← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7292

تأويل مختلف الحديث

ابن قتيبة

Полный текст (511 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الْمُقدمَات مُقَدّمَة الطبعة الثَّانِيَة الْحَمد لله رب الْعَالمين الَّذِي بنعمته تتمّ الصَّالِحَات وتعظم الْخيرَات وتعم البركات، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على من أرْسلهُ الله تَعَالَى رَحْمَة للْعَالمين وَأنزل عَلَيْهِ الْحِكْمَة وَفصل الْخطاب، وَبعد، فَإِنَّهُ من تواصل النعم من الْمولى ﷻ على عَبده الضَّعِيف مُحَقّق هَذَا السّفر النفيس أَن وَفقه لخدمة السّنة الشَّرِيفَة فِي تجلية مَنَاقِب هَذَا الْكتاب، وَالتَّعْلِيق على مَا ورد فِيهِ من أفكار ومعلومات، وَعرضه بالصورة اللائقة بِهِ، وفْق مَا ورد فِي الْمُقدمَة الطَّوِيلَة للطبعة الأولى، فلقي الْكتاب بذلك -وَللَّه الْحَمد- الْقبُول وَالِاسْتِحْسَان، حَتَّى جعله بعض مدرسي مَادَّة الحَدِيث الشريف فِي الجامعات بَين المراجع الْمُعْتَبرَة لطلابهم فِي كليات الشَّرِيعَة، وَطلبت مِنْهُ إِحْدَى الجامعات كميات مِنْهُ لتوزيعه على الطّلبَة. وَذَلِكَ لما يتضمنه الْكتاب من حوار علمي موضوعي لتجلية الصَّوَاب، وَلما يلقيه من أضواء على رؤى الْمدَارِس الفكرية الإسلامية فِي وَقت مبكر واجتهاداتها فِي تقييم الْأَحَادِيث الشَّرِيفَة من نَاحيَة الْمَوْضُوع؛ لَا من نَاحيَة السَّنَد فَقَط؛ كَمَا اعتاده عُلَمَاء الحَدِيث، وفْق الْقَوَاعِد الَّتِي وضعوها فِي علم مصطلح الحَدِيث. وَلَقَد رَأَيْت أَن أشرك معي فِي إِعَادَة النّظر مرّة أُخْرَى بالتحقيق والتقييم تمهيدًا لإعادة طباعة الْكتاب طبعة ثَانِيَة الْأَخ الشَّيْخ مُحَمَّد بدير الَّذِي جمعتني بِهِ زمالة الْعَمَل والاهتمام بِخِدْمَة الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فِي مكتب الدراسات الشَّرْعِيَّة بصندوق الزَّكَاة فِي قطر، وَذَلِكَ لما خبرته فِيهِ من غيرَة

стр. 2

علمية، وحرص على بَيَان الْحَقِيقَة بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيّ، والمنافحة عَن دين الله تَعَالَى والالتزام بالمنهج العلمي فِي التأصيل والتدوين. وَقد رحب بذلك مشكورًا، فَقَرَأَ الْكتاب من أَلفه إِلَى يائه، وَكَانَت لَهُ ملاحظات مُخْتَلفَة، بَعْضهَا فِي تقييم بعض الْأَحَادِيث وَبَيَان دَرَجَة صِحَّتهَا، وَبَعضهَا فِي تَعْلِيق وَشرح ابْن قُتَيْبَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقد أدرجت هَذِه الملاحظات، وميزتها عَن عَمَلي بِذكر اسْمه فِي نهايتها؛ عقب سردها فِي الْحَاشِيَة، فجزاه الله خيرا على ذَلِك. وَهَكَذَا فقد تميزت هَذِه الطبعة بمزيد من التَّنْقِيح والتصحيح، وتعدد النّظر والرؤى، وأسأل الله تَعَالَى أَن ينفع بِهَذَا الْكتاب طلبة الْعلم والباحثين والدراسين؛ وَأَن يغْفر الله تَعَالَى لنا الزلات والأخطاء إِذا وجدت، وَأَن يَجْعَل هَذَا الْعَمَل مبرورًا، ويتقبله برحمة مِنْهُ وَفضل، وَأَن يعمنا بثوابه ومغفرته مَعَ الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى، وَكَذَا من قَرَأَهُ ودرسه واستفاد مِنْهُ. وَللَّه الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة. الدوحة فِي ١٥/ ذُو الْقعدَة ١٤١٨هـ ١٤/ ٣/ ١٩٩٨م مُحَمَّد محيي الدَّين الْأَصْفَر

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةُ الْمُحَقق للطبعة الأولى: إِن الْحَمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه وَنَسْتَغْفِرهُ، ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وسيئات أَعمالنَا، من يهده الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَلا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بلغ الرسَالَة وَأدّى الْأَمَانَة ونصح الْأمة وجاهد فِي الله حق جهاده صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا، وَبعد، فَإِن الْوَحْي الَّذِي تنزل على الرَّسُول الْخَاتم لم يقْتَصر على النَّص المعجز المتعبد بتلاوته "الْقُرْآن الْكَرِيم" بل شَمل كَذَلِك مَا رُوِيَ عَن الرَّسُولِ ﷺ فِي السّنة من قَول أَو عمل أَو تَقْرِير أَو صفة. وَقد شهد الْقُرْآن الْكَرِيم بشمول الْوَحْي لمصدري التشريع كليهمَا -الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة الشَّرِيفَة- بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٣. كَمَا أكد الرَّسُولِ ﷺ هَذَا الْمَعْنى بقوله: "إِنِّي أُوتيت الْكتاب وَمثله مَعَه" ٤.

стр. 4

فبالإضافة إِلَى أَن السّنة صنو الْقُرْآن الْكَرِيم من حَيْثُ الدّلَالَة، فَهِيَ كَذَلِك شارحة لقواعده الْعَامَّة ومفصلة لمجمله، ومبينة لمعانيه، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . فَهِيَ جُزْء لَا يتَجَزَّأ من كَمَال الرسَالَة وتمامها. وَلم تكن هَذِه الْحَقِيقَة مَوضِع خلاف بَين الصَّحَابَة ﵃، بل كَانَت من البدهيات الْمُسلم بهَا وَالْمجْمَع عَلَيْهَا نصا وَعَملا. تدوين السّنة فِي عهد النَّبِيَّ ﷺ : وَلَكِن السّنة لم تدون فِي حَيَاة النَّبِيَّ ﷺ خشيَة اختلاطها بِالْقُرْآنِ الْكَرِيم كَمَا هُوَ مَعْرُوف من نهي الرَّسُولِ ﷺ ، وَكَذَلِكَ بَقِي الْأَمر على هَذَا الْحَال فِي عهد الصَّحَابَة ﵃ إِلَّا من استثناءت خَاصَّة لبَعض الصَّحَابَة المعروفين بعلمهم وضبطهم، فَكَانَت لبَعْضهِم مدوناته فِي السّنة، بِالْإِضَافَة إِلَى أَن مَنْهَج الاستيثاق وضعت معالمه فِي وَقت مبكر حِين جمع كتاب الله تَعَالَى فِي عهد الْخَلِيفَة أبي بكر الصّديق ﵁ ثمَّ فِي عهد عُثْمَان رَضِي عَنهُ، وَكَانَ لَا بُد من شَهَادَة اثْنَيْنِ من الصَّحَابَة على الْأَقَل حَتَّى يتم تدوين الْآيَة فِي موضعهَا من الْقُرْآن الْكَرِيم، وَقد انسحب هَذَا الشَّرْط على قبُول الحَدِيث أَيْضا، فَلم يُقبل حديثٌ من راوٍ مَا لم يتوفر لَهُ شَاهد أَو أَكثر، وَقد تورع كثير من الصَّحَابَة عَن رِوَايَة الحَدِيث مَا لم يَكُونُوا على يَقِين تَامّ مِمَّا ينقلون، حَيْثُ أَن أَمر حفظ السّنة وتناقل رِوَايَات الحَدِيث لم يكن مُشكلا طالما أَن جيل الصَّحَابَة كَانَ مَوْجُودا. تدوين السّنة بعد جيل الصَّحَابَة: وَلما بَدَأَ جيل الصَّحَابَة يتناقص وامتد الْإِسْلَام إِلَى شعوب وأمم أُخْرَى، وَكَانَت الْأَحَادِيث تتناقل شفاهة بشروطها التوثيقية، شعر الْمُسلمُونَ بضرورة تدوين السّنة كَامِلَة، وبذل عُلَمَاء السّنة جزاهم الله خيرا جهودًا محمودة فِي تدوينها، وَوضعت عُلُوم مُتعَدِّدَة لتنقية السّنة من الشوائب الَّتِي ابتدعها أَصْحَاب الْأَهْوَاء والنحل الْبَاطِلَة، وَكَانَ الأساس فِي تدوين السّنة

стр. 5

مَنْهَج الاستيثاق الَّذِي اعْتَمدهُ الصَّحَابَة ﵃ فِي وَقت مبكر بعد أَن طوروه إِلَى الصُّورَة الَّتِي جعلت مِنْهُ خير مَنْهَج علمي موضوعي يُمكن أَن يتوافر عَلَيْهِ بشر، حَتَّى أننا لَا نعهد فِي التَّارِيخ العالمي نبيًّا أَو عَظِيما بُذِلَ فِي سَبِيل تَحْقِيق مَنْطُوق كَلَامه وَمَا رُوِيَ عَن أَحْوَاله وَسيرَته بشكل عَام مَا توفر للرسول الْخَاتم ﵊. وَلَا غرابة فِي ذَلِك فَإِن من لَوَازِم الرسَالَة الخاتمة وصولها نصًّا سليما وبيانًا صَحِيحا كثمرة للْحِفْظ الرباني لهَذَا الدَّين: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . فقيض الله لَهُ من يدْفع عَنهُ الشّبَه ويجلي الْحَقِيقَة، وينقله بِسَنَد مُتَّصِل على هَذَا النَّحْو من السَّلامَة والدقة. وَلَا شكّ أَن من نعم الله تَعَالَى على هَذِه الْأمة أَن كَانَ ظُهُور الْفِتْنَة فِيهَا مترافقًا مَعَ وجود جيل الْأَصْحَاب -حفظَة الحَدِيث- الْمَشْهُود لَهُم من رَسُول الله، الْأَمر الَّذِي أدّى إِلَى تدوين وتوثيق السّنة بِحَيْثُ تحققت دَرَجَة صِحَة الحَدِيث وحجيته بِمَا لَا يدع مجالًا لشُبْهَة. وَهَكَذَا لم يخْتَلف جُمْهُور عُلَمَاء الْأمة على وجوب الْأَخْذ بِالسنةِ وَالِاسْتِدْلَال بهَا عملا بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . وَلَا يعْتد بِرَأْي بَعضهم مِمَّن جنحت بِهِ الْأَهْوَاء وأضلته الْفِتَن. اتجاه عُلَمَاء السّنة فِي عملية التدوين وَدفع الشّبَه: وَقد اتجه عُلَمَاء السّنة فِي بنائهم لصرحها اتجاهين واضحين لَا يُغني أَحدهمَا عَن الآخر: الأول فِي تدوين السّنة الصَّحِيحَة بإسنادها، وَالثَّانِي دفع الشّبَه والأهواء الْبَاطِلَة وَبَيَان وَجه الْحَقِيقَة فِي ذَلِك. وَيُمكن أَن يصنف هَذَا الْكتاب "تَأَول مُخْتَلف الحَدِيث" ضمن الْمَجْمُوعَة الثَّانِيَة فِي الدفاع عَن السّنة، ويتميز بِأَنَّهُ عرض الشّبَه الَّتِي أثيرت حول تنَاقض بعض الْأَحَادِيث فِيمَا بَينهَا، أَو معارضتها لآيَات فِي كتاب الله تَعَالَى، أَو خُرُوجهَا عَن منطق الْعقل ومبادئ الْفِكر الْمُتَعَارف عَلَيْهَا، أَو مخالفتها لمألوف النَّاس ومعروفهم، أَو لسنن الطبيعة وقوانينها العلمية. تِلْكَ

стр. 6

الشّبَه الَّتِي أثارها المخالفون، الْأَمر الَّذِي حملهمْ على إِسْقَاط بعض الْأَحَادِيث وتعطيلها. وَلَقَد كَانَ عمل الْمُؤلف ﵀ بَيَان الْحَقِيقَة بالأدلة العلمية، وتفنيد المزاعم وكشف قُصُور الْفَهم بالملابسات المرافقة لوُرُود النَّص.. وَيعْتَبر هَذَا الْكتاب -إِضَافَة إِلَى كتب أُخْرَى فِي الْمَوْضُوع نَفسه- نَافِذَة نطل مِنْهَا على التيارات الفكرية والمذهبية الَّتِي كَانَت مَوْجُودَة فِي الْقرن الثَّالِث، مِمَّا يعْتَبر سجلًا حيًّا وَشَاهدا وَاضحا على مَا دَار فِي عصر الْمُؤلف من مناظرات ومنازعات وحوار رسخت فِيهَا أَقْدَام، وزلت بهَا عَن الْحق أفهام. وَهِي على كل حَال سجل تاريخي يُغني ويثري الْفِكر الإسلامي، ويعين على التَّمَسُّك بالنافع الصَّالح، كَمَا يبصر بالمزالق والأهواء. وسنفصل فِيمَا يَلِي أَسبَاب الِاخْتِلَاف فِي اعْتِبَار السّنة الْمصدر التشريعي الثَّانِي؛ ليَكُون ذَلِك مدخلًا نفهم من خلاله بوضوح موقع هَذَا الْكتاب، ثمَّ نعطي فكرة منهجية عَنهُ وعملنا فِيهِ، وننهي الْمُقدمَة بِالْحَدِيثِ عَن الْمُؤلف ومكانته العلمية ومساهماته فِي الاهتمامات العلمية والثقافية والمذهبية السائدة فِي عصره. ونسأل الله تَعَالَى أَن يَجْزِي الْمُؤلف خير مَا يَجْزِي الْعلمَاء العاملين، وَأَن يَجْعَل عَملنَا خَالِصا لوجهه الْكَرِيم يثيبنا عَلَيْهِ بفضله وَرَحمته إِنَّه البَرُّ الرَّحِيم.

