْكُرُهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ بِغَيْرِ إسْنَادٍ وَمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ مَعَ زِيَادَاتٍ أُخَرَ كَمَا ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ: وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ وَأَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا ﴿أَنَّ آدَمَ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي - قَالَ وَيُرْوَى تَقَبَّلْ تَوْبَتِي - فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْت مُحَمَّدًا؟ قَالَ رَأَيْت فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَيُرْوَى: مُحَمَّدٌ عَبْدِي وَرَسُولِي فَعَلِمْت أَنَّهُ أَكْرَمُ خَلْقِك عَلَيْك؛ فَتَابَ عَلَيْهِ وَغَفَرَ لَهُ﴾ . وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنَّ تُبْنَى عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي الدِّينِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ الإسرائيليات وَنَحْوِهَا الَّتِي لَا تُعْلَمُ صِحَّتُهَا إلَّا بِنَقْلِ

стр. 260

ثَابِتٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذِهِ لَوْ نَقَلَهَا مِثْلُ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَأَمْثَالِهِمَا مِمَّنْ يَنْقُلُ أَخْبَارَ (الْمُبْتَدَأِ وَقَصَصَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْتَجَّ بِهَا فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَيْفَ إذَا نَقَلَهَا مَنْ لَا يَنْقُلُهَا لَا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا عَنْ ثِقَاتِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؟ بَلْ إنَّمَا يَنْقُلُهَا عَمَّنْ هُوَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مَجْرُوحٌ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَاضْطَرَبَ عَلَيْهِ فِيهَا اضْطِرَابًا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ ذَلِكَ. وَلَا يَنْقُلُ ذَلِكَ وَلَا مَا يُشْبِهُهُ أَحَدٌ مِنْ ثِقَاتِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُعْتَمَدُ عَلَى نَقْلِهِمْ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ جِنْسِ مَا يَنْقُلُهُ إسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ وَأَمْثَالُهُ فِي (كُتُبِ الْمُبْتَدَأِ وَهَذِهِ لَوْ كَانَتْ ثَابِتَةً عَنْ الْأَنْبِيَاءِ لَكَانَتْ شَرْعًا لَهُمْ وَحِينَئِذٍ فَكَانَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا هَلْ هُوَ شَرْعٌ لَنَا أَمْ لَا؟ وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ. لَكِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ لِمَنْ قَبْلَنَا مِنْ نَقْلٍ ثَابِتٍ عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ أَوْ بِمَا تَوَاتَرَ عَنْهُمْ لَا بِمَا يُرْوَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ فِي شَرْعِ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنْعَانِي صَاحِبُ التَّفْسِيرِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُوَعِّيَهُ اللَّهُ حِفْظَ الْقُرْآنِ وَحِفْظَ أَصْنَافِ الْعِلْمِ فَلْيَكْتُبْ هَذَا الدُّعَاءَ فِي إنَاءٍ نَظِيفٍ أَوْ فِي صُحُفٍ قَوَارِيرَ بِعَسَلِ وَزَعْفَرَانٍ وَمَاءِ مَطَرٍ وَلْيَشْرَبْهُ عَلَى الرِّيقِ وَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلْيَكُنْ إفْطَارُهُ عَلَيْهِ وَيَدْعُو بِهِ فِي إدْبَارِ صَلَوَاتِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنَّك مَسْئُولٌ لَمْ يُسْأَلْ

стр. 261

مِثْلُك وَلَا يُسْأَلُ وَأَسْأَلُك بِحَقِّ مُحَمَّدٍ نَبِيِّك وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِك وَمُوسَى نَجِيِّك وَعِيسَى رُوحِك وَكَلِمَتِك وَوَجِيهِك﴾ وَذَكَرَ تَمَامَ الدُّعَاءِ. وَمُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا مِنْ الْكَذَّابِينَ قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ فِيهِ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ: دَجَّالٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَضَعَ عَلَى ابْنِ جريج عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كِتَابًا فِي التَّفْسِيرِ جَمَعَهُ مِنْ كَلَامِ الْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ وَيُرْوَى نَحْوُ هَذَا - دُونَ الصَّوْمِ - عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِي حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُوسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ هَذَا قَالَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَذَّابٌ وَقَالَ الدارقطني: مَتْرُوكٌ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ مُغَفَّلًا يُلَقَّنُ فَيَتَلَقَّنُ فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ. وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ بِطَرِيقِ أَضْعَفَ مِنْ الْأَوَّلِ. وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ الأصبهاني مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ إسْحَاقَ الْجَوْهَرِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ الْعَلَاءِ العتبي حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَرَفَعَ الْحَدِيثَ قَالَ ﴿مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْفَظَ فَلْيَصُمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَلْيَكُنْ إفْطَارُهُ فِي آخِرِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ﴾ . قُلْت: وَهَذِهِ أَسَانِيدُ مُظْلِمَةٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا شَيْءٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي أَمَالِيهِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ المقدسي عَلَى عَادَةِ أَمْثَالِهِمْ فِي رِوَايَةِ مَا يُرْوَى فِي الْبَابِ سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا أَوْ ضَعِيفًا كَمَا اعْتَادَهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُمْ يَرْوُونَ مَا رَوَى بِهِ الْفَضَائِلَ وَيَجْعَلُونَ الْعُهْدَةَ

стр. 262

فِي ذَلِكَ عَلَى النَّاقِلِ كَمَا هِيَ عَادَةُ الْمُصَنِّفِينَ فِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْعِبَادَاتِ. كَمَا يَرْوِيهِ أَبُو الشَّيْخِ الأصبهاني فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَغَيْرِهِ حَيْثُ يَجْمَعُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً لِكَثْرَةِ رِوَايَتِهِ وَفِيهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ قَوِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وَحَسَنَةٌ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ضَعِيفَةٌ مَوْضُوعَةٌ وَوَاهِيَةٌ. وَكَذَلِكَ مَا يَرْوِيهِ خيثمة بْنُ سُلَيْمَانَ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ وَمَا يَرْوِيهِ أَبُو نُعَيْمٍ الأصبهاني فِي (فَضَائِلِ الْخُلَفَاءِ) فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ وَفِي أَوَّلِ (حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ) وَمَا يَرْوِيهِ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الْكِنَانِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ الْبَنَّاءِ وَأَمْثَالُهُمْ مِنْ الشُّيُوخِ وَمَا يَرْوِيهِ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ نَاصِرٍ وَأَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ وَالْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ وَأَمْثَالُهُمْ مِمَّنْ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِالْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَرْوُونَ فِي تَصَانِيفِهِمْ مَا رُوِيَ مُطْلَقًا عَلَى عَادَتِهِمْ الْجَارِيَةِ؛ لِيُعْرَفَ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ لَا لِيُحْتَجَّ بِكُلِّ مَا رُوِيَ وَقَدْ يَتَكَلَّمُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْحَدِيثِ وَيَقُولُ: غَرِيبٌ وَمُنْكَرٌ وَضَعِيفٌ؛ وَقَدْ لَا يَتَكَلَّمُ. وَهَذَا بِخِلَافِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ بِهِ وَيَبْنُونَ عَلَيْهِ دِينَهُمْ؛ مِثْلِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيِّ وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِي وَابْنِ خُزَيْمَة وَابْنِ الْمُنْذِرِ ودَاوُد بْنِ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطبري وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ

стр. 263

يَبْنُونَ الْأَحْكَامَ عَلَى الْأَحَادِيثِ يَحْتَاجُونَ أَنْ يَجْتَهِدُوا فِي مَعْرِفَةِ صَحِيحِهَا وَضَعِيفِهَا وَتَمْيِيزِ رِجَالِهَا. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي الْحَدِيثِ وَالرِّجَالِ؛ لِيُمَيِّزُوا بَيْنَ هَذَا وَهَذَا لِأَجْلِ مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ؛ كَمَا يَفْعَلُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ وَأَبُو حَاتِمٍ البستي وَأَبُو الْحَسَنِ الدارقطني وَأَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَكَمَا قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ البيهقي وَأَبُو إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ الزنجاني وَأَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ؛ فَإِنَّ بَسْطَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَلَمْ نَذْكُرْ مَنْ لَا يَرْوِي بِإِسْنَادِ - مِثْلَ كِتَابِ (وَسِيلَةِ الْمُتَعَبِّدِينَ لِعُمَرِ الملا الموصلي وَكِتَابِ (الْفِرْدَوْسِ لِشَهْرَيَارَ الديلمي وَأَمْثَالِ ذَلِكَ - فَإِنَّ هَؤُلَاءِ دُونَ هَؤُلَاءِ الطَّبَقَاتِ؛ وَفِيمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ الْأَكَاذِيبِ أَمْرٌ كَبِيرٌ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مَرْفُوعٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةٍ شَرْعِيَّةٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِحَدِيثِهِ؛ بَلْ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ إنَّمَا يَعْرِفُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ إمَّا تَعَمُّدًا مِنْ وَاضِعِهِ وَإِمَّا غَلَطًا مِنْهُ. وَفِي الْبَابِ آثَارٌ عَنْ السَّلَفِ أَكْثَرُهَا ضَعِيفَةٌ. فَمِنْهَا حَدِيثُ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَسَأَلُوا؛ وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ وَمُصْعَبٌ ابْنَا الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ (مُجَابِي الدُّعَاءِ وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانَ الغنوي

стр. 264

عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " لَقَدْ رَأَيْت عَجَبًا كُنَّا بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ؛ فَقَالَ الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ فَرَغُوا مِنْ حَدِيثِهِمْ: لِيَقُمْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ فَلْيَأْخُذْ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَلْيَسْأَلْ اللَّهَ حَاجَتَهُ فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنْ سَعَةٍ. ثُمَّ قَالُوا: قُمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَإِنَّك أَوَّلُ مَوْلُودٍ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَقَامَ فَأَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّك عَظِيمٌ تُرْجَى لِكُلِّ عَظِيمٍ؛ أَسْأَلُك بِحُرْمَةِ وَجْهِك وَحُرْمَةِ عَرْشِك وَحُرْمَةِ نَبِيِّك أَنْ لَا تُمِيتَنِي مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى تُوَلِّيَنِي الْحِجَازَ وَيُسَلَّمَ عَلَيَّ بِالْخِلَافَةِ؛ ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ. ثُمَّ قَامَ مُصْعَبٌ فَأَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّك رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْك يَصِيرُ كُلُّ شَيْءٍ أَسْأَلُك بِقُدْرَتِك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ أَلَّا تُمِيتَنِي مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى تُوَلِّيَنِي الْعِرَاقَ وَتُزَوِّجَنِي بِسُكَيْنَةِ بِنْتِ الْحُسَيْنِ. ثُمَّ قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فَأَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ؛ وَرَبَّ الْأَرْضِ ذَاتِ النَّبْتِ بَعْدَ الْقَفْرِ أَسْأَلُك بِمَا سَأَلَك بِهِ عِبَادُك الْمُطِيعُونَ لِأَمْرِك وَأَسْأَلُك بِحَقِّك عَلَى خَلْقِك وَبِحَقِّ الطَّائِفِينَ حَوْلَ عَرْشِك " إلَى آخِرِهِ. قُلْت: وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الَّذِي رَوَى هَذَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ كَذَّابٌ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كَتَبْت عَنْهُ ثُمَّ حَدَّثَ بِأَحَادِيثَ مَوْضُوعَةٍ فَتَرَكْنَاهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: وَضَعَ حَدِيثًا عَلَى السَّابِعِ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ يَلْبَسُ الْخُضْرَةَ يَعْنِي الْمَأْمُونَ

стр. 265

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو زُرْعَةَ وَالدَّارَقُطْنِي: مَتْرُوكٌ. وَقَالَ الجوزجاني: ظَهَرَ مِنْهُ عَلَى الْكَذِبِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: كَذَّابٌ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَضَعُ عَلَى الثِّقَاتِ. وَطَارِقُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّ الثَّوْرِيَّ رَوَى عَنْهُ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ. قَالَ: فَإِنَّ طَارِقَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَعْرُوفَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَجْلَانَ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ. وَقَدْ خُولِفَ فِيهَا فَرَوَاهَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ الطَّبَرَانِي: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْجَرِيشِ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ السجستاني حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " اجْتَمَعَ فِي الْحِجْرِ مُصْعَبٌ وَعُرْوَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ أَبْنَاءُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالُوا: تَمَنَّوْا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى الْخِلَافَةَ وَقَالَ عُرْوَةُ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى أَنْ يُؤْخَذَ عَنِّي الْعِلْمُ وَقَالَ مُصْعَبٌ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى إمْرَةَ الْعِرَاقِ وَالْجَمْعَ بَيْنَ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ وَسُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى الْمَغْفِرَةَ. قَالَ: فَنَالَ كُلُّهُمْ مَا تَمَنَّوْا وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ غُفِرَ لَهُ ". قُلْت: وَهَذَا إسْنَادٌ خَيْرٌ مِنْ ذَاكَ الْإِسْنَادِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَيْسَ فِيهِ سُؤَالٌ بِالْمَخْلُوقَاتِ. وَفِي الْبَابِ حِكَايَاتٌ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ رَأَى مَنَامًا قِيلَ لَهُ فِيهِ: اُدْعُ بِكَذَا وَكَذَا وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ مَنْ جَمَعَ الْأَدْعِيَةَ وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِثْلُ مَا رَوَاهُ