стр. 7

أَسبَاب الِاخْتِلَاف فِي اعْتِبَار السّنة الْمصدر التشريعي الثَّانِي: لَعَلَّ معرفَة أَسبَاب الِاخْتِلَاف فِي اعْتِبَار السّنة الْمصدر التشريعي الثَّانِي عِنْد عُلَمَاء الْمُسلمين وَالْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين يلقِي ظلالًا موضوعية على قَضِيَّة هَذَا الْكتاب الَّذِي بَين أَيْدِينَا. فَلَا خلاف فِي إِجْمَاع الْعلمَاء على اعْتِبَار السّنة الْمصدر التشريعي الثَّانِي بعد كتاب الله تَعَالَى "الْقُرْآن الْكَرِيم" لَكِن السّنة لم تدون كلهَا فِي الْقرن الأول الهجري كَمَا أسلفنا، فقد فكر الْخَلِيفَة الثَّانِي عمر بن الْخطاب فِي تدوينها، وَلكنه بعد التروي والتشاور لم يقدم على ذَلِك لسببين فِيمَا نعتقد: لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا على اتِّبَاع مَنْهَج صَاحِبيهِ السالفين، فَأَبُو بكر لم يَفْعَله وَلَا أذن بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؛ وَلِأَن الْحَاجة لم تكن قَائِمَة فِي ذَلِك الْوَقْت إِلَى التدوين؛ فالجيل الَّذِي كَانَ يحفظ السّنة شفاهة ويجسدها بسلوكه عملا لَا يزَال مَوْجُودا. وَهَكَذَا لم ينفذ عمر ﵁ مَا فكر فِيهِ، وانقضى الْقرن الأول الهجري من غير أَن تدون السّنة عدا مَا رُوِيَ من أَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَانَت لَهُ صحيفَة اسْمهَا "الصادقة" دون فِيهَا الْأَحَادِيث الَّتِي سَمعهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَفسِهِ، وَلَعَلَّ ذَلِك كَانَ بِإِذن خَاص مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: "كنت أَكثر الصَّحَابَة حفظا لحَدِيث رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فقد كَانَ يكْتب وَلَا أكتب"١.

стр. 8

تَوْثِيق الحَدِيث: وعَلى الرغم من عدم التدوين إِلَّا أَن الصَّحَابَة مَعَ ذَلِك اتَّخذُوا بعض الاحتياطات الَّتِي لَا بُد مِنْهَا للوثوق بِرِوَايَة الحَدِيث، وتحروا الدقة فِي نَقله، فقد كَانَ أَبُو بكر الصّديق لَا يقبل الحَدِيث إِلَّا من راوٍ يُؤَيّدهُ شَاهد، وَعمر بن الْخطاب كَانَ يطْلب من الرَّاوِي أَن يَأْتِي بِالْبَيِّنَةِ على رِوَايَته، وَعلي بن أبي طَالب كَانَ يسْتَحْلف الرَّاوِي. وَلَكِن هَذِه الاحتياطات -وَإِن حققت الْغَرَض مِنْهَا فِي عهد الصَّحَابَة- إِلَّا أَن الْحَاجة أَصبَحت ماسة فِيمَا بعد إِلَى التدوين؛ نظرا لتفرق الصَّحَابَة وانقراضهم تدريجيًا، وَدخُول الْإِسْلَام إِلَى بِلَاد جَدِيدَة وانسياح الْمُسلمين فِي الأَرْض، وتناقل حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَن الْأَصْحَاب شفاهة بالروايات ذَات السَّنَد الصَّحِيح أَو غَيره. وَقد كَانَ لعدم تدوين السّنة أثران: "أَحدهمَا": أَنه دفع عُلَمَاء الْمُسلمين إِلَى بذل جهود خَاصَّة فِي دراسة حَال رُوَاة الحَدِيث ودرجة الثِّقَة بهم، وانقسمت الأحادث بِاعْتِبَار رواتها إِلَى قَطْعِيَّة الثُّبُوت وظنية الثُّبُوت، كَمَا انقسمت دَرَجَات الحَدِيث من حَيْثُ الْقبُول وَالرَّدّ إِلَى صَحِيح وَحسن وَضَعِيف، وَأسسَ فن الرِّوَايَة وَوضعت فِيهِ مؤلفات. "وَثَانِيهمَا" أَن عدم التدوين ترك فرْصَة للتحريف وَالزِّيَادَة وَالنَّقْص خطأ أَو عمدا، لذَلِك لم يجمع الْمُسلمُونَ على السّنة كلهَا كَمَا أَجمعُوا على الْقُرْآن كُله، مِمَّا أدّى إِلَى اخْتلَافهمْ فِي الِاحْتِجَاج بهَا حسب دَرَجَة اعْتِبَار الصِّحَّة لديهم. التحزب السياسي والانقسام المذهبي: إِن الانحياز والتحزب السياسي الَّذِي نَشأ بِسَبَب مَفْهُوم الْخلَافَة وَاخْتِيَار شخصية الْخَلِيفَة أَخذ شكلًا دينيًّا ذَا أثر خطير فِي اعْتِمَاد بعض الْأَحَادِيث ورفض بَعْضهَا الآخر، وَذَلِكَ أَنه بعد مقتل عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ بُويِعَ بالخلافة عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، ونازعه الْخلَافَة مُعَاوِيَة بن

стр. 9

أبي سُفْيَان ﵄ لأسباب ومسوغات لَا مجَال لذكرها هُنَا، واشتدت الْفِتْنَة بَين الْفَرِيقَيْنِ وانتهت إِلَى التَّحْكِيم، ونتج عَن ذَلِك انقسام الْمُسلمين إِلَى طوائف ثَلَاثَة: الْخَوَارِج، والشيعة، وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وهم جُمْهُور الْأمة. ١- أما الْخَوَارِج فهم جمَاعَة من الْمُسلمين نقموا من عُثْمَان سياسته فِي خِلَافَته، ونقموا من عَليّ قبُول التَّحْكِيم، ونقموا من مُعَاوِيَة توليه الْخلَافَة بِالْقُوَّةِ والسياسة، فَخَرجُوا على جَمِيع الْأَطْرَاف، وَكَانَ مبدؤهم أَن خَليفَة الْمُسلمين يَنْبَغِي أَن ينتخب انتخابًا من الْمُسلمين مِمَّن توفرت فِيهِ الْكَفَاءَة لَهَا، سَوَاء أَكَانَ قرشيًّا أم غير قرشي حَتَّى وَلَو كَانَ عبدا حبشيًّا، وَأَنه لَا تجب طَاعَته إِلَّا إِذا كَانَ مُلْتَزما الْقُرْآن وَالسّنة، فَإِن تجاوزهما وَجب الْخُرُوج عَلَيْهِ وسلكوا فِي تأييد مبدئهم ومجاهدة خصومهم وَسَائِل العنف والشدة فِي حروبهم. ٢- وَأما الشِّيعَة فهم جمَاعَة من الْمُسلمين رَأَوْا تَفْضِيل عَليّ بن أبي طَالب وَذريته وأحقيتهم بالخلافة وأفرطوا فِي ذَلِك؛ لأَنهم يرَوْنَ أَنه الَّذِي أوصى لَهُ الرَّسُولِ ﷺ بالخلافة من بعده، ثمَّ انقسموا فِيمَا بَينهم بشأن توارث هَذِه الْخلَافَة إِلَى كيسانية وزيدية وإسماعيلية وجعفرية، وكل فرقة تجْعَل الْخلَافَة فِي فرع خَاص من ذُرِّيَّة عليّ. ٣- وَأما جمهرة الْمُسلمين فَلم يذهبوا مَذْهَب الْخَوَارِج وَلَا الشِّيعَة وَلم يرَوا أَن الْخلَافَة وَصِيَّة لأحد، وَرَأَوا أَن الْخَلِيفَة ينتخب من أكفاء قُرَيْش إِن وجد، ويؤولون مَا كَانَ بَينهم من خصومات بِأَنَّهَا كَانَت اجتهادية. هَذَا الانقسام السياسي كَانَ لَهُ أثر فِي أَن الْخَوَارِج رفضوا الْأَحَادِيث الَّتِي رَوَاهَا عُثْمَان أَو عَليّ أَو مُعَاوِيَة أَو رَوَاهَا صَحَابِيّ مِمَّن ناصروا وَاحِدًا مِنْهُم، وردوا كل أَحَادِيثهم وآرائهم وفتاويهم، واقتصروا على مَا رُوِيَ عَمَّن يرضونهم وَرِوَايَات عُلَمَائهمْ وفتاويهم. وَكَذَلِكَ الشِّيعَة اشترطوا فِي قبُول الحَدِيث أَن يكون من رِوَايَة آل

стр. 10

الْبَيْت والفتاوى الَّتِي صدرت عَنْهُم، وَبِهَذَا كَانَ لَهُم أَيْضا فقه خَاص. وَأما جُمْهُور الْمُسلمين فَكَانُوا يحتجون بِكُل حَدِيث توافرت لراويه الشُّرُوط الْمَطْلُوبَة بِلَا تَفْرِيق بَين صَحَابِيّ وَآخر، وَيَأْخُذُونَ بفتاوى الصَّحَابَة وآرائهم جَمِيعًا، وعَلى الرغم من اتِّفَاق جُمْهُور عُلَمَاء الْمُسلمين على هَذِه الخطة الموضوعية فِي قبُول الحَدِيث -بِاعْتِبَار الصَّحَابَة جَمِيعًا عُدُولًا موثوقين- دون النّظر إِلَى مواقفهم السياسية من قَضِيَّة الْفِتْنَة الْكُبْرَى. لكِنهمْ بِالْإِضَافَة إِلَى ذَلِك اخْتلفُوا فِي الخطة التشريعية الَّتِي تبناها كل مِنْهُم، وَقد نَشأ ذَلِك بِنَاء على اخْتلَافهمْ فِي تَقْدِير بعض مصَادر التشريع، وَقد تجلى ذَلِك على وَجه الْإِجْمَال فِيمَا يَأْتِي: أَسبَاب الِاخْتِلَاف بَين الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين: ١- أولًَا: من حَيْثُ دَرَجَة ثُبُوت الحَدِيث وَالْمِيزَان الَّذِي ترجح بِهِ رِوَايَة على أُخْرَى، وَذَلِكَ أَن قبُول السّنة كمصدر للْأَحْكَام مَبْنِيّ على الوثوق برواتها، وطرق رِوَايَتهَا، كَمَا اخْتلف الْأَئِمَّة فِي مقاييس الْقبُول: فمجتهدو الْعرَاق: أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه يحتجون بِالْحَدِيثِ الْمُتَوَاتر وَالْمَشْهُور، وَمَا يُقَاس عَلَيْهِمَا من رَأْي اجتهادي يقدمونه على حَدِيث خبر الْآحَاد حَال مُخَالفَته، قَالَ أَبُو يُوسُف ﵀: "وَعَلَيْك بِمَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَة من الحَدِيث، وَمَا يعرفهُ الْفُقَهَاء". ومجتهدو الْمَدِينَة: مَالك وَأَصْحَابه يرجحون إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة ويقدمونه فِي الِاسْتِدْلَال على خبر الْآحَاد. وَأما بَاقِي الْأَئِمَّة: فيحتجون بِمَا رَوَاهُ الْعُدُول الثِّقَات سَوَاء وَافق عمل أهل الْمَدِينَة أَو خَالفه. وترتب على هَذَا أَن مجتهدي أهل الْعرَاق جعلُوا الْمَشْهُور فِي حكم الْمُتَوَاتر، وخصصوا بِهِ الْعَام فِي الْقُرْآن الْكَرِيم، وقيدوا بِهِ الْمُطلق، وترتب أَيْضا أَن مَرَاسِيل الصَّحَابَة من الحَدِيث وَهِي الَّتِي رَوَاهَا صَحَابِيّ بقوله: أَمر رَسُول الله بِكَذَا أَو نهى عَن كَذَا أَو قضى بِكَذَا -من غير أَن يُصَرح بِأَنَّهُ سمع ذَلِك بِنَفسِهِ أَو شافهه أَو شَاهده- يحْتَج بهَا بعض

стр. 11

الْمُجْتَهدين وَلَا يحْتَج بهَا بَعضهم الآخر، وَهَذَا الِاخْتِلَاف فِي طَرِيق قبُول بعض الْأَحَادِيث أدّى إِلَى قبُول بعض الْأَحَادِيث من قبل جمَاعَة من الْفُقَهَاء وردهَا من قبل آخَرين، وَرُبمَا رجح بَعضهم حكما بِحَدِيث هُوَ مَرْجُوح عِنْد الآخر، وَنَشَأ عَن هَذَا اخْتِلَاف الْأَحْكَام١. ٢- وَثَانِيا: اخْتلَافهمْ فِي فَتَاوَى الصَّحَابَة وتقديرها، فَإِن الْأَئِمَّة اخْتلفُوا فِي الْفَتَاوَى الاجتهادية الَّتِي صدرت عَن أَفْرَاد الصَّحَابَة، فَأَبُو حنيفَة وَمن تَابعه لم يتقيدوا بفتوى مُعينَة لصحابي شريطة أَن لَا يخرجُوا عَن فتاويهم جَمِيعًا. بَيْنَمَا كَانَ يرى الشَّافِعِي وَمن تَابعه أَن فَتَاوَى الصَّحَابَة ﵃ فَتَاوَى اجتهادية من أَفْرَاد غير معصومين، فَلهم إِذن أَن يَأْخُذُوا بأية فَتْوَى مِنْهَا، كَمَا أَن لَهُم أَن يفتوا بِخِلَافِهَا كلهَا. وَعَن هَذَا نَشأ اخْتِلَاف فِي الْأَحْكَام. ٣- ثَالِثا: فِي الْقيَاس؛ فَإِن بعض الْمُجْتَهدين من الشِّيعَة والظاهرية أَنْكَرُوا الِاحْتِجَاج بِالْقِيَاسِ وَنَفَوْا أَن يكون مصدرا للتشريع وَلِهَذَا سموا: نفاة الْقيَاس، وَجُمْهُور الْأَئِمَّة احْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ وعدوه الْمصدر التشريعي الرَّابِع بعد الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة الشَّرِيفَة وَالْإِجْمَاع، وَلَكنهُمْ مَعَ اتِّفَاقهم على أَنه حجَّة اخْتلفُوا فِيمَا يصلح أَن يكون عِلّة للْحكم ويبنى عَلَيْهِ الْقيَاس، حَيْثُ يشْتَرط بَعضهم أَن يكون مَنْصُوصا على عِلّة الحكم، وَنَشَأ عَن هَذَا أَيْضا اخْتِلَاف فِي الْأَحْكَام. ٤- رَابِعا: وَأما اخْتلَافهمْ فِي النزعة التشريعية، فقد ظهر فِي انقسامهم إِلَى فريق أهل الحَدِيث وَمِنْهُم أَكثر مجتهدي أهل الْحجاز، وفريق أهل الرَّأْي وَمِنْهُم أَكثر مجتهدي أهل الْعرَاق. وَلَيْسَ معنى هَذَا الانقسام أَن فُقَهَاء الْعرَاق يصدرون فِي تشريعهم عَن

стр. 12

الِاجْتِهَاد بِالرَّأْيِ فَقَط، لأَنهم جَمِيعًا متفقون على أَن الحَدِيث حجَّة شَرْعِيَّة ملزمة، وَأَن الِاجْتِهَاد بِالرَّأْيِ أَي بِالْقِيَاسِ حجَّة شَرْعِيَّة فِيمَا لَا نَص فِيهِ. بَين أهل الرَّأْي وَأهل الحَدِيث: وَمعنى هَذَا الانقسام وَسبب هَذِه التَّسْمِيَة أَن فُقَهَاء الْعرَاق أَمْعَنُوا النّظر فِي مَقَاصِد الشَّرْع وَفِي الأسس الَّتِي بني عَلَيْهَا التشريع، فاقتنعوا بِأَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَعْقُول مَعْنَاهَا ومقصود بهَا تَحْقِيق مصَالح النَّاس، وبأنها تعتمد على مبادئ وَاحِدَة ترمي إِلَى غَايَة وَاحِدَة، وَهِي لهَذَا لَا بُد أَن تكون متسقة، لَا تعَارض وَلَا تبَاين بَين نصوصها وأحكامها، وعَلى هَذَا الأساس يفهمون النُّصُوص، ويرجحون نصًّا على نَص، ويستنبطون فِيمَا لَا نَص فِيهِ، وَلَو أدّى استنباطهم على هَذَا الأساس إِلَى صرف نَص عَن ظَاهره أَو ترك نَص إِلَى آخر؛ وهم من أجل هَذَا لَا يتحرجون من التَّوَسُّع فِي الِاجْتِهَاد بِالرَّأْيِ، ويجعلون لَهُ مجالًا فِي أَكثر بحوثهم التشريعية. وَهُنَاكَ فُقَهَاء عنوا بِحِفْظ الحَدِيث وفتاوى الصَّحَابَة، واجتمعوا فِي تشريعهم إِلَى فهم هَذِه الْآثَار حَسْبَمَا تدل عَلَيْهِ عبارتها، وَكَانُوا من أجل هَذَا يتحرجون من الِاجْتِهَاد بِالرَّأْيِ، وَلَا يلجئون إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة القصوى، وأغلب هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاء كَانُوا من أهل الْحجاز. وَرُبمَا كَانَ سَبَب ذَلِك أَن أهل الْحجاز لم يشعروا بضرورة الاستزادة من فقه الرَّأْي، لِأَن مشكلات مجتمعهم الَّتِي يواجهونها لم تتبدل بِالْقدرِ نَفسه الَّذِي واجهه أهل الْعرَاق مِمَّا دفعهم إِلَى الاستزادة من الِاجْتِهَاد بِالرَّأْيِ. وَلَقَد اتهمهم مخالفوهم بِأَنَّهُم لَا ينظرُونَ فِي علل الْأَحْكَام، فَإِذا وجدوا مَا فَهموا من النَّص لَا يتَّفق مَعَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعقل لم يبالوا بِهَذَا، وَقَالُوا: هُوَ النَّص، واتهموهم بالجمود والسطحية وَعدم فهم روح الشَّرِيعَة ومقاصدها الْعَامَّة، حَتَّى غلبوا أَحَادِيث ضَعِيفَة أَو مرجوحة على النُّصُوص القرآنية الْعَامَّة الَّتِي أكدت على مصَالح الْعباد، وَكَانَت أهدافها تسْعَى للمحافظة على الكليات الْخمس: الدَّين وَالنَّفس وَالْعقل والنسل وَالْمَال، بل

стр. 13

رُبمَا تَعَارَضَت بعض أَحَادِيث الْآحَاد وَالْأَحَادِيث الضعيفة مَعَ بدهيات الْعقل ومسلمات الْمنطق وحقائق الْعلم مِمَّا يُؤَكد بُطْلَانهَا، وَمَعَ ذَلِك فقد استمسكوا بهَا وجمدوا عَلَيْهَا، فعطلوا الْمصَالح وخالفوا الْمَقَاصِد لروايات ظهر بُطْلَانهَا بِالْحجَّةِ وَالْعقل ومقاصد الشَّرْع ... إِلَخ. ودافع أهل الحَدِيث عَن موقفهم، واتهموا مخالفيهم بتغليب الرَّأْي على النَّص، ومتابعة الْهوى، وَأَن طعنهم بالأحاديث المروية الَّتِي تخَالف آراءهم لَيْسَ مبنيًّا على الْأُصُول الَّتِي وَضعهَا المحدثون فِي تحري سَلامَة الرِّوَايَة بالتأكد من سَلامَة السَّنَد، بل نصبوا أنفسهم محكمين فَمَا وَافق عُقُولهمْ الكليلة المحدودة قبلوه وَإِلَّا طعنوا فِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا من شَأْن مُسلم يفترض أَن يحمل نَفسه على اتِّبَاع النَّص والإذعان لَهُ. واحتدم الْأَمر أَكثر بِظُهُور فِئَة "الْمُعْتَزلَة" الَّتِي أَعْطَتْ لِلْعَقْلِ مكانة خَاصَّة، إِذْ لَا يعقل فِي نظرهم أَن يتعارض نَص مَعَ الْعقل الَّذِي احتكمت إِلَيْهِ النُّصُوص أَحْيَانًا فِي النّظر وَالِاسْتِدْلَال؛ وَلذَلِك ردوا كل رِوَايَة يتناقض نَصهَا مَعَ منطق الْعقل. وتفاقم الصراع بَين هَذِه الْمدَارِس، وَكَانَ لكل مِنْهَا عُلَمَاء وحجج ونظرات، وألفت فِي ذَلِك كتب دَافع بهَا كل أَصْحَاب مَذْهَب عَن مَذْهَبهم. وَالْكتاب الَّذِي بَين أَيْدِينَا "تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث" ينتصر فِيهِ ابْن قُتَيْبَة -وَهُوَ من أَعْلَام مدرسة الحَدِيث- لمدرسة أهل الحَدِيث، وَيدْفَع حجج الْمدَارِس الْمُخَالفَة إِلَى دَرَجَة قد يُبَالغ فِيهَا بِنَقْد وتجريح أعلامها، لَا سِيمَا فِي تنَاوله لأئمة أهل الرَّأْي حَتَّى اتهمَ أَبَا حنيفَة -بِمَا سَوف يرد فِي الْكتاب- من اتِّبَاع للأهواء وسفه فِي الْأَحْكَام، وَهَذَا بِلَا شكّ تطرف غير مَقْبُول، بل هُوَ التعصب الَّذِي يحمل الْإِنْسَان على الغلو فِي نقد الْخُصُوم. وَيبقى الْكتاب بعد ذَلِك من خيرة مَا ألف فِي بَابه؛ دفاعًا عَن الحَدِيث وبيانًا لوجه الْحق فِيهِ، وتوضيحًا لما توهمه الزارين من اضْطِرَاب وَشك.