стр. 266

ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ (مُجَابِي الدُّعَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ سَمِعْت كَثِيرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ رِفَاعَةَ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبْجَرَ فَجَسَّ بَطْنَهُ فَقَالَ: بِك دَاءٌ لَا يَبْرَأُ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: الدُّبَيْلَةُ. قَالَ فَتَحَوَّلَ الرَّجُلُ فَقَالَ: اللَّهَ اللَّهَ اللَّهَ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا اللَّهُمَّ إنِّي أَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ ﷺ تَسْلِيمًا يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّك وَرَبِّي يَرْحَمُنِي مِمَّا بِي. قَالَ فَجَسَّ بَطْنَهُ فَقَالَ: قَدْ بَرِئْت مَا بِك عِلَّةٌ. قُلْت: فَهَذَا الدُّعَاءُ وَنَحْوُهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ دَعَا بِهِ السَّلَفُ وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مَنْسَكِ المروذي التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الدُّعَاءِ وَنَهَى عَنْهُ آخَرُونَ. فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُ الْمُتَوَسِّلِينَ التَّوَسُّلَ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِمَحَبَّتِهِ وَبِمُوَالَاتِهِ وَبِطَاعَتِهِ فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُمْ التَّوَسُّلَ بِذَاتِهِ فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ يُرَدُّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. وَلَيْسَ مُجَرَّدُ كَوْنِ الدُّعَاءِ حَصَلَ بِهِ الْمَقْصُودُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَائِغٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ الْكَوَاكِبِ وَالْمَخْلُوقِينَ وَيَحْصُلُ مَا يَحْصُلُ مِنْ غَرَضِهِمْ وَبَعْضُ النَّاسِ يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ الْأَوْثَانِ وَالْكَنَائِسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَدْعُو التَّمَاثِيلَ الَّتِي فِي الْكَنَائِسِ وَيَحْصُلُ مَا يَحْصُلُ مِنْ غَرَضِهِ وَبَعْضُ النَّاسِ يَدْعُو بِأَدْعِيَةِ مُحَرَّمَةٍ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَيَحْصُلُ مَا يَحْصُلُ مِنْ غَرَضِهِمْ. فَحُصُولُ الْغَرَضِ بِبَعْضِ الْأُمُورِ لَا يَسْتَلْزِمُ إبَاحَتَهُ وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ مُبَاحًا

стр. 267

فَإِنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَصْلَحَتِهِ وَالشَّرِيعَةُ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ الشِّرْكِ وَالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ قَدْ يَحْصُلُ لِصَاحِبِهِ بِهِ مَنَافِعُ وَمَقَاصِدُ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ مَفَاسِدُهَا رَاجِحَةً عَلَى مَصَالِحِهَا نَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهَا كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأُمُورِ كَالْعِبَادَاتِ وَالْجِهَادِ وَإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ قَدْ تَكُونُ مُضِرَّةً لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ مَصْلَحَتُهُ رَاجِحَةً عَلَى مَفْسَدَتِهِ أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ. فَهَذَا أَصْلٌ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا إلَّا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ يَقْتَضِي إيجَابَهُ أَوْ اسْتِحْبَابَهُ. وَالْعِبَادَاتُ لَا تَكُونُ إلَّا وَاجِبَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً فَمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ فَلَيْسَ بِعِبَادَةِ. وَالدُّعَاءُ لِلَّهِ تَعَالَى عِبَادَةٌ إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ بِهِ أَمْرًا مُبَاحًا. وَفِي الْجُمْلَةِ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ السُّؤَالُ بِهِ بِخِلَافِ دُعَاءِ الْمَوْتَى وَالْغَائِبِينَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالصَّالِحِينَ وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهِمْ وَالشَّكْوَى إلَيْهِمْ فَهَذَا مِمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا رَخَّصَ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَحَدِيثُ الْأَعْمَى الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِي هُوَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ التَّوَسُّلِ بِدُعَائِهِ فَإِنَّ ﴿الْأَعْمَى قَدْ طَلَبَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ بِأَنْ يَرُدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ. فَقَالَ لَهُ إنْ شِئْت صَبَرْت وَإِنْ شِئْت دَعَوْت لَك فَقَالَ. بَلْ اُدْعُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك

стр. 268

بِنَبِيِّك نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِيَقْضِيَهَا اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ﴾ فَهَذَا تَوَسُّلٌ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَشَفَاعَتِهِ وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلِهَذَا قَالَ: " وَشَفِّعْهُ فِيَّ " فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْبَلَ شَفَاعَةَ رَسُولِهِ فِيهِ وَهُوَ دُعَاؤُهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَدُعَائِهِ الْمُسْتَجَابِ وَمَا أَظْهَرَ اللَّهُ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ مِنْ الْخَوَارِقِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْ الْعَاهَاتِ فَإِنَّهُ ﷺ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ لِهَذَا الْأَعْمَى أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ - حَدِيثُ الْأَعْمَى - قَدْ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُونَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ كالبيهقي وَغَيْرِهِ: رَوَاهُ البيهقي مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الليثي قَالَ: سَمِعْت عُمَارَةَ بْنَ خُزَيْمَة بْنِ ثَابِتٍ يُحَدِّثُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ ﴿أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي فَقَالَ لَهُ إنْ شِئْت أَخَّرْت ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَك وَإِنْ شِئْت دَعَوْت قَالَ فادعه فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ الْوُضُوءَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَيَقْضِيهَا لِي اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ قَالَ فَقَامَ وَقَدْ أَبْصَرَ﴾ وَمِنْ هَذَا الطَّرِيقِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِي وَابْنُ مَاجَه أَيْضًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جَعْفَرٍ وَهُوَ غَيْرُ الليثي هَكَذَا وَقَعَ فِي التِّرْمِذِيِّ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ قَالُوا هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الخطمي وَهُوَ الصَّوَابُ