стр. 14

هَذَا الْكتاب: وجدت هَذَا الْكتاب مطبوعًا بتصحيح وَضبط الشَّيْخ مُحَمَّد زهدي النجار من عُلَمَاء الْأَزْهَر الشريف الَّذِي أَشَارَ إِلَى عمله فِي بِالْكتاب؛ فَقَالَ: إِنَّه عمد إِلَى تَقْسِيم الْكتاب على نظام الفقرات، ثمَّ ضبط الْآيَات القرآنية والأبيات الشعرية، وَأَنه حَافظ على تعليقات الْمُصَحح الأول الشَّيْخ إِسْمَاعِيل الأسعردي ﵀؛ الَّذِي بذل جهده من قبل فِي إِخْرَاج الْكتاب فِي أواسط شهر جُمَادَى الأولى سنة ١٣٢٦هـ، ثمَّ ذكر الشَّيْخ النجار أَنه فرغ من طباعته للمرة الثَّانِيَة سنة ١٣٨٦ هـ. وَإِذا كَانَ لِلشَّيْخَيْنِ فضل السَّبق فِي إِخْرَاج الْكتاب إِلَى حيّز النُّور، وبذلا وسعهما فِي مُقَابلَته على الأَصْل المخطوط وَشرح بعض الْكَلِمَات فِيهِ جزاهما الله خيرا، لَا سِيمَا الشَّيْخ الأسعردي ﵀ الَّذِي عقب على مَا رَآهُ ضروريًّا، مِمَّا أبقيت بعضه. فقد رَأَيْت أَن الْكتاب يفْتَقر إِلَى مزِيد من الضَّبْط والإتقان؛ فَلَا تزَال فِيهِ أخطاء فِي الطباعة وَبَعض التصحيفات. كَمَا أَن الْكتاب يحْتَاج إِلَى مُقَدّمَة مختصرة تضع الْقَارئ فِي الظروف الَّتِي ألف فِيهَا هَذَا الْكتاب؛ ليمكن فهم الآراء الَّتِي يقف عَلَيْهَا، ويستفيد من سَعَة اطلَاع الْمُؤلف ﵀ على السّنة، وَحسن تَأْوِيله لما يَبْدُو من تعَارض وتناقض فِي النُّصُوص، دون أَن يتأثر بوجهة نظر الْمُؤلف غفر الله لَهُ فِي حَملته الشَّدِيدَة على أَصْحَاب الرَّأْي، ومساواته إيَّاهُم فِي التهجم مَعَ أَرْبَاب الضلال والزيغ من الْمُخَالفين فِي الْأُصُول، وَبَين الْمُجْتَهدين فِي تَقْدِيم بعض مصَادر التشريع من أهل السّنة. وَكَذَلِكَ فَإِن نُصُوص الْأَحَادِيث -الَّتِي هِيَ مَادَّة الْكتاب الأساسية-

стр. 15

لَيست مخرجة وَلَا منقحة مِمَّا قد يُوقع كثيرا من الْقُرَّاء بوهم كَون هَذِه النُّصُوص من السّنة بِدَرَجَة وَاحِدَة من الصِّحَّة وَقُوَّة الْحجَّة، كَمَا أَن الْآيَات القرآنية لم تخرج. لهَذَا كُله عَمَدت إِلَى بذل جهدي الكليل وفهمي الضَّعِيف لاستكمال بعض مَا رَأَيْت من نقص آملًا أَن يتاح لي، أَو لغيري من الباحثين أَن يضيفوا أَو يزِيدُوا فِي تَنْقِيح مَا يجدونه من خطأ أَو تَقْصِير، سَائِلًا الله تَعَالَى أَن يتَقَبَّل أَعمالنَا ويجعلها خَالِصَة لوجهه الْكَرِيم، وراجيًا مِمَّن يجد فِيهِ خطأ أَن ينصحني باستدراكه، أَو يتكرم مشكورًا بِتَصْحِيحِهِ أَو ينبهني إِلَيْهِ. عَمَلي بِالْكتاب: وَقد وجدت مصورًا عَن النُّسْخَة المخطوطة لهَذَا الْكتاب فِي دَار الْكتب القطرية برقم "ميك: ٣١". أما المخطوطة الْأَصْلِيَّة فَهِيَ مَحْفُوظَة بمكتبة رَئِيس الْكتاب مصطفى أَفَنْدِي الملحقة بالمكتبة السليمانية بإستانبول تَحت رقم ١٠٧ باسم: "اخْتِلَاف الحَدِيث وَالسّنَن" تأليف ابْن قُتَيْبَة الدينَوَرِي: عبد الله بن مُسلم الْمُتَوفَّى سنة ٢٧٦هـ. والمخطوطة كَامِلَة تقع فِي ١٦٤ ورقة تبدأ بقوله: "قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وعَلى آله أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ أَسْعَدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ ... إِلَخ ... ". وَقد وضعت صورًا من صفحات الْكتاب بجانبه ليطلع الْقَارئ عَلَيْهَا، انْظُر الصفحات ٣٨-٤٣. ١- عَمَدت إِلَى مُقَابلَة المطبوع على المخطوط كُله، وصححت الأخطاء الَّتِي وَجدتهَا سَوَاء مَا كَانَ مِنْهَا بِسَبَب الطباعة أَو التَّصْحِيف أَو اللُّغَة، وأشرت إِلَى النَّوْعَيْنِ الْأَخيرينِ بالهامش، وصححت الأخطاء المطبعية دون الْإِشَارَة إِلَيْهَا. ٢- خرجت الْأَحَادِيث الشَّرِيفَة كلهَا سَوَاء مَا وَقع الِاخْتِلَاف فِي

стр. 16

تَأْوِيله، أَو مَا أوردهُ الْمُؤلف على سَبِيل الِاحْتِجَاج أَو الِاسْتِدْلَال فِي تدعيم وجهة نظره لإِزَالَة وهم التَّعَارُض أَو التَّنَاقُض، وعقبت على بَعْضهَا بِمَا رَأَيْته مناسبًا للتوضيح أَو للتصحيح. ٣- خرجت الْآيَات القرآنية وضبطتها، وأشرت بالهامش إِلَى رقم الْآيَة من السُّور. ٤- شرحت بعض الْكَلِمَات الغامضة، تسهيلًا للقارئ فِي اسْتِيعَاب الْمَعْنى، ورجحت الْمَقْصُود مِمَّا أوردهُ الْقَامُوس من مَعَاني ليُوَافق سِيَاق الْكَلَام. ٥- عرفت بِبَعْض الْأَعْلَام -مِمَّن شَعرت بضرورة التَّعْرِيف بِهِ وتوفرت لدي المصادر عَنهُ- بنبذة مختصرة جدًّا فِي الْهَامِش؛ اقتصرت فِيهَا على ذكر الِاسْم كَامِلا والمولد إِن عرف، وأبرز الصِّفَات، ثمَّ تَارِيخ الْوَفَاة. ٦- وضعت عناوين جانبية لتوضيح انْتِقَال الْمُؤلف من فكرة إِلَى أُخْرَى، بِحَيْثُ يسهل على الْقَارئ مُتَابَعَته فِي استطراداته، والاستفادة مِنْهَا، والربط بَين أبرز مضامينها. ٧- وضعت فهرسًا للأحاديث الشَّرِيفَة، ورتبتها حسب الْحَرْف الأول فِي الحَدِيث وفقًا للأحرف الهجائية وَذكرت رقم الصفحة الَّتِي ورد فِيهَا. ٨- وضعت فهرسًا للأعلام الَّذين ورد ذكرهم فِي الْكتاب، وأشرت إِلَى الْمَوَاضِع الَّتِي جرى التَّعْرِيف بهم فِيهَا بِإِشَارَة " ". ٩- أعدت النّظر فِي عَلَامَات الترقيم، ووزعتها -كَمَا أَحسب- توزيعًا أَكثر مُنَاسبَة فِي توضيح الْمَعْنى، وتسهيل الْفَهم على الْقَارئ، فأضفت بَعْضهَا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يستدعيها الْمَعْنى، وحذفت مَا لَا دَاعِي لَهُ. ١٠- عقبت فِي قَلِيل من الْمَوَاضِع على مَا رَأَيْت ضَرُورَة للتعقيب عَلَيْهِ، مِمَّا تَقْتَضِيه الْأَمَانَة العلمية، وتجنبت الْإِكْثَار من ذَلِك خشيَة التدخل فِي مسار الْكتاب، وَالْخُرُوج بِهِ عَن أهدافه من كَثْرَة النَّقْد أَو التزيد. مزايا الْكتاب: وسيجد الْقَارئ فِي هَذَا الْكتاب إِلَى جَانب دفاع ابْن قُتَيْبَة البارع عَن

стр. 17

السّنة، ونصرته لَهَا من الاستطرادات العلمية واللغوية والشعرية والفقهية والفلسفية، والاستشهاد بِالْآيَاتِ القرآنية وَتَفْسِير بَعْضهَا، وَالِاسْتِدْلَال بِبَعْض مَا ورد فِي الْكتب السماوية الْأُخْرَى والأحداث التاريخية والطرف والنوادر والحكايات؛ مِمَّا يمتع وينفع، وَيدل على سَعَة معرفَة الْمُؤلف ﵀ وإحاطته بعلوم ومعارف عصره. يَسُوق ذَلِك كُله ليزيل الالتباس الْحَاصِل فِي فهم الحَدِيث، أَو إِزَالَة شُبْهَة التَّعَارُض والتناقض. وَإِذا كَانَ لأحد أَن يسْتَدرك على الْمُؤلف شَيْئا فَهُوَ دفاعه عَن بعض الْأَحَادِيث الضعيفة أَو الْمَوْضُوعَة وَالَّتِي كَانَ يُغْنِيه فِيهَا أَن يذكر ضعفها وَعدم ضَرُورَة الِاحْتِجَاج بهَا. بِالْإِضَافَة إِلَى أَنه كَانَ يعتمده فِي موطن الِاسْتِدْلَال على صِحَة مَا ورد فِي الحَدِيث من معنى بِمَا ورد فِي الْكتب السماوية الْأُخْرَى، وَلَا يخفى أَن هَذِه الْكتب لَا يحْتَج بهَا لما نعتقده فِيهَا من تَحْرِيف، فَكيف يُمكن أَن تقبل دَلِيلا على الصَّوَاب؟!.. ثمَّ انتقاصه لبَعض الْأَعْلَام بِسَبَب مخالفتهم بِالِاجْتِهَادِ، ومبالغته فِي ذَلِك إِلَى حد التشكيك بصدقهم وتقواهم وَدينهمْ، وَذَلِكَ مِمَّن تَوَاتر الثَّنَاء عَلَيْهِم غفر الله لَهُ. لَكِن الْكتاب بمجمله يعْتَبر من أفضل مَا كتب فِي بَابه، وَيدل على علو كَعْب الْمُؤلف ﵀ وأجزل ثَوَابه- بَين عُلَمَاء عصره فِي عدد من الْعُلُوم والمعارف، وَلَإِنْ وجدت فِيهِ هَنَات مَعْدُودَة -رُبمَا دَفعه إِلَيْهَا حماسه لما يرَاهُ حقًّا، وغيرته على حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِن الْكَمَال لله وَحده، وكل إِنْسَان يُؤْخَذ مِنْهُ وَيرد إِلَّا صَاحب هَذَا الْقَبْر؛ كَمَا قَالَ الإِمَام مَالك ﵀، فَلَا يجوزك انتقاصه حَقه وَقد قدم الْكثير الْجيد الَّذِي يعْتَبر بِحَق زِيَادَة فِي بَابه وَعَملا أصيلًا غزيرًا تقبل الله مِنْهُ وَمنا وَغفر لَهُ وَلنَا وَأَعْلَى مقَامه وَجَعَلنَا وإياه فِي زمرة أحبابه وأوليائه وخاصته من خلقه. اللَّهُمَّ آمين. الدوحة فِي ٨/ ٨/ ١٤٠٨ هـ ٢٦/ ٣/ ١٩٨٨م مُحَمَّد محيي الدَّين الْأَصْفَر

стр. 18

ابْن قُتَيْبَة: أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسلم بن قُتَيْبَة الْكُوفِي، وتسميه دَائِرَة المعارف الإسلامية: أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن مُسلم بن قُتَيْبَة الْمروزِي مُخَالفَة بذلك مُعظم المراجع. أما أَبوهُ "مُسلم" فقد كَانَ من أهل الْعلم والْحَدِيث إِلَّا أَنه لم يبلغ مستوى ابْنه عبد الله، وَيَقُول الْبَغْدَادِيّ: إِن أَبَاهُ كَانَ مروزيًّا أَي من أهل مرو. وَأما جده "قُتَيْبَة" فقد اخْتلف فِي اشتقاق اسْمه؛ فَقيل: هُوَ تَصْغِير "قتبة" وَاحِدَة الأقتاب أَي الأمعاء، وَقيل: قُتَيْبَة مَأْخُوذ من القتب وَهُوَ الرحل الصَّغِير على قدر سَنَام الْبَعِير. مولده ووفاته: ولد سنة ٢١٣هـ دون خلاف بَين من ترْجم لَهُ، وَإِن كَانَ بَعضهم سكت عَن ذَلِك كالبغدادي، وَلم يذكرُوا مَعهَا شهرا كَمَا فعلوا حِين التأريخ لوفاته، وَذَلِكَ لأَنهم عرفوه حِين ذاع صيته وَعلا شَأْنه، وَلم يكن قبل ذَلِك مَعْرُوفا. وَقد اخْتلفُوا فِي ذكر الْبَلَد الَّتِي ولد فِيهَا؛ فَقَالَ بَعضهم: ولد فِي الْكُوفَة كَابْن النديم وَابْن الْأَثِير وَابْن الْأَنْبَارِي، وَهُنَاكَ غَيرهم من المؤرخين قبل الْبَغْدَادِيّ والسمعاني، وَمن بعدهمَا القفطي يذكرُونَ: أَن مولده كَانَ بِبَغْدَاد، وَلَا يناقشون رِوَايَة غَيرهم، وَقد يكون مرد ذَلِك إِلَى أَنه أَقَامَ فِي بَغْدَاد فظنوا أَنه ولد فِيهَا، مَعَ أَن وَالِده لَيْسَ بغداديًّا وأسرته كَانَت غَرِيبَة عَن بَغْدَاد، وَذَلِكَ قد يرجح أَن يكون من مواليد الْكُوفَة وَالله أعلم.