стр. 269

وَأَيْضًا فَالتِّرْمِذِيُّ وَمَنْ مَعَهُ لَمْ يَسْتَوْعِبُوا لَفْظَهُ كَمَا اسْتَوْعَبَهُ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ بَلْ رَوَوْهُ إلَى قَوْلِهِ ﴿اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ﴾ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَة بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ ﴿أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ إنْ شِئْت صَبَرْت فَهُوَ خَيْرٌ لَك قَالَ فادعه قَالَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إنِّي تَوَجَّهْت بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ﴾ . قَالَ البيهقي: رَوَيْنَاهُ فِي (كِتَابِ الدَّعَوَاتِ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ عبادة عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرَأَ قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الخطمي. قُلْت. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ رَوْحِ بْنِ عبادة كَمَا ذَكَرَهُ البيهقي قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عبادة حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدِينِيِّ: سَمِعْت عُمَارَةَ بْنَ خُزَيْمَة بْنِ ثَابِتٍ يُحَدِّثُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ ﴿أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ إنْ شِئْت أَخَّرْت ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لِآخِرَتِك وَإِنْ شِئْت دَعَوْت لَك قَالَ: لَا بَلْ اُدْعُ اللَّهَ لِي فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَأَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى اللَّهِ فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى لِي وَتُشَفِّعُنِي فِيهِ وَتُشَفِّعُهُ فِيَّ قَالَ فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرِئَ﴾ .

стр. 270

رَوَاهُ البيهقي أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ الحبطي عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدِينِيِّ - وَهُوَ الخطمي - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ ﴿عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَاءَهُ رَجُلٌ ضَرِيرٌ يَشْتَكِي إلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَيْسَ لِي قَائِدٌ وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّي فَيُجْلَى عَنْ بَصَرِي اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِي نَفْسِي قَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيف: وَاَللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَلَا طَالَ الْحَدِيثُ بِنَا حَتَّى دَخَلَ الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ﴾ . فَرِوَايَةُ شَبِيبٍ عَنْ رَوْحٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الليثي خَالَفَتْ رِوَايَةَ شُعْبَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ؛ فَإِنَّ فِي تِلْكَ أَنَّهُ رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَة وَفِي هَذِهِ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي أمامة سَهْلٍ وَفِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ قَالَ: فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ وَفِي هَذِهِ وَشَفِّعْنِي فِي نَفْسِي. لَكِنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ لَهُ شَاهِدٌ آخَرُ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ الدستوائي عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ. وَرَوَاهُ البيهقي مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَفِيهِ قِصَّةٌ قَدْ يَحْتَجُّ بِهَا مَنْ تَوَسَّلَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ - إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً - رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ الحبطي عَنْ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدِينِيِّ عَنْ أَبِي أمامة سَهْلِ بْنِ العتبية أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عفان فِي حَاجَةٍ لَهُ وَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ فَلَقِيَ الرَّجُلُ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ

стр. 271

فَشَكَا إلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّي فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي ثُمَّ اُذْكُرْ حَاجَتَك ثُمَّ رُحْ حَتَّى أَرُوحَ مَعَك. قَالَ فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَصَنَعَ ذَلِكَ ثُمَّ أَتَى بَعْدُ عُثْمَانَ بْنَ عفان فَجَاءَ الْبَوَّابُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ وَقَالَ: اُنْظُرْ مَا كَانَتْ لَك مِنْ حَاجَةٍ. فَذَكَرَ حَاجَتَهُ فَقَضَاهَا لَهُ. ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ فَقَالَ لَهُ: جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيَّ حَتَّى كَلَّمْته فِيَّ: فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ: مَا كَلَّمْته وَلَكِنْ ﴿سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: وَجَاءَهُ ضَرِيرٌ فَشَكَا إلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوَتَصْبِرُ؟ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي قَائِدٌ وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ فَقَالَ ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوَجَّهُ إلَى رَبِّي فَيُجْلِي لِي عَنْ بَصَرِي اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِي نَفْسِي قَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ فَوَاَللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَمَا طَالَ بِنَا الْحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ﴾ . قَالَ البيهقي: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ بِطُولِهِ وَسَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ. قَالَ: وَرَوَاهُ أَيْضًا هِشَامٌ الدستوائي عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي أمامة بْنِ سَهْلٍ عَنْ عَمِّهِ - وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ - وَلَمْ يَذْكُرْ إسْنَادَ هَذِهِ الطُّرُقِ.

стр. 272

قُلْت: وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِي فِي كِتَابِ (عَمَلُ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ. وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَة وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ - لَا التِّرْمِذِيُّ وَلَا النَّسَائِي وَلَا ابْنُ مَاجَه - مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي فِيهَا الزِّيَادَةُ: طَرِيقُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ. لَكِنْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ فَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَنِيِّ سَمِعْت عُمَارَةَ بْنَ خُزَيْمَة يُحَدِّثُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ ﴿أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي فَقَالَ: إنْ شِئْت أَخَّرْت ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَك وَإِنْ شِئْت دَعَوْت قَالَ: فادعه. فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إنِّي تَوَجَّهْت بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ﴾ قَالَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِهِمَا. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ الحبطي وَعَوْنِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الليثي الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ عَنْ عَمِّهِ ﴿عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَجَاءَهُ ضَرِيرٌ فَشَكَا إلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي قَائِدٌ وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ فَقَالَ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك

стр. 273

مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّي فَيُجْلِي لِي عَنْ بَصَرِي اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِي نَفْسِي قَالَ عُثْمَانُ فَوَاَللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَلَا طَالَ بِنَا الْحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ الرَّجُلُ وَكَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ﴾ . قَالَ الْحَاكِمُ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. وَشَبِيبٌ هَذَا صَدُوقٌ رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَكِنَّهُ قَدْ رَوَى لَهُ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْفَرَجِ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ رَوَاهَا ابْنُ وَهْبٍ وَقَدْ ظَنَّ أَنَّهُ غَلِطَ عَلَيْهِ. وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ مِثْلُ هَذَا إذَا انْفَرَدَ عَنْ الثِّقَاتِ الَّذِينَ هُمْ أَحْفَظُ مِنْهُ مِثْلُ شُعْبَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَهِشَامٍ الدستوائي بِزِيَادَةِ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ؛ لَا سِيَّمَا وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ قَالَ ﴿فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِي نَفْسِي﴾ وَأُولَئِكَ قَالُوا ﴿فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ﴾ وَمَعْنَى قَوْلِهِ " وَشَفِّعْنِي فِيهِ " أَيْ فِي دُعَائِهِ وَسُؤَالِهِ لِي فَيُطَابِقُ قَوْلَهُ " وَشَفِّعْهُ فِيَّ ". قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى (بِالْكَامِلِ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ - وَلَمْ يُصَنِّفْ فِي فَنِّهِ مِثْلُهُ -: شَبِيبُ بْنُ سَعِيدٍ الحبطي أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ التَّمِيمِيُّ حَدَّثَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ بِالْمَنَاكِيرِ وَحَدَّثَ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِنُسْخَةِ الزُّهْرِيِّ أَحَادِيثَ مُسْتَقِيمَةً وَذَكَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ يُونُسَ كَانَ يَخْتَلِفُ فِي تِجَارَةٍ إلَى مِصْرَ وَجَاءَ بِكِتَابِ صَحِيحٍ قَالَ: وَقَدْ كَتَبَهَا عَنْهُ ابْنُهُ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ. وَرَوَى عَنْ عَدِيٍّ حَدِيثَيْنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ شَبِيبٍ هَذَا عَنْ رَوْحِ بْنِ الْفَرَجِ: أَحَدُهُمَا: عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ عَنْ سَابِقِ بْنِ نَاجِيَةَ عَنْ ابْنِ سَلَامٍ قَالَ: مَرَّ بِنَا رَجُلٌ فَقَالُوا إنَّ هَذَا قَدْ خَدَمَ النَّبِيَّ ﷺ .

стр. 274

وَالثَّانِي عَنْهُ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْفَرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ حَدِيثُ دُخُولِ الْمَسْجِدِ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: كَذَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ. وَلِشَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ نُسْخَةُ الزُّهْرِيِّ عِنْدَهُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَهِيَ أَحَادِيثُ مُسْتَقِيمَةٌ. وَحَدَّثَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ بِأَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ. وَحَدَّيثَي رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ اللَّذَيْنِ أَمْلَيْتُهُمَا يَرْوِيهِمَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ شَبِيبٍ وَكَانَ شَبِيبُ بْنُ سَعِيدٍ إذَا رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ نُسْخَةَ الزُّهْرِيِّ: لَيْسَ هُوَ شَبِيبُ بْنُ سَعِيدٍ الَّذِي يُحَدِّثُ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ بِالْمَنَاكِيرِ الَّتِي يَرْوِيهَا عَنْهُ وَلَعَلَّ شَبِيبًا بِمِصْرِ فِي تِجَارَتِهِ إلَيْهَا كَتَبَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ حِفْظِهِ فَيَغْلَطُ وَيَهِمُ وَأَرْجُو أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ شَبِيبٌ هَذَا الْكَذِبَ. قُلْت: هَذَانِ الْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ أَنْكَرَهُمَا ابْنُ عَدِيٍّ عَلَيْهِ: رَوَاهُمَا عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثُ الْأَعْمَى رَوَاهُ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ أَيْضًا كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنَاهُ لَكِنَّهُ لَمْ يُتْقِنْ لَفْظَهُ كَمَا أَتْقَنَهُ ابْنَاهُ. وَهَذَا يُصَحِّحُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فَعُلِمَ أَنَّهُ مَحْفُوظٌ عَنْهُ وَابْنُ عَدِيٍّ أَحَالَ الْغَلَطَ عَلَيْهِ لَا عَلَى ابْنِ وَهْبٍ وَهَذَا صَحِيحٌ إنْ كَانَ قَدْ غَلَّطَ وَإِذَا كَانَ قَدْ غَلَّطَ عَلَى رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ فِي ذَيْنِك الْحَدِيثَيْنِ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ غَلَّطَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ فَلِهَذَا لَمْ يُحِيلُوا الْغَلَطَ عَلَيْهِ.

стр. 275

وَالرَّجُلُ قَدْ يَكُونُ حَافِظًا لِمَا يَرْوِيهِ عَنْ شَيْخٍ؛ غَيْرَ حَافِظٍ لِمَا يَرْوِيهِ عَنْ آخَرَ: مِثْلِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ الْحِجَازِيِّينَ؛ فَإِنَّهُ يَغْلَطُ فِيهِ؛ بِخِلَافِ مَا يَرْوِيهِ عَنْ الشَّامِيِّينَ. وَمِثْلُ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا يَغْلَطُ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ - إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ - وَهَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِي هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمُعْجَمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ: وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَكِّيِّ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الليثي الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ ﴿أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عفان فِي حَاجَةٍ لَهُ فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ فَشَكَا إلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّك فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي وَتَذْكُرُ حَاجَتَك وَرُحْ حَتَّى أَرُوحَ مَعَك فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ بْنِ عفان فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ وَقَالَ: حَاجَتُك فَذَكَرَ حَاجَتَهُ فَقَضَاهَا لَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا ذَكَرْت حَاجَتَك حَتَّى كَانَتْ هَذِهِ السَّاعَةَ وَقَالَ: مَا كَانَتْ لَك مِنْ حَاجَةٍ فَأْتِنَا. ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ فَقَالَ لَهُ جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيَّ حَتَّى كَلَّمْته فِيَّ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ:

стр. 276

وَاَللَّهِ مَا كَلَّمْته وَلَكِنْ شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ فَشَكَا إلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَفَتَصْبِرُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ اُدْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ: فَوَاَللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَلَا طَالَ بِنَا الْحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ.﴾ قَالَ الطَّبَرَانِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَاسْمُهُ عُمَيرُ بْنُ يَزِيدَ وَهُوَ ثِقَةٌ تَفَرَّدَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ المقدسي: وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ. قُلْت والطَّبَرَانِي ذَكَرَ تَفَرُّدَهُ بِمَبْلَغِ عِلْمِهِ وَلَمْ تَبْلُغْهُ رِوَايَةُ رَوْحِ بْنِ عبادة عَنْ شُعْبَةَ وَذَلِكَ إسْنَادٌ صَحِيحٌ: يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَطَرِيقُ ابْنِ وَهْبٍ هَذِهِ تُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّرْ لَفْظَ الرِّوَايَةِ كَمَا حَرَّرَهَا ابْنَاهُ؛ بَلْ ذَكَرَ فِيهَا أَنَّ الْأَعْمَى دَعَا بِمِثْلِ مَا ذَكَرَهُ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَى أَنَّهُ قَالَ ﴿اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ - أَوْ قَالَ - فِي نَفْسِي﴾ . وَهَذِهِ لَمْ يَذْكُرْهَا ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حَدَّثَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ حِفْظِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ فَلَمْ يُتْقِنْ الرِّوَايَةَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خيثمة فِي تَارِيخِهِ حَدِيثَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الخطمي عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَة عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيف ﴿أَنَّ

стр. 277

رَجُلًا أَعْمَى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي أُصِبْت فِي بَصَرِي فَادْعُ اللَّهَ لِي قَالَ اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّي مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ. يَا مُحَمَّدُ أَسْتَشْفِعُ بِك عَلَى رَبِّي فِي رَدِّ بَصَرِي اللَّهُمَّ فَشَفِّعْنِي فِي نَفْسِي وَشَفِّعْ نَبِيِّي فِي رَدِّ بَصَرِي وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةٌ فَافْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ﴾ . قَالَ ابْنُ أَبِي خيثمة: وَأَبُو جَعْفَرٍ هَذَا - الَّذِي حَدَّثَ عَنْهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ - اسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ وَهُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ شُعْبَةُ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ. قُلْت: وَهَذِهِ الطَّرِيقُ فِيهَا ﴿فَشَفِّعْنِي فِي نَفْسِي﴾ مِثْلُ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ وَفِيهَا زِيَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةٌ فَافْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ - أَوْ قَالَ - فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ﴾ . وَهَذِهِ قَدْ يُقَالُ: إنَّهَا تُوَافِقُ قَوْلَ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ لَكِنَّ شُعْبَةَ وَرَوْحَ بْنَ الْقَاسِمِ أَحْفَظُ مِنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَاخْتِلَافُ الْأَلْفَاظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَدْ تَكُونُ بِالْمَعْنَى وَقَوْلُهُ ﴿وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةٌ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ﴾ قَدْ يَكُونُ مُدْرَجًا مِنْ كَلَامِ عُثْمَانَ لَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ " وَإِنْ كَانَتْ لَك حَاجَةٌ فَعَلْت مِثْلَ ذَلِكَ " بَلْ قَالَ " وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةٌ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ". وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَوْ كَانَتْ ثَابِتَةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا حُجَّةٌ وَإِنَّمَا غَايَتُهَا أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ ظَنَّ أَنَّ الدُّعَاءَ يُدْعَى بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ؛ بَلْ بِبَعْضِهِ وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مَشْرُوعٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يُنَاقِضُ ذَلِكَ فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَعْمَى سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 278

أَنْ يَدْعُوَ لَهُ وَأَنَّهُ عَلَّمَ الْأَعْمَى أَنْ يَدْعُوَ وَأَمَرَهُ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ ﴿اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ﴾ وَإِنَّمَا يُدْعَى بِهَذَا الدُّعَاءِ إذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ دَاعِيًا شَافِعًا لَهُ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهَذَا يُنَاسِبُ شَفَاعَتَهُ وَدُعَاءَهُ لِلنَّاسِ فِي مَحْيَاهُ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمِ الْقِيَامَةِ إذَا شَفَعَ لَهُمْ. وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ ﴿وَشَفِّعْنِي فِيهِ﴾ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَشْفَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَاجَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كُنَّا مَأْمُورِينَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَأُمِرْنَا أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ﴿مَنْ قَالَ إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْته. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْعَبْدَ فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ﴾ . وَسُؤَالُ الْأُمَّةِ لَهُ الْوَسِيلَةَ هُوَ دُعَاءٌ لَهُ وَهُوَ مَعْنَى الشَّفَاعَةِ وَلِهَذَا كَانَ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ فَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ الْمُتَضَمِّنَةَ

стр. 279

لِشَفَاعَتِهِ شَفَعَ لَهُ ﷺ كَذَلِكَ الْأَعْمَى سَأَلَ مِنْهُ الشَّفَاعَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِقَبُولِ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ وَهُوَ كَالشَّفَاعَةِ فِي الشَّفَاعَةِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ﴾ . وَذَلِكَ أَنَّ قَبُولَ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مِثْلِ هَذَا هُوَ مِنْ كَرَامَةِ الرَّسُولِ عَلَى رَبِّهِ وَلِهَذَا عُدَّ هَذَا مِنْ آيَاتِهِ وَدَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ؛ فَهُوَ كَشَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْخَلْقِ وَلِهَذَا أَمَرَ طَالِبَ الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ ﴿فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ﴾ بِخِلَافِ قَوْلِهِ " وَشَفِّعْنِي فِي نَفْسِي " فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ الْغَرِيبِ. وَقَوْلُهُ ﴿وَشَفِّعْنِي فِيهِ﴾ رَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ رَجُلَانِ جَلِيلَانِ: عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَرَوْحُ بْنُ عبادة. وَشُعْبَةُ أَجَلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَمِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ: التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِي وَابْنُ مَاجَه: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ عَنْ شُعْبَةَ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَيَّارٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ رَوْحِ بْنِ عبادة عَنْ شُعْبَةَ فَكَانَ هَؤُلَاءِ أَحْفَظَ لِلَفْظِ الْحَدِيثِ. مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَشَفِّعْنِي فِي نَفْسِي﴾ إنْ كَانَ مَحْفُوظًا مِثْلَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ أَنَّهُ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ شَفِيعًا لِنَفْسِهِ مَعَ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوْ لَمْ يَدْعُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ سَائِلًا مُجَرَّدًا كَسَائِرِ السَّائِلِينَ. وَلَا يُسَمَّى مِثْلُ هَذَا شَفَاعَةً وَإِنَّمَا تَكُونُ الشَّفَاعَةُ إذَا كَانَ هُنَاكَ اثْنَانِ