стр. 19

وكما اخْتلف على مَكَان وِلَادَته اخْتلف على سنة وَفَاته، فقد ذكر ابْن الْأَنْبَارِي أَنه أكل هريسة، فاحتر جِسْمه، ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق فَمَا زَالَ يذكر الله ويتشهد حَتَّى مَاتَ فِي أول لَيْلَة من رَجَب سنة ٢٧٦هـ، وَيَقُول بذلك نفر من المؤرخين. أما ابْن خلكان فَيَقُول: توفّي فِي ذِي الْقعدَة سنة ٢٧٠هـ، وَقيل سنة ٢٧١هـ، وَالرِّوَايَة الأولى أصح كَمَا رجح بعض المؤرخين، وَالله أعلم. نسبته إِلَى الدينور: ولي قَضَاء دينور وَهِي مَدِينَة قرب قرميسين، تبعد عشْرين فرسخًا عَن همذان، وَقد أَقَامَ بهَا مُدَّة فنسب إِلَيْهَا. وَكَانَ شَدِيد الصِّلَة بالخاقاني أبي الْحسن عبيد الله بن يحيى الَّذِي كَانَ وزيرًا للمتوكل إِلَى سنة "٢٤٧هـ"، فولاه الْقَضَاء فِي دينور، وَبَقِي فِيهَا من "٢٣٢هـ" إِلَى "٢٤٧هـ" زمن خلَافَة المتَوَكل، ثمَّ عَاد ابْن قُتَيْبَة بعْدهَا إِلَى بَغْدَاد فنسب ابْن قُتَيْبَة إِلَى دينور، ودعي: بالدينوري. نشأته وشيوخه: نَشأ ابْن قُتَيْبَة فِي بَغْدَاد وَبهَا تلقى علومه وَأخذ عَن شيوخها، وَلم يذكر لَهُ شُيُوخ أَخذ الحَدِيث عَنْهُم بِغَيْر بَغْدَاد، وأهم شُيُوخه: ١- وَالِده: مُسلم بن قُتَيْبَة، وَقد حدث عَنهُ فِي كِتَابيه: عُيُون الْأَخْبَار والمعارف. ٢- أَحْمد بن سعيد اللحياني، وَقَرَأَ عَلَيْهِ: كتاب الْأَمْوَال، وَكتاب غَرِيب الحَدِيث لأبي عبيد. ٣- أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَلام الجُمَحِي صَاحب طَبَقَات الشُّعَرَاء "ت٢٣١هـ". ٤- يحيى بن أَكْثَم القَاضِي؛ أَخذ عَنهُ بِمَكَّة وَرُبمَا كَانَ ذَلِك أثْنَاء حجَّة لَهُ "ت٢٤٢هـ".

стр. 20

٥- ابْن رَاهْوَيْةِ أَبُو يَعْقُوب، إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَهُوَ من عُلَمَاء الْفِقْه والْحَدِيث، وروى عَنهُ أَئِمَّة الحَدِيث مثل: البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. "ت٢٣٨هـ". ٦- حَرْمَلَة بن يحيى التجِيبِي "ت٢٤٣هـ". ٧- الزيَادي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن سُفْيَان تلميذ سِيبَوَيْهٍ والأصمعي "ت٢٤٩هـ". ٨- دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ الشَّاعِر "ت٢٤٦هـ". ٩- أَبُو عبد الله الْحسن بن الْحُسَيْن بن حَرْب السّلمِيّ "ت٢٤٦هـ". ١٠- أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَرْزُوق بن بكير بن البهلول الْبَاهِلِيّ الْمصْرِيّ "ت٢٤٨هـ". ١١- شَبابَة بن سوار "ت٢٥٤هـ". ١٢- زِيَاد بن يحيى بن زِيَاد المساني الْبَصْرِيّ "ت٢٥٤هـ". ١٣- مُحَمَّد بن يحيى بن أبي حزم الْقطعِي الْبَصْرِيّ "ت٢٥٣هـ". ١٤- إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الصَّواف "ت٢٥٣هـ". ١٥- مُحَمَّد بن زِيَاد بن عبيد الله بن زِيَاد بن الرّبيع الزيَادي الْبَصْرِيّ "ت٢٥٢هـ". ١٦- الجاحظ أَبُو عُثْمَان "ت٢٥٤هـ". ١٧- عبد الرَّحْمَن بن بشر بن الحكم بن حبيب "ت٢٦٠هـ". ١٨- عَبده بن عبد الله الْخُزَاعِيّ "ت٢٥٨هـ". ١٩- الْعَبَّاس بن الْفرج الرياشي "ت٢٥٧هـ". ٢٠- زيد بن أخزم الطَّائِي "ت٢٥٧هـ". ٢١- إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بن الشَّهِيد الْبَصْرِيّ "ت٢٥٧هـ". ٢٢- مُحَمَّد بن خَالِد بن خرَاش بن عجلَان المهلبي. ٢٣- أَحْمد بن خَالِد الضَّرِير. ٢٤- عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن قريب. ٢٥- مُحَمَّد بن عبيد بن عبد الْملك الْأَسدي.

стр. 21

تلاميذه: ١- ابْنه أَحْمد بن عبد الله بن مُسلم الدينَوَرِي كَانَ يحفظ كتب أَبِيه حفظا كَامِلا. "ت٣٢٢هـ" ولي الْقَضَاء سنة ٣٢١هـ. ٢- أَحْمد بن مَرْوَان الْمَالِكِي "ت٢٩٨هـ" وَقد روى عَن ابْن قُتَيْبَة هَذَا الْكتاب "تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث". وَقد انْتهى إِلَيْنَا بروايته. ٣- مُحَمَّد بن خلف بن الْمَرْزُبَان "ت٣٠٩هـ". ٤- إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أَيُّوب بن بشير الصَّائِغ "ت٣١٣هـ" روى مصنفات ابْن قُتَيْبَة كلهَا. ٥- عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عِيسَى السكرِي "ت٣٢٣هـ". ٦- عبيد الله بن أَحْمد بن عبد الله بن بكير التَّمِيمِي "ت٣٣٤هـ". ٧- الْهَيْثَم بن كُلَيْب الشَّاشِي "ت٣٣٥هـ" وَقد أَخذ عَنهُ الْأَدَب خَاصَّة. ٨- قَاسم بن أصبغ الأندلسي "ت٣٤٠"هـ قَرَأَ عَلَيْهِ "المعارف" و"شرح غَرِيب الحَدِيث". ٩- إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الشَّيْبَانِيّ الْبَغْدَادِيّ "ت٢٩٨هـ". ١٠- أَحْمد بن الْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم الدينَوَرِي، وَقَرَأَ عَلَيْهِ "تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث". ١١- عبد الله بن جَعْفَر بن درسْتوَيْه الْفَسَوِي "ت٣٣٥هـ". ١٢- أَبُو عبد الله بن أبي الْأسود "٣٤٣هـ". مؤلفاته: ١- مُشكل الْقُرْآن: وَقد جمع بَين هَذَا الْكتاب وغريب الْقُرْآن أَحْمد بن مطرف الْكِنَانِي "ت٣٥٤" فِي كتاب أسماه: "القرطين" ينقص مِنْهُمَا وَيزِيد "مطبوع، نشر بِالْقَاهِرَةِ ١٩٣٥". ٢- مَعَاني الْقُرْآن: ذكره السُّيُوطِيّ والداودي وعياض. ٣- الْقرَاءَات: ذكره ابْن النديم فِي "الفهرست". ٤- إِعْرَاب الْقرَاءَات: هَكَذَا سَمَّاهُ ابْن خلكان والقفطي.

стр. 22

٥- الرَّد على الْقَائِل بِخلق الْقُرْآن: ذكره السُّيُوطِيّ فِي "البغية". والداودي فِي: "طَبَقَات الْمُفَسّرين". ٦- آدَاب الْقِرَاءَة: ذكره صَاحب كشف الظنون. ٧- غَرِيب الحَدِيث: ذكره ابْن النديم وَابْن خلكان والخطيب والداودي وَغَيرهم، وَقد أحسن فِيهِ "مطبوع نشره عبد الله الجبوري فِي ٣ أَجزَاء بِبَغْدَاد -وزارة الْأَوْقَاف ١٩٧٧-١٩٧٨م". ٨- إصْلَاح غلط أبي عبيد: وَقد استدرك فِيهِ ابْن قُتَيْبَة على أبي عُبَيْدَة فِي نَيف وَخمسين موضعا فِي غَرِيب الحَدِيث "مخطوط أيا صوفيا ٤٥٧". ٩- الْمسَائِل والأجوبة: ذكره الدَّاودِيّ والسيوطي بِهَذَا الِاسْم، وَذكره غَيرهم باسم: الْمسَائِل والجوابات "مخطوط، عَاشر أَفَنْدِي ١٩٧٩" وَقد طبع بِمصْر. ١٠- دَلَائِل النُّبُوَّة: ذكره ابْن النديم والداودي والسيوطي وحاجي خَليفَة بِهَذَا الِاسْم، وَذكره ابْن الْأَنْبَارِي باسم: دَلَائِل النُّبُوَّة من الْكتب الْمنزلَة على الْأَنْبِيَاء ﵈. ١١- جَامع الْفِقْه: ذكره ابْن النديم فِي "الفهرست" وَذكره القفطي باسم: كتاب الْفِقْه. ١٢- كتاب الْأَشْرِبَة: ذكره ابْن النديم وَابْن خلكان والقفطي "وطبع الْكتاب بتحقيق مُحَمَّد كرد عَليّ بِدِمَشْق ١٣٦٦هـ-١٩٤٧م". ١٣- الرَّد على المشبهة: ذكره ابْن النديم والداودي والسيوطي والقفطي "مطبوع، نشر بِالْقَاهِرَةِ ١٣٤٩هـ-١٩٣٠م". ١٤- أدب الْكَاتِب: ذكره ابْن النديم وَابْن خلكان والسمعاني وَالطّيب فِي: "قلادة النَّحْر" وَابْن كثير والقفطي وَابْن الْعِمَاد، وَقد طبع الْكتاب مَرَّات "نشره جرونرت grunert ليدن ١٩٠٠ وَنشر فِي الْقَاهِرَة ١٣٠٠، ١٣١٠، ١٣٢٨، ١٣٥٥هـ -١٩٣٦م". ١٥- عُيُون الشّعْر: ذكره ابْن النديم ثمَّ ذكر كتابا آخر لِابْنِ قُتَيْبَة

стр. 23

أسماه: الْمَرَاتِب والمناقب من عُيُون الشّعْر ويحتوي على عشرَة كتب هِيَ: "الْجَوَاهِر، الشواهد، القلائد، المحاسن، المدائح، الْمَرَاتِب، المراكب، الْمشَاهد، الْمعَانِي، المناقب". ١٦- كتاب الْمعَانِي الْكَبِير: ذكره ابْن النديم باسم: مَعَاني الشّعْر الْكَبِير، وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه "عُيُون الْأَخْبَار" حَيْثُ يَقُول: وَقد فسرت هَذَا الشّعْر فِي كتابي الْمُؤلف فِي أَبْيَات الْمعَانِي فِي خلق الْفرس "مخطوط، يُوجد الْقسم الأول مِنْهُ وَهُوَ أَبْيَات الْمعَانِي فِي الْخَيل، ومخطوط فِي أيا صوفيا ٤٠٥٠، وتوجد تتمته "الْقسم الثَّانِي" فِي الْمكتب الْهِنْدِيّ أول ١١٣٧". ويحتوي هَذَا الْكتاب على اثْنَي عشر كتابا هِيَ: "الْإِبِل: ١٦ بَابا، الْإِيمَان والدواهي: ٧ أَبْوَاب، تَصْحِيف الْعلمَاء: بَاب وَاحِد، الْحر: ١٠ أَبْوَاب، الديار: ١٠ أَبْوَاب، الرِّيَاح: ٣١ بَابا، السبَاع والوحوش: ١٧ بَابا، الشيب وَالْكبر ٨ أَبْوَاب، الضَّرُورَة: ٢٠ بَابا، الْفرس: ٤٦ بَابا، النِّسَاء والغزل: بَاب وَاحِد، الْهَوَام: ٢٤ بَابا". ١٧- ديوَان الكتّاب: ذكره ابْن النديم، والسيوطي، وحاجي خَليفَة. ١٨- تَقْوِيم اللِّسَان: ذكره حاجي خَليفَة. ١٩- خلق الْإِنْسَان: ذكره ابْن النديم والداودي، والسيوطي، وحاجي خَليفَة. ٢٠- كتاب الْخَيل: ذكره ابْن النديم وَابْن خلكان، والداودي، والسيوطي والقفطي. ٢١- كتاب الْأَنْوَار: ذكره ابْن النديم وَابْن خلكان، والداودي، والسيوطي والقفطي والسمعاني، "وَهُوَ مطبوع نشره بِلَال وَمُحَمّد حميد الله. حيدر آباد، مطبوعات دَائِرَة المعارف العثمانية ١٩٥٦م". ٢٢- جَامع النَّحْو الْكَبِير: ذكره ابْن النديم والداودي والسيوطي والقفطي وحاجي حليفة.

стр. 24

٢٣- جَامع النَّحْو الصَّغِير: ذكره ابْن النديم والداودي والسيوطي والقفطي وحاجي خَليفَة. ٢٤- الميسر والقداح: ذكره ابْن النديم وَابْن خلكان والقفطي وَصَاحب طَبَقَات فُقَهَاء السَّادة الْحَنَفِيَّة "مطبوع نشره محب الدَّين الْخَطِيب، الْقَاهِرَة ١٣٤٣هـ - ١٩٢٤م". ٢٥- فضل الْعَرَب على الْعَجم: ذكره ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه: "عُيُون الْأَخْبَار" وَلَا يبعد أَن يكون كتاب: "التَّسْوِيَة بَين الْعَرَب والعجم" الَّذِي ذكره ابْن النديم والقفطي على أَنه كتاب آخر، هُوَ هَذَا الْكتاب باسم جَدِيد. ٢٦- عُيُون الْأَخْبَار: ذكره ابْن النديم، وَابْن خلكان، والخطيب الْبَغْدَادِيّ، والسمعاني، وَابْن كثير، وَابْن الْأَنْبَارِي والقفطي "مطبوع، دَار الْكتاب، الْقَاهِرَة ٤ أَجزَاء ١٩٢٥-١٩٣٠م". ٢٧- طَبَقَات الشُّعَرَاء: ذكره ابْن خلكان، والداودي، والسيوطي، والقفطي، وَابْن الْعِمَاد. "مطبوع، نشره ritter shausen "ليدن ١٨٧٥م، ونشره أَيْضا دي خويه degeje ونشره جود فرواري موبيس باريس ١٩٤٧ وطبع ببيروت، دَار الثقافة ١٩٦٤م". ٢٨- الْحِكَايَة والمحكي: ذكره ابْن النديم. ٢٩- فرائد الدُّرَر: ذكره ابْن النديم. ٣٠- حكم الْأَمْثَال: ذكره ابْن النديم. ٣١- آدَاب الْعشْرَة: ذكره ابْن النديم. ٣٢- كتاب الْعلم: ذكره ابْن النديم والقفطي بِهَذَا الِاسْم، ثمَّ ذكره الدَّاودِيّ والسيوطي باسم كتاب الْقَلَم. ٣٣- تَعْبِير الرُّؤْيَا: ذكره ابْن النديم وَأَبُو الطّيب اللّغَوِيّ بِهَذَا الِاسْم، وَذكر ابْن قُتَيْبَة باسم "تَأْوِيل الرُّؤْيَا". ٣٤- الجراثيم: يشك فِي نسبته لِابْنِ قُتَيْبَة.

стр. 25

٣٥- الجوابات الْحَاضِرَة: ذكره الدَّاودِيّ والسيوطي، وحاجي خَليفَة. ٢٦- مُشكل الحَدِيث: ذكره ابْن خلكان، والخطيب، والسمعاني، وَابْن الْأَنْبَارِي، والقفطي، وَصَاحب طَبَقَات فُقَهَاء السَّادة الْحَنَفِيَّة وَابْن الْعِمَاد. ٣٧- كتاب المعارف: "مطبوع، نشره فستنفلد فِي جوتنجن: ١٨٥ وَنشر أَيْضا بِالْقَاهِرَةِ ١٣٠٠هـ، ١٣٥٢هـ -١٩٣٩م". ٣٨- اخْتِلَاف تَأْوِيل الحَدِيث: "مطبوع بِمصْر عَام ١٣٢٦هـ - ١٩٠٨م" وَهُوَ الْكتاب الَّذِي نَحن بصدده. كتاب "مُخْتَلف تَأْوِيل الحَدِيث": ذكره ابْن خلكان، والخطيب والسمعاني وَابْن الْأَنْبَارِي والقفطي وَصَاحب طَبَقَات فُقَهَاء السَّادة الْحَنَفِيَّة وَابْن الْعِمَاد. وَيذكر ابْن النديم كتابا لِابْنِ قُتَيْبَة باسم "الْمُشكل" وَلَا نَدْرِي أهوَ: مُشكل الحَدِيث هَذَا، أم هُوَ مُشكل الْقُرْآن؟ وأغلب الظَّن أَن ابْن قُتَيْبَة إِذا ذكر "الْمُشكل" وَلم يضف إِلَيْهِ أَرَادَ: مُشكل الْقُرْآن. ثمَّ يستطرد ابْن النديم، وَيذكر كتابين آخَرين فِي هَذَا الْغَرَض وهما: ١- مُخْتَلف الحَدِيث. ٢- اخْتِلَاف تَأْوِيل الحَدِيث. ويذكره الدَّاودِيّ والسيوطي باسم: مُخْتَلف الحَدِيث، ويورده حاجي خَليفَة باسم: اخْتِلَاف الحَدِيث، وباسم: كتاب المناقضة، وبدار الْكتب المصرية نُسْخَة مِنْهُ باسم: الرَّد على من قَالَ بتناقض الحَدِيث، ويسميها مفهرس دَار الْكتب باسم: "المشتبه من الحَدِيث وَالْقُرْآن وَذكر الْأَحَادِيث الَّتِي قيل بتناقضها". ويذكره جورجي زَيْدَانَ فِي تَارِيخ الْآدَاب الْعَرَبيَّة باسم: المشتبه من الحَدِيث وَالْقُرْآن، وَقد ظهر هَذَا الْكتاب مطبوعًا بِالْقَاهِرَةِ "١٣٢٦هـ" باسم: تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث.

стр. 26

مردُّ الالتباس فِي أَسمَاء كتبه: يَقُول الدكتور ثروت عكاشة فِي الْكتاب الَّذِي حَقَّقَهُ لِابْنِ قُتَيْبَة: "المعارف" فِي تَوْضِيحه للِاخْتِلَاف فِي عدد الْكتب وأسمائها مِمَّا نسب لِابْنِ قُتَيْبَة مَا يَلِي: وَإِنَّهُم ليعدون لِابْنِ قُتَيْبَة أَسمَاء لكتب أُخْرَى، وَأكْثر الظَّن أَنَّهَا لَيست كتبا مُسْتَقلَّة بل إِنَّهَا أَبْوَاب من نَحْو هَذَا الَّذِي يذكرُونَ لَهُ من أَنه لَهُ كتاب اسْمه: "اسْتِمَاع الْغناء بالألحان" معتمدين على مَا ذكره حاجي خَليفَة فِي حرف السِّين حَيْثُ يَقُول: "وَالْعُلَمَاء اخْتلفُوا فِي اسْتِمَاع الْغناء بالألحان، وَهِي مَسْأَلَة طَوِيلَة الذيل، خصها كثير من الْمُتَقَدِّمين بالتصنيف كَالْقَاضِي أبي الطّيب، والعلامة أبي مُحَمَّد ابْن قُتَيْبَة". فَمَا نشك فِي أَن ابْن قُتَيْبَة كتب فِي هَذَا الْمَوْضُوع، وَلَكِن الَّذِي نشك فِيهِ أَن يكون لَهُ كتاب بِهَذَا الِاسْم. وَلَعَلَّ الدَّافِع الَّذِي دفع هَؤُلَاءِ إِلَى التَّوَسُّع فِي الْجمع شَيْء من الْجَهْل بمحتويات كتب ابْن قُتَيْبَة، وَذَلِكَ لأَنهم عرفُوا أَكْثَرهَا بِالسَّمَاعِ. وَشَيْء آخر هُوَ مَا قرءوه وسمعوه من بعض المؤرخين، مثل صَاحب "التحديث بمناقب أهل الحَدِيث" حَيْثُ يذكر أَن كتب ابْن قُتَيْبَة زهاء ثَلَاثمِائَة كتاب، فيدفعهم هَذَا إِلَى التصيد والتحايل. وَمَا أَشك فِي أَن الَّذِي قصد إِلَيْهِ صَاحب "التحديث" هُوَ هَذِه الْأَبْوَاب الَّتِي احتوت عَلَيْهَا كتب ابْن قُتَيْبَة، بِعَدِّ كل بَاب كتابا، وَإِلَّا اتهمناه بِمَا نبرئ مِنْهُ كل مُتَّصِل بِالْعلمِ والتأليف. وَمَا أملينا إِلَى أَن نَأْخُذ بِمَا سبق فِيهَا "المدارك" حَيْثُ تحدث عَن أبي جَعْفَر أَحْمد، وَأَنه كَانَ يحفظ مصنفات أَبِيه، وعدتها وَاحِد وَعِشْرُونَ مصنفًا، وَمَا هَذَا الْعدَد بِقَلِيل على عَالم من الْعلمَاء، عمر مثل مَا عمر ابْن قُتَيْبَة، لَا سِيمَا والمؤلفات من المؤلفات ذَات الْأَجْزَاء. غير أَن الَّذِي يعنينا هُوَ أَن ندلل على أَن البيئة الَّتِي عَاشَ فِيهَا ابْن قُتَيْبَة شغلت ابْن قُتَيْبَة بهَا وَلم يكد يفلته ركن لم يُشَارك فِيهِ.

стр. 27

آراء الْعلمَاء فِي ابْن قُتَيْبَة: تباينت آراء الْعلمَاء فِي ابْن قُتَيْبَة فوثقه بَعضهم وجرحه آخَرُونَ، وَقد جعله ابْن تَيْمِية لأهل السّنة مثل الجاحظ للمعتزلة، وَكَذَلِكَ وَثَّقَهُ عُلَمَاء آخَرُونَ مِنْهُم: - الْحَافِظ السلَفِي "ت٥٧٦هـ" حَيْثُ قَالَ: "كَانَ ابْن قُتَيْبَة من الثِّقَات وَأهل السّنة". - والخطيب الْبَغْدَادِيّ "ت٤٦٣هـ" الْقَائِل: "كَانَ ثِقَة دينا فَاضلا". - وَابْن حزم، وَأَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن سعيد "ت٤٥٦": "كَانَ ابْن قُتَيْبَة ثِقَة فِي دينه وَعلمه". - والحافظ الذَّهَبِيّ حَيْثُ يَقُول فِي -ميزَان الِاعْتِدَال: "أَبُو مُحَمَّد صَاحب التصانيف، صَدُوق قَلِيل الرِّوَايَة". وَيَقُول فِي -تذكرة الْحفاظ: "ابْن قُتَيْبَة من أوعية الْعلم، قَلِيل الْعَمَل فِي الحَدِيث". - وَابْن الْجَوْزِيّ "ت٥٩٧هـ" يَقُول: "كَانَ عَالما فَاضلا". - وَابْن خلكان "ت٦٨١هـ": "كاك فَاضلا ثِقَة". - وَمُسلم بن قَاسم: "كَانَ ابْن قُتَيْبَة صَدُوقًا من أهل السّنة". وَغير هَؤُلَاءِ من الْعلمَاء يَتَّهِمُونَهُ وَيَقُولُونَ فِيهِ غير ذَلِك: - فالدارقطني أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر بن أَحْمد بن مهْدي "ت٣٨٥هـ" يَقُول: "كَانَ ابْن قُتَيْبَة يمِيل إِلَى التَّشْبِيه، منحرفًا عَن العترة، وَكَلَامه يدل عَلَيْهِ". - وَالْبَيْهَقِيّ أَبُو بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن "ت٤٥٨هـ" يَقُول: "كَانَ ابْن قُتَيْبَة يرى رَأْي الكرامية وَلَيْسَ بَين المشبهة والكرامية كَبِير فرق، فالكرامية هم أَتبَاع مُحَمَّد بن كرام، وَكَانَ يذهب إِلَى التجسيم والتشبيه، وينعى على "عَليّ" صبره على مَا جرى لعُثْمَان ﵁. وَيَقُول الدكتور ثروت عكاشة فِي تَحْقِيقه لكتاب "المعارف" لِابْنِ قُتَيْبَة فِي بَيَان سَبَب هَذِه الاتهامات: "وَلَقَد نسي هَؤُلَاءِ أَن هَذَا الْمُتَّهم بالتشبيه لَهُ