стр. 280

يَطْلُبَانِ أَمْرًا فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا شَفِيعًا لِلْآخَرِ بِخِلَافِ الطَّالِبِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَمْ يَشْفَعْ غَيْرُهُ. فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِيهَا عِدَّةُ عِلَلٍ: انْفِرَادُ هَذَا بِهَا عَنْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ وَأَحْفَظُ مِنْهُ وَإِعْرَاضُ أَهْلِ السُّنَنِ عَنْهَا وَاضْطِرَابُ لَفْظِهَا وَأَنَّ رَاوِيَهَا عُرِفَ لَهُ - عَنْ رَوْحٍ هَذَا - أَحَادِيثُ مُنْكَرَةٌ. وَمِثْلُ هَذَا يَقْتَضِي حُصُولَ الرَّيْبِ وَالشَّكِّ فِي كَوْنِهَا ثَابِتَةً فَلَا حُجَّةَ فِيهَا إذْ الِاعْتِبَارُ بِمَا رَوَاهُ الصَّحَابِيُّ لَا بِمَا فَهِمَهُ إذَا كَانَ اللَّفْظُ الَّذِي رَوَاهُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا فَهِمَهُ بَلْ عَلَى خِلَافِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَاحِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ إذَا قَالَ: اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ - مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْعُ لَهُ - كَانَ هَذَا كَلَامًا بَاطِلًا؛ مَعَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ شَيْئًا وَلَا أَنْ يَقُولَ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ عَلَى وَجْهِهِ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِبَعْضِهِ وَلَيْسَ هُنَاكَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ شَفَاعَةٌ وَلَا مَا يُظَنُّ أَنَّهُ شَفَاعَةٌ؛ فَلَوْ قَالَ بَعْدَ مَوْتِهِ " فَشَفِّعْهُ فِيَّ " لَكَانَ كَلَامًا لَا مَعْنَى لَهُ وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ عُثْمَانُ. وَالدُّعَاءُ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَاَلَّذِي أَمَرَ بِهِ لَيْسَ مَأْثُورًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِثْلُ هَذَا لَا تَثْبُتُ بِهِ شَرِيعَةٌ كَسَائِرِ مَا يُنْقَلُ عَنْ آحَادِ الصَّحَابَةِ فِي جِنْسِ الْعِبَادَاتِ أَوْ الْإِبَاحَاتِ أَوْ الْإِيجَابَاتِ أَوْ التَّحْرِيمَاتِ إذَا لَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ مِنْ

стр. 281

الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ - وَكَانَ مَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يُخَالِفُهُ لَا يُوَافِقُهُ - لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ سُنَّةً يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ اتِّبَاعُهَا بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَمِمَّا تَنَازَعَتْ فِيهِ الْأُمَّةُ فَيَجِبُ رَدُّهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ: مِثْلَ مَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي عَيْنَيْهِ فِي الْوُضُوءِ وَيَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلَى الْعَضُدَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَيَقُولُ: مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عُنُقَهُ وَيَقُولُ هُوَ مَوْضِعُ الْغُلِّ. فَإِنَّ هَذَا وَإِنْ اسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ اتِّبَاعًا لَهُمَا فَقَدْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ وَقَالُوا: سَائِرُ الصَّحَابَةِ لَمْ يَكُونُوا يَتَوَضَّئُونَ هَكَذَا. وَالْوُضُوءُ الثَّابِتُ عَنْهُ ﷺ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ لَيْسَ فِيهِ أَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلْأُذُنَيْنِ وَلَا غَسْلُ مَا زَادَ عَلَى الْمَرْفِقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ وَلَا مَسْحُ الْعُنُقِ وَلَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ. بَلْ هَذَا مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ جَاءَ مُدْرَجًا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ﴿إنَّكُمْ تَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ﴾ وَكَانَ ﷺ يَتَوَضَّأُ حَتَّى يَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ وَالسَّاقِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ وَظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَسْلَ الْعَضُدِ مِنْ إطَالَةِ الْغُرَّةِ وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّ الْغُرَّةَ فِي الْوَجْهِ لَا فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَإِنَّمَا فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ الْحَجْلَةُ. وَالْغُرَّةُ لَا يُمْكِنُ إطَالَتُهَا فَإِنَّ الْوَجْهَ

стр. 282

يُغْسَلُ كُلُّهُ لَا يُغْسَلُ الرَّأْسُ وَلَا غُرَّةَ فِي الرَّأْسِ وَالْحَجْلَةُ لَا يُسْتَحَبُّ إطَالَتُهَا وَإِطَالَتُهَا مُثْلَةٌ. وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ يَتَحَرَّى أَنْ يَسِيرَ مَوَاضِعَ سَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَنْزِلَ مَوَاضِعَ مَنْزِلِهِ وَيَتَوَضَّأَ فِي السَّفَرِ حَيْثُ رَآهُ يَتَوَضَّأُ وَيَصُبَّ فَضْلَ مَائِهِ عَلَى شَجَرَةٍ صَبَّ عَلَيْهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا اسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَرَأَوْهُ مُسْتَحَبًّا وَلَمْ يَسْتَحِبَّ ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَا لَمْ يَسْتَحِبَّهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَغَيْرِهِمْ لَمْ يَفْعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ. وَلَوْ رَأَوْهُ مُسْتَحَبًّا لَفَعَلُوهُ كَمَا كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ مُتَابَعَتَهُ وَالِاقْتِدَاءَ بِهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ فَإِذَا فَعَلَ فِعْلًا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ شَرَعَ لَنَا أَنْ نَفْعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ وَإِذَا قَصَدَ تَخْصِيصَ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ بِالْعِبَادَةِ خَصَّصْنَاهُ بِذَلِكَ كَمَا كَانَ يَقْصِدُ أَنْ يَطُوفَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَأَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَأَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمَقَامِ وَكَانَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ أُسْطُوَانَةِ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَقَصَدَ الصُّعُودَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالدُّعَاءَ وَالذِّكْرَ هُنَاكَ وَكَذَلِكَ عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ وَغَيْرُهُمَا. وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ وَلَمْ يَقْصِدْهُ - مِثْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِمَكَانِ وَيُصَلِّيَ فِيهِ لِكَوْنِهِ نَزَلَهُ لَا قَصْدًا لِتَخْصِيصِهِ بِهِ بِالصَّلَاةِ وَالنُّزُولِ فِيهِ - فَإِذَا قَصَدْنَا تَخْصِيصَ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ أَوْ النُّزُولِ لَمْ نَكُنْ مُتَّبَعِينَ بَلْ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي

стр. 283

كَانَ يَنْهَى عَنْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ كَمَا ثَبَتَ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ التيمي عَنْ الْمَعْرُور (١) بْنِ سويد قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي سَفَرٍ فَصَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ أَتَى عَلَى مَكَانٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ عُمْرُ: إنَّمَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ فَاِتَّخَذُوهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا فَمَنْ عَرَضَتْ لَهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَإِلَّا فَلْيَمْضِ. فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ تَخْصِيصَهُ بِالصَّلَاةِ فِيهِ بَلْ صَلَّى فِيهِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ نُزُولِهِ رَأَى عُمَرُ أَنَّ مُشَارَكَتَهُ فِي صُورَةِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةٍ لَهُ فِي قَصْدِهِ لَيْسَ مُتَابَعَةً بَلْ تَخْصِيصُ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِالصَّلَاةِ مِنْ بِدَعِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّتِي هَلَكُوا بِهَا وَنَهَى الْمُسْلِمِينَ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ فَفَاعِلُ ذَلِكَ مُتَشَبِّهٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الصُّورَةِ وَمُتَشَبِّهٌ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الْقَصْدِ الَّذِي هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ. وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ فِي السُّنَّةِ أَبْلَغُ مِنْ الْمُتَابَعَةِ فِي صُورَةِ الْعَمَلِ وَلِهَذَا لَمَّا اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ جَلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ: هَلْ فَعَلَهَا اسْتِحْبَابًا أَوْ لِحَاجَةِ عَارِضَةٍ تَنَازَعُوا فِيهَا وَكَذَلِكَ نُزُولُهُ بِالْمُحَصَّبِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مَنْ مِنًى لَمَّا اشْتَبَهَ: هَلْ فَعَلَهُ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ سُنَّةً؟ تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ. وَمِنْ هَذَا وَضْعُ ابْنِ عُمَرَ يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَعْرِيفُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ وَعَمْرِو بْنِ زاذان بِالْكُوفَةِ فَإِنَّ هَذَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ

стр. 284

مِمَّا يَفْعَلُهُ سَائِرُ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ شَرَعَهُ لِأُمَّتِهِ؛ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُقَالَ هَذَا سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ؛ بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا مِمَّا سَاغَ فِيهِ اجْتِهَادُ الصَّحَابَةِ أَوْ مِمَّا لَا يُنْكَرُ عَلَى فَاعِلِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ لَا لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ سَنَّهَا النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ أَوْ يُقَالُ فِي التَّعْرِيفِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ أَحْيَانًا لِعَارِضِ إذَا لَمْ يُجْعَلْ سُنَّةً رَاتِبَةً. وَهَكَذَا يَقُولُ أَئِمَّةُ الْعِلْمِ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ: تَارَةً يَكْرَهُونَهُ وَتَارَةً يُسَوِّغُونَ فِيهِ الِاجْتِهَادَ وَتَارَةً يُرَخِّصُونَ فِيهِ إذَا لَمْ يُتَّخَذْ سُنَّةً وَلَا يَقُولُ عَالِمٌ بِالسُّنَّةِ: إنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُقَالُ فِيمَا شَرَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذْ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَسُنَّ وَلَا أَنْ يَشْرَعَ؛ وَمَا سَنَّهُ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ فَإِنَّمَا سَنُّوهُ بِأَمْرِهِ فَهُوَ مِنْ سُنَنِهِ وَلَا يَكُونُ فِي الدِّينِ وَاجِبًا إلَّا مَا أَوْجَبَهُ وَلَا حَرَامًا إلَّا مَا حَرَّمَهُ وَلَا مُسْتَحَبًّا إلَّا مَا اسْتَحَبَّهُ وَلَا مَكْرُوهًا إلَّا مَا كَرِهَهُ وَلَا مُبَاحًا إلَّا مَا أَبَاحَهُ. وَهَكَذَا فِي الْإِبَاحَاتِ كَمَا اسْتَبَاحَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْلَ الْبَرْدِ وَهُوَ صَائِمٌ وَاسْتَبَاحَ حُذَيْفَةُ السَّحُورَ بَعْدَ ظُهُورِ الضَّوْءِ الْمُنْتَشِرِ حَتَّى قِيلَ هُوَ النَّهَارُ إلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ. وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فَوَجَبَ الرَّدُّ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَكَذَلِكَ الْكَرَاهَةُ وَالتَّحْرِيمُ مِثْلُ كَرَاهَةِ عُمَرَ وَابْنِهِ لِلطِّيبِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَكَرَاهَةِ مَنْ كَرِهَ مِنْ الصَّحَابَةِ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى التَّمَتُّعِ أَوْ التَّمَتُّعَ مُطْلَقًا؛

стр. 285

أَوْ رَأَى تَقْدِيرَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ بِحَدِّ حَدَّهُ وَأَنَّهُ لَا يَقْصُرُ بِدُونِ ذَلِكَ؛ أَوْ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ فِي السَّفَرِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ سَلْمَانَ: إنَّ الرِّيقَ نَجِسٌ وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: إنَّ الْكِتَابِيَّةَ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا وَتَوْرِيثُ مُعَاذٍ وَمُعَاوِيَةَ لِلْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ وَمَنْعُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ لِلْجُنُبِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي الْمُفَوَّضَةِ: إنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا إذَا مَاتَ الزَّوْجُ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْحَامِلِ: إنَّهَا تَعْتَدُّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ: إنَّ الْمُحْرِمَ إذَا مَاتَ بَطَلَ إحْرَامُهُ وَفُعِلَ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْحَلَالِ. وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ: لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا: لَيْسَ عَلَيْهَا لُزُومُ الْمَنْزِلِ وَقَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الرَّدُّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ فَلَا يَكُونُ شَرِيعَةً لِلْأُمَّةِ إلَّا مَا شَرَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَمَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ " إنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ " فَإِنَّمَا قَالَهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا عُرِفَ نَصٌّ يُخَالِفُهُ ثُمَّ إذَا اشْتَهَرَ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ كَانَ إقْرَارًا عَلَى الْقَوْلِ فَقَدْ يُقَالُ " هَذَا إجْمَاعٌ إقراري " إذَا عُرِفَ أَنَّهُمْ أَقَرُّوهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَهُمْ لَا يُقِرُّونَ عَلَى بَاطِلٍ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَشْتَهِرْ فَهَذَا إنْ عُرِفَ أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يُخَالِفْهُ فَقَدْ يُقَالُ " هُوَ حُجَّةٌ ".
следующие страницы →