стр. 28

كتاب فِي الرَّد على المشبهة، وَأَن لَهُ فِي هَذَا الْكتاب عِبَارَات تدل على ميله إِلَى "عَليّ"، ونسوا أَيْضا أَن لَهُ كتابا فِي تَفْضِيل الْعَرَب، وَلَكِن كَيفَ لهَؤُلَاء المتهمين أَن يتهموا دون دَلِيل؟ فِي الْحق إِن لِابْنِ قُتَيْبَة من الْكَلَام فِي كتبه مَا يثير شَيْئا من الرِّيبَة، اقْرَأ لَهُ قَوْله فِي كِتَابه: "مُشكل الْقُرْآن" "وَكَانَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضي عَنْهُم، وهم مصابيح الأَرْض وقادة الْأَنَام ومنتهى الْعلم، إِنَّمَا يقْرَأ الرجل فيهم السورتين وَالثَّلَاث والأربع، وَالْبَعْض والشطر من الْقُرْآن، إِلَّا نَفرا مِنْهُم وفقهم الله لجمعه، وَسَهل عَلَيْهِم حفظه، وَقَالَ الشّعبِيّ: توفّي أَبُو بكر وَعمر وَعلي ﵃ وَلم يجمعوا الْقُرْآن، وَقَالَ: لم يختمه أحد من الْخُلَفَاء غير عُثْمَان. وَرُوِيَ عَن شريك عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد أَنه قَالَ: سَمِعت الشّعبِيّ يحلف بِاللَّه : لقد دخل عَليّ حفرته وَمَا حفظ الْقُرْآن"١. تظن أَن هَذَا من كَلَام ابْن قُتَيْبَة هُوَ الَّذِي أثار تِلْكَ الثائرة حوله، فانبرى لَهُ من انبرى يَتَّهِمُونَهُ. اسْمَع لأبي الْحُسَيْن أَحْمد بن فَارس "ت٣٩٥هـ" يَقُول فِي كِتَابه -الصَّحَابِيّ- تعقيبًا على هَذَا الَّذِي ذكره ابْن قُتَيْبَة: "وَابْن قُتَيْبَة يُطلق إطلاقات مُنكرَة، ويروي أَشْيَاء مشنعة، كَالَّذي رَوَاهُ عَن الشّعبِيّ أَن أَبَا بكر وَعمر وعليًّا توفوا وَلم يجمعوا الْقُرْآن، وَأَن عليًّا دخل حفرته وَمَا حفظ الْقُرْآن، وَهَذَا كَلَام شنيع جدًّا"٢. وَابْن قُتَيْبَة الَّذِي ينْقل هَذَا رَاوِيا، يذكر غَيره مدافعًا عَن أهل الْبَيْت، مِمَّا يعبر عَن رَأْيه ومعتقده، وَفرق بَين أَن يزل الْعَالم وَهُوَ يروي لينصف التَّارِيخ، وَبَين أَن يزل وَهُوَ يفصح عَمَّا يعْتَقد، فَابْن قُتَيْبَة إِن زل فَلم يزل مُعْتَقدًا. اسْمَع إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول فِي كِتَابه: "الرَّد على الْجَهْمِية": "وَجعلُوا ابْنه الْحُسَيْن ﵇ خارجيًا شاقًا لعصا الْمُسلمين حَلَال الدَّم. وسووا بَينه فِي الْفضل وَبَين أهل الشورى ... فَإِن قَالَ قَائِل: أَخُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَليّ،

стр. 29

وَأَبُو سبطيه الْحسن وَالْحُسَيْن وَأَصْحَاب الكساء: عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن تمعرت الْوُجُوه وتنكرت الْعُيُون". فَهَذَا القَوْل مِمَّا ينصف ابْن قُتَيْبَة لَا شكّ، وَلَيْسَ فِي الأولى عَلَيْهِ حرج. علمه: وَأما عَن علمه، فَلم يعْدم "ابْن قُتَيْبَة" الْمنصف والطاعن: أما عَن الَّذين أنصفوه هُنَا، فيكادون يكونُونَ هم الَّذين أنصفوه هُنَاكَ -عِنْد الحَدِيث عَن آرائه- وتكاد تكون كلماتهم هُنَاكَ هِيَ كلماتهم هُنَا. وَأما عَن الَّذِي اتَّهَمُوهُ فِي علمه، فَإنَّا نجدهم نَفرا آخَرين، وَلَعَلَّ أقدم من أنكر على ابْن قُتَيْبَة علمه، هُوَ ابْن الْأَنْبَارِي "ت٢٣٨هـ"، نجد ذَلِك على لِسَان ابْن تَيْمِية حِين يَقُول: "وَابْن الْأَنْبَارِي من أَكثر النَّاس كلَاما فِي مَعَاني الْآي المتشابهات، يذكر فِيهَا من الْأَقْوَال مَا لم ينْقل عَن أحد من السّلف ويحتج لما يَقُول فِي الْقُرْآن بالشاذ من اللُّغَة. وَقصد ابْن تَيْمِية بذلك رد إِنْكَار ابْن الْأَنْبَارِي على ابْن قُتَيْبَة. وَمن بعد الْأَنْبَارِي: أَبُو الطّيب "ت٣٥١هـ" إِذْ يَقُول فِي كِتَابه مَرَاتِب النَّحْوِيين: "وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسلم بن قُتَيْبَة الدينَوَرِي أَخذ عَن أبي حَاتِم والرياشي وَعبد الرَّحْمَن بن أخي الْأَصْمَعِي. وَقد أَخذ ابْن دُرَيْد عَن هَؤُلَاءِ كلهم وَعَن الأشنانداني إِلَّا أَن ابْن قُتَيْبَة خلط عَلَيْهِ بحكايات عَن الْكُوفِيّين لم يكن أَخذهَا عَن ثِقَات. وَكَانَ يشرع فِي أَشْيَاء لَا يقوم بهَا، نَحْو تعرضه لتأليف كِتَابه فِي النَّحْو، وَكتابه فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا، وَكتابه فِي معجزات النَّبِيَّ ﷺ ، وعيون الْأَخْبَار والمعارف وَالشعرَاء وَنَحْو ذَلِك مِمَّا أزرى بِهِ عِنْد الْعلمَاء وَإِن كَانَ نفق بهَا عِنْد الْعَامَّة وَمن لَا بَصِيرَة لَهُ". وَغير ابْن الْأَنْبَارِي وَأبي الطّيب نجد: الْحَاكِم أَبَا عبد الله مُحَمَّد النيسابوي "ت٤٠٥هـ" الَّذِي يَقُول: "أَجمعت الْأمة على أَن القتيبي كَذَّاب". كَمَا نجد "ابْن تغريبردي" يروي "ت٨٧٤هـ" "وَكَانَ ابْن قُتَيْبَة خَبِيث اللِّسَان يَقع فِي حق كبار الْعلمَاء".

стр. 30

وَكَلَام الَّذين ينتقصون ابْن قُتَيْبَة كُله لَا يخرج عَن هذَيْن الشقين، شقّ فِيهِ المآخذ العلمية وشق مَعَه السب والتشهير. وَلَعَلَّ الرَّغْبَة الطامحة من ابْن قُتَيْبَة، هِيَ الَّتِي دَفعته إِلَى أَن ينزل فِي ميادين مُخْتَلفَة حَملته تبعات لم يسْتَطع أَن ينْهض بهَا كلهَا على سَوَاء، وَرُبمَا اضطرته إِلَى شَيْء من الْجمع الَّذِي يفتقد الْإِنْسَان مَعَه التَّحَرِّي والتثبت، وَهَذَا مِمَّا مكن خصومه أَن يتهموه بِالْكَذِبِ وَنَحْوه. عصر ابْن قُتَيْبَة والحياة العلمية: كَانَ الْمَنْصُور هُوَ أول من أسس لحياة علمية أدبية فِي بَغْدَاد وَكَانَ أَو من أنشأ بهَا مدارس للطب والعلوم الدِّينِيَّة أنْفق فِي سَبِيلهَا أَمْوَالًا طائلة. وعَلى هَذِه الْحَال الَّتِي بَدَأَ بهَا أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور سَارَتْ الْحَيَاة فِي "بَغْدَاد" لم يتَخَلَّف عَنْهَا ابْنه "الْمهْدي" فقد كَانَ هُوَ الآخر نقادة للشعر. ثمَّ تعاقب الْخُلَفَاء العباسيون فِي فَتْرَة ازدهر فِيهَا الْعلم وَالْأَدب والفن والفلسفة، فالرشيد "١٧١هـ -١٩٣هـ" كَانَ محبًا للْعُلَمَاء ولوعًا بالأدب فأفسح للْعُلَمَاء والحكماء والأدباء، وبذل الْكثير من المَال لنشر الْعُلُوم والفنون، وَبَلغت "بَغْدَاد" فِي أَيَّامه مكانة لم تظفر بهَا مَدِينَة فِي تِلْكَ الفترة من التَّارِيخ. وأصبحت مهد الحضارة، ومركزًا للفنون والآداب، وزخرت بالأدباء وَالشعرَاء وَالْعُلَمَاء، وأنشئت فِيهَا المراصد والمكتبات والبيمارستانات والمدارس، وَإِلَيْهِ يعزى تأسيس بَيت الْحِكْمَة، الَّذِي جمع لَهُ من الْكتب شَيْئا كثيرا، وَكَانَ مُجْتَمع الباحثين والمفكرين وَالْعُلَمَاء والدارسين. وَفِي عهد الْمَأْمُون تتجه الْعِنَايَة إِلَى بَيت الْحِكْمَة فيفرد لكل عَالم ركن وتزدحم جنباتها بالعلماء والفلاسفة والمترجمين والمؤلفين وأئمة الْأَدَب واللغة وَالْعلم. وينتقل المعتصم إِلَى مدينته الجديدة "سر من رأى" فتخبوا الْحَيَاة العلمية والأدبية فِي بَغْدَاد إِلَى أَوَاخِر أَيَّام الْخَلِيفَة "الْمُعْتَمد على الله" حَتَّى إِذا مَا عَاد إِلَيْهَا سنة "٢٧٩هـ" دبت الْحَيَاة فِيهَا مرّة ثَانِيَة وَعَاد إِلَيْهَا نشاطها العلمي من جَدِيد.

стр. 31

وعَلى وَجه الْإِجْمَال فَإِن من ولي خلَافَة بَغْدَاد فِي تِلْكَ الفترة كَانُوا من الْخُلَفَاء الْعلمَاء، فرغبوا فِي الْعلم، وأحسنوا إِلَى الْعلمَاء وأكرموهم؛ فازدهرت بَغْدَاد بالعلماء وبالقادمين مِنْهُم إِلَيْهَا وأصبحت ميدانًا للحركة العلمية لَا نَظِير لَهُ فِي الْعَالم. ويبدو أَن الْمَأْمُون كَانَ درة تِلْكَ الفترة من التَّارِيخ بِعِلْمِهِ وشغفه بِالْعلمِ وَأَهله، يحاور الْعلمَاء وَيجْلس إِلَيْهِم. فيسود عصره لون من التسامح الفكري يشجع الْعلمَاء والمفكرين على الإبداع وحرية الرَّأْي، فَكَانَ لذَلِك أَثَره الْكَبِير فِي ظُهُور الْفرق الكلامية واحتدام الجدل بَينهَا، وَظهر فِي هَذَا الْعَصْر نفر من جلة الْعلمَاء ورءوس الْمُتَكَلِّمين أوغلوا فِي الْبَحْث معتمدين على الْعقل مخالفين بِمَا يَقُولُونَ مَا عَلَيْهِ أَكثر عُلَمَاء الْمُسلمين. وَنَشَأ هَذَا الْخلاف أول مَا نَشأ فِي الْبَصْرَة ثمَّ تعداها إِلَى بَغْدَاد، حمل لِوَاءُهُ وَاصل بن عَطاء ثمَّ عَمْرو بن عبيد -الَّذِي قربه الْمَنْصُور إِلَيْهِ- ثمَّ أَبُو الْهُذيْل العلاف، والنظام وَغَيرهم من شُيُوخ الاعتزال. وَمضى الْخلاف بَين الْمُعْتَزلَة وَأهل السّنة يَتَّسِع، حَتَّى توج أخيرًا بِتِلْكَ المشكلة الَّتِي مَال فِيهَا الْمَأْمُون إِلَى رَأْي الْمُعْتَزلَة -وَهِي مشكلة خلق الْقُرْآن- تِلْكَ المشكلة الَّتِي شغلت الْمَأْمُون أَكثر من غَيره، وَأخذ يناصب العداء كل من خَالفه مناقضًا بذلك منهجه الأساسي فِي احترامه لحرية الرَّأْي وَتَقْدِيره لاجتهادات الْعلمَاء، لكنه التعصب الَّذِي قد ينَال بعض الْعلمَاء فيتحمسون لما يرونه إِلَى دَرَجَة لَا يَسْتَطِيعُونَ سَماع رَأْي مُخَالف. وَمن بعد الْمَأْمُون يَجِيء "المعتصم" فيتورط فِيهَا كَمَا تورط أَخُوهُ الْمَأْمُون، وتستمر هَذِه المحنة حَتَّى عهد "الواثق" فيحاول أَن يجد لهَذِهِ المشكلة مخرجا، وتنتهي فِي عهد "المتَوَكل" ٢٤٧هـ حَيْثُ خلى بَين النَّاس وَبَين مَا يرَوْنَ. وَإِلَى جَانب الْمدَارِس الكلامية تقوم مدارس نحوية وألوان من الْفِكر والثقافة نتيجة لهَذِهِ الْحَرَكَة العلمية الَّتِي ساهم فِيهَا خليط من الشعوب مثل

стр. 32

الْفرس والرومان وَالتّرْك والصينيون والهنود والبرابرة والزنج والنبط، وَأهل النَّحْل والأديان والمذاهب من الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَالْيَهُود والصابئة والسامرة وَالْمَجُوس وَغَيرهم ... هَذَا هُوَ الْعَصْر الَّذِي أقبل عَلَيْهِ ابْن قُتَيْبَة وَالَّذِي شَارك فِيهِ: عصر نزاع ديني وعصر نزاع نحوي، وعصر عُلُوم مُخْتَلفَة وثقافات مُتعَدِّدَة، وَكَانَ من الطبيعي أَن يَخُوض ابْن قُتَيْبَة فِي غمار هَذِه النزاعات وَأَن يُسهم فِي الإدلاء بدلوه بَين أَرْبَاب الْفِكر والمذاهب، وَأَن يكْتب منتصرًا لما يعْتَقد أَنه حق مذهبا ومعتقدًا، فَلم يكد يفلته ركن لم يُشَارك فِيهِ. وَإِن إِلْقَاء نظرة على عناوين كتبه توضح لنا أَن هَذِه الْكتب كَانَت ثَمَرَة للحركة العلمية فِي عصره، حَيْثُ ساهم فِي الاهتمامات العلمية الثقافية السائدة فِي عصره وشارك فِيهَا جَمِيعهَا: - شَارك فِي محنة خلق الْقُرْآن وَكَانَ لَهُ فِيهَا رَأْي، وصنف فِي هَذِه الْقَضِيَّة كِتَابه: "الرَّد على الْقَائِل بِخلق الْقُرْآن". - وشارك فِي فتن المشبهة والمجسمة، ورد عَلَيْهِم بكتابه: "الرَّد على الْجَهْمِية والمشبهة". - وشارك فِي الْخلاف النَّحْوِيّ بَين مدرسة الْبَصْرَة ومدرسة الْكُوفَة، وَجعل بَينهمَا مدرسة ثَالِثَة فِي بَغْدَاد، وصنف كتابين فِي النَّحْو هما: "جَامع النَّحْو الْكَبِير" و"جَامع النَّحْو الصَّغِير" وَكَانَ هُوَ فِي بَغْدَاد زعيمًا لتِلْك الْمدرسَة النحوية. - وشارك فِي قَضِيَّة الشعوبية الَّتِي كَانَ خطرها يزْدَاد وينتشر، وانتصر للْعَرَب على الْعَجم لَا تعصبًا وانحيازًا بل اتبَاعا وانقيادًا للنصوص وحبًّا بِالْإِسْلَامِ الَّذِي نزل كِتَابه باللغة الْعَرَبيَّة على نَبِي عَرَبِيّ، فَوضع فِي ذَلِك كِتَابه: "فضل الْعَرَب على الْعَجم". - وشارك فِي الِانْتِصَار لمَذْهَب أهل السّنة واقتفاء أثر السّلف الصَّالح بالاعتصام بِكِتَاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُولِهِ ﷺ ، فَوضع عدَّة كتب مدافعًا عَن

стр. 33

هذَيْن المصدرين ومبينًا وشارحًا لَهما، خدمَة للدّين وجلاء للطريق الْمُسْتَقيم الَّذِي رَآهُ. فَوضع فِي ذَلِك عدَّة كتب: "مُشكل الْقُرْآن" و"الْقرَاءَات" و"إِعْرَاب الْقُرْآن" و"آدَاب الْقِرَاءَة" و"غَرِيب الحَدِيث" و"مُشكل الحَدِيث" و"اخْتِلَاف تَأْوِيل الحَدِيث". - كَمَا شَارك فِي الْحَرَكَة الأدبية، وتقويم اللِّسَان وفْق أصُول اللُّغَة الْعَرَبيَّة، لما فِي ذَلِك من خدمَة لكتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُولِهِ ﷺ ، ولربط الْأمة بأصولها، ومحافظة على اللُّغَة الَّتِي تنزلت بهَا النُّصُوص. فَوضع فِي ذَلِك عدَّة كتب: تَقْوِيم اللِّسَان" و"فرائد الدُّرَر" و"أدب الْكَاتِب" و"عُيُون الشّعْر" و"طَبَقَات الشُّعَرَاء" و"كتاب الْمعَانِي الْكَبِير". وَهَكَذَا كَانَ ابْن قُتَيْبَة إِمَامًا من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة المشاركين فِي قضايا عصرهم، المهتمين بِخِدْمَة دينهم، العاملين فِي خدمَة الْحق الَّذِي يرَوْنَ بجد وثبات. كلمة شكر وَلَا يفوتني قبل أَن أنهِي مقدمتي من أَن أسجل شكري للْأَخ الْفَاضِل الدكتور منورنينار الَّذِي أحضر لي صُورَة عَن مخطوطة هَذَا الْكتاب من دَار الْكتب القطرية. وَكَذَلِكَ للْأَخ الْأُسْتَاذ عمر عبيد حسنه، الَّذِي أفدت من ملاحظاته الْقيمَة فِي هَذِه الْمُقدمَة، فأجزل الله مثوبتهما وشكر لَهما. وَالله من وَرَاء الْقَصْد وَهُوَ يهدي السَّبِيل.

стр. 34

صور المخطوطة

стр. 35

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةُ ابْنِ قُتَيْبَةَ: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ. مَطَاعِنُ الْمُنَاهِضِينَ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ: "أَمَّا بَعْدُ" أَسْعَدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ، وَحَاطَكَ بِكِلَاءَتِهِ، وَوَفَّقَكَ لِلْحَقِّ بِرَحْمَتِهِ وَجَعَلَكَ مِنْ أَهْلِهِ فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تُعْلِمُنِي مَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ مِنْ ثَلْبِ١ أَهْلِ الْكَلَامِ أَهْلَ الْحَدِيثِ وَامْتِهَانِهِمْ، وَإِسْهَابِهِمْ٢ فِي الْكُتُبِ بِذَمِّهِمْ وَرَمْيِهِمْ بِحَمْلِ الْكَذِبِ وَرِوَايَةِ الْمُتَنَاقِضِ حَتَّى وَقَعَ الْاخْتِلَافُ وَكَثُرَتِ النِّحَلُ وَتَقَطَّعَتِ الْعِصَمُ وَتَعَادَى الْمُسْلِمُونَ وَأَكْفَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَتَعَلَّقَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِمَذْهَبِهِ بِجِنْسٍ مِنَ الْحَدِيثِ٣: ١- فَالْخَوَارِجُ٤ تَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ "ضَعُوا سُيُوفكُمْ على عواتقكم ثمَّ

стр. 36

أبيدوا خضراءهم" ١. "وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ خِلَافُ مَنْ خَالَفَهُمْ"٢. وَ "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" ٣. ٢- وَالْقَاعِدُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَيْهَا" ٤. وَ "مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ" ٥. وَ "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مجدّع الْأَطْرَاف" ٦.

стр. 37

و"صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ برٍّ وَفَاجِرٍ"١. وَلَا بُدَّ مِنْ إِمَامٍ بَرٍّ أَو فَاجر. و"كُنْ حِلْسَ بَيْتِكَ فَإِنْ دُخِلَ عَلَيْكَ فَادْخُلْ مَخْدَعَكَ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَيْكَ، فَقُلْ بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ" ٢. وكُنْ عبدَ اللَّهِ المقتولَ، وَلَا تكنْ عبدَ اللَّهِ القاتلَ. ٣- وَالْمُرْجِئُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، قِيلَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" ٣. وَ "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -مُخْلِصًا- دَخَلَ الْجَنَّةَ وَلَمْ تَمَسُّهُ النَّارُ" ٤. وَ "أَعْدَدْتُ شَفَاعَتِي، لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي" ٥. ٤- وَالْمُخَالِفُ لَهُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن" ٦.

стр. 38

وَ "لَمْ يُؤْمِنْ مَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ" ١. وَ "لَمْ يُؤْمِنْ مَنْ لَمْ يَأْمَنِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" ٢. وَ "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَ حَبْرُهُ وَسَبْرُهُ" ٣. وَ "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ قَدِ امْتَحَشُوا فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَوْ كَمَا تَنْبُتُ التَّغَارِيزُ" ٤. ٥- وَالْقَدَرِيُّ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ" ٥. وَبِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: "خَلَقْتُ عِبَادِي جَمِيعًا حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ" ٦. ٦- وَالْمُفَوِّضُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ: "اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خلق لَهُ. أما

стр. 39

مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَهُوَ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيَعْمَلُ لِلشَّقَاءِ"١. وَ "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ فَقَبَضَ قَبْضَتَيْنِ، فَأَمَّا الْقَبْضَةُ الْيُمْنَى فَقَالَ: إِلَى الْجَنَّةِ برحمتي، والقبضة الْأُخْرَى فَقَالَ: إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي" ٢. و"السعيد مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالشَّقِيُّ، مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ" ٣ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ. ٧- وَالرَّافِضَةُ تَتَعَلَّقُ فِي إِكْفَارِهَا صَحَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرِوَايَتِهِمْ " لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّي أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ" ٤. وَ "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" ٥. وَيَحْتَجُّونَ فِي تَقْدِيمِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِرِوَايَتِهِمْ "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي" ٦. وَ " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، فعليٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن وَالَاهُ، وعادِ مَن عَادَاهُ" ٧.

стр. 40

- و "أَنْت وصيِّي" ١. ٨- وَمُخَالِفُوهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي تَقْدِيمِ الشَّيْخَيْنِ ﵄ بِرِوَايَتِهِمْ: "اقْتَدُوا باللذيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" ٢، وَ "يَأْبَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُسْلِمُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ" ٣. وَ "خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ" ٤. ٩- وَيَتَعَلَّقُ مُفَضِّلُو الْغِنَى بِرِوَايَتِهِمْ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ غِنَايَ وَغِنَى مَوْلَايَ" ٥ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فَقْرٍ مَرَبٍّ أَوْ مُلِبٍّ" ٦. ١٠- وَيَتَعَلَّقُ مُفَضِّلُو الْفَقْرِ بِرِوَايَتِهِمْ: "اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ" ٧. وَ "الْفَقْرُ بِالرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ، أَحْسَنُ مِنَ الْعَذَارِ الْحَسَنِ، عَلَى خَدِّ الْفرس" ٨.
следующие страницы →